رحيق " القشاش " مجموعة قصصية للمبدع الشربينى خطاب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    رحيق " القشاش " مجموعة قصصية للمبدع الشربينى خطاب

    القَشَّاشْ

    يعلن مذياع المحطة، القطار القادم من دمياط أليالمنصورة سوف يتأخر عن موعد وصوله , وضع راحتيه علي عصاه " المعكوفة " وأسند ذقنهعليها برفق وكأنها وسادة ناعمة , أغمض عينيه مرغماً علي فترة راحة يقضيها دائماًمنذ أن أصبح غير قادر علي العمل ،
    يصاب حلقه بغصة كلما تذكر أنه لم يفلح فيالحصول علي معاش من مصلح السكة الحديد بعد أن قضي علي أرصفتهاة أربعون عاماً , أعتلي أحد أحفاده فخذيه وتشبث بكم جلبابه الواسع , لم يعر من حوله اهتماماً , تركشريط حياته ينساب من مخبئه صوراً متتابعة أمام عينيه , أوقف الشريط برهة يتأمل نفسهواقفاً علي ذات الرصيف مرتدياً " بدلته " الزرقاء تزينها رخصته النحاسية, تبرق فيضوء الشمس , تعلن للركاب عن مهنته " شيَّال " , انتبه لحظة , أصلح من وضع حفيده فيحجره ثم عاد سريعاً لمتابعةأحداث شريط ذكرياته , أبصر نفسه مازال واقفاً علي رصيفالمحطة يستقبل ويودع الركاب ، ينهي فيهم ويأمر ينصح لهم ويرشد ، يحدد لنفسه قيمةالأجر ولا مرد لحكمه كملك متوج علي المحطة , يداعب دائما زملائه والمسافرين مازحاً , لا يسلم من سخريته الناقدة أحداً حتى أهل بيته , ابتسم و انفرجت أساريره وجههعندما تذكر تلك الليلة , بينما كان ينتظر القطار القشاش وهو يدخل المحطة , إذ لمحعلي ضوء مصباحه خواجة بقبعة كبيرة ، تتدلي رأسه من النافذ، انبهر بعض الشيء بملامحووجهه الناصع البياض المشوب بحمرة تبرز جمال عينين زرقاء انتبه "أيوب " عندما ناداهبلكنة أجنبية
    : "
    أنت يا شيَّال 00 إنت يا خُمار "
    :
    تحت أمرك يا خواجة 00
    حدث نفسه صيد ثمين 00 خواجة إنجليزي وحقيبة صغيرة و صندوق خشبي سهل الحمل 00أجرة كبيرة مضمونة الدفع دون مساومة 00 " يا مهوِّن "
    صوت المذياع أعاده إليواقعه, فتح عين واحدة , التقط بها صورة سريعة للمحطة ،كلهم في حالة انتظار ، توقعأن يعلن ناظر المحطة عن وصول القطار المتأخر 0 خاب ظنه عندما تأكد أن النداءلاستدعاء" للمحولجي " لأمر هام
    عاد " أيوب " لشريط ذكرياته اللذيذ يجتر منهبنهم باقي حكايته مع " زيون " آخر الليل
    :
    علي فين يا خواجه ؟
    : "
    الكونتيا خبيبي "
    : "
    استراحة الري 00يا ليله سوده 00 دي في آجر الدنيا "
    ابتلع " أيوب " ريقه وهيأ نفسه لرحلة مرعبة , حمل الصندوق الحديدي
    علي ظهره ،كادت ذقنهتلمس وجه الأرض من وطأت حمله الثقيل 00 صرخ سائلاً
    :
    إيه اللِّي في الصندوق دهيا خواجة ؟
    :
    اخرس يا خُمار
    اخترقا شوارع المدينة المظلمة علي هدي بصيص مننور يتسرب علي استحياء من قناديل معلقة علي نواصي حوائط المنازل , تطاردهم كلابالشوارع الضالة من حين لآخر
    حاول " أيوب " أن يجاذب الخواجة أطراف الحديث ليهونعلي نفسه من وطأة حمله الثقيل وسكون الليل الرهيب ، دون جدوى , يقطع حلقات الخوفصوت عواء ذئب قادم من خلف جسر النيل ، يتصبب العرق من جبهته ويسيل علي ظهره
    كادالتعب أن ينال منه لولا أن رأي باب الاستراحة، الباب مغلق ، طرقه بلهفة ، لم يجبهمن الداخل أحدا ، نادي " أيوب " بقوة
    : "
    يا هل لله يا اللِّي هنا 00!!؟"
    أزعج صوته البوم القابع علي سطح الاستراحة، ففر هارباً في كل اتجاهانزعجت الفئران وفرت مذعورة ، التفت "أيوب "بحمله الثقيل ناحية الخواجة
    :
    مفيشحد هنا يا خواجة 00 والاستراحة مهجورة "
    : "
    إرجع يا خُمار إلي استراخة السكةالخديد "
    عاد ا من نفس الطريق الموحش ، نال التعب من " أيوب" وكاد أن يسقط عليالأرض , لكنه ما إن وصل إلي مشارف المدينة ، أصابته طمأنينة ، ما إن طرق باباستراحة السكة الحديد حتى استقبلهم عاملها بترحاب مريب ، وكأنه علي علم بموعدالوصول ، بمجرد أن قال : حمد الله علي السلامة000 ،
    وإذا بزملاء " أيوب " يخرجون من مخبأهم ، انتابتهم موجة من الضحك المتواصل ، خلع الخواجة المستعار " البرنيطة " ومسح عن وجهه الأصباغ والألوان واستلقي علي ظهره ضاحكاً ،
    تيقن "أيوب " أنه شرب" المقلب " حتى الثمالة
    واسي نفسه هامساً : " كان أهون من مقلب ناظرالمحطة عندما أخبره أنه ليس موظف بالمصلحة ولا يستحق معاش00
    يعلن المذياع دائماًعن وصول القطار المتأخر ، حمل " أيوب" حفيده علي كتفه وتهيأ لصعود القطار 000


    مذكرات مزواج

    يراقبالمارة من داخل دكانه ، لفتت انتباههُ وهي تتجول فوق أرصفه الشارع ، تتصفح واجهاتالمتاجر والوجوه ، تبتسم أحياناً لكلمات الغزل ، تخفي بريق عينيها و ورد الخدود خلف " اليشمك " يتمني أن تكون صفحة في كتابه ، ظل يراقبها حتى دخلت دكانه ، استقبلهامستبشراً
    :
    طلباتك أوامر يا ست هانم 00!!
    : "
    ما تبقاش حامي كده 00!؟ "
    أخرجت رأسها من تحت ملاءتها اللَّف ، ثم رفعت برقعها وطرحته خلف ظهرها ، بدتلعينيه الخدود المتوهجة ، أزاحت ملاءتها قليلاً إلي الوراء وكشفت عن صدر مرمري ،سألته بدلال
    : "
    عندك ستان حمصي وحرير بمبي "
    مد يديه وتناول لفائف القماش منعلي أرففها ، فرد أطرافها وقذفها في الهواء كأجنحة طير منهوك القوي ، حط برفق عليرأس المرأة ثم انزلق بنعومة علي الوجنات ، نام القماش علي صدر قلق لا يستقر علي حال 0
    مدت يدها تختبر ملمسه الناعم ، رفعت طرف الحرير واختبرت بأسنانها متانة النسيج، توارت ملاءتها قليلاً ، فظهرت بعض المفاتن ، اتسعت حدقة الرجل واحتار ما بين مفرقالصدر والشعر ، مد يده من تحت طيات القماش ليظهر لها محاسن بضاعته ، تلامست الأنامل، فسرت قشعريرة في جسديهما وتلاقت العيون في لمحة خاطفة ، ارتجفت المرأة خجلاً مننظرة الرجل الوقحة ، سألته هاربة
    :"
    بكم متر الستان يا حاج "
    :
    لو نالالرضا 00 يبقي عربون محبة
    :"
    مش كل الطير اللِّي يتَّاكلْ لحمه "
    :
    أنا قصديشريف 00 علي سنة الله ورسوله
    جذبت برقعها من الخلف وغطت به نيران صفحة الوجهالمتأججة 0
    خلع " طربوشه " وجفف العرق الذي سال ، رافقها حتى باب الوكالة مودعاًبصوت مرتفع
    :
    شرفتي 00 وآنستي 00 ثم همس لها مستفسراً عن موقع وميعاد اللقاء
    :
    باكر في حمام النساء 00000!!!
    في الموعود المتفق عليه ، توجه بصحبة زوجتهإلي حمامها المعتاد ، تتبعهم الخادمة ، انتظر بالخارج يراقب الباب والشوارع 00 ربماتصل المرأة التي وعدته بالأمس ، لفت انتباهه خروج الخادمة مبكراً 00استوقفهامستفسراً 00 أخبرته لشراء العطر ولوازم الاستحمام من عم " عنتر " لم يعر للاسماهتماماً ، تركها تمضي لحال سبيلها ، فقد كان كل همه رؤية المرأة التي ينتظرها 00
    خرجت زوجته من حمامها وكأنها عروس في ليلة زفافها ، راقت في عينيه ، حثها عليسرعة السير ، لا يدري كيف وقعت منه في الوحل 00!!؟
    هرعت امرأة منقبة لمعاونةالزوجة في النهوض من سقطتها ، لم يري من ملامح وجها إلا عيون لامعة خلف النقاب ،قال بداخله " ربما هي التى أحدثت بركة الماء أمام منزلها وتريد أن تكفر عن فعلتهابمساعدة زوجتي 0!؟
    لم يعترض عندما دعت زوجته للدخول معها للاغتسال من الوحل 0
    قبل أن أمرت الخادمة أن تحضر لها ثياب أخري من دارهم القريبة ثم همست لزوجهاضاحكة ، أن ينتظرها بجوار الباب 00
    جلس الرجل علي جمر نار القلق ، تارة ينظر إليعرض الشارع وتارة أخري ينظر إلي شرفة المنزل ، يغلي الدم في عروقه كلما رأي ملابسزوجته الداخلية ترفرف في الهواء0
    يصرخ : " بسرعة شويه يا هانم 00!!؟ "
    بينماكان يكابد هواجسه ،و إذا بالمرأة التي وعدته بالأمس تقبل عليه ، حاول أن الابتساملها ، لم تطاوعه قسمات وجهه ، داعبته ساخرة
    :
    حمام العافية يا حاج 00
    تلعثمتالحروف في حلقه فهمهم لها بكلمات غير مفهومة ، تابع انصرافها بحسرة العاشق الملهوف، قبل أن تغيب عن بصره ، رأي خادمة زوجته مقبلة بالثياب المطلوبة ، تحاول دخولالمنزل ، بابه مغلق من الداخل ، نادت بصوت مرتفع
    : "
    يا عم عنتر 00 يا عم عنتر "
    انتفض الزوج كمن لدغته عقربة 00 قبض علي عنق الخادمة وهزها بعنف
    :"
    عنترمين يا بنت الكلـ 000 "
    : "
    المواردي00 بتاع العطر يا سيدي "
    التقط طربوشهمن بركة الطين ، مسحه بكم قفطانه ومضي عائداً إلي دكانه، فتح بابه ، واتجه صوبخزانة أسراره ، أخرج منها كتاب ذكرياته ، قبل أن يقلب صفحاته إذا بالمرأة التيتمناها تخاطبه من خلف برقعها
    :
    كتبت الحكاية في دفتر النسوان 00
    التفتنحوها غاضباً ، لم يجد لها اثر ، خيل إليه أنها في طريقها للخروج من دكانه ، سارخلف طيفها يمزق صفحات كتابه 00 ورقة 00 ورقة


    حكايات العدوى

    1ـ سقف الحجرة
    ألقيت جسدي المتعب علي سريري العتيق ، تهيأتلفترة راحة ، صوت موسيقي ناعم يتسلل علي استحياء من بين ضوضاء الشارع ، دغدغ مشاعريالمتهالكة ، رفيقة عمري 000، تهدهد أواني الطهي و تعد للأحفاد طعام العشاء ، فقدتالأمل في عودتها ، احتضنت وسادتي ، داعب جفوني النوم ، بينما أنا بين اليقظةوالمنام ، إذ انتبهت علي دوي انفجار أشبه بالعربات المفخخة ، أعقبه صراخ وعويلوآهات مكتومة ، صوت الدوى قادم من الحجرة المحاورة ، هرولت مسرعاً أستطلع الأمر 00!!؟
    مارد جبار ، مفتول العضلات ، يحمل مدفعاً رشاشاً ، يطلق القذائف في كلاتجاه بلا رحمة ، القذائف تحرق الأخضر واليابس ، تتناثر الأشلاء في كافة الأركانويسيل الدم علي الجدران ، امتلأت الأرض بجثث الضحايا وبرك الدماء ، خيم علي المكاندخان أسود00
    صوب المارد مدفعه نحوي ، غاص قلبي في أحشائي وطار عقلي في الهواء ،دار في سقف الحجرة يبحث عن ملجأ للنجاة ، حاولت الهرب ، خطوت خطوات مترددة للخلف ،كاد المارد أن يخرج خلفي من التلفاز ، فخرجت رغماً عني صرخة استغاثة ، تبددت صرختيفي صخب الموقف ، الآذان صماء 000
    الغريب في الأمر أن الجالسين في الحجرة لم يشعرأحداً منهم بقدومي ، يشاهدون التلفاز وأفواههم مفتوحة 00!!
    عاد عقلي الهارب إليرأسي وصعد قلبي المرتعش من أوصالي ، استقر قي حجرته بين الضلوع ، ظل يلهث بعض الوقت
    صرخت في المشاهدين ثانياً
    :
    أخفضوا صوت هذا الجهاز الملعون 00
    التفتوانحوي ببلادة ، ابتسم فريق منهم ، واهتزت أجساد الفريق الآخر بفعل الضحكات العالية ،عادوا لمتابعة الفيلم المعروض دون اكتراث00
    تأملت حالي الذي أضحكهم ، فإذا بيوحيداً في سروالي الممزق كالفأر المذعور 00 نظرت حولي 00!! لا أحد يراقبني 00 ولاأثر لطلبي بخفض الصوت ، انسحبت بهدوء إلي حجرتي مهزوماً كعادتي كل مرة ، أغلقتبابها علي من الداخل وألقيت جسدي المقهور علي سريري القديم مرة ثانية ، استدعيتالنوم ، خاف مني وهرب ، تركني شاخصاً بصري في سقف الحجرة أجتر ذكرياتيوحيداً
    يتبع الحكايات


    []الجو صحو بوجه عام


    خلتأني أسمع أزيزاً ، فنظرت سريعاً إلي السماء ، ناصعة الزرقة ، لم أر شيئاً إلا بعضمن خطوط بيضاء أشبه بالسحب ، مسحت وجهي سريعاً وهندمت ملابسي المتربة ، ثم ابتسمتقبل التصوير ، فتأملي صورتي يا حبيبتي كل عام في نفس الموعد ، ولا تنسي أن تلقيوردة علي شاهدي[/

    دشْ بارد

    عدت إلي منزلي بعد حضور حفل عرس ، انصب همي فيهليس علي العروسين بل علي الراقصة ، صدر عاري من الحجم الكبير لم يترهل بعد وسروال 00 سروال "إيه بقي ؟" قل وبعين فاحصة شرائط شفافة يخرج منها سيقان مرمرية وخصر وبطنكالعجين ، كل عضو لا يستقر في مكانه ، الصدر والبطن والأرداف جميعها يترجرج بأمرها، وأنا الهث بعيوني الحائرة بين مفرق الصدر والشعر والسيقان ، تتلوي علي أنغام لحنيفقد "أجدعها واحد " الوقار ، خلعته مع الخالعين ونزلت حلبة الميدان أباري جيشالشباب الراقص ، يا خبر أبيض 000 غمزت لي "الرَّقََّّاصة " برمش عين واحدة ثم اتجهتنحو الصيد الثمين ، تمايلت ودارت حولي ثم استندت بظهرها علي صدري وكأنه جدار تلتمسمنه الراحة ، سال العرق علي وجهي كفيضان نهر النيل ، فخشيت أن يغرق المسرح وتفقدالمسكينة توازنها إن داست بقدمها العاري علي الماء ، لكنها فاجأتني وتكورت كحرف ياءالبطة ودارت ببطيء دورة كاملة كادت عربات مؤخرة القطار أن تحتك بالجدار ، اندفع سيلمن الدم الراكد داخل الشرايين وأزال من طريقه سدود الدهون المتراكمة بفعل الكلسترولوانتفخ الجلباب كشمسية الصيف الحارق ، فصفق الجمهور للراقصة بعد أن رفعت ساقها فيالهواء بمستوي رأسها فبانت ورقة التوت التي تشبه سدادة فلين تمنع سائل الشراب من أنيراق من عنق الزجاجة ، غادرت هي المسرح بعد أن حيت جمهور الحضور وتركتني الملعونةلتعليقاتهم الساخرة ، فترت عواطفي وانسحبت للداخل وانسحبت أنا أيضاً عائداً إليداري تداعبني أحلامي الصبيانية بقضاء سهرة حمراء أو بنفسجية أو أي لون قريب من لونالاحمرار ، بللت مفتاح الباب من ريقي ودفعته بقوة في منيمه بقفل الباب ثم أدرتهدورة كاملة كدورة الراقصة علي المسرح ودخلت صالة المنزل ، ظلام دامس يحتوي المكانإلا من شعاع ضوء يتسلل علي استحياء من حجرة نومي يصاحبه غطيط أم العيال المنتظم ،هذا الغطيط بمثابة حارث الدار الأمين ، تنحنحت بصوت عالي وأحدثت جلبة وضوضاء علّهاتستيقظ 00 لا حياة لمن تنادي 00 دخلت الحجرة و خاطبتها بأحب الأسماء إلي قلبها ،ابتلعت ريقها ثم حركت حملها الثقيل من كتل اللحم والشحم وغيرت من وضع جسدها المترهل، وخزتها برفق ، زامت بصوت ناعس ، رفعت نبرة صوتي فخرج النداء بقوة
    : "
    إصحى ياهانم "
    خاطبتني وهي نائمة
    :
    طعام العشاء " في التلاجة سخنه وإتعشي "
    : "
    أنا اللي سخن 000 قومي عاوز أكلمك في موضوع يهمك"
    :
    يا رجل بطل حجج 000 تعبانهوالدنيا برد
    وظللت أحاول إيقاظها حتى نجحت وسلمت لي نفسها مستسلمة دون وعي أفعلما أشاء ، فبدأت في تجريدها من الثياب القطعة تلو القطعة ، الأولي والثانيةوالثالثة والرابعة 00 يا صبر أيوب 00 طبقات فوقها طبقات أشبه بورق " الكرنبة " ،كلما نزعت ورقة بدت لي ورقتان وكأنها متوالية هندسية لا نهائية حدها الأول قميص نومكستور يقاوم برد الشتاء من زنة ألف رطل ، قبل أن نصل إلي شغاف الثمرة ، انتبهنافجأة علي طرق متواصل علي باب حجرة نومنا ، ارتدينا ملابسنا علي عجل دون وعي ، سألتبصوت تمثيلي كأني قد استيقظت تواً من نومي من الطارق ؟
    :
    بابا أريد أشرب
    فتحت باب حصن الزوجية وقلعته المنيعة ورفعت صغيري إلي صدري وأجبته بلهفة إلي ماطلب ثم توجهت به إلي سريره بعد أن رويت ظمأه ، تهيأت للعودة إلي الجولة الثانية منالمعركة كي اروي ظمأ رغبتي أنا الآخر ، بينما أستدير للعودة إلي حجرتي وإذا بصغيرييباغتني بالسؤال
    :
    بابا أنت لابس فستان ماما ليه ؟
    لم أستطع الإجابة وكأنسؤال الصغير صب علي أم رأسي دش بارد



    أجازة إجبارية 00 مقالة قصصية

    عندما خضعت لرغبة البنات في قضاء العطلة الصيفيةالمعتادة اعتبرتها عطلة إجبارية في مصيف رأس البر الذي تعودنا علي قضاء العطلة به ،هذا المصيف يقع علي مصب البر الغربي لنهر النيل وفي الجانب الشرقي منه مدينة ساحليةيطلق عليها عزبة البرج ( فنارة ميناء مراكب الصيد ) وهي تحجز مدينة دمياط المصريةعن ساحل البحر الأبيض المتوسط ، ولسان رأس البر اشتهر بمجمع البحرين الذي ورد ذكرةفي القرآن الكريم ، مكان محدد للقاء سيدنا موسي وفتاه ( يوشع بن نون ) بالعبدالصالح ( سيدنا الخضر ) والراجح عندي أن مجمع البحرين في قصة سيدنا موسي عليهالسلام كان مصب فرع النيل البيلوزي الذي كان يصب في البحر شرق بور سعيد في منطقةيطلق عليها وادي الطليمات ، فقد كان لنهرالنيل قديماً سبعة أفرع وكانت دلتا مصر لمتتكون آن ذاك ، قد كانت مستنقعات مائية كبيرة ينبت فيها نبات البردي 00والمتأملللمشهد الآن يستطيع أن يري مجمع بحرين آخر ـ هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ـ ويقولصيادون عزبة البرج أن ماء النهر العذب يتوغل عدة كيلومترات في البحر المالح قبل أنيمتزجا 000 يا سبجان الله 000
    تبهرك بل تأخذك لحظة الغروب من نفسك فتشاهد الشمسالحارقة ، تلقي بنفسها في حضن البحر كل يوم ، فيحتويها دون ان يطفيء لهيب شوقهاويقضيا ليلتهم معاً لا يعكر صفو خلوتهم إلا صياح الديك ، فتخرج الشمس للناس نور فجريوم جديد ، وبين غروبها وشروقها ياخذك القمر إلي رحلة العشق والهيام وتداعب ذكرياتكالنجوم ، فتنزل عبراتك علي صفحة الخد تناجي الحبيب الذي كان يجلس معك بالأمس هنا فينفس المكان ولكنك يا شربيني تجلس وحيداً بدونه الآن تراقب فلذة كبدك وطوفان منالناس ، منهم من هو مثلك ، ومنهم من يداعبه الأمل فيسبقه شوقه و هو ينتظر لقاء حبيب 00أراقبهم وأدون بقلمي ما التقطه من ومضات بريق في العيون أو همسات شفاه أشبه بصوتزقزقات العصافير أنسج منها قصة او أنشودة امل 00
    حاولت " انبسط " فنظرت حوليأبحث عن من تشاركني لحظات من السعادة وكيف لعجوز مثلي ان يجد علي الشاطيء حمامة أوحتي عصفورة من دون وليف يرافقها كظلها 00
    أراقب وانتظر لعل وعسي تقع في شباكالعجوز واحدة 00 المرة الوحيد التي توقعت فيها أن صيدي علي وشك الوقوع في الشبكةوتهيات لقنصه ، فإذا بواحدة شاردة تمشي كغزالة خيل إلي انها تبتسم لي وهي تقترب مني، ضخ القلب قليل من الدم في العروق اليابسة ، فقمت لإستقيالها باشاً ، فإذا بهاتصدمني بسؤالها الملائكي
    :
    الساعة كام يا جدو ؟
    :
    قبل الغروب بساعة 00العمرفات 000
    تخطتني غير عابئة بالإبتسامة المرسومة علي وجعي المجعد وطوتني كصفحة فيكتاب الأيام فطويت الورقة ووضعت قلمي في مكانه المعتاد ، وتركت نفسي لنسمات البحرفاخذني النوم إلي دنيا الأحلام



    ربما تأتي 00!!؟


    [SIZE="5"]
    لمَ تنظر من ثقبالمفتاح 0!؟
    افتح الباب و ألقي نظرة خارج الحجرة ، قد تعبر من أمامك الآن فيكوناللقاء بينكم وجهاً لوجه
    :
    لا أستطيع المواجهة 00
    ها أنا أرتجف من قبل أنتأتي هذه اللحظة ، سوف تفضحني مشاعري عند المصافحة 00 أتمني لو حدثت المقابلة ،ألايراني أحد من حراس الجامعة
    أو أعدائي مدبري الدسائس والفضائح
    :
    لا تخف 00فليست مشاعرك بعورة تخشي أن يراها من حولك أو يطلع
    عليها الناس ، الحب عاطفةسامية وليس بجريمة ، أنا لو مكانك لارتميت
    في أحضانها فور أن أراها ، وليمت منالغيظ من يراني من الحمقى 00!!
    :
    لو مكاني 00!!؟
    ألست جزءً مني 0!؟
    ألستأنت الذي يدفعني دفعاً لرؤيتها كل ثانية فلمً تتمني أن تكون مكاني وأنا أنت 00!!؟
    :
    لقد اعترفت إذنْ أنني أنت 00 فلماذا أهملتني كل هذه السنين وناصبتنيالعداء كلما ذَكْرتُك بوجودي ؟
    حبستني في حجرة من داخل حجرة ومنعتني من أن أحلقْفي سمائها 00 وسجنت نفسك في هالة من وقار كسراب ، صنعتها بنفسك ، تتألم بداخلهاوتعذبني معك ، علي الرغم من أنك تعشقها أكثر مني 00 فلماذا المكابرة00؟
    أطلقلمشاعرك العنان لتحوم حولها عندما تأتي
    :
    اسكت أيها القلب الأرعن فها هي قدعبرت الرُدهة 00
    هرول مسرعاً إلي مكتبه ثم ضغط بكل قوة علي " زر " الجرس 000!!
    يفتح الساعي الباب كعادته كلما عبرت
    :
    تحت أمر يا دكتور 00
    :
    استدعيالطالبة مهجه فؤاد من قاعة المحاضرات 00!!
    يقضي زمن الانتظار الطويل يتحسس شعراتبيضاء تسللت من خلف سنين عمره ، يداعب خصلات من شعره المبعثرة ، تحاصره الأفكارويدور برأسه ألف سؤال 00 إن حضرت 00 كيف يبدأ معها الحوار 00؟
    يخلع نظارته ،يمسح زجاجها الغليظ ثم يضعها ثانية علي عينيه ثم يخلعها مرة أخري قبل أن يستقر عليجملة البداية
    :
    لا وقت لهذا العبث 00 القي برأسك علي صدرها وسوف تحل عقدةلسانك
    فتخرج منه كلماتك كسهام تصيب شغاف قلبها
    :
    لا تسمع لهذا الخافقالمجنون والزم الوقار
    يدفع الساعي الباب
    :
    الطالبة لم تحضر اليوم 00 !!!
    سقطت نظارته علي سطح المكتب ، تحسس مكانها بيد مرتجفة ، ارتداها مرتبكاً
    :
    ماذا أصابك يا دكتور
    :
    لا شيء00 فنجان قهوة وأغلق الباب خلفك من فضلك
    عاد ينظر سريعاً من ثقب الباب مرة ثانيةً وهو يحدث نفسه00ربما تأتي !!!



    لحظةخوف
    نام المفتاح في طبلة الباب ، أداره " أبوالمعاطى " دورة ونصف ، سقط اللسان وانزاح " الرَّفاص " من منيمه ، دفع " ضلفة " الباب ودخل صحن الدار ، احتواه ظلام دامس فتوجس خيفة، لم تسعفه ذاكرته أن يستعيذبالله من شياطين الجن ْوالإنسْ ، تنحنح 00 لعله يأنس بصدى صوته أو يأتيه حس من خلفستائر الظلام يكشف سر هذا الصمت المريب ، اقشعر بدنه ، أخرج يده من فتحة جلبابه ثمشهرها سلاحاً ودرعاً ، لم يكد يراها ، تسرب الخوف بداخله فدقت طبول الحرب في قلبه وتحفزت حواسه لمواجه هذا الخطر المجهول 00
    استدعي ذاكرته على عجل , فحص صورهاالمتتابعة لعله يجد فيها شخصاً يناصبه العداء أو يضمر له سوءً ، حدث نفسه
    :
    منذا الذي يناصبني العداء ويكن لي شراً 00؟ أيكون ابن أخي 00؟ ربما يريد الانتقام منيبعد أن نصحته ونهرته بقسوة عندما طلب حقه في ميراث أبيه 00!! إنها حماته التي أوغرتصدره ضدي، أوهمته بأنني أماطله كي أشتريه منه بثمن بخس 00صرخ محذراً ابن أخيه
    :
    إعقل يا مجنون 00 أتقتل عمك من أجل تلك الأوهام 000
    لكن صوته لم يخرج من حنجرته، فالفم جاف واللسان ملتصق بسقف الحنك ، تساقطت قطرات من عرق مالح تذوق طعمها لمابلع ريقه عدة مرات 00
    هزْ رأسه نافياً ثم هتف لا 00لا ليس ابن أخي هو المتربصلي ، ربما ذالك التاجر الذي اشتري مني محصول الفول الأخضر المصاب بمرض" الهالوك " فلم يجن منه حبة واحدة 00لا لا إنه رجل طيب لا يضمر سوءً ا لأحد ، إن عشت لباكر سوفأرد له " العربون " الذي دفعه لي 0
    أخذ يبحث عن علبة ثقابه ولما اهتدي إليها ،أشعل عوداً فتوهج وأضاء العتمة التي كانت تحتويه ، بانت لعينه معالم الدار ، أرهفسمعه 00 إذا بأنات مكتومة تقطع الصمت الرهيب ، قال بداخله
    :
    ربما الأنات قادمةمن تحت الدرج ، قبل أن يتحقق من مصدرها 00 احترقت أنامله وانطفأ الثقاب 00 أشعلسريعاً عوداً آخر 00 ما إن توهج حتى رأي قطّا أسودا قابضا بين أنيابه علي فأر مذعور 00 الفأر يقاوم مصيره المحتوم يتلوى محاولاً الخلاص من بين فكي القط اللعين ، كلماكرر المحاولة تشق رأسه أخدوداً في الأرض ويثير غبارا كثيفا ، يعلق بشواربه حفنة منتراب ، لن يلعق القط شواربه إلا بعد التهام فريسته 00!!
    شعر " أبو المعاطي " بالمهانة لما ربط مصيره بمصير الفأر المذعور 00 انتفض ليثأر لكرامته وينقذ الفأرالمسكين من القط المفترس ، قبل أن يبادره بالهجوم ، هرب القط بصيده الثمين من بينأقدامه ، أصابه رعب مميت فصرخ حانقاً
    :
    بس ْ 00 بسْ يا ابن الكلب 00
    هربالخوف من قلب " أبو المعاطي " 00 صعد درجات السلَّم خائر القوى ، ما أن ألقي جسدهعلي سريره الوثير حتى راح ضميره في سبات عميق 000!!!!


    عُرسْ الشيخ عبده

    عندما بدأت الفرقة الموسيقية في عزف الألحانالصاخبة تمايل الرجال واهتزت خصر النساء والفتيات وأحكم الشباب حولهن الدائرة ، دخلالشيخ " عبده" الحلبة راقصاً ، التف حوله المدعون غير مصدقين انه يستطيع الرقص برجلواحدة ، متناسين أن أول الرقص حجل وحنجلة ، بين الحين والحين يرفع العريس عكازه فيالهواء ملوحاً به لعروسه ثم يرتكز به علي الأرض قبل أن يقع ، يواصل الرقص وعلي وجههابتسامة وردية ، صعد إلي المسرح ثم جلس بجوار العروس ، رمقته بعيون خجلي ، اكتسيوجهها بلون العذارى ، داعبته الراقصة بلمسة ماجنة ، هم ليجاريها لولا أن نهرته أمةفهدأت عواطفه برهة ، استكان ثم أطرق إلي الأرض ، انقضت عليه ذكرياته المؤلمة ، تلك " العلقة " التي نالها عي يد شيخه في الكُتَّاب ، يوم أن خطف ابنته علي حصانه " الغاب " ليمارسا معها لعبة الصبيان والبنات المحببة 00!!
    انتبه علي لحن ختام حفلالزواج ، تأبط ذراع عروسه وأحكم القبض عليه تحت إبطه اليمين فالعكاز في الناحيةالأخرى ، ما أن اقترب قارعو الدفوف من عش الزوجية حتى بدأت طقوس الحموات ، حملوا " هنية " علي طست نحاس خشيه أعمال السحر والشعوذة وأدخلوها إلي العش ، قفز خلفهاالعريس كالقرد الذي يقفز علي أغصان شجرة جرداء ، وضع عكازه في فتحة جلبابه وفردرجله الأخرى ، سد بهم الباب ثم أغلقه من الداخل بالترباس 0
    افترشت الحموات الأرضأمام الدار غاضبتين ، التصقت آذان النساء بالجدران
    ، لم يسمعن إلا صوت ارتطامأعمدة السرير بالحوائط ، صرخة مدوية غطت علي صرخة العروس أعقبها طرقات متلاحقة عليوجه الباب00
    فرَّت عواطف الشيخ "عبده" إلي الداخل مذعورة ، ما إن جذب الترباسحتى اندفعت أمه صارخة
    :
    أمك ماتت من الفرحة يا " هنيَّة "
    جلس العريس أمامدار العزاء ، يراقب وفود النسوة المتسربلة بالسواد ، كأسراب غربان تنعق بالخراب ،تصارعه هواجسه وتحرضه عواطفه للعصيان والثورة ، هل يحتمل فراق عروسك بعد أن تذوقرشفة من شهر العسل أيام الحداد الثلاث ، أم سيظل فراشه بارداً إلي أن ينتهي الحداد 00!!؟ هز رأسه وحدث نفسه هامساً بصوت ضعيف
    :
    لا 00 لا
    اقتحم معسكر الحريمبغتة، انتصب واقفاً وسط النادبات ، ارتبكن وارتبكت العروس من هول المفاجأة
    سألته مندهشة : " عاوز حاجة يا سي عبده
    :
    قوميي روَّح ْ
    :
    لسه العزامخلصش
    :
    ليش دعوة
    احمرت وجنتا " هنية " لمَّا رأت في عينيه آتون نار ،تلعثمت وزاد من ارتباكها عيون النسوة اللاتي تراقبهن باهتمام شديد ، يستمعن بشغفللحوار الدائر بين العروسين ، تلاشت الأحزان في لحظة وحل محلها في الوجدان ذكرياتشهر العسل 00
    تحاول "هنية " جهدها أن تغير مجري الحديث ، داعبته بغمزة من عينهاثم قالت
    : "
    العشا عندك في النمليَّة "
    :
    أكل 00لا 00 ننه هووووووووه
    وارتالنسوة خدودهن خلف ستائر الأحزان باسمات ثم شاركن في الحوار الدائر بشغف من خلفبراقعهن
    :
    مستعجل علي إيه ؟
    :
    بكرة تزهق00!!
    :
    أمه قول 00 عبده هاتنونو
    قالت العروس ضاحكة
    :
    الله يفضحك رااااجل
    :
    قومي يا بنتي شوفي طلباتجوزك
    تهيأت النساء للرحيل علي عجل ، فردن ملاءاتهن السوداء كأجنحة سرب طيوريستعد للطيران / رفرفن بالأجنة فطردن نسمة هواء ساخنة التصقت بالأجساد ، أخفتالبراقع عواصف الشوق واللهفة ولمعان العيون 00
    خطف الشيخ " عبده" عروسه مرةثانية علي حصانه "الغاب " وعاد بها فرحاً إلي عش الزوجية ، قبل أن يصعد للفراشترامي إلي سمعه صراخ أخواته البنات




    أسواق النور[/I]

    [/I]
    أرسلت بصرها عبر طاقة حجرتها التي تطل علي قبة السماء،بعثرت في النجوم كعادتها تبحث عنه ، تهمس بداخلها أين اختفي القمر ، خرجت من صدرهاأنة ألم ، نادت عليه ، لمَّا ظهر ، فرش نوره علي وجهها ، بثت إليه نجواها ، فعادتللقمر آلام جرحه القديم لمَّا انفلق ، رق قلبه وألقي نظرة علي الملائكة النائمين فيحضن الجدة ، تحجرت عيناها بعدما جفت الدموع التي انسكبت علي ابنها الذي راح 00
    تحسست "نبوية " فراشها الخالي ، سيظل ْ بارداً إلي الأبد أو إلي حين ، يغرزالحزن أنيابه في قلبها بلا رحمة ، تنظر يائسة إلي تركة الزوج الحبيب ، أمه وكوم لحم 00
    مضي أكثر من ثلثي الليل ولم يغمض لها جفن ، تبحث في رأسها عن وسيلة ترعي بهاأسرتها المنكوبة ، ورد بخاطرها أن تستعين بعم العيال أو الخال ، سرعان ما استبعدتالفكرة ، فهم لا يملكون أرضاً ولا مالاً00
    أرسلت بصرها ثانية عبر الطاقة ،تستلهم من السماء العون والمدد ، تذكرت نصائح أمها
    "
    ما يمسح دمعتك إلا ايدك "
    يا فرج الله ، ومضت في رأسها فكرة ، أن تدخل سوق الخضراوات بائعة ، تحاورهواجسها ، ولمَِ لا 00
    الناس لا يتوقفون عن تناول الطعام والشراب ساعة من ليل أونهار ،
    تسللت "نبوية" من بين أنياب الهموم ، عقدت طرحتها السوداء حول رأسهاوأخفت جمالها بتقطيبه بين الحاجبين ، وحبست دلالها الأنثوي داخل قفص الصدر ، رسمتعلي الوجنات مسحة حزن وعبوس وأطفأت مصابيح ورد الخدود 00
    قبل أن تشرق الشمس كانتتجني قرون البامية وأعواد الملوخية الخضراء
    من علي شط ساحل الترعة التي زرعهاالفقيد ، سقطت قطرات الندي علي الأرض وامتزجت بعبرات "نبوية" الساخنة ، امتلأتالسلة بالمحصول وفاض قلبها بالأمل 00
    حملت بضاعتها وتوجهت إلي سوق المدينةالمجاورة، سلكت طريقاً وعراً بعيد عن أعين أهل بلدتها ، منعها الحياء أن تسأل من أيالدروب تسير ، دخلت المدينة من جانبها الغربي ، سارت بين الشوارع تنادي علي بضاعتها
    : "
    الملوخية والبامية الخضرة "
    نبرات صوتها ممزوجة بالخجل ، حثت نفسهاوشجعتها ، من أجل أولادك يا " بت يا نبوية " نادي بقوة ،
    انطلق صوتها من عقالهوكأنه بلبل شادي ، خرج الصوت فرحاً من سجن الخجل ، أتاها صدي صوتها الذي يتردد فيالمكان واضحاً وقوياً ، لكنها لم تَرَ أو تسمع أحد يطلب بضاعتها ، كررت النداء عليبضاعتها مرات ومرات ثم انتظرت ربة بيت أو خادمة تطلب منها حزمة ملوخية أو بعض ثمراتالبامية ، تصفحت المباني والدور ، ليس لها نوافذ أو شرفات ، لها أبواب حديدية مؤصدة، وعلي جدارها الخارجي قطع من رخام مكتوب عليها بحروف سوداء ، تفحصتها ، فوجدتهاأشبه بالكلام المكتوب أسفل الصور في كتب أطفالها المدرسية 00همهمت لنفسها " ربماسكان هذه الدور يغطون في نوم عميق و سيقومون حتماً من مرقدهم بعد قليل "،
    تعبتقدماها وتسرب اليأس إلي قلبها ، جلست تحت ظل شجرة جرداء ثم نظرت إلي أعلي ترصد مكانالشمس ، تساقط علي ملابسها مخلفات الغربان الواقفة في سكون الموقف علي الأغصاناليابسة ، انتظرت حتى تجف وبعدها تفركها وتزيل آثارها
    أسندت ظهرها إلي بقاياجدار متهدم ، تلتمس قسطاً من الراحة ثم تواصل النداء علي بضاعتها ، انسابت دموعهافيضان ، فلا باعت بضاعتها ولا أحد معها يؤنس وحدتها في السكون الموحش ، بينما كانتتكابد همومها وإذا بشيخ وقور، يشع من وجهه نور وضياء ، القي عليها السلام ثم استعاذبالله وقرأ بعضاً من آيات كتاب الرحمة والنور ، بعد أن ختم بالدعاء سألها
    :
    الميت قريبك ؟
    :
    زوجي ، ثم هبت منصرفة علي عجل دون أن تعقب
    ناداها الشيخملهوفاً : لقد تركتي سلة بضاعتك يا ابنتي
    قالت دون أن تلتفت : خذها يا مولانارحمة ونور



    الوسادة الخالية

    أيقظت النائم بجوارهابنبرات مرتعشة
    :
    اصحي 00 قم بسرعة 000
    جاءها صوته من تحت الغطاء مخلوطاًبالنعاس
    :
    ماذا حدث 00!!؟
    :
    معركة حامية اسفل النافذة
    نهرها باستهزاء
    :
    نامي أيتها المرأة المزعجة 00 منذ الذي يتشاجر في منتصف الليل 00!!؟
    أرهفسمعه لعله يسمع اصوات الشجار ، وصل إلي أذنيه نقيق الضفادع الرتيب ، دغدغ مشاعرهفاستسلم لنومه العميق
    لم تمضي إلا لحظات قليلة حتي سمعت المرأة ضوضاء المعركةمرة ثانية يشتد وطيسها ، بين الحين والحين يعلو صراخ المتصارعون رويداً رويداً ،احتكوا بجدار المنزل فاهتزت الأبواب والنوافذ ، سيطر عليها رعب قاتل ، فعادت توقظزوجها بصوت خافت لعلة يستيقظ أو يهبْ لنجدتها ، لكن غطيطه يرتفع ويغطي على صوتضوضاء وصخب المعركة 0
    هزته المرأة بعنف ثم صرخت فيه
    :
    اصحي أيها الرجلالخامل 00 متي تفيق من غفلتك ، هل تنتظر حتي يقع سقف الدار علي ام رأسنا00!!؟
    أخرج الرجل راسه من تحت الغطاء متبرماً
    :
    ماذا اصابك يا أمراة ؟ 00 ولماذاتُلِّحين في استيقاظي 00؟
    أليس في قلبك رحمة 00؟
    لقد أجهدتيني هذه الليلةولا تريدين أن أنال قسطاً من الراحة 00
    قبل أن يسترسل في تعنيفها ، سمع ضوضاءالمعركة ، فتاكد أن بالخارج شجار حامي ، نهض من فراشه نصف نائم ، اتجه صوب بابالمنزل ، فتحه وهم بالخروج إلي عرض الشارع لولا أن لسعة برد نخرت عظامه ، تسللت منثقوب سرواله البالي ، عاد سريعاً إلي حجرته يرتجف ، اخذ يبحث عن شيء يقيه من البردالقارض أوشيء يبعث في أوصاله الدفء ، لم يجد إلا الغطاء المتدثرة به المراة ، نزعهمن عليها علي عجل ، لم يلتف إلي انتفاضات الجسد الساخن ، التحف به ثم سار نحو البابمرة ثانية بخطوت حثيثة ، ما إن خرج من باب الدار حتى أخذ يبحث عن مكان المعركة فيالظلام الدامس ، لاح له خيال جمهور غفير ، يتقاذفون بالأيدي واللسان ، يتحركون فيدائرة تضيق وتتسع ، الغريب أنهم لا يحملون أسلحة ، لم يستطيع تحديد ملامحهم ، اقنربمن دائرة الصراع وجلاً ، لم ينتبه لقدومه أحداً ، سألهم مستفسراً
    :
    لمَتتشاجرون 00؟
    تبدد سؤاله بين موجات الصراخ والغضب
    صرخ فيهم : أيها الغوغاءالحمقي 00 أخبروني عن سبب المعركة ؟
    كلهم اجابوه في وقت واحد ، امتزجت الأصواتفلم يتبين منها حرفاً
    استعطفهم : ما انا بفاهم قولكم00 أليس فيكم رجل رشيد يشرحلي المسالة ؟
    التفوا حوله غاضبون ، تحرشوا به وجذبوه من الغطاء الملتحف به ، لمتهدأ ثائرتهم حتي انتزعوا عنه غطاءه ثم انصرفوا ، كادت أن تظهر عورته لولا أنه تشبثبسرواله الممزق ، أبصر الرجل نفسه وحيداً في عرض الشارع ، تحاصره جيوش البرد ،ترميه بلسعات سهام قارصة ، وضع يديه بين فخذيه يلتمس قدراً من الدفء ، لمَّا تمالكنفسه وسيطر علي حواسه ، لم يسمع للمتشاجرين حساً ، استجمع قواه المبعثرة ونادى
    :
    أنتم يا جماعة 00 يا من استوليتم علي الغطاء 00!!!
    ذهب ندائه أدراج الرياح، فلا اثر للغوغاء ولا حتي جزء من الغطاء
    عاد إلى داره حانقاً ، يتمني أن يصبْجم غضبه علي زوجته التي دفعته إلى هذا المصير المهين ، دخل حجرته ثم نادي عليهاغاضباً ، لم يتلقي منها استجابة ولم تحرك ساكناً ، أرهف سمعه فسمع غطيطها ، حدثنفسه :
    "
    ربما تدعي النعاس كعادتها عندما تتقي ثورتي "
    تقدم من فراشها خطواتحذرة مصراً علي ايقاظها من نومها العميق فجأة ، كرر عليها الأمر بصوته الجهوري
    :
    اصحي أيتها المرأة الخاملة
    لا حياة لمن تنادي ، اقترب اكثر منها وهزهابعنف ، جحظت عيناه من هول المفاجأة ، الغطاء المسلوب تتدثر به المرأة النائمة ،نزعه عنها برفق ، راح غضبه لمَّا رأي المفاتن عارية ، تحركت رغباته المكبوتة ،مديده برقة يداعب جسدها الساخن ، قبل أن يضمها إلي صدره نهرته ثائرة
    :
    اصحى ايهاالرجل الكسول
    استيقظ الرجل من نومه مذعوراً ففترت عواطفه الملتهبة ، انكمش تحتالغطاء يتأمل نتوء جسده البارز ثم أخرج راسه وابتسم لها قائلاً
    :
    اللهم اجعلهخير


    سيقان القمح

    تغرق قريتنا كل ليلة في ظلام دامس ، بين الحين والحين يعلو نباحالكلاب فيتواري عن انظارها المتسللون ، إلي أن تظهر نجمة الفجر فتصيح الديوك معلنةنوبة صحيان ،
    يزحف سكان القرية إلي النهر قبل طلوع الشمس ، يزيلون آثار اللياليويغسلون الأواني والملابس والهموم ، تمكث الديوك بالمنازل تحرس البيوت من عليمزابلها حتى يعود أصحاب الدور 00
    تستيقظ "مسعدة " بكسل ، تضع فوق رأسها الأوانيوالآلام وتتوجه إلي الشط متأخرة عن رفيقاتها من النسوة ، لكنها تلحق بعض نسماتالصباح ، ما إن تراها النسوة حتى يخضن في سيرة زوجها الشيخ "حمدان " 00
    نزلت إليالموردة وتخيرت موضعاً منها منعزلاً ،تتقي ألسنتهن الحداد ، رفعت ذيل جلبابهاوتحزمت به حول وسطها ،ثم خاضت برجلها في الماء حتى منتصف الساق ، لم تلتفت إليمداعباتهن الخليعة ، تأملت نقاء الماء وصفاء قلبه ، فداهمتها الذكريات ، تمثلت لهاصوراً راقصة علي صفحة النهر ، تذكرت يوم أن جاء الشيخ " حمدان " يطلب يدها ، انتشيالقلب فرحاً ، وزادت النبضات ، تلك حالة البنات عند الخطبة ، تسمع كلام أمها وهي لاتعي منه شيئا
    "
    عريس قيمة 00 شيخ كُتَّاب بعمة وكاكولا وحافظ الكتاب 00 عريستتمناه كل البنات 00"
    لم تفكر في كل تحذيرات الأهل والأصدقاء " بخيل 00 قاسيالقلب وعنيد 00 ها يقيس عليك المية في الزير بالشبر "
    كانت تأمل أن يتبدل حالهبعد الزواج ، لكن هيهات ، عضت شفتيها ندماً بعد أن خاب ظنها من أول ليلة ، التهمعشاء العرس وحده ، و ما تبقي سوف يحفظه باكرا في قلعة طعامه 00، نهش جسدها كأسدكاسر ثم تركها تلعق جراحها وغط في نومه العميق 00
    تذكرت " علقة الصباحية " عندماتناولت الطعام دون إذنه ، فقلعة الطعام محصنة ومفتاحها المعلق في رقبته لا يغادرهاحتى عند الاستحمام ، تراقبه بحسرة من كوة بجدار القلعة وهو يلتهم الطعام وتناوله منخلالها أكواب الشاي ، فاض القلب بالجراح وامتلأ الجسد بالندوب الغائرة في الذاكرة.
    خرجت من صدرها زفرة ألم مملوءة بالبخار ، فقد هانت علي الناس وجعلها مضغةالأفواه ، سقطت دموعها الساخنة علي صفحة الذكريات فأحدثت دوائر متتابعة محت شريطالماضي ، عادت إلي نفسها يملأها شعور بالعزيمة والقوة ، انتوت أن تثأر لكرامتها ،توعدته في خيالها
    :
    يا أنا يا أنت يا حمدان يا بن "عيوشة "
    انتظرته كعادتهاكل خميس ، تساعده في تخزين نفحات أهل الموتى , وترتب وتنظف له قلعة الطعام ، ما إنوضعت الخيرات في مستودع الطعام كل صنف في موضعه ، حتى شرعت في تنظيف الحجرة ، أثارتعن عمد الغبار فتطاير في الهواء ، أصاب عين " حمدان "
    فتوقف عن المراقبة برهة ،أخرجت علي عجل من صدرها دسرها الحديدي وطعنت جرة العسل المسندة علي الجدار ثم أعادتآلتها إلي مكمنها الدافئ ، لمّا عادت عيونه للعمل بعد أن هدأ الغبار لم يلحظ طعنة " بلاص " العسل ، رفعته من موضعه ونظفت من تحته الأوساخ ثم أعادته أسفل الكوة بإحكام، خرجت خاوية الوفاض
    وعيون " حمدان " تتابعها كنمر يراقب فريسته 00
    ما إنخرج الزوج مبكراً إلي جبانة البلدة حتى أسرعت " مسعدة " إلي الكوة بعد أن أحضرتسيقان القمح التي أخفتها بسطح الدار ، أوصلتها ببعضها كأنبوب أجوف ، أنزلتها برفقمن الثقب الذى أحدثته بغطاء جرة العسل ، مصت رشفات حلوة ، كان طعمها في فيها أحليمن شهد العسل ، لعقت شفتيها من لذة الانتصار ، لم تهدأ مشاعرها إلا بعد أن نضبالمعين0جلست منتشية تنتظر " حمدان " اللعين
    عاد الزوج كعادته كل خميس يحملخيرات أهل الموتى ، فتح صومعته وانزوي فيها كفأر ثمين ، داعب جرة العسل 00خاوية 00, صرخ منادياً علي "مسعدة " , لم تعره اهتماماً ، كرر النداء غاضباً ، ردت متكاسلة
    :
    عايز إيه ؟
    :
    أين اختفي العسل ؟
    :
    عسل إيه ؟
    :
    اللي كان في الجرة!!
    :
    جرة إيه ؟ أنا معرفش 00 يمكن تكون شربته ولا سال منها 00
    رفع الجرةإلي أعلا يبحث عن آثار العسل المراق 00 هاله ما رأي 00 بقايا سيقان قمح تتدلي منالغطاء
    00
    انتفخت أوداجه وبدت علي ملامحه مقدمات انفجار بركان الغضب , هجمعليها صارخاً
    :
    بتضحكي عليَّ يا بنت الكلب
    راوغته بتحدي وهربت من هجمتهالشرسة إلي الأركان , أطلقت العنان لحنجرتها ، فانطلق صوت الاستغاثة كصفاراتالإنذار ،قبل أن يهرع أهل الموتى لنجدتها , أصابتها بعض الضربات العشوائية ،استخلصوها من بين براثنه خلصت نجيا , قبل أن ينصرفوا لحال سبيلهم رأوا نفحاتهموعطاياهم مكدسة في مستودع "حمدان "00 الغذائي
    نامت ليلتها منشرحة الصدر عليالرغم من ألم خدها الوارم , استيقظت قبل نجمة الفجر ، أيقظت الديك النائم علي ظهرالخزانة ، فصاح معلناً عن ميلاد يوم جديد
    توجهت " مسعدة " إلي النهر مبكرة ، ماإن رأتها النسوة مقبلة حتى أفسحن لها موضعاً بينهن , نزلت فيه عن طيب خاطر , قبل أنترفع ذيل جلبابها , تذكرت أنها لم تحمل ما تغسله , أنستها نشوة الانتصار أن تحملالأواني والأغراض , اكتفت هذه المرة بغسل القلب من همومه المتراكمة




    جلد العنزة

    تصرخ المرأة التي ربتها وتملأ الوادي عويل ، يسارع زوجها مواسياً
    :
    ربنا أراحها من العذاب
    قالت باكية : الشيء الذي يحز في نفسي ، أنها لم تنجب لناعنزة واحدة
    :
    العوض علي الله
    كانت لتلك المرأة عنزة لم تلد بطناً واحدة ولميمتلئ ضرعها يوما باللبن ، علي الرغم من رعيها مع القطيع الكلأ ، إلا أنها ظلتهزيلة ، تجنبتها التيوس ولم يمارس معها أي فحل فنون الغزل ، في عام الجدب أصابهاالجرب ، دهنوها بالقار وعزلوها بجوار شجرة بلوط جرداء ، تساقط شعرها المسترسل وزرتهالريح في يوم عاصف فوق أشواك الوادي ، أصبح جلدها شفافاً ، يشع ضوء ً بألوان الطيفالسبع في الليالي القمرية ، كل من يشاهدها ، يستطيع أن يري أعضائها الداخلية ساعةالاحتضار ، انتقل خبرها بين الأمصار ، يتجمع حولها الرعاة صباحاً ومساءً، يلتمسونمن العنزة المقدسة البركة ويبكون 0! ، ماتت وحيدة مقطوعة الأثر أمام عتبة الخيمة
    في جنح الظلام و بعيداً عن أعين الرعاة ، سلخ الرجل جلد العنزة وفي الصباح نشرهفي أشعة الشمس بعد أن زرَّ عليه قليلاً من ملح الطعام
    جلس الزوجان القرفصاء ،بينما كان يتدبران أمر تلك المصيبة ويفكران في مراسم دفن جثة الفقيدة وإذا بغرابينعق من فوق شجرة قريبة ، أعلن للآكلات الجيف عن موت العنزة المريضة ، لم تمضي إلالحظات حتى حامت فوق رأسهم طيور جوارح
    قالت خائفة : ادفنها في مكان بعيد عنالخيمة
    دفن الرجل أشلاء العنزة بطن الأرض ووضع علي قبرها شاهداً خشبياً لتتعرفعليه الأجيال ووفود الزائرين ، دوائر سوداء من طيور شتي تحوم حول قبرها
    صمتالزوج ثم راح في غيبوبة التفكير العميق ، ربما يفلح في اقتناص فكرة من الذاكرة يسعدبها امرأته الحزينة ، نظر إليها مبتسماً بعد أن اهتدي إلي حيلة خبيثة
    :
    لقدواتتني حيلة بارعة نستبدل بها خسارتنا في العنزة بثروة كبيرة
    قالت منشرحةالصدر : كيف 00!!؟
    :
    نبيع جلدها في صالة مزاد القرية السياحية ونجعل قبرها مزارادينياً مقدساً
    قالت غير مقتنعة بالفكرة : جلدها عديم القيمة ، والرعاة يعرفونقصتها
    :
    نختلق لها حكاية أسطورية
    :
    مثل حكايات الغول والعنقاء
    :
    أيعنقاء يا جاهلة00!!؟
    :
    قل لي كيف تقنع الناس بقصتها ؟
    :
    نحكي لهم مثلاً 00أنها عنزة مقدسة 00من سلالة مباركة 00 أبوها وأمها كانا من الناجين أيام طوفانسيدنا نوح ، هبطت علينا من السماء كطائر بدون أجنحة مرتدية ملابس رواد الفضاء ،كانت تحكي لنا بعض الأسرار الكونية وتخبرنا بموعد كسوف الشمس وخسوف القمر ولذلك يشعجلدها أنواراً بألوان الطيف السبع في الليالي القمرية
    :
    هل جننت يا رجل !!؟ منيصدق هذا الهراء ، الأفضل أن تجعل قبرها مقاماً مثل مقامات الأولياء ، يزوره الناسطلباً للمدد ويضعون علي أعتابه القرابين
    :
    أي مقام يا متخلفة !! الناس لم يعديستهويهم إلا الأشياء الغريبة ، فعلينا إذاً اغتنام
    تلك الفرصة وبيع جلد العنزةلرواد القرية السياحية يوم " الكرنفال " السنوي
    :
    والله ما أنا فاهمة تلكالحيلة 00 أخبرني بدوري في هذه اللعبة
    دخلت الزوجة الحفلة التنكرية مرتديةَ جلدالعنزة كاشفة الصدر والساقين ، تحمل علي محفة من قطيفة حمراء كتيبات صغير مدون بهالسيرة الذاتية للفقيدة وشروط المزاد ، تجولت في أركان الصالة تعرض بضاعتها، كل منيشاهدها يري مفاتنها الداخلية ، تنتشر رائحة عفنة في أرجاء المكان ، يقاومها حملةالمباخر برائحة العود والعنبر في كل اتجاه ، ثم بدأ المهرجان المنقول علي الهواءعبر الأقمار الصناعية، عزفت الموسيقي ألحاناً شرقية و أطفأت الأنوار ، أوقد فيالصالة اثني عشرة شمعة، مثبَّتة علي شمعدان
    ذو ثلاث شعب ، أضاء نور خافتالأركان المظلمة ، سارع المصورون بالتقاط الصور التذكارية ، عكست الرقعة العجيبةبرق آلات التصوير علي الوجوه أنواراً فسفورية ، صاحوا مبهورين
    :
    يا سبحانالله
    شق الزوج طريقه إلي رقعة الجلد العجيبة بصعوبة ، لم تتعرف عليه امرأته منأول وهلة ، كان مرتدياً ذقناً مستعاراً وسروال فضفاض أشبه بشيوخ القبائل الهمجية ،خاطب المرأة بصوت جهوري
    :
    يا أمة العرب 00 أبغي شراء هذه الرقعة بعشرة آلافدينار
    هب شيخ غاضب ، رفع حاجبه ثم قال
    :
    لن يشتريها إلا أنا 00 سوف أدفعفيها ما يزيد علي عشرون ألف " دولار "
    وقف شيخ آخر وقور ، قبل أن يشارك فيالمزاد داعب لحيته متبسماً
    :
    أنا الذي اشتريها وادفع ثمناً لها زيادة عما عرضواخمسون ألف " دولار "
    ارتفعت حرارة المنافسة وتباري المزايدون في رفع السعر ،كلهم يصرَّ ون علي الفوز
    بهذه الرقعة ولو بحد السيف
    بينما كان الزوجانيتأهبان لجني ثمار خطتهما البارعة وإذا بجنود لا قبل لهم بها تهبط عليهم من السماء، الجنود مرتدية ذي أولاد " عنان " السوداء ، مرسوم عليها دوائر زرقاء يتوسطها نسرفارد جناحيه يحتوي الكرة الأرضية وفي منقاره غص زيتون أخضر
    ظن الرجل أنهم منرواد الحفلة التنكرية ، غمز بطرف عينه لامرأته ، أن أدخليهم في اللعبة المسلية ،خاب ظنه لما سمع دوي الطلقات النارية ورأي الوادي تحاصره من الجهات الأربع البوارجوالدبابات والطائرات الحربية، أعلن قائدهم أن العنزة المقدسة عنزتهم ، وارد اسمهاضمن أسماء رواد المكوك الفضائي الذي انفجر عند انطلاقه
    سيطر الرعب علي أهلالوادي وزوَّار العنزة المقدسة فتجردوا من ثيابهم وساروا
    و الأيدي مرفوعة فوقالرؤوس علي ساحل القرية التي كانت آمنة ، ألقوا بأنفسهم في مياه البحر المالحةتاركين الزوجان في العراء ، تقدمت الجنود منهم ، نزعت عن المرأة جلد عنزتها دونمقاومة وكبلت الرجل في جزع نخلة مكشوف العورة ، صرخا في الوادي طلباً للنجدة 00 لاحياة لمن تنادي فالرعاة متفرقون في المراعي ، يشاهدون الأحداث المتتابعة علي شاشاتالتلفاز ويصفقون
    جلد العنزة

    تصرخ المرأة التي ربتها وتملأ الوادي عويل ، يسارع زوجها مواسياً
    :
    ربنا أراحها من العذاب
    قالت باكية : الشيء الذي يحز في نفسي ، أنها لم تنجب لناعنزة واحدة
    :
    العوض علي الله
    كانت لتلك المرأة عنزة لم تلد بطناً واحدة ولميمتلئ ضرعها يوما باللبن ، علي الرغم من رعيها مع القطيع الكلأ ، إلا أنها ظلتهزيلة ، تجنبتها التيوس ولم يمارس معها أي فحل فنون الغزل ، في عام الجدب أصابهاالجرب ، دهنوها بالقار وعزلوها بجوار شجرة بلوط جرداء ، تساقط شعرها المسترسل وزرتهالريح في يوم عاصف فوق أشواك الوادي ، أصبح جلدها شفافاً ، يشع ضوء ً بألوان الطيفالسبع في الليالي القمرية ، كل من يشاهدها ، يستطيع أن يري أعضائها الداخلية ساعةالاحتضار ، انتقل خبرها بين الأمصار ، يتجمع حولها الرعاة صباحاً ومساءً، يلتمسونمن العنزة المقدسة البركة ويبكون 0! ، ماتت وحيدة مقطوعة الأثر أمام عتبة الخيمة
    في جنح الظلام و بعيداً عن أعين الرعاة ، سلخ الرجل جلد العنزة وفي الصباح نشرهفي أشعة الشمس بعد أن زرَّ عليه قليلاً من ملح الطعام
    جلس الزوجان القرفصاء ،بينما كان يتدبران أمر تلك المصيبة ويفكران في مراسم دفن جثة الفقيدة وإذا بغرابينعق من فوق شجرة قريبة ، أعلن للآكلات الجيف عن موت العنزة المريضة ، لم تمضي إلالحظات حتى حامت فوق رأسهم طيور جوارح
    قالت خائفة : ادفنها في مكان بعيد عنالخيمة
    دفن الرجل أشلاء العنزة بطن الأرض ووضع علي قبرها شاهداً خشبياً لتتعرفعليه الأجيال ووفود الزائرين ، دوائر سوداء من طيور شتي تحوم حول قبرها
    صمتالزوج ثم راح في غيبوبة التفكير العميق ، ربما يفلح في اقتناص فكرة من الذاكرة يسعدبها امرأته الحزينة ، نظر إليها مبتسماً بعد أن اهتدي إلي حيلة خبيثة
    :
    لقدواتتني حيلة بارعة نستبدل بها خسارتنا في العنزة بثروة كبيرة
    قالت منشرحةالصدر : كيف 00!!؟
    :
    نبيع جلدها في صالة مزاد القرية السياحية ونجعل قبرها مزارادينياً مقدساً
    قالت غير مقتنعة بالفكرة : جلدها عديم القيمة ، والرعاة يعرفونقصتها
    :
    نختلق لها حكاية أسطورية
    :
    مثل حكايات الغول والعنقاء
    :
    أيعنقاء يا جاهلة00!!؟
    :
    قل لي كيف تقنع الناس بقصتها ؟
    :
    نحكي لهم مثلاً 00أنها عنزة مقدسة 00من سلالة مباركة 00 أبوها وأمها كانا من الناجين أيام طوفانسيدنا نوح ، هبطت علينا من السماء كطائر بدون أجنحة مرتدية ملابس رواد الفضاء ،كانت تحكي لنا بعض الأسرار الكونية وتخبرنا بموعد كسوف الشمس وخسوف القمر ولذلك يشعجلدها أنواراً بألوان الطيف السبع في الليالي القمرية
    :
    هل جننت يا رجل !!؟ منيصدق هذا الهراء ، الأفضل أن تجعل قبرها مقاماً مثل مقامات الأولياء ، يزوره الناسطلباً للمدد ويضعون علي أعتابه القرابين
    :
    أي مقام يا متخلفة !! الناس لم يعديستهويهم إلا الأشياء الغريبة ، فعلينا إذاً اغتنام
    تلك الفرصة وبيع جلد العنزةلرواد القرية السياحية يوم " الكرنفال " السنوي
    :
    والله ما أنا فاهمة تلكالحيلة 00 أخبرني بدوري في هذه اللعبة
    دخلت الزوجة الحفلة التنكرية مرتديةَ جلدالعنزة كاشفة الصدر والساقين ، تحمل علي محفة من قطيفة حمراء كتيبات صغير مدون بهالسيرة الذاتية للفقيدة وشروط المزاد ، تجولت في أركان الصالة تعرض بضاعتها، كل منيشاهدها يري مفاتنها الداخلية ، تنتشر رائحة عفنة في أرجاء المكان ، يقاومها حملةالمباخر برائحة العود والعنبر في كل اتجاه ، ثم بدأ المهرجان المنقول علي الهواءعبر الأقمار الصناعية، عزفت الموسيقي ألحاناً شرقية و أطفأت الأنوار ، أوقد فيالصالة اثني عشرة شمعة، مثبَّتة علي شمعدان
    ذو ثلاث شعب ، أضاء نور خافتالأركان المظلمة ، سارع المصورون بالتقاط الصور التذكارية ، عكست الرقعة العجيبةبرق آلات التصوير علي الوجوه أنواراً فسفورية ، صاحوا مبهورين
    :
    يا سبحانالله
    شق الزوج طريقه إلي رقعة الجلد العجيبة بصعوبة ، لم تتعرف عليه امرأته منأول وهلة ، كان مرتدياً ذقناً مستعاراً وسروال فضفاض أشبه بشيوخ القبائل الهمجية ،خاطب المرأة بصوت جهوري
    :
    يا أمة العرب 00 أبغي شراء هذه الرقعة بعشرة آلافدينار
    هب شيخ غاضب ، رفع حاجبه ثم قال
    :
    لن يشتريها إلا أنا 00 سوف أدفعفيها ما يزيد علي عشرون ألف " دولار "
    وقف شيخ آخر وقور ، قبل أن يشارك فيالمزاد داعب لحيته متبسماً
    :
    أنا الذي اشتريها وادفع ثمناً لها زيادة عما عرضواخمسون ألف " دولار "
    ارتفعت حرارة المنافسة وتباري المزايدون في رفع السعر ،كلهم يصرَّ ون علي الفوز
    بهذه الرقعة ولو بحد السيف
    بينما كان الزوجانيتأهبان لجني ثمار خطتهما البارعة وإذا بجنود لا قبل لهم بها تهبط عليهم من السماء، الجنود مرتدية ذي أولاد " عنان " السوداء ، مرسوم عليها دوائر زرقاء يتوسطها نسرفارد جناحيه يحتوي الكرة الأرضية وفي منقاره غص زيتون أخضر
    ظن الرجل أنهم منرواد الحفلة التنكرية ، غمز بطرف عينه لامرأته ، أن أدخليهم في اللعبة المسلية ،خاب ظنه لما سمع دوي الطلقات النارية ورأي الوادي تحاصره من الجهات الأربع البوارجوالدبابات والطائرات الحربية، أعلن قائدهم أن العنزة المقدسة عنزتهم ، وارد اسمهاضمن أسماء رواد المكوك الفضائي الذي انفجر عند انطلاقه
    سيطر الرعب علي أهلالوادي وزوَّار العنزة المقدسة فتجردوا من ثيابهم وساروا
    و الأيدي مرفوعة فوقالرؤوس علي ساحل القرية التي كانت آمنة ، ألقوا بأنفسهم في مياه البحر المالحةتاركين الزوجان في العراء ، تقدمت الجنود منهم ، نزعت عن المرأة جلد عنزتها دونمقاومة وكبلت الرجل في جزع نخلة مكشوف العورة ، صرخا في الوادي طلباً للنجدة 00 لاحياة لمن تنادي فالرعاة متفرقون في المراعي ، يشاهدون الأحداث المتتابعة علي شاشاتالتلفاز ويصفقون
    sigpic
  • فاطمة الزهراء العلوي
    نورسة حرة
    • 13-06-2009
    • 4206

    #2
    ستستمر الحياة في الغياب
    لكنها ستمشي على عكازيتن
    لقد صارت في غيابك سيدي عرجاء

    رحمك الله استاذ الشربيني
    ولي عودة لهذه المجموعة القصصية التي قالت المبدع والانسان بصيغة المفرد ايضا قالت هذا الجمع / المجتمع/

    شكرا استاذي ربيع

    لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

    تعليق

    يعمل...
    X