"خرفٌ مبكرٌ" للكاتب السعودي إبراهيم مفتاح..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد بن مسعود الفيفي
    عضو الملتقى
    • 20-10-2009
    • 70

    "خرفٌ مبكرٌ" للكاتب السعودي إبراهيم مفتاح..

    (1)



    كان ذلك هوالعنوان الذي اختاره الأديب الكبيرالشاعر إبراهيم عبدالله مفتاح، ليحمل مايشتبه بأنه سيرته الذاتية، وما تفرق من نثار مذكراته المدونة التصاقا بوجدانه المرهف، ليقدمها للمكتبة العربية في إهاب من التواضع المتدثر بالشمم، وإنكار الذات الذي لا يُغَيّب الاعتداد بالنفس، قدمها دون أن يرفع لافتات إرشادية، بدءً من العنوان، ومرورا بالمنهج، وانتهاءً بالعرض والتصنيف، تاركا للمتلقي خيارات القراءة والتناول، وحرية السير والتجوال بين 65عنوانا و172
    صفحة من القطع المتوسط، هي مجموع المتن لهذا السفر العجيب..
    ولقد جاء غلافه مغايرا لما أعهده من إصدارت سابقة لمفتاح، وإن كان يسير فيه وفق النمطية للوحات التعبيرية التي أعرفها عن كتبه جيدا.. من "فرسان الناس والبحر والتاريخ" إلى معجم النبات لجزيرة فرسان، واحمرار الصمت، ورائحة التراب ..وبقية كتبه إنها لوحات تشف عن المضمون ودون إغراق في الرمزية، وهنا كانت قراءتي للَّوحة التي ظهرت على امتداد الغلاف، وكانت صورة الأديب الكبير نفسه..الذي عودنا أن ينشر صورته الشخصية بمقاس صغير على الغلاف الخلفي، مع مختصر لمسيرته الثقافية..والتي خلا منها هذا الإصدار.. فاستيقنت بأنني أمام السيرة الذاتية لهذه القامة الأدبية السامقة، وسرعان ما ولجت إلى المقدمة التي صاغها الكاتب والقاص المعروف عبد المحسن يوسف بريشة متناغمة الخطوط والألوان..هادئة هامسة، كشواطئ جزر فرسان الحالمة، غير أنه لا وجود فيها لأي إشارة أوتلميح أو اشتباه لما يعرف بالسيرة الذاتية..والمذكرات ولا هم يحزنون.غريبة.. عبدالمحسن يتحدث عن كل شيء إلا السيرة، واستمع لعبارته حيث يقول: ( إن أستاذنا الكبير، الأستاذ إبراهيم مفتاح، في "خرف مبكر"، لينهض بمهمة عظيمة لا يدركها إلا العارفون بقيمة الحكاية وولادتها، وبما تلقيه من ظلال، وبما تتركه من أثر في دراسة المجتمعات البشرية...إنه بتسجيل هذه الحكايات الغائرة في الماضي كمن يروض جيادا ذات أعناق نافرة.) ص9.
    وتنتهي المقدمة على نحو غير متوقع بالنسبة لي على الأقل، فالذي أفتش عنه لم أعثر عليه..المهم... مضيت
    أتأمل الكتاب وأدرسه،كان العنوان التالي للمقدمة، هو: " أيام في ضيافة العفاريت " إنه عنوان يحمل نكهة
    الأسطورة كما ترون..لكنه في الحقيقة لم يكن سوى عنوان لمقدمة سريالية، تضج بالرمزية، التي يتقنها المؤلف وهو يشرع لاستظهار سيرته الذاتية ومن ثم عرضها وتقديمها في مقالات مقتضبة وعبارات مشحونة بالشعر،
    قال في المقدمة موجها خطابه إلى شجرة ماّ يتفيأها ...( لم ينظروا إلى جذعك المكتنزة ثناياه بمراحل العمر الغائر في أعماق القدم، ولم يكترثوا بمراحل الزمن المعبأ في امتداد جذورك المتحدية لثنايا الصخور المشرعة حتى أعماق الماء.أجيال تأتي وأجيال ترحل..أطفال يولدون، وكهول يعبرون جسور الحياة إلى ضفاف أخرى، وأنتِ أنتِ ترتدين خضرة الأزمنة)ص13
    ثم يستأنف بعد أسطر قائلا: ( وعلى مقربة مني بئر تفترش أرضية المكان، تتعانق الدلاء في قاعها المستدير،
    ويهزج السقاة المغسولون بالتعب على فوهتها، وهم يدلون دلاءهم، أو ينزعونها بحبالهم التي تستطيع ـ عبر
    الزمن ـ أن تشق شفاه الحجارة على فوهة البئرالتي لا تمل إقعاءها في أبدية المكان، ولا تتبرم بوارديها) ...
    ثم يختم المقدمة بهذه العبارة (ها أنا ذا أيتها الشجرة المعطاء أستعيد زمني الهارب، وأفتح بعضا من شبابيك
    ذاكرتي التي لم تستطع سنوات العمر أن توصدها لأستعيد ملامح أيامي الراحلة، وأحلم بقيلولة مشتعلة بالهجير
    في ضيافة عفاريتك وأشباحك الجميلة) ص14

    هكذا جاءت المقدمة دون إشارة أو تنويه من قبل الكاتب ،بل أرسلها على غرة فيما يشبه الأحجية، التي يتوقف حلها وكشف النقاب عنها من تلقاء القارئ وباجتهاده الشخصي.
    والمعنى واضح، ولا أجد السياق يحتاج منا إلى عناء التفتيش عن مرجعية سحيقة، لربط مدلول الشجرة والإستظلال، والبئر التي لا تتبرم بوارديها..إلى ما انتهى إليه من عزم على استعادة الزمن الهارب وفتح شبابيك الذاكرة..ومهما يكن فإن اقتراف تدوين السيرة الذاتية أمر حساس جدا، وكما يحمل من العظة والعبرة، بوصفه خلاصة لتجربة إنسانية عميقة، ففيه مافيه من المحاذير التي ربما تسبب ذكرها في الغياب التام والحرمان، من جهتي لا ألوم الأستاذ إبراهيم مفتاح عندما يقدم خلاصة تجربته الحافلة على هذا النحو الذي بين أيدينا، وما يبدو عليه من مرونة، تجعل المتلقي يستغرق بين سطورة، لا فرق بين من قرأ قصصا عتيقة وطرائف ضاحكة،ومواقف هزلية، وبين من قرأ سيرة ذاتية، بتقنية عالية تلامس الذروة، في مهارة مهنية لا مزيد عليها..
    فلقد وضع الكاتب نصب عينيه كل القدرات الإستقرائية للمتلقي، وأودع سيرته أسلوبا سيجعل القارئ يراهن على حضور مدرسة الأبشيهي عند المنافرة..فإذاً.. لعلنا نقول تجاوزا بأن غياب الاحتمال الأول سيبعد شبح هذا الخرف المبكر مما ينتظره في الغد من المساءلة التاريخية، لوصنف على أنه مذكرات أو سيرة لأديب سعودي، والتاريخ له خطوطه الأفقية والعمودية..ولكن من يفتش عنها هنا سيعثر عليها بالتأكيد، واحتمال آخر يطل بإلحاح..وهو أن من يعرف شخصية إبراهيم مفتاح عن كثب يدرك كم هو رجل عصامي، شديد الأنفة، لا ينثني لعواصف الحياة الهوجاء،مهما أبدت من صلف وقسوة..والسيرة الذاتية مدعاة لذكر جملة من المنعطفات،والنقاط التي تؤثر في سير الحياة، ورتم إيقاعها سرعة وإبطاءً، ولهذا نجده يذكر قصصا يعزوها لأبطال آخرين،هكذا أحسبها، لما قد تثيره من تفسيرات وتكهنات، وهي بعيدة عما يقصده، ولو كنت مكانه لما وجدت غضاضة في نسبتها إليّ، ولرفعت صوتي بما يعتمل في صدري، دون اصطناع الاعذار والمبررات، لمن لم ينزلوا الناس منازلهم..أو يعرفوا لأفذاذ الأمة مكانتهم وأقدارهم..لكنه آثر استكمال الرحلة معتمدا على ما أعد لها من متاع، ودون أن تفسر نظراته الواهنة تحت وطأة وعثاء السفر، بأنها ضعف وانكسار.ورغم قراءتي لما احتواه "خرف مبكر" إلا أنني أحتفظ لكاتبه بما قرر الإحتفاظ به لنفسه، غير أنني أكتب للتاريخ، وقد أكون شاهدا عليه، ومن هذا المنطلق رغبت أن أفضفض قليلا، وأحلق بالمقدار الذي يسمح به التحليق، في سماوات هذا السفر ، دون أن أفسد على القارئ متعته في التحليق أيضا، ولعلي أكون مغضبا لأستاذ الأجيال، بامتطائي صهوة التأويل والتفسير، وعذري في ذلك أنه طرحه للقراءة وأنا هنا أمارس حقا مشروعا..
    أيها المتابعون الكرام أهلا بكم في حلقات، أقرأ فيها ما تيسر من "خرف مبكر" ،للكاتب السعودي الكبير،إبراهيم بن عبدالله مفتاح. متمنيا لكم تحقق المتعة والفائدة.
  • محمد بن مسعود الفيفي
    عضو الملتقى
    • 20-10-2009
    • 70

    #2
    (الحلقة الثانية)

    لم يكن اختيار العنوان "خرف مبكر" من قبيل التنصل أوإخلاء المسؤولية من طرف الكاتب؛ وإنما لسبب سنعرفه لاحقا، فها هو يقدم للتاريخ وثيقة مهمة، تزخر بالكثير من التفاصيل الدقيقة، فيما يبدو لأول وهلة أنها لحياة مجتمع مصغر، يتطابق مع محيطه الأوسع في الخصائص والسمات، نعم هي في واقعها كذلك، غير أن العدسة التي رصدت هذا الواقع كانت منصوبة أساسا لملاحقة إبراهيم مفتاح، عبر مراحله العمرية المختلفة إلى أن تخطى عتبة السبعين، إنها ترصده في محيطه الجغرافي العام، مع استخدام تقنية "الزوم" لتضييق المشهد أوفتح دائرته اتساعا. لهذا جاء العنوان في صورة تنزع للعبثية، التي تخفي وراءها دلالة فلسفية عميقة، يمكن أن نعزوها للمدرسة السريالية،"بما تحويه من شطحات العقل الباطن، وهلوسة عالم الأحلام الزاخر بالهواجس والآلام والآمال".
    ليس ذلك فحسب بل وما تفتق عنها من الرمزية "بما تحويه من صور مشوشة مضطربة، تجمع بين الجمال والقبح، والأسطورة والواقع".
    قلتُ: بما أن الشخصية التي يتمحور حولها هذا العمل ويدور في فلكها رصدا وتسجيلا،هي شخصية الكاتب نفسه، فها نحن نراه يمارس حريته الكاملة في اختيار عتبات الولوج للنص، كتأكيد على الإستقلال التام، عندما يقدم سيرته الذاتية، باللافتة التي تحلو له، حتى وإن كانت خرفا يهديه : "إلى كل أولئك الذين أنعم الله عليهم بنعمة النسيان"ص5.
    ولماذا تستأثر هذه الفئة تحديدا بالإهداء؟.. لأصحاب نعمة "النسيان"؟ أولئك الذين تموت الأشياء في ذاكرتهم، وتبتلعها الثقوب السوداء، وتتلاشى تماما من السجلات التاريخية؟ مع أن الواقع يؤكد لنا إن الكاتب يبعث الحياة والخلود، في جسد حكاية أنيقة صادقة، تضج بالقيم السامية والمثل النبيلة، وتسعى إلى تكريس الخير والسلام، بشكل عرضي تلقائي، وبلا تكلف أو إقحام.
    وفي هذا الإهداء نعثر على ذات الملمح الفلسفي الذي عثرنا عليه قبلا في عنوان الكتاب، فإذا كان يعتبر خلاصة تجربته ضربا من التخريف، فإن المستودع الذي يليق بها هو "النسيان"!!، وأتساءل :هل نحن كذلك حقا؟ أي: هل نقابل تجارب العظماء وأفذاذ الأمة على هذا النحو من الجحود والنكران، فتتخطاها الأعين وتتجاوزها النظرات.. ونتعاطى معها على أنها تخاريف وخطرفات وهذيان، تنساب تحت وطأة الكبر، وتقادم السنين؟ ..هل صحيحٌ بأن ذاكرتنا أقل شأنا من أن تستوعب تلك التجارب العميقة من عصارات الأذهان المتقدة، فتموت أمامنا وتذهب أدراج الرياح، في خضم الحياة المتلاطم دون أن يحفل بها أحد؟.
    يأتي هذا التشاؤم المنطقي في عيني مفتاح، عندما يشاهد موت الحميمية، والدهشة، والإنتماء، وتذبذب المفاهيم ،في نفوس الأجيال المعاصرة، إلى الحد الذي يشعره بمرارة الإغتراب، فيقول بأسى: "...وأتجرع غربتين، غربة الماضي بأنفاسه في ثنايا غابرات الأيام، وغربة الحاضر الذي يصدق فيه قول المتنبي :غريب الوجه، واليد، واللسانِ"ص15.
    تلك الغربة تثير لديه شجنا خاصا، وتجعله يفصح ـ بقلق واضح ـ عما يعتريه من مخاوف حيال موت الذاكرة لدى الجيل الذي يشاهده، وتصوروا جيلا بلا ذاكرة، كيف سيكون عطاءه وبذله، عندما يتسلم مسؤولياته، ويقوم على تشكيل وصياغة الوجدان للأجيال اللاحقة..وهو بلا ذاكرة تحفزه، وتؤثر فيه، وتمكنه من أداء دوره المستقبلي بفعالية يُطمئن لها؟..
    يقول: " كلما أعادتني الذكريات إلى غابر الأزمان، يشطرني إحساسي إلى شطرين : شطر أشفق على نفسي منه، لأنني أحس أنه ألقاني وسط زحام أشعر بغربتي فيه، وشطر آخر أشفق منه على الآخرين ـ ممن جاؤا بعدي ـ وأكثر ما يضاعف إشفاقي ، هذا الوهم الذي يتلبسني وهو وجود جيل بلا ذكريات" ص17.
    وإذاً... فهي مخاوف لها مايبررها في وجدان هذا الرجل التربوي الكبير، وأعود فأذكّر القارئ بأن المقتطفات السابقة اقتبستها من المقالة الثانية، تحت عنوان "ذكريات قريتنا الصغيرة" ، وكما أسميت المقالة الأولى بالمقدمة، فإن التسمية التي أجدها مطابقة لهذه المقالة هي (التمهيد) الذي يهيئ ذهن القارئ ويأخذه إلى الاندماج والاستغراق في ثنايا هذه الرحلة، عبر بضع وستين مقالة، تتدرج به في الصعود انطلاقا من الطفولة، والذاكرة المبكرة،إلى الفتوة والمراهقة، ثم الشباب والكهولة، وهو عندما يذكرها فأنه يسميها شيخوخة، وبما أن مفتاح ما يزال في قمة عطائه الفكري رغم ذلك الوصف الذي لا أجده يتطابق مع واقع الحال..فإن من محاسن الصدف أن يتزامن نشرهذه
    المقالات مع ذكرى ميلاده الثاني والسبعين في عمر مديد إن شاء الله، وبهذه المناسبة التي قد تثير عارضا من الشجن..ندعوا الله لكاتبنا الجميل بطول العمر ومزيد من التوفيق والعطاء .



    وللحديث بقية...

    تعليق

    • محمد بن مسعود الفيفي
      عضو الملتقى
      • 20-10-2009
      • 70

      #3
      ـ3ـ
      قبل أن تتحرك العدسة الافتراضية لمتابعة حياة مفتاح، فإنها تذهب لتقديم صورة حية للبيئة التي ولد فيها، ونشأ وترعرع، عبر مجموعة من اللقطات القصيرة والمنتقاة بمهارة، فتبدو لنا القرية بتفاصيلها المختلفة، حينما يقدمها الكاتب عن طريق الـ"flash back" فينزاح الستار عن مشهد حي مفعم بالحركة، متكامل الأبعاد، للقرية التي " مازالت تتنفس الصباحات الشاعرة وتبتكر زقزقات العصافير التي مازالت هي ـ أيضا ـ تنسج أعشاشها على هامات النخيل، وفي حنايا أغصان شجر المِرح" ص16، لصباحاتها التي تعج بالحركة الصاخبة "المترعة بنداءات [العصابين] ، وأصوات بائعي الأسماك في منعطفات أزقتها العتيقة"ص17. وساعات الظهيرة لـ"أصوات حناجر أطفالها وهم يرفعون عقيرتهم بالدعاء.. [يا الله بالناشر] ليهزُّ جذوع نخيلها الباسقات ليساقط رطبها ثمرا جنيا يملأ زنابيل السقطة المدلاة في أيدي أطفالها الحالمين بقيلولة ينيخون فيها لهاث تعبهم وشقاواتهم على حافة هَرشَة تملأ بطونهم الصغيرة الخاوية شبعا، وتثقل أجفان عيونهم المنهكة بغفوة تتراكض في ساحتها جياد الأحلام الطفولية الوادعة" ص16، والظرف الزماني الذي يختار الصبح، والظهيرة، لإيداعه حركة الحياة في القرية، بما يحتويه من عناء الركض والمكابدة، فإن المشهد للظرف الزماني الأخير نجد فيه القرية " تتشح بغيوم المساء الموسمية وبقطرات هاتنتها التي تغسل الرؤوس والنفوس معا، فتمنحنا سماء صافية بعد فاصل من سياط البرق وزمجرة الرعد "ص18، والسياط والزمجرة هنا، إحالة جميلة لتختصر تفاصيل النهار المضني..فإذن تلك كانت بيئة النشأة التي قدمها في مشهد نموذجي، بما تضمنه من وصف للقرية استوعب الأزمنة الثلاثة لنهارها.
      وعندما نقرأ سيرة ذاتية لرجل أنفق عمرا في سلك التربية والتعليم، فإننا لن نجد عنتا في العثور على مفتاح الولوج إليها، وهنا في "خرف مبكر" يمكننا اصطحاب "المفتاح التربوي" الذي سيرشدنا إلى بواعث الجملة فضلا عن النص، والعمق هو ما يميز التجربة التربوية للأستاذ الفاضل إبراهيم مفتاح، حيث نلمسها بجلاء في كل عطاءاته الشعرية والنثرية، لكنها استحالت هنا إلى قضية تستحوذ على تفكيره . فلقد لمس كتربوي بأن هناك فروق شاسعة بين طفولته وأقرانه، وطفولة الجيل المعاصر،من حيث الاستيعاب، والمبادرة، والتفاعل مع ما هو خارج الذات..وبتأمل واستقراء لمكامن الخلل ومواطن الضعف، تبين له بأن التلقين وحشو أذهان النشء بالمعلومات النظرية، طريقة غير مجدية، وذات صلة مباشرة في إعاقة التفكير الإبداعي. يقول: "في أزمنة طفولتنا، أعتبر أن حظوظنا كانت سعيدة، لأنها كانت تعلمنا وتعلم القائمين على تربيتنا معالم طرق الإبتكار، سواء في أدوات ألعابنا الطفولية أو إبداع أهازيجنا الغنائية"ص19. فهذه البيئة التي قد توصف بالبدائية والحرمان، إلا أن التربوي الفذ لم يرفض كل شيء فيها، بل استل ما وجده إيجابيا معتبرا ذلك حظا وافرا، يصب في صالح التفاعل التطبيقي والابتكار لدى الطفل..بينما وجد الأجيال المعاصرة مغمورة بمعطيات العصر المادي الذي ابتكر وأبدع نيابة عنه، وقدمها له في منظومة متسارعة كان آخيرها" التلفزيون الذي الغى ـ بالصوت والصورة ـ كل محاولات الإبتكار في دواخل طفولتنا وذائقة القائمين على تربية أجيال الطفولة المتأخرة" نفس الصفحة .
      ولم يكن وحده الحس الإبداعي الذي سحقته التكنولوجيا المعاصرة في نفوس الجيل الجديد، بل وأيضا الوجدان العاطفي الذي تولد على تخومه العُرَب الموسيقية الشجية فيتشكل عنها النغم العذب الشفيف، ليعبر عن مشاعر الحنين والإشتياق،ولقد كان ذلك "قبل أن تطفئ وسائل العصر الحديثة في أعماقنا لهيب معاناة الأسفار، وجذوة
      الاشتياق إلى العائدين بعد طول الغياب..كان فرحنا بالقادمين لا يوصف"ص19. جاء هذا في معرض حديثه عن الأناشيد الطفولية التي كانوا يبتكرونها ويتغنون بها في صباهم على غرار "ياعجامة.. هُبِّي هُبِّي".
      وعندما يعلن تبرمه الشديد من المعطيات المعاصرة، فإنما يأتي ذلك في الإطار التربوي نفسه..فهو يجدها عائقا أمام الدفق الحكائي الذي كان يرضعه الطفل بعيد حليب أمه، ليستعاض عنها اليوم بحكاية زائفة، لا التصاق فيها بالمحيط الخيالي أوالواقعي..وتجيء بعيد رضاعة صناعية لا حميمية فيها ولا دفء.
      وإذا أقبل الليل العصري فإنه يأتي ملوثا بوهج الضوء الشديد، والسيل الإعلامي الجارف، وضجيج عجلات الآلة الدائرة، بينما " كان الليل ألفة، والعتمة سمرا، وحكايات الجدات مواعيد تمنحنا الإنتظار لجلساتهن المترعة بالمفاجآت المكتنزة بالأحداث الممزوجة بالحقيقة ، والخيال، والمعقول، واللا معقول"ص23 .
      وكما رأينا فإنه لم يقدم خلاصة تأمله على هيئة تنظير تربوي، بل ساقه في عبارة هادئة لازمُها السرد التسجيلي، ومن شاء فليعتبرها قضية تربوية تستحق الوقوف والتدبر، ومن شاء فليعتبرها غير ذلك، والخيارات متروكة بيد المتلقي..وهذا هو السبب الذي دعاني لهذا العرض.

      وللحديث صلة..

      تعليق

      يعمل...
      X