اغتصـــــــــــاب
[align=justify]
قليلون هم أولئك الذين انتبهوا إلى صرخة فضيلة وهي تغادر المستوصف مسرعة وهي تنحدر إلى أسفل الوادي ثم تلج المنزل ، لا تلوي على شيء ، و تنزوي في ركن شبه مظلم من " بيت النار " . لكن الخبر سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم . و طغا الحديث عن فضيلة وما وقع لها في المستوصف على كل الأحاديث في تلك الأمسية الملتهبة من أماسي شهر غشت . بينما انصرف "سي الغازي" الممرض المجاز بالقرية إلى الوحدة السكنية كعادته بعد أن عرج على الغرسة ليقتطف عشيبات من النعناع ويعد كأس الشاي كي يرتشفه على مشارف الوادي ، غير منتبه إلى نظرات البعض تلاحقه في سخرية وشماتة ، بل و أيضا في سرور في انتظار ما يحمله الغد من جديد يزيل عن القرية رتابة العيش وملل الفراغ القاتل .
يذيب السكر في الإبريق الصغير ثم يتذوق حلاوته في نشوة . يشعر بالسعادة تغمره وهو يمد بصره إلى الأفق في أعلى الجبل . هذا آخر إبريق يعده قبل أن يغادر القرية نهائيا . غدا يلتحق بأهله بعد طول انتظار ووحدة . جاء الانتقال أخيرا . و سيصير بإمكانه قريبا مداعبة أولاده الأربعة ومجالسة زوجته و مكاشفتها بما عاناه طيلة السنين الخمس التي قضاها في هذه القرية النائية الغارقة في أحضان الجبال . سنون قضاها وحيدا دون أن يفكر قط في استقدام أسرته ، أملا كل مرة في الانتقال إلى المدينة .
بعد أن يرتشف الشاي ، يظل لحظات غارقا في التأمل . السكون يلف القرية . يغمره شعور بالبهجة ، فينهض ويلج غرفته و يرتب بعض الحوائج ، ثم يقفل الحقائب وينظر إلى ساعته اليدوية و كأنه يستدني ساعة الرحيل و يستلقي منهكا على السرير . عمل شاق أضناه طول النهار . مرضى وجرحى غصت بهم جنبات المستوصف الذي عج بروائح العرق و القيء و الأحذية المطاطية وفضلات الماشية .. كانت فضيلة آخر من زار المستوصف لتسلمه ديكا و بيضا حين علمت الأسرة بقرب رحيله .
غلبه النوم وهو لا يزال منتعلا حذاءه ، ولم يفق إلا على طرق الباب . كان هناك جندي يقف في تكاسل وهو يتلهى ببعض الأغصان الصغيرة ، يكسرها بين أصابعه .
- سيدي القائد يطلب منك الحضور الآن .
- الآن ؟.. لم يقل لماذا ؟
- لا... لكنه سيخبرك هناك .
لماذا يبتسم الجندي بتلك الطريقة الوقاحة ؟ .. أعرض عن ذلك و أصلح هندامه ثم خرج .. القائد في مكتبه يعبث ببعض السنابل المظفرة بعناية على شكل قوس . لم يطلب منه الجلوس . نظر إليه متسائلا .
- الحقيقة " السي الغازي" لا أدري من أين أبدأ وكيف أبدأ ، لكني سأدخل الموضوع دون لف ولا دوران .. ولو كان غيرك في مكانك لكان لي معه شأن آخر ..(حديث صريح و لطيف ، لكنه مبطن بتهديد.).. هل تعرف فضيلة ؟
- كم من فضيلة في الناحية يا سيدي ..
- أقصد واحدة لا غير .. تلك المجاور بيتها للوحدة السكنية .
- مالها ؟ ( هل للديك والبيض علاقة بالموضوع ؟.. هل استكثر هذه الهدية ويروم حصته منها ؟ )
- لقد جاءت الأم هذا الصباح .. و .. طبعا كانت فضيلة آخر من غادر المستوصف .
- و سلمتني الديك والبيض .. لن أنكر ..
يبتسم القائد و يضع السنابل على المكتب ، ثم ينهض وينظر إلى النافذة :
- انس حكاية الديك والبيض .. الأمر يتعلق بفضيلة نفسها .. هل حقا اعتديت عليها ؟
- العياذ بالله .. هي قالت ذلك ؟ .. و طبعا صدقتموها !
- الحكاية لا زالت في أولها ... نحن لا نتهم أحدا ، لكن أسرة الفتاة تصر على ذلك .. و عليك تبرئة نفسك .
الدرك .. الاستجواب .. الحجز .. تجمهر السكان .. قدوم الزوجة على وجه السرعة .. كل هذا مر كالحلم . قال له الدركي :
- السكوت لن ينفعك . إما أن تقر بفعلتك و تطلب تخفيف الحكم عليك أو تنفي ذلك إذا كنت بريئا و هذا من حقك .. وما أسهل إثباتها في الوقت الحاضر ، وأنت أدرى مني في هذا المجال ...
القرية تعيش في غليان . وفضيلة لم تعد تظهر للعيان رغم توافد الزوار على المنزل تنسما للجديد وتطلعا لشرح تفاصيل ما حدث لها . لكن لا أحد يريد أن يتكلم . " السي الغازي " لا يخرج عن صمته ، و فضيلة أو على الأصح أسرتها روت كل شيء للدرك . والأم صدت كل من حاول السؤال . فيخبو الحماس وتعود القرية إلى رتابتها ، وقد اقترب غشت من نهايته ..
لكن ما وقع في اليوم الأخير كان له وقع الحجر في البركة الآسنة . " السي الغازي " يرفض التحليل الطبي و يعترف بفعلته .. زوجته تقر بذلك وتتهمه بالرعونة والطيش منذ زواجهما . لكنها تقف جانبه في محنته وتخفي الأمر عن الأولاد . تلتمس له الأعذار و تلقي اللوم على الشيطان و الوحدة والمعاناة ، و إغواء فضيلة .. لم لا ؟ .. هي أيضا اختارت ذاك الوقت لزيارته بذريعة الديك و البيض ، وهي تعلم أنه وحيد . وتلوم الجندي أيضا لأنه لم يحاول ردعها وهي تحوم حول المستوصف . كان الأولى به حماية نديمه في السهر وصديقه " الروح للروح". يا للزوجة الرائعة ! .. يجن جنون الأهالي و الأحداث تتسارع بهذا الشكل . ويساق الممرض الكهل للمحاكمة خارج القرية ، دامع العين ، محدودب الظهر . منظر أثر في النفوس رغم صيحات الاستهجان وهي ترافقه لدى ركوبه سيارة "الجيپ" .. هل يعقل ؟.. "السي الغازي" يفعل هذا؟ .. ولم لا ؟.. قلت لكم مرارا إن أفكاره و نصائحه لنا و خاصة لنسائنا فيها "إن" ؟.. عندك حق .. أنا سمعته بأذني هاتين يطعن في الدين ويصفنا بالبهائم ، و ينعت إمام المسجد بالفحل الشره .. ألم يشتك من صوت المؤذن في الفجر وطبل السحور ؟.. إيه و الله !.. اسألوا الجندي "ولد ارحيمو" .. هو حقا رفيقه ، لكنه يروي عنه أشياء مقززة .. تصوروا أنه لا يرى حرجا في أن - و العياذ بالله – يــ.....الأخ أخته ! .. اتقوا الله يا جماعة ، و لا تنسوا أفضاله وإعاناته .. كم من مرة منحنا دواء كان علينا جلبه من المدينة ! ... الدواء للشعب وليس في ملكه .
كل نشاط في القرية يتوقف . وكل صراع دام على الماء يختفي ، و كل الدعاوي تتأجل في انتظار المزيد من الأخبار المثيرة . لكن ماذا تبقى بعد الاعتراف ؟.. لا شيء .. سوى أن فضيلة انقطع خبرها و انعزلت عن العالم . قيل إنها حامل و ذهبت إلى المدينة للإجهاض . وقيل إنها مريضة و إن صدمتها كادت تقتلها .. بل إن طول احتجابها عن الجماعة أثار الشكوك حول انتحارها .
ويفتر الحماس والفضول من جديد . ويعود الكل إلى عادته . الحقل .. المقهى .. الرعي .. حتى يأزف يوم السوق الأسبوعي ، فيحاط من له النزر اليسير من الأخبار بالاهتمام ، ويضطر الشخص إلى اختلاق الأكاذيب ليضفي على حكايته مزيدا من التشويق حول المحاكمة و الحالة التي آل إليها "السي الغازي".. و موقف زوجته الثابت ، و خاصة حضور أخ الممرض الذي هب واقفا وصرخ :
- ألا ترحموا المسكين ؟.. لقد اعترف ، فماذا تريدون منه أكثر من ذلك .. لا تبهدلوه زيادة و دعوه يعيش مصيره .
يوم استدعيت فضيلة للإدلاء بشهادتها كان يوما مشهودا ، ظلت وقائعه تروى جيلا عن جيل . كانت جملة واحدة هزت القبيلة ورجتها رجا . بل وتعدت الرجة القبائل المجاورة وعمت الدواوير وقمم الجبال ..
- لم يتعد علي . إنه بريء . الذي اعتدى علي هو ذلك الجندي .. هددني بحبس أمي فخفت . دعوني لحالي !
سمي ذاك العام بعام فضيلة ، و عاشت القرية حالة استثناء فريدة من نوعها . و انصرف الناس عن مشكل انقطاع الماء بعد أن أصاب المنطقة جذب لم يسبق له مثيل .. و أهملت العريضة التي كتبت تنديدا بممارسات زوجة القائد وهي تسلب من الأهالي ما طاب لها من الماشية و الحبوب . واختفت النزاعات و النعرات القبلية التي نشبت بسبب إحداث سوق أسبوعي منافس للقبيلة المجاورة .
رحل "السي الغازي" ، وانتقل الجندي بعد أن أجبر على الزواج بفضيلة .. زواج لم يدم بضعة أشهر، لكن زوجة " ولد ارحيمو" ، المطعونة في كبريائها ، و قبل أن يغادر هذا الأخير القرية ، أطلقت نبأ مدويا حين حكت عن عقم "السي الغازي".. و علاقة الأخ بالزوجة .
منذ ذاك الحين ، وعندما يراد إهانة لقيط ، ينعته الأهالي بـ "ولد السي الغازي" .
[/align]
تعليق