اغتصـــاب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    اغتصـــاب

    اغتصـــــــــــاب


    [align=justify]
    قليلون هم أولئك الذين انتبهوا إلى صرخة فضيلة وهي تغادر المستوصف مسرعة وهي تنحدر إلى أسفل الوادي ثم تلج المنزل ، لا تلوي على شيء ، و تنزوي في ركن شبه مظلم من " بيت النار " . لكن الخبر سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم . و طغا الحديث عن فضيلة وما وقع لها في المستوصف على كل الأحاديث في تلك الأمسية الملتهبة من أماسي شهر غشت . بينما انصرف "سي الغازي" الممرض المجاز بالقرية إلى الوحدة السكنية كعادته بعد أن عرج على الغرسة ليقتطف عشيبات من النعناع ويعد كأس الشاي كي يرتشفه على مشارف الوادي ، غير منتبه إلى نظرات البعض تلاحقه في سخرية وشماتة ، بل و أيضا في سرور في انتظار ما يحمله الغد من جديد يزيل عن القرية رتابة العيش وملل الفراغ القاتل .
    يذيب السكر في الإبريق الصغير ثم يتذوق حلاوته في نشوة . يشعر بالسعادة تغمره وهو يمد بصره إلى الأفق في أعلى الجبل . هذا آخر إبريق يعده قبل أن يغادر القرية نهائيا . غدا يلتحق بأهله بعد طول انتظار ووحدة . جاء الانتقال أخيرا . و سيصير بإمكانه قريبا مداعبة أولاده الأربعة ومجالسة زوجته و مكاشفتها بما عاناه طيلة السنين الخمس التي قضاها في هذه القرية النائية الغارقة في أحضان الجبال . سنون قضاها وحيدا دون أن يفكر قط في استقدام أسرته ، أملا كل مرة في الانتقال إلى المدينة .
    بعد أن يرتشف الشاي ، يظل لحظات غارقا في التأمل . السكون يلف القرية . يغمره شعور بالبهجة ، فينهض ويلج غرفته و يرتب بعض الحوائج ، ثم يقفل الحقائب وينظر إلى ساعته اليدوية و كأنه يستدني ساعة الرحيل و يستلقي منهكا على السرير . عمل شاق أضناه طول النهار . مرضى وجرحى غصت بهم جنبات المستوصف الذي عج بروائح العرق و القيء و الأحذية المطاطية وفضلات الماشية .. كانت فضيلة آخر من زار المستوصف لتسلمه ديكا و بيضا حين علمت الأسرة بقرب رحيله .
    غلبه النوم وهو لا يزال منتعلا حذاءه ، ولم يفق إلا على طرق الباب . كان هناك جندي يقف في تكاسل وهو يتلهى ببعض الأغصان الصغيرة ، يكسرها بين أصابعه .
    - سيدي القائد يطلب منك الحضور الآن .
    - الآن ؟.. لم يقل لماذا ؟
    - لا... لكنه سيخبرك هناك .
    لماذا يبتسم الجندي بتلك الطريقة الوقاحة ؟ .. أعرض عن ذلك و أصلح هندامه ثم خرج .. القائد في مكتبه يعبث ببعض السنابل المظفرة بعناية على شكل قوس . لم يطلب منه الجلوس . نظر إليه متسائلا .
    - الحقيقة " السي الغازي" لا أدري من أين أبدأ وكيف أبدأ ، لكني سأدخل الموضوع دون لف ولا دوران .. ولو كان غيرك في مكانك لكان لي معه شأن آخر ..(حديث صريح و لطيف ، لكنه مبطن بتهديد.).. هل تعرف فضيلة ؟
    - كم من فضيلة في الناحية يا سيدي ..
    - أقصد واحدة لا غير .. تلك المجاور بيتها للوحدة السكنية .
    - مالها ؟ ( هل للديك والبيض علاقة بالموضوع ؟.. هل استكثر هذه الهدية ويروم حصته منها ؟ )
    - لقد جاءت الأم هذا الصباح .. و .. طبعا كانت فضيلة آخر من غادر المستوصف .
    - و سلمتني الديك والبيض .. لن أنكر ..
    يبتسم القائد و يضع السنابل على المكتب ، ثم ينهض وينظر إلى النافذة :
    - انس حكاية الديك والبيض .. الأمر يتعلق بفضيلة نفسها .. هل حقا اعتديت عليها ؟
    - العياذ بالله .. هي قالت ذلك ؟ .. و طبعا صدقتموها !
    - الحكاية لا زالت في أولها ... نحن لا نتهم أحدا ، لكن أسرة الفتاة تصر على ذلك .. و عليك تبرئة نفسك .
    الدرك .. الاستجواب .. الحجز .. تجمهر السكان .. قدوم الزوجة على وجه السرعة .. كل هذا مر كالحلم . قال له الدركي :
    - السكوت لن ينفعك . إما أن تقر بفعلتك و تطلب تخفيف الحكم عليك أو تنفي ذلك إذا كنت بريئا و هذا من حقك .. وما أسهل إثباتها في الوقت الحاضر ، وأنت أدرى مني في هذا المجال ...
    القرية تعيش في غليان . وفضيلة لم تعد تظهر للعيان رغم توافد الزوار على المنزل تنسما للجديد وتطلعا لشرح تفاصيل ما حدث لها . لكن لا أحد يريد أن يتكلم . " السي الغازي " لا يخرج عن صمته ، و فضيلة أو على الأصح أسرتها روت كل شيء للدرك . والأم صدت كل من حاول السؤال . فيخبو الحماس وتعود القرية إلى رتابتها ، وقد اقترب غشت من نهايته ..
    لكن ما وقع في اليوم الأخير كان له وقع الحجر في البركة الآسنة . " السي الغازي " يرفض التحليل الطبي و يعترف بفعلته .. زوجته تقر بذلك وتتهمه بالرعونة والطيش منذ زواجهما . لكنها تقف جانبه في محنته وتخفي الأمر عن الأولاد . تلتمس له الأعذار و تلقي اللوم على الشيطان و الوحدة والمعاناة ، و إغواء فضيلة .. لم لا ؟ .. هي أيضا اختارت ذاك الوقت لزيارته بذريعة الديك و البيض ، وهي تعلم أنه وحيد . وتلوم الجندي أيضا لأنه لم يحاول ردعها وهي تحوم حول المستوصف . كان الأولى به حماية نديمه في السهر وصديقه " الروح للروح". يا للزوجة الرائعة ! .. يجن جنون الأهالي و الأحداث تتسارع بهذا الشكل . ويساق الممرض الكهل للمحاكمة خارج القرية ، دامع العين ، محدودب الظهر . منظر أثر في النفوس رغم صيحات الاستهجان وهي ترافقه لدى ركوبه سيارة "الجيپ" .. هل يعقل ؟.. "السي الغازي" يفعل هذا؟ .. ولم لا ؟.. قلت لكم مرارا إن أفكاره و نصائحه لنا و خاصة لنسائنا فيها "إن" ؟.. عندك حق .. أنا سمعته بأذني هاتين يطعن في الدين ويصفنا بالبهائم ، و ينعت إمام المسجد بالفحل الشره .. ألم يشتك من صوت المؤذن في الفجر وطبل السحور ؟.. إيه و الله !.. اسألوا الجندي "ولد ارحيمو" .. هو حقا رفيقه ، لكنه يروي عنه أشياء مقززة .. تصوروا أنه لا يرى حرجا في أن - و العياذ بالله – يــ.....الأخ أخته ! .. اتقوا الله يا جماعة ، و لا تنسوا أفضاله وإعاناته .. كم من مرة منحنا دواء كان علينا جلبه من المدينة ! ... الدواء للشعب وليس في ملكه .
    كل نشاط في القرية يتوقف . وكل صراع دام على الماء يختفي ، و كل الدعاوي تتأجل في انتظار المزيد من الأخبار المثيرة . لكن ماذا تبقى بعد الاعتراف ؟.. لا شيء .. سوى أن فضيلة انقطع خبرها و انعزلت عن العالم . قيل إنها حامل و ذهبت إلى المدينة للإجهاض . وقيل إنها مريضة و إن صدمتها كادت تقتلها .. بل إن طول احتجابها عن الجماعة أثار الشكوك حول انتحارها .
    ويفتر الحماس والفضول من جديد . ويعود الكل إلى عادته . الحقل .. المقهى .. الرعي .. حتى يأزف يوم السوق الأسبوعي ، فيحاط من له النزر اليسير من الأخبار بالاهتمام ، ويضطر الشخص إلى اختلاق الأكاذيب ليضفي على حكايته مزيدا من التشويق حول المحاكمة و الحالة التي آل إليها "السي الغازي".. و موقف زوجته الثابت ، و خاصة حضور أخ الممرض الذي هب واقفا وصرخ :
    - ألا ترحموا المسكين ؟.. لقد اعترف ، فماذا تريدون منه أكثر من ذلك .. لا تبهدلوه زيادة و دعوه يعيش مصيره .
    يوم استدعيت فضيلة للإدلاء بشهادتها كان يوما مشهودا ، ظلت وقائعه تروى جيلا عن جيل . كانت جملة واحدة هزت القبيلة ورجتها رجا . بل وتعدت الرجة القبائل المجاورة وعمت الدواوير وقمم الجبال ..
    - لم يتعد علي . إنه بريء . الذي اعتدى علي هو ذلك الجندي .. هددني بحبس أمي فخفت . دعوني لحالي !
    سمي ذاك العام بعام فضيلة ، و عاشت القرية حالة استثناء فريدة من نوعها . و انصرف الناس عن مشكل انقطاع الماء بعد أن أصاب المنطقة جذب لم يسبق له مثيل .. و أهملت العريضة التي كتبت تنديدا بممارسات زوجة القائد وهي تسلب من الأهالي ما طاب لها من الماشية و الحبوب . واختفت النزاعات و النعرات القبلية التي نشبت بسبب إحداث سوق أسبوعي منافس للقبيلة المجاورة .
    رحل "السي الغازي" ، وانتقل الجندي بعد أن أجبر على الزواج بفضيلة .. زواج لم يدم بضعة أشهر، لكن زوجة " ولد ارحيمو" ، المطعونة في كبريائها ، و قبل أن يغادر هذا الأخير القرية ، أطلقت نبأ مدويا حين حكت عن عقم "السي الغازي".. و علاقة الأخ بالزوجة .
    منذ ذاك الحين ، وعندما يراد إهانة لقيط ، ينعته الأهالي بـ "ولد السي الغازي" .


    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 10-12-2009, 09:08.
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    قصة تفاصيل القرية اليومية تتمتع بالبساطة تتخللها حياة القيل والقال
    نص جميل يعتمد على لحظات توتر متتابعة للمشهد العميق
    سعدت جدا بالقراءة
    تحية وتقدير استاذ رشيد
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • رشيد الميموني
      مشرف في ملتقى القصة
      • 14-09-2008
      • 1533

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
      قصة تفاصيل القرية اليومية تتمتع بالبساطة تتخللها حياة القيل والقال
      نص جميل يعتمد على لحظات توتر متتابعة للمشهد العميق
      سعدت جدا بالقراءة
      تحية وتقدير استاذ رشيد
      الأخت الكريمة مها ..
      أسعدني مرورك و تعليقك على نصي .. وكذا تحليلك المقتضب .. وإنه لشرف كبير أن أنال مثل هذا الثناء من مبدعة مثلك ..
      بكل المودة و التقدير .

      تعليق

      • مجدي السماك
        أديب وقاص
        • 23-10-2007
        • 600

        #4
        تحياتي

        الرائع رشيد الميموني..تحياتي
        جميلة هذه البساطة المعبرة العميقة. استمتعت بالقراءة هنا.
        مودتي
        عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

        تعليق

        • رشيد الميموني
          مشرف في ملتقى القصة
          • 14-09-2008
          • 1533

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
          الرائع رشيد الميموني..تحياتي
          جميلة هذه البساطة المعبرة العميقة. استمتعت بالقراءة هنا.
          مودتي
          الأخ العزيز مجدي ..
          شهادتك كقاص متمكن وسام على صدري ، أعتز به ..
          ممتن لمرورك و تعليقك ..
          تقبل كل المودة .

          تعليق

          • مصطفى الصالح
            لمسة شفق
            • 08-12-2009
            • 6443

            #6
            تابعتها بشغف من البداية الى النهاية
            احداث واقعية وسرد رائع يشد القاريء ويلعب بعواطفه واحاسيسه

            يعطيك العافية

            تحياتي
            [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

            ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
            لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

            رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

            حديث الشمس
            مصطفى الصالح[/align]

            تعليق

            • رشيد الميموني
              مشرف في ملتقى القصة
              • 14-09-2008
              • 1533

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة
              تابعتها بشغف من البداية الى النهاية
              احداث واقعية وسرد رائع يشد القاريء ويلعب بعواطفه واحاسيسه

              يعطيك العافية

              تحياتي
              الأخ الغالي مصطفى الصالح ..
              أسعدني مرورك و ثناؤك على نصي .. وتشجيعك هذا يحفزني على المضي قدما في تقصي الأجود من الكتابة ..
              أمد لك يد المودة . وأشكرك من أعماق قلبي .

              تعليق

              يعمل...
              X