ميتا ولدتُ كأنني .. !
موتي يدق عليّ روحي كلما استيقظتُ من حرفي عليلا ..
هو يعتريني كلما أفلت من نبضي قليلاً ..
كلما أسلمت للإسمنت أسألتي القديمةَ
كلما وضّأت بالكبريت وجهي
موتي يعذبني بأسئلة كثيرة
تلك التي تحكي الشواطئ والضفافَ
هنا وفي أرض العراقْ
الشمس لاهبة وأسئلة التنافر والشقاقْ
الموت يلحق بي وأسأله التريث ريثما ...
وتجوس في رأسي الوساوس والهواجس كلما ...
بغداد أهدت دمعة للقدس
أو نثرت بقايا عطرها فوق المآذن والقباب ..
الموت حق يا فتى رغم الرحيل
فحضوره الصوفيُّ
يحملني إلى يوم سماوي جديدٍ
ألتقي فيه النجومَ
ولا أتوب بعيد موتي
من دموع محبتي بغداد والنهرين
والتاريخ يزهو في الشوارع والنخيل
********
لمّـا خرجت إلى الظلامِ
ودثّرتني بالبياض القابلةْ
ألقيتُ قابضتي القماشةَ
عن يديّ ..
خلعتُها عني
وكنت خشيت أني راقد جسدا
تبعثره نوايا القادمين من اللهاثْ
قد كنت جثمانا ، ظننتُ ..
خشيت من هذا البياض يحيط بي ..
وتلعثمت شفتِيْ على ثديِ الحياة
وخلتني أمضي إلى حتف قريب بيدَ أني
أصبحت في عمر الصبا ..
ألفيتُ موج البحر يتبعني كسرب من قطا ..
فخشيته ، واشتد نبض القلب ..
خلتُ الرمل يرصدني ..
ويسعى نـحو أقدامي الصغيرة أن تخون القلبَ
أسقط بين أسماء الذين تعثروا بالموج يوماً ..
لم أزل أخشى من البحر الممكّن بالشباكِ وبالعواصف والقدرْ ..
أخشى التناغم بين ماء البحر ؛ يفرش سحره فوق الرمال ، وبين غائلة القمر ..
أمتد .. تمتد المياه على مدي العينين .. تمشي تحت رجليّ النوايا السودُ .. ينهمل المطر ..
وأضيقُ ينحسر اللهاث .. وتكتفي بالموج ناصية السماء .. فينحني نصف انـحناءٍ .. موجةٌ أخرى وأرجعُ ..
كنت أرقب أن يدوّخني احتراب الرمل والموج الذي اقترف الجماجم والعظامْ
في الأفق عاصفة ينوء بثقلها قلعُ الشراع ِ
تموج خاصرة السفينة بالضجيج وتمّحي ..
أوجست لكن ما عبئت بلون خوفي
في الأفق كانَ ... رأيت هالته الكبيرةَ ..
قلت ذاك السندباد ،
فإن سقطتُ يمد لي يده القديمةَ ..
كنت أحسبني سأغرقُ ..
عدتُ محمولا على وهمي الصغيرِ ..
ولم أزل حياً ..
وأنظرُ أن أموت ..
********
يا سندبادَ الرافدينِ
أتيتُ من أرض بعيدةْ
لم ينته التطواف بعدُ
فلم تزل سفن الرحيل تجوب فوق الغيمِ أرصفة المنافي ، حيث لا عشبٌ ولا ماءٌ ولا وجهٌ قبيحٌ أو حسنْ
شيدتُ فوق مشيئة اللاشيء أهرامي الهشيمةْ
وأكلتُ طينَ الأرض ؛ أنبتَ ساعدي الخُشُفَ القديمةْ
أُنسيتُ وهجَ الياسمينِ
وصار حرفي كالحصى
وقصيدتي صارت رجيما من حجارةْ
يا سندباد الرافدينْ
ما عدتُ ذيّاك الفتى اليرجو النجاة إذا أفاق الموج يوما عابسا
قسّمت روحي بين هذا البحر والنهر المخيّط بالدماءْ
في دجلةَ الموجوعِ كنت قد التقيت برافد يغلي
وقال الناس : هذا من دموع الغيم أيام الرشيدْ ..
قالوا لنا : هو دمع هارون الرشيدِ ؛ فملتُ ألثم جرحهُ ..
وتركت فوق مزاجه المخنوق روحاً طفلةً
تبكي هناك مع الذين أتت قيامتهم ؛ فلم يتناثروا مثل الفَراشِ ، ولم تقم للكاهن المنبوذ في أوصالهم نذر القيامةْ ..
*******
يا سندبادُ ، إذا احتوتكَ الأرضُ في بغداد والمدن الشهيدةْ
فاذهب إلى أرواح من ماتوا
ورتل فوقهم آي الكتابِ
وقل لهم هذي القصيدة
لا تنس أن ترقى نوافذ سجنهم
اقرأ عليهم آية الكرسيِّ ..
تجلُ بها تباريح الكآبة
واذكر لهم طرفا من التاريخ عن أمجادهم
واذكر بطولات الصحابةْ
وعلى لساني قل لهم :
طفل تمر عليه أحلام الصغار ، رأى الفرات وكل أبناء العراق توضؤوا ، صلّوا .. وجاء من السماء مؤذن في الناس ، ألقى خطبة التحرير : حي على الشهادة
وغدا سيغدو البحر خاتمة المقابر ، آخر الأنباء عن زبد المنافي ، وغداً يخط البحر خاتمة الضياع ، وآخر الأمواج تلفظ آخر النفط الذي قتل المحارَ ، ويبرئ النهران أورام السياسة
تصحو من الغثيان .. من وجع الجفون براعم الرمانِ
والنخل الذي ـ عقَمتهُ أشباح الظلام ـ يثوب من إثم الجفاف ، ويرتدي دفء الضلوعْ
فيذوب وجه الثلج في مدن الشمالِ ، يرق لون الشمس في مدن الجنوبِ ..
فقل لهم يا سندباد
بأن من رهَب الظلام
جنى النهار
تعليق