النـفــــــــــق
تتعقبني الكلمات منذ الأزل . تنهال علي من كل الاتجاهات . ترغمني على إفراغ جوارحي ودماغي فأقاوم لاني اعلم أن ما يختزنه الدماغ والقلب والجوارح صعب المنال وأن بلوغ الشمس والذرى ودرب التبانة أهون من سكب كلمات عسيرة المخاض و لا تولد إلا بدمع ودم . أما تلك التي تراودني ، خناسة ، صفراء ، فتحاصرني لتغلف البر و البحر بغلالة الورد والياسمين وتضوعهما بأريج المسك والعنبر.
وما بين زحف كلمات تطري الجميل وهو ليس جميلا ، وتلك التي تتعفف رافضة ذم القبيح وهو ليس قبيحا ، أغفو و أصحو ، وأسلو واحزن ، واسعد وأشقى ، وأقاوم وأهرب ، واصمد وانهار . فتجد الكلمات الخناسة في أعقابي لتملي علي ما يجعل أناملي تعوج وتتلوى كمن أصابه الصرع ، وتهمس آمرة أن الليل جميل وسيعقبه صباح زاه ليبدأ نهار صحو وأن الأصيل ستهدهده نسمات المساء معطرة بعبير العرعر والسنديان ... لكني على يقين من أن الأخرى ، اعني كلمات الدمع والدم ، ستفور بداخلي وسترغم علي الاندفاع رغم ما يسببه ذلك من ألام وجراح لا تندمل بسرعة ، لتعلن في حزم ومرارة أن الليل طويل ، طويل دامس لا أثر لصبح بعده إلا بعد عقود أو قرون . من يدري ؟ فالنفق لانهاية له في الأمد القريب . ونقطة الضوء التي تتلمسها الكلمات المتمردة تزداد بعدا كلما هفت إليها ... ليل لكل الكلمات ... النفق ليل الكلمات الآمرة . والليل ... ليل الكلمات المقاومة التي تستوحي عنفوانها من ظروف الزمان والمكان . والإنسان في عالم يتدحرج أمام قاطرة الألفية الثالثة لتزج به في متاهات النفق إلى ما لا نهاية وتمزج كل العوالم المستنسخة فلا تميز بين أول وثاني وثالث .
ظرف الزمان ، ظرف المكان ، ظرف الإنسان ... كل ظرف موات لسائح يعشق الذهب الأصفر والأسود ويمقت المزهريات من عهد سومر ، ويجوب مدن ألف ليلة وليلة ليجد شهر زاد وقد أخلفت موعدها مع الصباح فلم تسكت عن الكلام المباح ... ظرف الزمان . أيلول يتلو أيلول رغم الفاصل الزمني بينهما ... ظرف المكان .بغداد و... أيضا بغداد ... ماضي ومضارع ( تحية لسيبويه ) ... ظرف الإنسان . العالم المتدحرج الغي من قاموسه لفظ الإنسان ، حتى ولو كان أشقر ، ازرق العينين . الناس سواسية اليوم أمام المجنزرة التي تحدت راكيل والرشاش الذي قاوم الدرة والعصي والخراطيم التي كافحت جحافل سياتل وديفوس والقاهرة و جاكارطا وسيدني... العالم المتدحرج يتفاءل ويعول على شباب يبني أحلام التسامح ليبعث بها إلى بناية هناك وراء الأطلسي .
النفق ليل . والليل ليل ... تتقدم القاطرة متعقبة فلول الهاربين من ليل النفق السرمدي إلى الليل الآخر بغسقه وسحره ... وفجره . القاطرة تنهب السكة نهبا مغرية تارة و متوعدة تارة أخرى ... ينبعث منها نور ساطع ويبدو داخلها مترعا بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . وبما أن الإنسان خلق ضعيفا جزوعا فإن القاطرة تلقى استجابة لنهمها مشبعة شرهها . وما تبقى أمامها يسير أشلاء بين عجلاتها لترتوي من دمائها وتعطي زخما لانطلاقتها .
لا سبيل لإفساح الطريق أمامها أو تجنبها . فإما امتطاؤها ، أو الاستسلام لعجلاتها . فينضم إليها من آثر الجزرة على العصا . ومن انبهر بها وبنيتها من المتفرجين ، نطوا إليها طواعية شرط أن يتكلموا بلسان واحد ويفكروا بعقل واحد ويكون لديهم إحساس واحد رغم تباين ألوانهم وألسنتهم . كان يقولوا ، مثلا ، إن هذا الليل رائع وسينجلي عن صبح أروع ، وأن الأصيل سيكون بهيا ، والمساء أبهى ، وإلا داسته العجلات النهمة . وحين يساءل البعض : << ماذا لو انتفت الأشلاء ولم تجد القاطرة ما تزدرده من وقود ؟ يجيب بعض الحكماء بهمس حذرا من أن تسمعه آذان النفق :
- لسوف تقتفي أثر الوقود أينما وجد ، وقد تخلقه من لا شيء ولو اضطرها ذلك للنكوص إلى الوراء بحثا عنه . وإذا اقتضى الأمر ألقاء من عليها تحت العجلات لتشحم دواليبها ، فعلت ذلك دون تردد.
- ولكن ألا يؤثر ذلك على مسيرتها ؟ إذ ربما اختلط عليها الآمر ذهابا وإيابا فتخرج من النفق ... وفي هذا خطر عليها .
- صدقت ... قد يقع من هذا القبيل و قد تتسبب دماء الأشلاء القديمة في إصابتها بالصدإ .
- وتتوقف عن الحركة ... نهائيا .
يبتسم الحكيم ويهز رأسه قائلا :
- تماما ... وقد تتفكك أوصالها ... تعرف ؟ كم هي عذبة الأحلام رغم أن أحلام هذا الليل كوابيس .
- وهل تكفي الأحلام لجعل المحال ممكنا ؟
يلتفت إليه الحكيم وقد اختفت الابتسامة من على شفتيه :
- هل لك استعداد لأن تسير أشلاء للعجلات ؟
فتتقد عينا الأخر ويهمس مصرا على أسنانه :
- إذا كانت ستسبب الصدأ لها ... أو تزيغها عن سكتها .
تتعقبني الكلمات منذ الأزل . تنهال علي من كل الاتجاهات . ترغمني على إفراغ جوارحي ودماغي فأقاوم لاني اعلم أن ما يختزنه الدماغ والقلب والجوارح صعب المنال وأن بلوغ الشمس والذرى ودرب التبانة أهون من سكب كلمات عسيرة المخاض و لا تولد إلا بدمع ودم . أما تلك التي تراودني ، خناسة ، صفراء ، فتحاصرني لتغلف البر و البحر بغلالة الورد والياسمين وتضوعهما بأريج المسك والعنبر.
وما بين زحف كلمات تطري الجميل وهو ليس جميلا ، وتلك التي تتعفف رافضة ذم القبيح وهو ليس قبيحا ، أغفو و أصحو ، وأسلو واحزن ، واسعد وأشقى ، وأقاوم وأهرب ، واصمد وانهار . فتجد الكلمات الخناسة في أعقابي لتملي علي ما يجعل أناملي تعوج وتتلوى كمن أصابه الصرع ، وتهمس آمرة أن الليل جميل وسيعقبه صباح زاه ليبدأ نهار صحو وأن الأصيل ستهدهده نسمات المساء معطرة بعبير العرعر والسنديان ... لكني على يقين من أن الأخرى ، اعني كلمات الدمع والدم ، ستفور بداخلي وسترغم علي الاندفاع رغم ما يسببه ذلك من ألام وجراح لا تندمل بسرعة ، لتعلن في حزم ومرارة أن الليل طويل ، طويل دامس لا أثر لصبح بعده إلا بعد عقود أو قرون . من يدري ؟ فالنفق لانهاية له في الأمد القريب . ونقطة الضوء التي تتلمسها الكلمات المتمردة تزداد بعدا كلما هفت إليها ... ليل لكل الكلمات ... النفق ليل الكلمات الآمرة . والليل ... ليل الكلمات المقاومة التي تستوحي عنفوانها من ظروف الزمان والمكان . والإنسان في عالم يتدحرج أمام قاطرة الألفية الثالثة لتزج به في متاهات النفق إلى ما لا نهاية وتمزج كل العوالم المستنسخة فلا تميز بين أول وثاني وثالث .
ظرف الزمان ، ظرف المكان ، ظرف الإنسان ... كل ظرف موات لسائح يعشق الذهب الأصفر والأسود ويمقت المزهريات من عهد سومر ، ويجوب مدن ألف ليلة وليلة ليجد شهر زاد وقد أخلفت موعدها مع الصباح فلم تسكت عن الكلام المباح ... ظرف الزمان . أيلول يتلو أيلول رغم الفاصل الزمني بينهما ... ظرف المكان .بغداد و... أيضا بغداد ... ماضي ومضارع ( تحية لسيبويه ) ... ظرف الإنسان . العالم المتدحرج الغي من قاموسه لفظ الإنسان ، حتى ولو كان أشقر ، ازرق العينين . الناس سواسية اليوم أمام المجنزرة التي تحدت راكيل والرشاش الذي قاوم الدرة والعصي والخراطيم التي كافحت جحافل سياتل وديفوس والقاهرة و جاكارطا وسيدني... العالم المتدحرج يتفاءل ويعول على شباب يبني أحلام التسامح ليبعث بها إلى بناية هناك وراء الأطلسي .
النفق ليل . والليل ليل ... تتقدم القاطرة متعقبة فلول الهاربين من ليل النفق السرمدي إلى الليل الآخر بغسقه وسحره ... وفجره . القاطرة تنهب السكة نهبا مغرية تارة و متوعدة تارة أخرى ... ينبعث منها نور ساطع ويبدو داخلها مترعا بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . وبما أن الإنسان خلق ضعيفا جزوعا فإن القاطرة تلقى استجابة لنهمها مشبعة شرهها . وما تبقى أمامها يسير أشلاء بين عجلاتها لترتوي من دمائها وتعطي زخما لانطلاقتها .
لا سبيل لإفساح الطريق أمامها أو تجنبها . فإما امتطاؤها ، أو الاستسلام لعجلاتها . فينضم إليها من آثر الجزرة على العصا . ومن انبهر بها وبنيتها من المتفرجين ، نطوا إليها طواعية شرط أن يتكلموا بلسان واحد ويفكروا بعقل واحد ويكون لديهم إحساس واحد رغم تباين ألوانهم وألسنتهم . كان يقولوا ، مثلا ، إن هذا الليل رائع وسينجلي عن صبح أروع ، وأن الأصيل سيكون بهيا ، والمساء أبهى ، وإلا داسته العجلات النهمة . وحين يساءل البعض : << ماذا لو انتفت الأشلاء ولم تجد القاطرة ما تزدرده من وقود ؟ يجيب بعض الحكماء بهمس حذرا من أن تسمعه آذان النفق :
- لسوف تقتفي أثر الوقود أينما وجد ، وقد تخلقه من لا شيء ولو اضطرها ذلك للنكوص إلى الوراء بحثا عنه . وإذا اقتضى الأمر ألقاء من عليها تحت العجلات لتشحم دواليبها ، فعلت ذلك دون تردد.
- ولكن ألا يؤثر ذلك على مسيرتها ؟ إذ ربما اختلط عليها الآمر ذهابا وإيابا فتخرج من النفق ... وفي هذا خطر عليها .
- صدقت ... قد يقع من هذا القبيل و قد تتسبب دماء الأشلاء القديمة في إصابتها بالصدإ .
- وتتوقف عن الحركة ... نهائيا .
يبتسم الحكيم ويهز رأسه قائلا :
- تماما ... وقد تتفكك أوصالها ... تعرف ؟ كم هي عذبة الأحلام رغم أن أحلام هذا الليل كوابيس .
- وهل تكفي الأحلام لجعل المحال ممكنا ؟
يلتفت إليه الحكيم وقد اختفت الابتسامة من على شفتيه :
- هل لك استعداد لأن تسير أشلاء للعجلات ؟
فتتقد عينا الأخر ويهمس مصرا على أسنانه :
- إذا كانت ستسبب الصدأ لها ... أو تزيغها عن سكتها .