(1)
كان ذلك هوالعنوان الذي اختاره الأديب الكبيرالشاعر إبراهيم عبدالله مفتاح، ليحمل مايشتبه بأنه سيرته الذاتية، وما تفرق من نثار مذكراته المدونة التصاقا بوجدانه المرهف، ليقدمها للمكتبة العربية في إهاب من التواضع المتدثر بالشمم، وإنكار الذات الذي لا يُغَيّب الاعتداد بالنفس، قدمها دون أن يرفع لافتات إرشادية، بدءً من العنوان، ومرورا بالمنهج، وانتهاءً بالعرض والتصنيف، تاركا للمتلقي خيارات القراءة والتناول، وحرية السير والتجوال بين 65عنوانا و172
صفحة من القطع المتوسط، هي مجموع المتن لهذا السفر العجيب..
ولقد جاء غلافه مغايرا لما أعهده من إصدارت سابقة لمفتاح، وإن كان يسير فيه وفق النمطية للوحات التعبيرية التي أعرفها عن كتبه جيدا.. من "فرسان الناس والبحر والتاريخ" إلى معجم النبات لجزيرة فرسان، واحمرار الصمت، ورائحة التراب ..وبقية كتبه إنها لوحات تشف عن المضمون ودون إغراق في الرمزية، وهنا كانت قراءتي للَّوحة التي ظهرت على امتداد الغلاف، وكانت صورة الأديب الكبير نفسه..الذي عودنا أن ينشر صورته الشخصية بمقاس صغير على الغلاف الخلفي، مع مختصر لمسيرته الثقافية..والتي خلا منها هذا الإصدار.. فاستيقنت بأنني أمام السيرة الذاتية لهذه القامة الأدبية السامقة، وسرعان ما ولجت إلى المقدمة التي صاغها الكاتب والقاص المعروف عبد المحسن يوسف بريشة متناغمة الخطوط والألوان..هادئة هامسة، كشواطئ جزر فرسان الحالمة، غير أنه لا وجود فيها لأي إشارة أوتلميح أو اشتباه لما يعرف بالسيرة الذاتية..والمذكرات ولا هم يحزنون.غريبة.. عبدالمحسن يتحدث عن كل شيء إلا السيرة، واستمع لعبارته حيث يقول: ( إن أستاذنا الكبير، الأستاذ إبراهيم مفتاح، في "خرف مبكر"، لينهض بمهمة عظيمة لا يدركها إلا العارفون بقيمة الحكاية وولادتها، وبما تلقيه من ظلال، وبما تتركه من أثر في دراسة المجتمعات البشرية...إنه بتسجيل هذه الحكايات الغائرة في الماضي كمن يروض جيادا ذات أعناق نافرة.) ص9.
وتنتهي المقدمة على نحو غير متوقع بالنسبة لي على الأقل، فالذي أفتش عنه لم أعثر عليه..المهم... مضيت
أتأمل الكتاب وأدرسه،كان العنوان التالي للمقدمة، هو: " أيام في ضيافة العفاريت " إنه عنوان يحمل نكهة
الأسطورة كما ترون..لكنه في الحقيقة لم يكن سوى عنوان لمقدمة سريالية، تضج بالرمزية، التي يتقنها المؤلف وهو يشرع لاستظهار سيرته الذاتية ومن ثم عرضها وتقديمها في مقالات مقتضبة وعبارات مشحونة بالشعر،
قال في المقدمة موجها خطابه إلى شجرة ماّ يتفيأها ...( لم ينظروا إلى جذعك المكتنزة ثناياه بمراحل العمر الغائر في أعماق القدم، ولم يكترثوا بمراحل الزمن المعبأ في امتداد جذورك المتحدية لثنايا الصخور المشرعة حتى أعماق الماء.أجيال تأتي وأجيال ترحل..أطفال يولدون، وكهول يعبرون جسور الحياة إلى ضفاف أخرى، وأنتِ أنتِ ترتدين خضرة الأزمنة)ص13
ثم يستأنف بعد أسطر قائلا: ( وعلى مقربة مني بئر تفترش أرضية المكان، تتعانق الدلاء في قاعها المستدير،
ويهزج السقاة المغسولون بالتعب على فوهتها، وهم يدلون دلاءهم، أو ينزعونها بحبالهم التي تستطيع ـ عبر
الزمن ـ أن تشق شفاه الحجارة على فوهة البئرالتي لا تمل إقعاءها في أبدية المكان، ولا تتبرم بوارديها) ...
ثم يختم المقدمة بهذه العبارة (ها أنا ذا أيتها الشجرة المعطاء أستعيد زمني الهارب، وأفتح بعضا من شبابيك
ذاكرتي التي لم تستطع سنوات العمر أن توصدها لأستعيد ملامح أيامي الراحلة، وأحلم بقيلولة مشتعلة بالهجير
في ضيافة عفاريتك وأشباحك الجميلة) ص14
هكذا جاءت المقدمة دون إشارة أو تنويه من قبل الكاتب ،بل أرسلها على غرة فيما يشبه الأحجية، التي يتوقف حلها وكشف النقاب عنها من تلقاء القارئ وباجتهاده الشخصي.
والمعنى واضح، ولا أجد السياق يحتاج منا إلى عناء التفتيش عن مرجعية سحيقة، لربط مدلول الشجرة والإستظلال، والبئر التي لا تتبرم بوارديها..إلى ما انتهى إليه من عزم على استعادة الزمن الهارب وفتح شبابيك الذاكرة..ومهما يكن فإن اقتراف تدوين السيرة الذاتية أمر حساس جدا، وكما يحمل من العظة والعبرة، بوصفه خلاصة لتجربة إنسانية عميقة، ففيه مافيه من المحاذير التي ربما تسبب ذكرها في الغياب التام والحرمان، من جهتي لا ألوم الأستاذ إبراهيم مفتاح عندما يقدم خلاصة تجربته الحافلة على هذا النحو الذي بين أيدينا، وما يبدو عليه من مرونة، تجعل المتلقي يستغرق بين سطورة، لا فرق بين من قرأ قصصا عتيقة وطرائف ضاحكة،ومواقف هزلية، وبين من قرأ سيرة ذاتية، بتقنية عالية تلامس الذروة، في مهارة مهنية لا مزيد عليها..
فلقد وضع الكاتب نصب عينيه كل القدرات الإستقرائية للمتلقي، وأودع سيرته أسلوبا سيجعل القارئ يراهن على حضور مدرسة الأبشيهي عند المنافرة..فإذاً.. لعلنا نقول تجاوزا بأن غياب الاحتمال الأول سيبعد شبح هذا الخرف المبكر مما ينتظره في الغد من المساءلة التاريخية، لوصنف على أنه مذكرات أو سيرة لأديب سعودي، والتاريخ له خطوطه الأفقية والعمودية..ولكن من يفتش عنها هنا سيعثر عليها بالتأكيد، واحتمال آخر يطل بإلحاح..وهو أن من يعرف شخصية إبراهيم مفتاح عن كثب يدرك كم هو رجل عصامي، شديد الأنفة، لا ينثني لعواصف الحياة الهوجاء،مهما أبدت من صلف وقسوة..والسيرة الذاتية مدعاة لذكر جملة من المنعطفات،والنقاط التي تؤثر في سير الحياة، ورتم إيقاعها سرعة وإبطاءً، ولهذا نجده يذكر قصصا يعزوها لأبطال آخرين،هكذا أحسبها، لما قد تثيره من تفسيرات وتكهنات، وهي بعيدة عما يقصده، ولو كنت مكانه لما وجدت غضاضة في نسبتها إليّ، ولرفعت صوتي بما يعتمل في صدري، دون اصطناع الاعذار والمبررات، لمن لم ينزلوا الناس منازلهم..أو يعرفوا لأفذاذ الأمة مكانتهم وأقدارهم..لكنه آثر استكمال الرحلة معتمدا على ما أعد لها من متاع، ودون أن تفسر نظراته الواهنة تحت وطأة وعثاء السفر، بأنها ضعف وانكسار.ورغم قراءتي لما احتواه "خرف مبكر" إلا أنني أحتفظ لكاتبه بما قرر الإحتفاظ به لنفسه، غير أنني أكتب للتاريخ، وقد أكون شاهدا عليه، ومن هذا المنطلق رغبت أن أفضفض قليلا، وأحلق بالمقدار الذي يسمح به التحليق، في سماوات هذا السفر ، دون أن أفسد على القارئ متعته في التحليق أيضا، ولعلي أكون مغضبا لأستاذ الأجيال، بامتطائي صهوة التأويل والتفسير، وعذري في ذلك أنه طرحه للقراءة وأنا هنا أمارس حقا مشروعا..
أيها المتابعون الكرام أهلا بكم في حلقات، أقرأ فيها ما تيسر من "خرف مبكر" ،للكاتب السعودي الكبير،إبراهيم بن عبدالله مفتاح. متمنيا لكم تحقق المتعة والفائدة.
كان ذلك هوالعنوان الذي اختاره الأديب الكبيرالشاعر إبراهيم عبدالله مفتاح، ليحمل مايشتبه بأنه سيرته الذاتية، وما تفرق من نثار مذكراته المدونة التصاقا بوجدانه المرهف، ليقدمها للمكتبة العربية في إهاب من التواضع المتدثر بالشمم، وإنكار الذات الذي لا يُغَيّب الاعتداد بالنفس، قدمها دون أن يرفع لافتات إرشادية، بدءً من العنوان، ومرورا بالمنهج، وانتهاءً بالعرض والتصنيف، تاركا للمتلقي خيارات القراءة والتناول، وحرية السير والتجوال بين 65عنوانا و172
صفحة من القطع المتوسط، هي مجموع المتن لهذا السفر العجيب..
ولقد جاء غلافه مغايرا لما أعهده من إصدارت سابقة لمفتاح، وإن كان يسير فيه وفق النمطية للوحات التعبيرية التي أعرفها عن كتبه جيدا.. من "فرسان الناس والبحر والتاريخ" إلى معجم النبات لجزيرة فرسان، واحمرار الصمت، ورائحة التراب ..وبقية كتبه إنها لوحات تشف عن المضمون ودون إغراق في الرمزية، وهنا كانت قراءتي للَّوحة التي ظهرت على امتداد الغلاف، وكانت صورة الأديب الكبير نفسه..الذي عودنا أن ينشر صورته الشخصية بمقاس صغير على الغلاف الخلفي، مع مختصر لمسيرته الثقافية..والتي خلا منها هذا الإصدار.. فاستيقنت بأنني أمام السيرة الذاتية لهذه القامة الأدبية السامقة، وسرعان ما ولجت إلى المقدمة التي صاغها الكاتب والقاص المعروف عبد المحسن يوسف بريشة متناغمة الخطوط والألوان..هادئة هامسة، كشواطئ جزر فرسان الحالمة، غير أنه لا وجود فيها لأي إشارة أوتلميح أو اشتباه لما يعرف بالسيرة الذاتية..والمذكرات ولا هم يحزنون.غريبة.. عبدالمحسن يتحدث عن كل شيء إلا السيرة، واستمع لعبارته حيث يقول: ( إن أستاذنا الكبير، الأستاذ إبراهيم مفتاح، في "خرف مبكر"، لينهض بمهمة عظيمة لا يدركها إلا العارفون بقيمة الحكاية وولادتها، وبما تلقيه من ظلال، وبما تتركه من أثر في دراسة المجتمعات البشرية...إنه بتسجيل هذه الحكايات الغائرة في الماضي كمن يروض جيادا ذات أعناق نافرة.) ص9.
وتنتهي المقدمة على نحو غير متوقع بالنسبة لي على الأقل، فالذي أفتش عنه لم أعثر عليه..المهم... مضيت
أتأمل الكتاب وأدرسه،كان العنوان التالي للمقدمة، هو: " أيام في ضيافة العفاريت " إنه عنوان يحمل نكهة
الأسطورة كما ترون..لكنه في الحقيقة لم يكن سوى عنوان لمقدمة سريالية، تضج بالرمزية، التي يتقنها المؤلف وهو يشرع لاستظهار سيرته الذاتية ومن ثم عرضها وتقديمها في مقالات مقتضبة وعبارات مشحونة بالشعر،
قال في المقدمة موجها خطابه إلى شجرة ماّ يتفيأها ...( لم ينظروا إلى جذعك المكتنزة ثناياه بمراحل العمر الغائر في أعماق القدم، ولم يكترثوا بمراحل الزمن المعبأ في امتداد جذورك المتحدية لثنايا الصخور المشرعة حتى أعماق الماء.أجيال تأتي وأجيال ترحل..أطفال يولدون، وكهول يعبرون جسور الحياة إلى ضفاف أخرى، وأنتِ أنتِ ترتدين خضرة الأزمنة)ص13
ثم يستأنف بعد أسطر قائلا: ( وعلى مقربة مني بئر تفترش أرضية المكان، تتعانق الدلاء في قاعها المستدير،
ويهزج السقاة المغسولون بالتعب على فوهتها، وهم يدلون دلاءهم، أو ينزعونها بحبالهم التي تستطيع ـ عبر
الزمن ـ أن تشق شفاه الحجارة على فوهة البئرالتي لا تمل إقعاءها في أبدية المكان، ولا تتبرم بوارديها) ...
ثم يختم المقدمة بهذه العبارة (ها أنا ذا أيتها الشجرة المعطاء أستعيد زمني الهارب، وأفتح بعضا من شبابيك
ذاكرتي التي لم تستطع سنوات العمر أن توصدها لأستعيد ملامح أيامي الراحلة، وأحلم بقيلولة مشتعلة بالهجير
في ضيافة عفاريتك وأشباحك الجميلة) ص14
هكذا جاءت المقدمة دون إشارة أو تنويه من قبل الكاتب ،بل أرسلها على غرة فيما يشبه الأحجية، التي يتوقف حلها وكشف النقاب عنها من تلقاء القارئ وباجتهاده الشخصي.
والمعنى واضح، ولا أجد السياق يحتاج منا إلى عناء التفتيش عن مرجعية سحيقة، لربط مدلول الشجرة والإستظلال، والبئر التي لا تتبرم بوارديها..إلى ما انتهى إليه من عزم على استعادة الزمن الهارب وفتح شبابيك الذاكرة..ومهما يكن فإن اقتراف تدوين السيرة الذاتية أمر حساس جدا، وكما يحمل من العظة والعبرة، بوصفه خلاصة لتجربة إنسانية عميقة، ففيه مافيه من المحاذير التي ربما تسبب ذكرها في الغياب التام والحرمان، من جهتي لا ألوم الأستاذ إبراهيم مفتاح عندما يقدم خلاصة تجربته الحافلة على هذا النحو الذي بين أيدينا، وما يبدو عليه من مرونة، تجعل المتلقي يستغرق بين سطورة، لا فرق بين من قرأ قصصا عتيقة وطرائف ضاحكة،ومواقف هزلية، وبين من قرأ سيرة ذاتية، بتقنية عالية تلامس الذروة، في مهارة مهنية لا مزيد عليها..
فلقد وضع الكاتب نصب عينيه كل القدرات الإستقرائية للمتلقي، وأودع سيرته أسلوبا سيجعل القارئ يراهن على حضور مدرسة الأبشيهي عند المنافرة..فإذاً.. لعلنا نقول تجاوزا بأن غياب الاحتمال الأول سيبعد شبح هذا الخرف المبكر مما ينتظره في الغد من المساءلة التاريخية، لوصنف على أنه مذكرات أو سيرة لأديب سعودي، والتاريخ له خطوطه الأفقية والعمودية..ولكن من يفتش عنها هنا سيعثر عليها بالتأكيد، واحتمال آخر يطل بإلحاح..وهو أن من يعرف شخصية إبراهيم مفتاح عن كثب يدرك كم هو رجل عصامي، شديد الأنفة، لا ينثني لعواصف الحياة الهوجاء،مهما أبدت من صلف وقسوة..والسيرة الذاتية مدعاة لذكر جملة من المنعطفات،والنقاط التي تؤثر في سير الحياة، ورتم إيقاعها سرعة وإبطاءً، ولهذا نجده يذكر قصصا يعزوها لأبطال آخرين،هكذا أحسبها، لما قد تثيره من تفسيرات وتكهنات، وهي بعيدة عما يقصده، ولو كنت مكانه لما وجدت غضاضة في نسبتها إليّ، ولرفعت صوتي بما يعتمل في صدري، دون اصطناع الاعذار والمبررات، لمن لم ينزلوا الناس منازلهم..أو يعرفوا لأفذاذ الأمة مكانتهم وأقدارهم..لكنه آثر استكمال الرحلة معتمدا على ما أعد لها من متاع، ودون أن تفسر نظراته الواهنة تحت وطأة وعثاء السفر، بأنها ضعف وانكسار.ورغم قراءتي لما احتواه "خرف مبكر" إلا أنني أحتفظ لكاتبه بما قرر الإحتفاظ به لنفسه، غير أنني أكتب للتاريخ، وقد أكون شاهدا عليه، ومن هذا المنطلق رغبت أن أفضفض قليلا، وأحلق بالمقدار الذي يسمح به التحليق، في سماوات هذا السفر ، دون أن أفسد على القارئ متعته في التحليق أيضا، ولعلي أكون مغضبا لأستاذ الأجيال، بامتطائي صهوة التأويل والتفسير، وعذري في ذلك أنه طرحه للقراءة وأنا هنا أمارس حقا مشروعا..
أيها المتابعون الكرام أهلا بكم في حلقات، أقرأ فيها ما تيسر من "خرف مبكر" ،للكاتب السعودي الكبير،إبراهيم بن عبدالله مفتاح. متمنيا لكم تحقق المتعة والفائدة.
تعليق