أحبتي في ملتقى القصة . هذه كتبتها و أنا في الثانوية ( كان عمري 16 سنة على ما أدكر ).لم أغير فيها سوى كلمة أو إثنين . هاهي بين أيديكم .أفيدوني بالنقد جزاكم الله.
الضحيّة.
كل شيء من حولي صامت, كل شيء ساكن , حتى نفسي و حتى أحلامي أخذتها سِنة فتوسّدت الحقيقة و راحت في إغفاءة طويلة لا يعلم مداها إلا الله . كل شيء يبعث الرهبة في النفس . السماء قد إلتحفت بوشاح الغيوم, و السواد بسط جناحيه على كل شيء..أخذ الناس مضاجعهم و أغرقتهم لُجج الأحلام و لم يُسمع في سكون الليل سوى حفيف أوراق متناثرة راح النسيم يعبث بها..و تنهدات قلب معذب هو قلبي.
كنت جالسة وحيدة في مكاني المعتاد في الحديقة أنظر إلى السماء , إلى بعض النجوم تحاول اختراق السحب و التلألأ..صوت نباح كلاب يتناهى إلى سمعي من بعيد يقابله صوت صادر من أعماقي , صوت ثائر على الحياة..على قيود التقاليد التي تدمي يدي , على عجزي و ضعفي . تناثرت على صفحة خدي قطرات من الدمع . لم أحاول مسحها . تركتها كما هي لتسقط على يدي كالجمر ..كنت أريد أن أبكي . أن أغسل بدمعي ما بقلبي من أحزان . لم تبق لي الحياة سوى على الدموع فلماذا أخفيها ؟
يا إلهي ! أفي لحظة واحدة يضيع كل شيء ؟ أتذهب آمالي أدراج الرياح ؟ ها هو اليوم الذي طالما تمنيته..حلمت به في يقظتي و منامي ..إنتظرته طويلا . إنتظرت اليوم الذي أرى فيه إسمي مكتوبا ضمن قائمة الناجحين في شهادة البكالوريا . و اليوم الذي أزفّ فيه بشرى نجاحي إلى أمي و أبي و أستعد للدخول إلى الجامعة.. و لكن للأسف " تجري الرياح بما لا تشتهي السفن " .
كثيرا ما يحلم الأنسان ثم يفيق يوما ليجد أن أحلامه لم تكن سوى ضربا من الخيال ..يجدها أوهاما تبدّدها الحقيقة.
حرصت منذ صغري على النجاح و كنت و أنا بعد في المتوسط أحلم بالجامعة..كان التفوق في الدراسة شغلي الشاغل. دائما الأولى..عشت على فكرة أن العلم هو السلاح الوحيد للمرأة ..تستطيع به أن تخرج عن التقاليد التي تطوقها و تتحرر من بوتقة العادات الواهية التي وضعتها المجتمعات ..جعلت النجاح صوب عيني و قررت أن أصل إليه مهما كلّفني ذلك . لم أكن أحلم بفارس الأحلام الذي سيأخذني على جواده الأبيض و يسير بي على شاطيء الحب ..و لا أحلم برمال البحر التي سوف أبني عليها قصورا وهمية تهدمها قوة الامواج..و لا بالموضة التي تأخذ وقت أغلب زميلاتي . كان اهتمامي بالدراسة لا يسمح لي بالتعلق بخطوط هذه الاوهام او إتباعها . و مع الأيام, إختفت من صفحة قلبي و عقلي صورة ' نادية '..الأنثى..الفتاة الجميلة الساحرة التي تستطيع أن تدير عنق من يمر بها , و حلّت محلها ' نادية ' الطالبة , المرأة التي تريد أن تثبت وجودها و تكون قدوة لغيرها من الفتيات..
كان كل من يراني , لا يستطيع تجاهل جمالي و كم رأيت في أعين الشبان من نظرات حب و تمنّي و لكني لم أسمح لأحد أن يحتلّ قلبي..
في يوم قالت لي زميلتي ' هناء ' بعد انتهاء الدرس :
- يا لك من قاسية , لماذا تعذّبينه ؟
قلت دون اكتراث :
- من ؟
- ' طارق ' زميلنا .إنه يحبك بكل جوارحه..فلماذا تقفين منه هذا الموقف ؟ إنه شاب ممتاز..أدب و أخلاق , ووسيم أيضا.
- و لكن يا هناء..لا أحبه , و لا أحب غيره..تعلمين أني أعيش على مباديء معينة لا أحيد عنها .
- تقصدين أنك ترفضين فكرة الحب و الزواج ؟
- لأن آمالي و أحلامي لا تسمح لي بان أفكر فيهما الآن . الحب لم يحن وقته بعد , فلماذا أستعجله..تصوّري كيف ستكون حياتي لو تزوجت مبكرا .إنني فتاة تحب الخيال و تهوى الموسيقى و تعشق الأدب و تحلم بأن تكون كاتبة ذائعة الصيت تجعل من قلمها و سيلة لتحرير المرأة ..تصوّري كيف ساعيش لو تزوجت . طبعا سيكون زوجي رجلا جادا ..من هؤلاء الذين لا يحبون الخيال و لا يستهويهم الأدب..سأعيش فقط لبيتي و أولادي ..أغسل و أطبخ و أقف في الشرفة مساءً أنتظر عودة زوجي لأقوم بخدمته .
لا.. يا هناء..يجب أن أصل إلى ما أريد . الذي يحز في نفسي أن الرجل يستطيع أن يهب حياته لمواهبه و رغباته و المرأة لا ..ربما لإعتقادها أنها دائما بحاجة للرجل ..ألأنها أنثى قبل كل شيء ؟؟ أنا لا .
و كانت 'هناء ' تستمع دون أن تنبس ببنت شفه..مرّت دقائق من الصمت قطعتها هي بقولها :
- هذه و الله مباديء خطيرة !
-قلت لها و أنا أبتسم بثقة : - كل مبدأ جديد يبدو خطيرا في أوّله .
هذه هي الأفكار التي سرت عليها و عملت بها خلال الدراسة الثانوية فحققت نجاحا باهرا و مما زاد في قوتي و تقدّمي أن أبي كان دائما إلى جانبي يحثّني على العمل مع أنه لم يكن من ذوي الثقافات العالية .
و نجحت في البكالوريا بامتياز..ذلك اليوم , استيقظت باكرا فاستقبلني النسيم بقبلاته كأنه يهنئني و الطيور بزقزقتها كأنها تزف لي خبر نجاحي . في العاشرة كانت 'هناء' بالباب .لم أكد أفتح لها حتى احتصنتني بقوة قائلة :
- مبروك..نادية..لقد نجحتِ .
قلت لها و قد ارتسمت على وجهي ابتسامة حائرة :
- و أنت ؟
- و انا أيضا نجحت .
شعرت بسعادة عظيمة..أحسست أن الدنيا كلها تبتسم لي و تبارك نجاحي و أن طريق المجد و المستقبل قد فتح أمامي . و جريت إلى أمي أزف لها البشرى و أنا أحمد الله لاني سأتمكن من تعويضها عن بعض ما فعلته من أجلي .
ترقرقت في عينيها دموع الفرح و هي تقول :
- الحمد لله يا ابنتي الذي عوضك عن تعبك و سهرك.
و..تركت نفسي للخيال يحملني على أجنحته و يطير بي بعيدا..بعيدا ..رأيت نفسي و أنا طالبة , ثم معيدة في الجامعة..و أنا صحفية ناجحة أكتب في الجرائد و ألقي المحاضرات و استبد الغرور بخيالي فتصورت نفسي قد أخذت الماجستير و الدكتوراه و انتشرت شهرتي و حققت لبلادي و لأمتي مجدا جديدا أظفته إلى مجد الأوائل.
و رحت أحدث نفسي : أخيرا, سأ تمكن من تحقيق هذا الشيء العظيم الذي صبوت إلى تحقيقه..سأرغم التاريخ على أن يسجل إسمي في صفحة من صفحاته الخالدة..فما فائدة الإنسان إذا عاش و مات دون أن يترك للأخرين شيئا ..لماذا إذا نعيش ؟ لنأكل و ننام ؟ إذا كان هذا صحيحا فلا فرق بيننا و بين أي حيوان .
مر كل هذا بفكري في ثوان..و لم أفق إلا على صوت أمي و هي تطلق زغرودة تجاوب صداها في أرجاء المنزل.
ثم قالت :
- أظنه آن الأوان يا ابنتي لترتاحي من عناء الدراسة و تلازميني في البيت تتعلمين أشياء تفيدك في مستقبلك .
قلت :
- لقد قررت أن أدخل الجامعة .
- لا تنسي أن مصيرك إلى الزواج كمصير أية فتاة..و لن تفيدك هذه الكتب كثيرا عندما تكونين أسرة و تقبعين في البيت .
قلت بإصرار : - لن أقبع في البيت .و لن أتزوج . ساواصل دراستي حتى النهاية .
و ردّت أمي بإصرار :
- بل ستتزوجين و ستنسين كل هذه الخرافات التي تدرسينها..و لن تحتاجي سوى لمهارتك في تربية أبناءك و السهر على راحة زوجك.
كنت سأجيبها لولا أن دخل أبي .
إقترب مني باسما .ربّت على كتفي و قال :
- أنا فخور بك جدا يا نادية ..أين تريدين قضاء العطلة , لا شك أنك متعبة و تحتاجين الراحة.
قلت : لم أكن لأنجح لولا تشجيعك و دعواتك يا أبي . أفضّل أن أقضي عطلتي هنا لأعد الملف للجامعة.
- الجامعة ؟
لا أظنك بحاجة إلى مزيد من العلم . لقد نلت كفايتك .أنت أول من أكملت دراستها و حصّلت الشهادة في تاريخ العائلة و هذا يؤهلك لان تكوني زوجة ناجحة .
سألت من بين أنفاسي المتلاحقة و قلبي الذي يكاد أن يسقط .
-هل..هل..تقصد أني لن..لن أدخل الجامعة ؟
- طبعا . هل كنت تظنين أني أسمح لك بذلك ؟ثم هل نسيت بأنك مخطوبة لإبن عمك من المهد . و اننا سنحتفل بزواجكما حالما يعود من فرنسا . هيا إقلعي من ذهنك هذه الأفكار و ادخلي إلى المطبخ لتساعدي والدتك .سوف يكتض البيت بالمهنئين بعد قليل.
شعرت أن الأرض تميد بي..ترنّحت من هول كلامه..كيف يحدث هذا ؟مستحيل ..مستحيل..أأبقى في البيت ؟و الجامعة ؟ و الدكتوراه ؟ و الصحافة ؟ لمن اترك كل هذا ؟
قلت له بتوسل و الدموع تحجب الرؤيا عن عينيّ :
-و لكن يا أبي.لا يمكن ان تفعل هذا .انا لا أريد الزواج . دعني أكمل دراستي و ستفخر بي كثيرا عندما أصبح دكتوره و..و..
قاطعني بغضب :
-لا داعي للمناقشة.لقد انتهى الموضوع. أهذا جزائي لاني وقفت في صفك حتى وصلت إلى ما أنت عليه الأن ؟ ليس في تقاليد عائلتنا ان الفتاة تدرس بالجامعة.
- و لكن ما الفائدة إذا لم أكمل دراستي با أبي ؟
-الفائدة أنك تأهلت لتربية أبناءك و عرفت ما لم تعرفه امك او جدك أو عمك .
- و لكن الأمر مختلف يا أبي..الأن...
- ليس لدي وقت لسماع هذيانك .
قال هذا ووقف يريد الباب ..لحقت به و أنا أصرخ :
-سأدخل الجامعة .يجب ان ادخل الجامعة .هذا حقي .هذا حقي .
و انتظرت أن يقول شيئا و لكنه لم يفعل .إستدار إلىّ فجأة و هوى بكفّه على خدي بصفعة كدت لأثرها أن أسقط أرضا.
رفعت رأسي و يدي تتحسّس موقع صفعته..تأجّجت نار الثورة في أعماقي ..فتحتُ فمي لأتكلم..لأقول شيئا..لأصرخ فيه بأعلى صوتي أن تصرفاته ليست من العدل في شيء..و ان زمن الجواري قد فات أوانه..لم أكن أريد ان ينتهي الموقف على هذه الصورة ..و لكن ما كادت عيني تلتقي بعينه حتى انحبست الكلمات في حلقي و جمدت الحروف على شفتي..كانت نظرته قاسية..فيها مزيج من الإحتقار و السخرية و اللامبالاة .
أخفضت رأسي و انسحبت إلى غرفتي أجر ذيول هزيمتي و سلبيتي ..و انكفأت على سريري أنشج بالبكاء .
لاول مرة في حياتي شعرت انني صعيفة..أصعف من أي شيء..و انني أغرق في بحر من الضياع و العدم . و انهمرت الدموع غزيرة..كانت هي الملاذ الوحيد..بكيت و بكيت حتى عجزت عن البكاء .
ترى إلى متى سنظل هكذا ؟ إلى متى سنظل حبيسات هذا السجن الكبير الذي يسمى التقاليد ؟ إلى متى سنظل نرزح تحت ثقل العادات ؟
أسئلة كثيرة جالت بفكري لم أجد لها جوابا..تيقنت من أمر واحد فقط . أنا الضحية .
ضحيت بكل شيء في سبيل أن أحقق هدفي و طموحي..تعبت و سهرت . قاومت نبص قلبي و حاربت أي شعور حاول التسلل إلى نفسي ..عشت على امل وحيد : أن أكون إنسانة عظيمة..لم يكن أملا يدفعه الغرور أو الكبرياء.كان طموحا نبيلا. و لكن أبي قضى على طموحي..حطّم إرادتي . قتلني.
و سأقتل مرة أخرى حين أزف إلى ابن عمي الذي اكرهه من الأن أشد الكره . لن انجح معه فالبيوت لا تبنى على الكراهية .
و سأموت مرة ثالثة عندما أعود إلى بيت أبي..مطعونة الوجدان أحمل في أحشائي برعة سوف تتفتح على حياة الإستعباد و الخضوع ..و أحمل أسف المرأة الفاقدة لإرادتها. المرأة الضحية.
تعليق