قمر الصحاري البعيدة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • العربي الثابت
    أديب وكاتب
    • 19-09-2009
    • 815

    قمر الصحاري البعيدة

    إعصار من الكآبة الموجعة يجتاحه وهو يضع يده على جبينها ليتلمس حرارة هذا الجسد الغض ،بعض الحاضرات استكبرن عليه تلك الحركة،وهو ليس بالنسبة لها سوى زميل عمل،ثم حول يده ووضعها هذه المرة على يدها البضة ،وسط ذهول الحاضرات ورحن يرمقنه بنظرات الريبة والاستغراب...كانت يدها قطعة ثلج بارد وناعم.
    ملقاة على فراش بسيط ، تئن،تتآوه ،عيناها الساحرتان غارتا في رأسها،كانتا نصف مفتوحتين.
    إن النوبات الصحية تأتي دوما على غير موعد،ودون أدنى إشارة . كانت في هذا المساء قد اشتكت من ارتخاء عام قاومته فحضرت إلى المدرسة، والتقيا عند الباب الخارجي،وشكت له حالها ،وكعادته حاول أن يرفع قليلا من معنوياتها، وهج حارق يومض في مقلتيها،كان خليطا من كآبة ويأس وألم أصابه في صميم القلب .
    صحيح أنه يحس أنها أجمل ما في قلبه وعينيه، وأنها تملأ عليه حياته بإشراقها الربيعي الدائم، في عينيها العسليتين إله إغريقي يجمع شظايا الوجود بكلتا يديه ولا يملك غير أن يذوب تحت قدميها،وينسى ما ينوء به من أوجاع...يعز عليه أن يراها ،ها هنا، دون أن يكون بمقدوره فعل شىء ما ليعيد للعينين العسليتين بريقهما الصاعق...
    ظلت سناء في تلك الليلة رهينة لآتها الثلاث
    ــ أنحملك إلى أقرب مدينة ؟ لا
    ــ استعملي البراسيتامول فهو يخفض درجات الحرارة ويخفف الألم. لا
    ــ لن نتركك وحيدة هذه الليلة إحدانا سوف تقضي معك الليلة؟ لا
    سناء عصية على الفهم سجنت روحها بعيدا عن كل تقارب مهما كانت طبيعته،تعشق أن تظهر دوما قوية لا تواجه،وتأبى أن تستلم للوهن مهما بلغت حدته،وكانت على كل ذلك قادرة ...منهارة الآن ، هيّ في أدنى مراتب الضعف،تقاوم نوبة المرض بصلابة وجنون...
    تأمل وجهها المشرق الحزين على ضوء الشموع المتراقص مع هبوب النسمات الآتية من النوافذ الخلفية ،فأحس بأن هذه الليلة قد حفرت في مجرى قلبه أخدودا عميقا ،وبأن عواصف حزن لا تقهر قد استوطنت شعاب روحه ،رفع رأسه نحوها
    وبأدب وحياء قال:
    ــ لابد أن يراك الطبيب..
    نظرت في عينيه مليا ولم ترد إلا بهذيان غامض، التفت إلى الجميع ،فرأى الحيرة تحاصرهم .وارتباكا قاتلا يلون نظراتهم،كل الأصدقاء والصديقات هنا ،حتى اللذين لم يكن يسمح لهم بالمرور ببيتها أو يتحاشون جاءوا..هاهم حول سريرها،حيث جسدها الفاتن ملقى في بقعة الألم.
    وإذا كانت الأحاديث والتساؤلات قد توالت عن سر هذا المرض الغامض..ثم توالت بعد ذلك دون منطق وربما دون ضرورة
    ودون مغزى أيضا، فقد كانت رغبة الجميع هي ضرورة نقلها فورا إلى المستشفى لإجراء الكشوفات الضرورية و تلقي العلاج ..
    دون أن تدري حملوها إلى سيارة الكولف العتيقة ،لقد خانتها قدرتها عن المقاومة هذه المرة ..
    ودون انتظار تحركت السيارة كان يقودها وعيناه محمرتين ربما أنه يعاني ضغطا داخليا..كان بادي العصبية..يواجه معها ما تواجه...وبدا تائها ضائعا..أما حين انعطفت السيارة على اليمين تاركة وراءها ذلك المسلك الترابي المتعب،فقد أطبق الصمت على الجميع،ومضت السيارة العتيقة تمخر عباب طريق صحراوي طويل ،وإنارتها المتوسطة تقاوم أمواج ظلام دامس،وحين استرق النظر في المرآة كانت مدثرة بملاءتها في حضن صديقتها فيزداد الجحيم بين أضلعه اشتعالا، ويشرد في فضاء كئيب غير أن منعرجات الطريق كانت تشد انتباهه...
    وانحدرت السيارة نحو السفوح الشرقية ولاحت باقة من الأضواء على بعد مسافات من ظلام ومنعرجات ، أضواء مدينة صغيرة حنطت منذ ولادتها لا يسري عليها قانون التطور ولا نصيب لها من كعكة الوطن إلا الإقصاء المطلق،
    حين أنهى الطبيب في مكتبه البسيط والمتخلف إجراءاته المعتادة ، وحقنها بجرعة مهدئة
    عاد البريق الباسم يتوهج من جديد ومن ثغرها أطلت بسمة خجول في وجوه الحاضرين ،حالتها ليست خطيرة بعد أسبوع يمكن لها أن تستأنف عملها بصورة عادية ،قال الطبيب ....
    في طريق العودة كان ضباب من الرمال الناعمة المسافرة تدفعها ريح رعناء،يحد الرؤية ويشاكس القيادة المتزنة لأحدث أنواع السيارات فما بالك بسيارة كولف عتيقة، في عمر جدة سناء،لكنها رغما قاومت بضراوة،ومضت تعالج منعطفات طريق خال وموحش ،بحكمة وثبات...
    ارتطام العجلات على الإسفلت،زفير الرياح الشرقية الساخنة وهي تلطم السيارة بعنف،يكرسان مناخ الوحشة والصمت ،ويفتحان أبواب الذات على مصراعيها،لتبدو الصور في أروع تجلياتها: الليل والصحراء والحب والألم ،وحين يغمر العشق هذا المشهد تلتحم جزئيات الذات المتنافرة...
    هذه الكولف العتيقة لم تعد كذلك، غدت نيزكا ملتهبا يمتطيانه معا نحو فضاءات غريبة وعذبة ، وتخيل أن كل ما جرى له في حياته على امتدادها ما هو إلا مرور اضطراري عبر سراديب الوجع للوصول إلى عالم سناء المتموج،وسنوات قضاها
    يطارد سرابا هاربا على انبساط صحراء موحشة،عطشه الحارق للحب يسبقه في كل حكاية ليعجل بنهايتها
    ...حكاية وراء حكاية.
    ..وهو يلهث
    ،يردد شعاره لكل ليل ليلاه
    ويلهث بظمأ حارق ....وحين أشرقت سناء سقطت كل الأغصان الزائفة،واكتشف لحظتها أنه مع سنــــــــاء إنسان مختلف غير الذي تعوّد أن يكونه...




    العربي الثابت/المغرب

    التعديل الأخير تم بواسطة العربي الثابت; الساعة 30-05-2010, 10:03.
    اذا كان العبور الزاميا ....
    فمن الاجمل ان تعبر باسما....
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    التأمل العميق عند قراءة القصة يكشف ان هناك حب متأجج يكمن وراء الوصف والسرد الراق
    تحيتي و مودتي استاذ العربي الثابت
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • العربي الثابت
      أديب وكاتب
      • 19-09-2009
      • 815

      #3
      الأستاذة المتألقة الرائعة مها
      أسعدت صباح اليوم وأنا ارتشف قهوة الصباح بمرورك الدافيء هنا...
      بوركت سيدتي ولك أعطر التحايا وأصدق مشا عر المحبة والتقدير..
      كوني بخير ....
      العربي الثابت
      المغرب
      التعديل الأخير تم بواسطة العربي الثابت; الساعة 14-12-2009, 10:52.
      اذا كان العبور الزاميا ....
      فمن الاجمل ان تعبر باسما....

      تعليق

      • العربي الثابت
        أديب وكاتب
        • 19-09-2009
        • 815

        #4
        [align=center]هذا النص لم ينل حظه من العرض ...
        أعيده هنا من أجل ذلك،فشكرا جزيلا لكل من قرأه وسجل انطباعاته وانتقاداته،خصوصا وقد كتب منذ أكثر من عقد
        تحاياي الخالصة [/align]
        اذا كان العبور الزاميا ....
        فمن الاجمل ان تعبر باسما....

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          نعم .. يبدو أنه لم ينل حقه ، من القراءة و المطالعة
          و يبدو أني تخلفت عنه .. أقرأته سابقا .. لا أدري
          و لكني أحس بألفة معه ، لا أدري مصدرها .. هل
          الأسلوب العربي الثابت الذى تعودت ؟!
          ربما .. و لكنه يقول لي .. أنا بدايات فى رحلة القص الجميل
          أنا الحب الذي كان ذات يوم ، و تفجر ذات مرض ليزهر الربيع

          أحتاج للوقوف أمامه قليلا
          فعذرا صديقي

          لي عودة

          محبتي
          sigpic

          تعليق

          • م. زياد صيدم
            كاتب وقاص
            • 16-05-2007
            • 3505

            #6
            ** الاديب الراقى العربى......

            نعم .. هو الحب الصادق والذى قرع بوابة قلبه بالرغم من جمهور قد دخل وخرج سريعا.. الا انها سناء..هى من حفرت اخدودها فى اعماق قلبه..

            تحايا عبقة بالزعتر............
            أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
            http://zsaidam.maktoobblog.com

            تعليق

            • إيمان الدرع
              نائب ملتقى القصة
              • 09-02-2010
              • 3576

              #7
              هذه الكولف العتيقة، لم تعد كذلك..
              غدت نيزكاً ملتهباً يمتطيانه معاً..
              نحوفضاءات غريبة وعذبة..
              العربي..أيّها الثابت:
              وصف رائع للحظة توهّج الحب الصادق في الرّوح..
              حيث الكون كلّه يتحوّل إلى..معبدٍ عشقٍ تلتقي في محرابه النفوس التي
              طهّرها الحبّ من كلّ ذنب..وضياع..
              مبدع..أخي الثابت...
              حتى عن قهر المحبّين...
              دُمتَ بسعادةٍ....تحيّاتي...

              تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

              تعليق

              • عائده محمد نادر
                عضو الملتقى
                • 18-10-2008
                • 12843

                #8
                • أحيانا يحتاج المحبين للكزة خفيفة كي يظهروا مشاعرهم الحقيقية أمام الحبيب وبطلك هنا كان المرض حافزا لأن يفضح مشاعره دون أن يخشى عيون الآخرين .. لا أحب عيون المتطفلين على العشاق لأنها تحرجهم وأحيانا تجرح مشاعرهم
                • الزميل القدير
                • العربي الثابت
                • اشتقنا لك زميلي فقد غبت طويلا
                • مودتي لك


                حتى أنتهي!!

                حتى أنتهي !! شعور غريب صار يراودني, كلما رأيت امرأة تتأبط ذراع زوجها, تلتصق بجنبه كأنه سيطير منها, تظل عيناي تراقبهما بحسرة, حتى يختفيا, ومرارة تعلق بفمي, أظل بعدها, أبتلع ريقا بطعم القيح المر! أزدرد خذلاني, أهرب لأعمال المنزل, أختلقها مذ ذاك اليوم اللعين الذي كنت فيه في الطابق العلوي, هربا من رائحة حفرة العفن, أشاغل نفسي
                الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                تعليق

                • العربي الثابت
                  أديب وكاتب
                  • 19-09-2009
                  • 815

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                  نعم .. يبدو أنه لم ينل حقه ، من القراءة و المطالعة
                  و يبدو أني تخلفت عنه .. أقرأته سابقا .. لا أدري
                  و لكني أحس بألفة معه ، لا أدري مصدرها .. هل
                  الأسلوب العربي الثابت الذى تعودت ؟!
                  ربما .. و لكنه يقول لي .. أنا بدايات فى رحلة القص الجميل
                  أنا الحب الذي كان ذات يوم ، و تفجر ذات مرض ليزهر الربيع

                  أحتاج للوقوف أمامه قليلا
                  فعذرا صديقي

                  لي عودة

                  محبتي
                  أستاذي الفاضل ربيع..
                  أسعدني مرورك هنا ،
                  أجل كان هذا النص من الخطوات الأولى على هذا الطريق الصعب ،ولكن برفقتكم الطيبة غدا سهلا وعذبا..
                  تحايا المحبة لروحك الطيبة ..
                  أخوك العربي
                  اذا كان العبور الزاميا ....
                  فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                  تعليق

                  يعمل...
                  X