العمياء
بقلم : بهائي راغب شراب
5/12/2009
كان طالبا في السنة النهائية في كلية الحقوق في جامعة عين شمس ، شقته تقع في الدور الثالث للعمارة التي يسكن بها ، بالإيجار ، مع طالبين آخرين من بلده .. ..
تعود أن يذاكر دروسه في الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي ..
ويوما وراء يوم لاحظ أن فتاة في العمارة المقابلة تنظر إليه طالما هو جالس في الشرفة للمذاكرة ..
تخرج إلى الشرفة للجلوس أمامه في نفس وقت جلوسه هو للدراسة
لم تكن تبعد وجهها عن اتجاهه.. .. وطوال الوقت تبتسم له .. لم تحاول أبدا إخفائها أمامه..
ظن أنها تقصد شخصا آخر من الجيران .. اخذ عدة أيام وهو يستكشف حقيقة الأمر .. لماذا تبتسم .. ؟ ولمن ؟
وأخيرا تأكد أن الابتسامة موجهة له ... فقط .. هو المقصود الوحيد بها .. لا يوجد أي احتمال آخر ..
بدأ يتعامل معها ... مع الابتسامة .. استسلم لها .. استقبلها بحواسه جميعا .. بوجدانه .. بقلبه .. بروحه .. بفضاءه .. ودائما ظل ينتظرها بشغف ..
ابتسامتها .. شعر بها .. تسري حرارتها في جوارحه .. تمنحه الأمل كل يوم .. تشجع .. وأخذ يبادلها الابتسامة الصامتة والنظرات العميقة .. و...
لم يحاول أبدا أن يشير إليها أو يرسل التحية لها ..
أحس بها تحبه .. نعم لا بد أنها كذلك .. تحبه وبشرف .. فهي أيضا لم تحاول الاتصال به أبدا ... فقط ابتسامتها الرائعة ..هي الرسالة الوحيدة منها .. إليه ..
حبها منحه الثقة في نفسه .. مع مضي الأيام كبر حبها .. تعود عليها .. ولم يعد يستطيع المذاكرة إلا إذا رأى ابتسامتها الفائقة العذوبة ..
ويوما وراء يوم واصلت ابتسامتها عطاءها اليومي .. لتمنحه مزيدا من النشوة والاقتراب ... ولتبني قصورا سامية من الأحلام النبيلة والمشاعر الجميلة
تحرك قلبه .. لم يكن أمامه إلا أن يبادلها إحساسها ... وان يحترم فضاء قلبها الكبير .. وإلا أن يقابل المعروف بالمعروف ..
و .. أحبها .. نعم أحبها بنفس عمق حبها .. وبادلها رسالتها بمثلها ..
اتخذ من ابتسامتها الحافز الذي يدفعه للاجتهاد أكثر وأكثر ..
و .. نجح بتفوق .. جاء ترتيبه الأول على دفعته كلها .. قفزة لم يتوقعها .. من مستوى طالب عادي إلى طالب متفوق يطلب العلا ...
فكر أن يطرق بابها .. أن يقول لها شكرا .. أن يقدم احترامه وحبه .. لقد كانت السبب في نجاحه ..
ولكن مهلا .. وضعه لا يسمح بأي خطوة مؤثرة مثل هذه .. فهو غريب .. وفقير في نفس الوقت ... وهو لا يريد أن يقدم نفسه لها صغيرا .. إنها تستحق رجلا عظيما مثلها .. إذن .. سيؤجل طرق بابها إلى وقت آخر .. حيث يكون صاحب القرار الوحيد ..
***
مضت سنوات سبع .. سافر فيها إلى فرنسا .. حيث أكمل دراسته العليا ، وحصل على شهادة الماجستير ... ولم يكتف بذلك .. كانت معه في داخله تلك الابتسامة الدافئة .. تحثه على المزيد وعلى عدم الاكتفاء من العلم .. واستجاب كيانه لندائها القادم من بعيد .. فشمر عن سواعد الجد ، والتهم العلوم في الكتب التهاما كي يقرب الأجل الموعود .. ولم يضع جهده أبدا .. فنال درجة الدكتوراه ..
وهنا فقط احس بالراحة ..
وهنا ... في تلك اللحظة التاريخية .. ولدت في أعماقه حركة اخرى .. عليه ان يسيرها ..
وعاد أخيرا ..
عاد إلى الشارع الذي تسكن فيه حبيبته ..
يتذكر رقم شقتها ..
بثقة طرق الباب ...
انتظر قليلا .. قبل أن يفتح له الباب رجل بدا انه تجاوز الستين من عمره ..
قدم إليه نفسه ..
دكتور احمد .. جئتك خاطبا ..
فغر الرجل فاه بدهشة ..
خاطبا .. ؟!!
أجابه بثقة : نعم ..
دعاه إلى الدخول ... احتفى به .. واستمع منه وهو يحدثه عن نفسه ..
وقبل أن ينتهي من حديثه ..
قال الرجل ... لكن لا يوجد لدي بنات للزواج ..
قال د.احمد .. : كيف ؟؟ كنت أراها دائما وهي تجلس على الشرفة المقابلة لشرفتي قبل سنوات ..
ولقد تأكدت بالأمس أنها مقيمة هنا ..
هنا استأذن الرجل ضيفة قليلا من الوقت ..
***
عندما عاد كان برفقته فتاة ..تمشي بجواره ملتصقة به ..
قال له : هل هي هذه .. هذه ابنتي الوحيدة وليس لي ابنة غيرها
وقف د. احمد فرحا وقد رآها .. : نعم هي هي .. أريد الزواج منها ..
أجاب الأب : تتزوجها .. هل تعرف عنها كل شيء .. وهل أنت واثق بأنك فعلا تريدها
د.احمد بثقة اكبر : نعم لقد عدت إليها خصيصا من بلاد الغربة .. عدت إليها لأنها لم تفارقني طوال السنين التي باعدت بيننا ..
الأب : لكنها قد لا تصلح لك ..
د. احمد : أنا مصمم على الزواج منها
الأب : لكنها لا ترى .. إنها عمياء
د. احمد بدون تردد : بابتسامتها أنارت لي طريق الحياة .. وبها أعطتني الأمل .. ومن اجلها جاهدت واجتهدت في مواصلة تعليمي .. لأكون كفؤا لها ..لأكون لها الزوج الذي يفخر ويحب.
الأب : غير مصدق ..أنت جاد إذن
د. احمد : نعم والآن يجب انجاز كل شيء
الأب : على بركة الله
تعليق