إعصار من الكآبة الموجعة يجتاحه وهو يضع يده على جبينها ليتلمس حرارة هذا الجسد الغض ،بعض الحاضرات استكبرن عليه تلك الحركة،وهو ليس بالنسبة لها سوى زميل عمل،ثم حول يده ووضعها هذه المرة على يدها البضة ،وسط ذهول الحاضرات ورحن يرمقنه بنظرات الريبة والاستغراب...كانت يدها قطعة ثلج بارد وناعم.
ملقاة على فراش بسيط ، تئن،تتآوه ،عيناها الساحرتان غارتا في رأسها،كانتا نصف مفتوحتين.
إن النوبات الصحية تأتي دوما على غير موعد،ودون أدنى إشارة . كانت في هذا المساء قد اشتكت من ارتخاء عام قاومته فحضرت إلى المدرسة، والتقيا عند الباب الخارجي،وشكت له حالها ،وكعادته حاول أن يرفع قليلا من معنوياتها، وهج حارق يومض في مقلتيها،كان خليطا من كآبة ويأس وألم أصابه في صميم القلب .
صحيح أنه يحس أنها أجمل ما في قلبه وعينيه، وأنها تملأ عليه حياته بإشراقها الربيعي الدائم، في عينيها العسليتين إله إغريقي يجمع شظايا الوجود بكلتا يديه ولا يملك غير أن يذوب تحت قدميها،وينسى ما ينوء به من أوجاع...يعز عليه أن يراها ،ها هنا، دون أن يكون بمقدوره فعل شىء ما ليعيد للعينين العسليتين بريقهما الصاعق...
ظلت سناء في تلك الليلة رهينة لآتها الثلاث
ــ أنحملك إلى أقرب مدينة ؟ لا
ــ استعملي البراسيتامول فهو يخفض درجات الحرارة ويخفف الألم. لا
ــ لن نتركك وحيدة هذه الليلة إحدانا سوف تقضي معك الليلة؟ لا
سناء عصية على الفهم سجنت روحها بعيدا عن كل تقارب مهما كانت طبيعته،تعشق أن تظهر دوما قوية لا تواجه،وتأبى أن تستلم للوهن مهما بلغت حدته،وكانت على كل ذلك قادرة ...منهارة الآن ، هيّ في أدنى مراتب الضعف،تقاوم نوبة المرض بصلابة وجنون...
تأمل وجهها المشرق الحزين على ضوء الشموع المتراقص مع هبوب النسمات الآتية من النوافذ الخلفية ،فأحس بأن هذه الليلة قد حفرت في مجرى قلبه أخدودا عميقا ،وبأن عواصف حزن لا تقهر قد استوطنت شعاب روحه ،رفع رأسه نحوها
وبأدب وحياء قال:
ــ لابد أن يراك الطبيب..
نظرت في عينيه مليا ولم ترد إلا بهذيان غامض، التفت إلى الجميع ،فرأى الحيرة تحاصرهم .وارتباكا قاتلا يلون نظراتهم،كل الأصدقاء والصديقات هنا ،حتى اللذين لم يكن يسمح لهم بالمرور ببيتها أو يتحاشون جاءوا..هاهم حول سريرها،حيث جسدها الفاتن ملقى في بقعة الألم.
وإذا كانت الأحاديث والتساؤلات قد توالت عن سر هذا المرض الغامض..ثم توالت بعد ذلك دون منطق وربما دون ضرورة
ودون مغزى أيضا، فقد كانت رغبة الجميع هي ضرورة نقلها فورا إلى المستشفى لإجراء الكشوفات الضرورية و تلقي العلاج ..
دون أن تدري حملوها إلى سيارة الكولف العتيقة ،لقد خانتها قدرتها عن المقاومة هذه المرة ..
ودون انتظار تحركت السيارة كان يقودها وعيناه محمرتين ربما أنه يعاني ضغطا داخليا..كان بادي العصبية..يواجه معها ما تواجه...وبدا تائها ضائعا..أما حين انعطفت السيارة على اليمين تاركة وراءها ذلك المسلك الترابي المتعب،فقد أطبق الصمت على الجميع،ومضت السيارة العتيقة تمخر عباب طريق صحراوي طويل ،وإنارتها المتوسطة تقاوم أمواج ظلام دامس،وحين استرق النظر في المرآة كانت مدثرة بملاءتها في حضن صديقتها فيزداد الجحيم بين أضلعه اشتعالا، ويشرد في فضاء كئيب غير أن منعرجات الطريق كانت تشد انتباهه...
وانحدرت السيارة نحو السفوح الشرقية ولاحت باقة من الأضواء على بعد مسافات من ظلام ومنعرجات ، أضواء مدينة صغيرة حنطت منذ ولادتها لا يسري عليها قانون التطور ولا نصيب لها من كعكة الوطن إلا الإقصاء المطلق،
حين أنهى الطبيب في مكتبه البسيط والمتخلف إجراءاته المعتادة ، وحقنها بجرعة مهدئة عاد البريق الباسم يتوهج من جديد ومن ثغرها أطلت بسمة خجول في وجوه الحاضرين ،حالتها ليست خطيرة بعد أسبوع يمكن لها أن تستأنف عملها بصورة عادية ،قال الطبيب ....
في طريق العودة كان ضباب من الرمال الناعمة المسافرة تدفعها ريح رعناء،يحد الرؤية ويشاكس القيادة المتزنة لأحدث أنواع السيارات فما بالك بسيارة كولف عتيقة، في عمر جدة سناء،لكنها رغما قاومت بضراوة،ومضت تعالج منعطفات طريق خال وموحش ،بحكمة وثبات...
ارتطام العجلات على الإسفلت،زفير الرياح الشرقية الساخنة وهي تلطم السيارة بعنف،يكرسان مناخ الوحشة والصمت ،ويفتحان أبواب الذات على مصراعيها،لتبدو الصور في أروع تجلياتها: الليل والصحراء والحب والألم ،وحين يغمر العشق هذا المشهد تلتحم جزئيات الذات المتنافرة...
هذه الكولف العتيقة لم تعد كذلك، غدت نيزكا ملتهبا يمتطيانه معا نحو فضاءات غريبة وعذبة ، وتخيل أن كل ما جرى له في حياته على امتدادها ما هو إلا مرور اضطراري عبر سراديب الوجع للوصول إلى عالم سناء المتموج،وسنوات قضاها
يطارد سرابا هاربا على انبساط صحراء موحشة،عطشه الحارق للحب يسبقه في كل حكاية ليعجل بنهايتها
...حكاية وراء حكاية.
..وهو يلهث
،يردد شعاره لكل ليل ليلاه
ويلهث بظمأ حارق ....وحين أشرقت سناء سقطت كل الأغصان الزائفة،واكتشف لحظتها أنه مع سنــــــــاء إنسان مختلف غير الذي تعوّد أن يكونه...
ملقاة على فراش بسيط ، تئن،تتآوه ،عيناها الساحرتان غارتا في رأسها،كانتا نصف مفتوحتين.
إن النوبات الصحية تأتي دوما على غير موعد،ودون أدنى إشارة . كانت في هذا المساء قد اشتكت من ارتخاء عام قاومته فحضرت إلى المدرسة، والتقيا عند الباب الخارجي،وشكت له حالها ،وكعادته حاول أن يرفع قليلا من معنوياتها، وهج حارق يومض في مقلتيها،كان خليطا من كآبة ويأس وألم أصابه في صميم القلب .
صحيح أنه يحس أنها أجمل ما في قلبه وعينيه، وأنها تملأ عليه حياته بإشراقها الربيعي الدائم، في عينيها العسليتين إله إغريقي يجمع شظايا الوجود بكلتا يديه ولا يملك غير أن يذوب تحت قدميها،وينسى ما ينوء به من أوجاع...يعز عليه أن يراها ،ها هنا، دون أن يكون بمقدوره فعل شىء ما ليعيد للعينين العسليتين بريقهما الصاعق...
ظلت سناء في تلك الليلة رهينة لآتها الثلاث
ــ أنحملك إلى أقرب مدينة ؟ لا
ــ استعملي البراسيتامول فهو يخفض درجات الحرارة ويخفف الألم. لا
ــ لن نتركك وحيدة هذه الليلة إحدانا سوف تقضي معك الليلة؟ لا
سناء عصية على الفهم سجنت روحها بعيدا عن كل تقارب مهما كانت طبيعته،تعشق أن تظهر دوما قوية لا تواجه،وتأبى أن تستلم للوهن مهما بلغت حدته،وكانت على كل ذلك قادرة ...منهارة الآن ، هيّ في أدنى مراتب الضعف،تقاوم نوبة المرض بصلابة وجنون...
تأمل وجهها المشرق الحزين على ضوء الشموع المتراقص مع هبوب النسمات الآتية من النوافذ الخلفية ،فأحس بأن هذه الليلة قد حفرت في مجرى قلبه أخدودا عميقا ،وبأن عواصف حزن لا تقهر قد استوطنت شعاب روحه ،رفع رأسه نحوها
وبأدب وحياء قال:
ــ لابد أن يراك الطبيب..
نظرت في عينيه مليا ولم ترد إلا بهذيان غامض، التفت إلى الجميع ،فرأى الحيرة تحاصرهم .وارتباكا قاتلا يلون نظراتهم،كل الأصدقاء والصديقات هنا ،حتى اللذين لم يكن يسمح لهم بالمرور ببيتها أو يتحاشون جاءوا..هاهم حول سريرها،حيث جسدها الفاتن ملقى في بقعة الألم.
وإذا كانت الأحاديث والتساؤلات قد توالت عن سر هذا المرض الغامض..ثم توالت بعد ذلك دون منطق وربما دون ضرورة
ودون مغزى أيضا، فقد كانت رغبة الجميع هي ضرورة نقلها فورا إلى المستشفى لإجراء الكشوفات الضرورية و تلقي العلاج ..
دون أن تدري حملوها إلى سيارة الكولف العتيقة ،لقد خانتها قدرتها عن المقاومة هذه المرة ..
ودون انتظار تحركت السيارة كان يقودها وعيناه محمرتين ربما أنه يعاني ضغطا داخليا..كان بادي العصبية..يواجه معها ما تواجه...وبدا تائها ضائعا..أما حين انعطفت السيارة على اليمين تاركة وراءها ذلك المسلك الترابي المتعب،فقد أطبق الصمت على الجميع،ومضت السيارة العتيقة تمخر عباب طريق صحراوي طويل ،وإنارتها المتوسطة تقاوم أمواج ظلام دامس،وحين استرق النظر في المرآة كانت مدثرة بملاءتها في حضن صديقتها فيزداد الجحيم بين أضلعه اشتعالا، ويشرد في فضاء كئيب غير أن منعرجات الطريق كانت تشد انتباهه...
وانحدرت السيارة نحو السفوح الشرقية ولاحت باقة من الأضواء على بعد مسافات من ظلام ومنعرجات ، أضواء مدينة صغيرة حنطت منذ ولادتها لا يسري عليها قانون التطور ولا نصيب لها من كعكة الوطن إلا الإقصاء المطلق،
حين أنهى الطبيب في مكتبه البسيط والمتخلف إجراءاته المعتادة ، وحقنها بجرعة مهدئة عاد البريق الباسم يتوهج من جديد ومن ثغرها أطلت بسمة خجول في وجوه الحاضرين ،حالتها ليست خطيرة بعد أسبوع يمكن لها أن تستأنف عملها بصورة عادية ،قال الطبيب ....
في طريق العودة كان ضباب من الرمال الناعمة المسافرة تدفعها ريح رعناء،يحد الرؤية ويشاكس القيادة المتزنة لأحدث أنواع السيارات فما بالك بسيارة كولف عتيقة، في عمر جدة سناء،لكنها رغما قاومت بضراوة،ومضت تعالج منعطفات طريق خال وموحش ،بحكمة وثبات...
ارتطام العجلات على الإسفلت،زفير الرياح الشرقية الساخنة وهي تلطم السيارة بعنف،يكرسان مناخ الوحشة والصمت ،ويفتحان أبواب الذات على مصراعيها،لتبدو الصور في أروع تجلياتها: الليل والصحراء والحب والألم ،وحين يغمر العشق هذا المشهد تلتحم جزئيات الذات المتنافرة...
هذه الكولف العتيقة لم تعد كذلك، غدت نيزكا ملتهبا يمتطيانه معا نحو فضاءات غريبة وعذبة ، وتخيل أن كل ما جرى له في حياته على امتدادها ما هو إلا مرور اضطراري عبر سراديب الوجع للوصول إلى عالم سناء المتموج،وسنوات قضاها
يطارد سرابا هاربا على انبساط صحراء موحشة،عطشه الحارق للحب يسبقه في كل حكاية ليعجل بنهايتها
...حكاية وراء حكاية.
..وهو يلهث
،يردد شعاره لكل ليل ليلاه
ويلهث بظمأ حارق ....وحين أشرقت سناء سقطت كل الأغصان الزائفة،واكتشف لحظتها أنه مع سنــــــــاء إنسان مختلف غير الذي تعوّد أن يكونه...
العربي الثابت/المغرب
تعليق