بين سجنينْ
[align=right]
ظلّ رأسه مغمداً بين ركبتيه حتى مللناه.
****
[align=justify]
أياماً قضاها وهو يبكي ويذرفُ حسراته، ولا ينشغلُ إلا بذكر الليلة التي اقتحموا فيها منزله وأغاروا على غرفته، وكلما حاولنا تهدئته، يعودُ لسردِ حكاياته ولعنِ الذين تجاسروا على رفع بندقيتهم في وجه زوجته المريضة.
يقولُ أنّ أحدهم وضع فوهة مسدسهِ في حلقها كي يخرسَ صرخاتها التي جابت الحيّ وأيقظت النائمين قبل أن تتهاوى مغشياً عليها وهم يطلقون رصاصاتٍ تحذيريةٍ خرقت السقف الخشبي وثقبت أعمدته، ثم بكلِّ قسوةٍ جرُّوه من ياقتهِ التي مزقتها قبضاتٌ حانقة وقيدوه، شتمهم فلكزوه بأحذيتهم المدببة حتى سقط على وجهه فظلّ أنفهُ ينزفُ لحين رميهِ بيننا في الزنزانة، قام على ركبتيه وكفـّاه مزمومتان خلف ظهره يرجوهم أن يتوقفوا قليلاً ليعرف ما حلّ بزوجته، بينما كان أبناؤه يتحلقون حول أمهم فيديرون رؤسهم نحو الباب المشرع، يلاحقون أباهم بنظراتٍ تشي بعجزهم أمام البنادقِ والبزاتِ المحرَّمة، ويبكون أمهمُ فيهزون وجهها أملاً أن تفتح عينيها الموصدتين، أما هو فكان يتدحرج داخل الجيب العسكري الذي هرع في الظلمة يعبر الشوارع نحوَ هذا السجن الحصين.
قلنا له أن السجن مقبرةُ الحكايات والأوجاع، لن يظلّ له جرحٌ مفتوحٌ إلا ويحشوه السجنُ ويرتقه...لن تعيش بين هذه الجدران هكذا، الكوّة البعيدة التي يعبر منها الضوء والحمامُ الرطب ذا الرائحة العفنة، وذلكَ الطعامُ الذي لا تطيقه الألسنة قبلَ البطون:
-انسَ يا رجل، كلنا مررنا بنفس اللحظات، ولكننا دفنا أوجاعنا بين هذه الحيطان الصلدة.
كانَ ينظرُ لنا، وللتوِّ مسحَ مآقيه، هزّ رأسهُ أسفاً:
-أقول لهم أنني لا أبكي على نفسي فيلومونني.
ثمّ تهدأ نبرته، ويهمُّ بشرح مأساته التي حفظناها عن ظاهر قلب:
-أنا أبكي على زوجتي المريضة التي أرعبتها البنادق المشرعة والأقنعة السوداء، لا أبكي على نفسي، شهرٌ مرّ ولا أعلم عنها أهي بخيرٍ أم حصل لها مكروه ؟!.
ثمّ ضجّ السجن ونحنُ نسرد حكايته بصوتٍ واحدٍ وكأننا جوقةٌ تدربتْ على النشيد الجماعي، جاء الشرطي وأشرع الفتحة الصغيرة التي توسطت الباب الحديدي القاتم، وبّخنا على علوّ أصواتنا في منتصف الليل وكانت عيناه حمراوتان تشخبان بالنعاس وهو يتلعثم بكلماته، لم يتمالك صاحبنا نفسه، قام إلى الباب وقد شدّ أصابعه وهو يصرخُ في الشرطي الذي سدّ وجهه ضوء مصابيح الردهة العابر من الكوة المستطيلة. اقترب الشرطي من الباب، فصوّب صاحبنا قبضته من الكوّةِ تماماً في وجهِ الشرطي الذي سقطَ وهو يصرخ في زملاءه لينجدوه، ورأينا كيفَ تمزقت يدُ صاحبنا، ثمَّ ناس دمها الغليظُ وساحَ على أرض زنزانتنا الرطبة، فظلّ يمسكها بكفه الأخرى، بكى، وهو يتذكر زوجته وتلك الليلة المشؤومة:
-هذا جزاؤكَ أيها الوغد.
وزعَ نظراته بيننا ونحن متسمرون، لأننا موقنون بأن عذاباً أليماً سيسحتوننا به في القريب العاجل، فالشرطي لا زالَ ملقىً على الأرض وصرخاتهُ العرجاء تعبرُ الردهة، قال لنا وهو يكزُّ على أسنانه، فيبرز ذقنهُ الذي غطاه شعرٌ أشيب:
-لا تهمني يدي، زوجتي أيها الأوغاد، زوجتي..
بحّ صوته وهو يمسك بيده التي ضرجها الدم ثم ركع على ركبتيهِ وطأطأ رأسه وسحّ على خديه دمعةً جريحةً ونشجَ كأسدٍ أشرفَ على الموت، كنا نحاولُ علاجَه، تأففنا من عناده وفعلته التي سندفع جميعاً ثمناً باهظاً لها، وحين لففنا خرقةً حول معصمه تركناه، وبقينا ندعوا الله أن لا تأكل أجسادنا العصي والسياطُ، فللتوّ برأت الجراح التي نخرت أجسادنا الغضة، رغمَ أن بعضها ظلّ منحوتاً كالوشم.
* * * *
سمعنا صوتَ القفل وهو يتأرجح بين أيديهم، افتعلنا النوم، تدثرنا بلحافاتنا المهترئة، تركنا صاحبنا في ركن الزنزانة يدسُّ رأسه بين ركبتيه ويلعقُ جراحاً احتملها قلبٌ شاخَ من زمنِ فأصبح لا يقوى أن تركبه كلّ هذه المحن التي أرقتنا نحن أيضاً. لبثنا لحظاتٍ نترقب فيها أجلاً محتوماً لصهر أجسادنا، حتى قذف أحدهم بالباب فاصطكّ بأعمدة السرير الحديدية، سمعنا قرع أحذيتهم البوليسية ولكز عصيهم ونحن نختبئ تحت دثارنا، رأوه في ركن الغرفة قابعاً متكوّماً على نفسه وهو ينشج، صرخ الضابط:
-تفتعلون النوم أيها الكلاب.
ثمّ أشارَ لهم أن يسحبونا لساحة السجن الخلفية، فربطوا أرجلنا وجلدوها بلا رأفة، وقد أكلت العصي أقدامنا في تلك الليلة، وأصبحنا لا نعرف المشي إلا على أطراف أصابعنا.
أما صاحبنا فقد أخذوه وهو يلعنهم ويشتمهم، ورأينا الحارس المصاب يقتصُّ لنفسه في آخر الردهة بعصىً غليظة فلقت هامته، وخشينا أن يكون مات في الحال حينما شاهدناه يتمايل ويسقطُ على وجهه كجذعٍ قطعوهُ وتركوه يهويِ على الأرض.
* * * *
مرّ أسبوع ونحن نضمد جراح تلك الليلة وندعك أرجلنا وقلوبنا كي يخفت الألم وذكرى ذلك الرجل الكئيب، خشينا عليه، ففي السجن نحن ساقٌ عاريةٌ نبتت بين هذه الجدران وأجسادنا هي أغصانها اليابسة، ليس لنا ونحن نعاقر أمنياتنا البعيدة إلا أن ننسى وجعنا ونحنّ لهذا الفرع الذي انتزع على حين غرةٍ من بيننا، لم يجبنا أحدٌ من الحراس واكتفوا بتوبيخنا ومنعنا من التحدث إليهم، فبقينا نتساءل وندعوا الله أن يكون حياً ولم يبتلعه التراب على إثر تلك الضربة التي هبطت على جمجمته.
حلّ الظلام وسمعنا وقع أقدامٍ ومماحكاتٍ في الردهة فافتعلنا النوم وتدثرنا لأنهُ الشفيع الوحيدُ في عالمِ السياطِ والأحذية هذا، وقفزت لعقولنا الصدئة صورُ أقدامنا الملوّنة والحبال المعقودة حولها ونحن نتلوّى عندما احتكَّ المفتاح الحديدي بقفل بابنا ثمّ افتتح واصطدم بسريري، كنت أغطي وجهي وأغمض عينيَّ بمواربةٍ تمكنني من مشاهدة ما يحدث عند الباب، فرأيت صاحبنا يُرمى في الزنزانة مهيض القامةِ ملفوف الرأسِ بخرقةٍ جمد عليها الدم، وحتى يوصدَ الباب مرةً أخرى، نزلنا جميعاً من أسرة وكأننا مواتٌ بعثنا الله من جديدٍ.
رأيناه ينسلُّ لركن الزنزانة كعادته، أحطنا به نسأله عن حاله ونعرب له عن قلقنا عليه، كان رأسه مغمداً بين ركبتيه ونحن متحلقون حوله، رجوناه أن يكلمنا لنطمأن عليه، وبعد جهدٍ بالغ، رفعَ رأسه لنا وهو يبكي:
-زوجتي المريضة، ربما ماتت، ربما قتلها الأوغاد..
وعاد يسرد قصته كما كان، فقمنا نرددها معه ونحن نجرّ خطواتنا لأسرتنا ونتدثر فنتركه يغرقُ في حزنهِ وذكرياتهِ القاسية !.
[/align]
[/align]
تعليق