[align=right]
خطوط مستقيلة...
أمسكت ذراعه بلطف ..قالت بصوت أقرب إلى الهمس.." خفّض السرعة أرجوك ".
الوقت متأخر و أمور كثيرة تنتظرها في البيت و لكنها تكره السرعة..لا يرعبها الموت الا بطريقتين .. حادث سيارة أو غرقا. حين تسمع عن حوادت السير و كيف يمتزج اللّحم البشري بالفولاذ أو عن شباب في ريعان العمر يُنتشلونمن البحر جثثا هامدة.. يقشعر بدنها ..
أغمضت عينيها .. آه..كم جميل أن يموت المرء على فراشه وبين أهله..الموت في حد ذاته مرعب فكيف إذا كان بطريقة مريعة..
"ما بالي أفكر في الموت الأن ؟ لمَ لا أفكر في الحياة ؟.. ,لابد أن أفكر في شيء ما ..الطريق لا يزال طويلا و راديو السيارة معطل منذ شهور و الجرايد تصفّحتها أكثر من مرة .. لم أجد فيها ما يُقرأ ...قهرتني العناوين.."وفاة شابين في...." ,"تفكيك شبكة تتاجر ب..." , " عصابة تستولي على..." ,"نقابات تطالب ب..." ,إنتحار فتاة..." , "عامان سجنا للمعتدي على..." "إرتفاع اسعار..إنخفاض أسهم..."...و قائمة طويلة من المآسي.. ,حتى أنني صرت لا أقرأ في أية جريدة سوى صفحة الثقافة و ..الوفيات. "
تذكّرت ما قاله أحدهم يوما أنه بإمكاننا تغيير تاريج صدور أية جريدة يومية بأي تاريخ آخر...لا فرق ! نفس الأحداث و..السخافات. أوَ ليس التاريخ يعيد نفسه ؟
خفّض من السرعة دون أن يقول شيئا .ساد الصمت . إنطلقت بهما السيارة و.."تعطّلت لغة الكلام "...ليس هناك ما يمكن أن يتحدّثا فيه . هي لا تحب السياسة و هو لا يعنيه الأدب...هي لا تهمها الرياضة و هو لا يتذوّق الشعر..
هي تمارس الحلم و هو يعاقرالواقع .
لا تتعطّل لغة الكلام بين رجل و امرأة الاّ في حالتين.. قمة الإختلاف أو قمة الحب ..ليفسح المجال للغة أخرى ..
[/align][align=right]
منذ البداية جمعتهما لغة غريبة.. شراكة غير مشتركة..أمور كثيرة لم يتفقا فيها و رغم ذلك سار بهما مركب الحياة أشواطا طويلة بهدوء تام حسدهما عليه الجميع ..
نظرت اليه خلسة.. " كيف عشنا معا كل هذا العمر أيها الرجل ؟أم أننا تعايشنا.. ؟ " ربما كان عدم الإتفاق أقصر مسافة بين فكرين " ,أيكون جبران محقا ؟ ألانّنا من شدّة إختلافنا ..إتفقنا !؟
الدّارة الكهربائية ..الموجب و السالب و التيار .تجربة فيزيائية أيام المدرسة الإبتدائية.. أيكون حالنا كذلك ؟
كم أكره الفيزياء و الرياضيات و كم يضايقني المنطق . بإمكان الفيزياء أن تعلّل كل شيء إلاّ العلاقات ..إلاّ الحب. "
كادت أن تضحك بصوت مرتفع. .. " تعايش الأدب مع الرياضيات ! أو زواج الهندسة من الشعر ! هل يكون الأولاد هندسة شعرية أم شعرا هندسيا ؟!
لعل حياتنا معا حربا باردة ..؟. قطعا لا . سلام يغلي ؟ أكيد .,غير أن الغليان ليس سوى في أعماقي . بركان نائم لا أحد يعلم متى سيثور. "
نظرتْ اليه خلسة. هادئ تماما, سحنته مرتاحة, و عيناه على الطريق . يداه تمسكان بالمقود بثقة..
" كم أغبطك !..كم أتمنى لو كنت مثلك !.مرتبة الذات ,مستقرة النفس...أيامك غاية في النظام ..نوم و عمل , و بين هذا و ذاك صديق تكلمه أو جلسة على المقهى أو جريدة بالفرنسية مفتوحة على الصفحة الرياضية...و فقط .
حياتك خط واحد مستقيم بينما حياتي خطوط كثيرة ...مستقيلة ! "
نظرت إليه متمعّنة.. " ترى ماذا يدور في خلدك في هذه اللّحظة ؟ فيما تفكر ؟ أم تراك لا تفكر في شيء.."
إنتبه الى نظراتها.
-"ما بالك ؟ لا تطلبي مني أن أسوق بسرعة أقل. "
-" لا. لا شيء... كنت أريد أن أذكّرك أن نشتري في طريقنا بعض الفاكهة للأولاد."
ما أوسع المسافة بين فكرينا يا رجل !
فكري مساحة لا حدود لها يختلط فيها الأدب بالشعر و الأقوال بالأمثال..فكري تسبح فيه الألفاظ ..تتسابق القوافي .. تتصارع الأوزان و تقفز الحروف... تتراكم فيه قصص و روايات و لغات...و تتزاحم دواوين شعراء و مؤلفات كتّاب و نظريات علم النفس...فكري فوضى من المعاني و التناقضات...ساحة تجمع ثورة غادة وفلسفة جبران و عبرات المنفلوطي و عذوبة الشابي و وطنية درويش و عبقرية العقاد و عظمة طه حسين .
خيالي حقل واسع مخضرّ العشب دائم الضياء يصول فيه أبو فراس على جواد الإمارة و يلوّح المتنبي بسيف الأنفة... يجالس فيه نزار شكسبير و يلتقي فيه بودليير بشوقي ..و..و..و
ترى ماذا يحوي خيالك ؟ لا أدري ...كأنني أشم رائحة بترول ممزوجة بعفن السياسة و عرق الرياضة ..لعل خيالك أيضا محسوب ...بينما أنا حتى حساباتي خيالية !
"الا تنزلين ؟"
إنتبهتْ ..آه .. وصلنا ..لم تشعر بفرملة السيارة..
فتحت الباب و نزلت من على صهوة ..الخيال .
[/align]
ملاحظة : أعتذر من الأخت عائدة عن التشابه غير المقصود مع عنوان قصتها..فقد كتبت هذه القصة منذ سنة تقريبا .
خطوط مستقيلة...
أمسكت ذراعه بلطف ..قالت بصوت أقرب إلى الهمس.." خفّض السرعة أرجوك ".
الوقت متأخر و أمور كثيرة تنتظرها في البيت و لكنها تكره السرعة..لا يرعبها الموت الا بطريقتين .. حادث سيارة أو غرقا. حين تسمع عن حوادت السير و كيف يمتزج اللّحم البشري بالفولاذ أو عن شباب في ريعان العمر يُنتشلونمن البحر جثثا هامدة.. يقشعر بدنها ..
أغمضت عينيها .. آه..كم جميل أن يموت المرء على فراشه وبين أهله..الموت في حد ذاته مرعب فكيف إذا كان بطريقة مريعة..
"ما بالي أفكر في الموت الأن ؟ لمَ لا أفكر في الحياة ؟.. ,لابد أن أفكر في شيء ما ..الطريق لا يزال طويلا و راديو السيارة معطل منذ شهور و الجرايد تصفّحتها أكثر من مرة .. لم أجد فيها ما يُقرأ ...قهرتني العناوين.."وفاة شابين في...." ,"تفكيك شبكة تتاجر ب..." , " عصابة تستولي على..." ,"نقابات تطالب ب..." ,إنتحار فتاة..." , "عامان سجنا للمعتدي على..." "إرتفاع اسعار..إنخفاض أسهم..."...و قائمة طويلة من المآسي.. ,حتى أنني صرت لا أقرأ في أية جريدة سوى صفحة الثقافة و ..الوفيات. "
تذكّرت ما قاله أحدهم يوما أنه بإمكاننا تغيير تاريج صدور أية جريدة يومية بأي تاريخ آخر...لا فرق ! نفس الأحداث و..السخافات. أوَ ليس التاريخ يعيد نفسه ؟
خفّض من السرعة دون أن يقول شيئا .ساد الصمت . إنطلقت بهما السيارة و.."تعطّلت لغة الكلام "...ليس هناك ما يمكن أن يتحدّثا فيه . هي لا تحب السياسة و هو لا يعنيه الأدب...هي لا تهمها الرياضة و هو لا يتذوّق الشعر..
هي تمارس الحلم و هو يعاقرالواقع .
لا تتعطّل لغة الكلام بين رجل و امرأة الاّ في حالتين.. قمة الإختلاف أو قمة الحب ..ليفسح المجال للغة أخرى ..
[/align][align=right]
منذ البداية جمعتهما لغة غريبة.. شراكة غير مشتركة..أمور كثيرة لم يتفقا فيها و رغم ذلك سار بهما مركب الحياة أشواطا طويلة بهدوء تام حسدهما عليه الجميع ..
نظرت اليه خلسة.. " كيف عشنا معا كل هذا العمر أيها الرجل ؟أم أننا تعايشنا.. ؟ " ربما كان عدم الإتفاق أقصر مسافة بين فكرين " ,أيكون جبران محقا ؟ ألانّنا من شدّة إختلافنا ..إتفقنا !؟
الدّارة الكهربائية ..الموجب و السالب و التيار .تجربة فيزيائية أيام المدرسة الإبتدائية.. أيكون حالنا كذلك ؟
كم أكره الفيزياء و الرياضيات و كم يضايقني المنطق . بإمكان الفيزياء أن تعلّل كل شيء إلاّ العلاقات ..إلاّ الحب. "
كادت أن تضحك بصوت مرتفع. .. " تعايش الأدب مع الرياضيات ! أو زواج الهندسة من الشعر ! هل يكون الأولاد هندسة شعرية أم شعرا هندسيا ؟!
لعل حياتنا معا حربا باردة ..؟. قطعا لا . سلام يغلي ؟ أكيد .,غير أن الغليان ليس سوى في أعماقي . بركان نائم لا أحد يعلم متى سيثور. "
نظرتْ اليه خلسة. هادئ تماما, سحنته مرتاحة, و عيناه على الطريق . يداه تمسكان بالمقود بثقة..
" كم أغبطك !..كم أتمنى لو كنت مثلك !.مرتبة الذات ,مستقرة النفس...أيامك غاية في النظام ..نوم و عمل , و بين هذا و ذاك صديق تكلمه أو جلسة على المقهى أو جريدة بالفرنسية مفتوحة على الصفحة الرياضية...و فقط .
حياتك خط واحد مستقيم بينما حياتي خطوط كثيرة ...مستقيلة ! "
نظرت إليه متمعّنة.. " ترى ماذا يدور في خلدك في هذه اللّحظة ؟ فيما تفكر ؟ أم تراك لا تفكر في شيء.."
إنتبه الى نظراتها.
-"ما بالك ؟ لا تطلبي مني أن أسوق بسرعة أقل. "
-" لا. لا شيء... كنت أريد أن أذكّرك أن نشتري في طريقنا بعض الفاكهة للأولاد."
ما أوسع المسافة بين فكرينا يا رجل !
فكري مساحة لا حدود لها يختلط فيها الأدب بالشعر و الأقوال بالأمثال..فكري تسبح فيه الألفاظ ..تتسابق القوافي .. تتصارع الأوزان و تقفز الحروف... تتراكم فيه قصص و روايات و لغات...و تتزاحم دواوين شعراء و مؤلفات كتّاب و نظريات علم النفس...فكري فوضى من المعاني و التناقضات...ساحة تجمع ثورة غادة وفلسفة جبران و عبرات المنفلوطي و عذوبة الشابي و وطنية درويش و عبقرية العقاد و عظمة طه حسين .
خيالي حقل واسع مخضرّ العشب دائم الضياء يصول فيه أبو فراس على جواد الإمارة و يلوّح المتنبي بسيف الأنفة... يجالس فيه نزار شكسبير و يلتقي فيه بودليير بشوقي ..و..و..و
ترى ماذا يحوي خيالك ؟ لا أدري ...كأنني أشم رائحة بترول ممزوجة بعفن السياسة و عرق الرياضة ..لعل خيالك أيضا محسوب ...بينما أنا حتى حساباتي خيالية !
"الا تنزلين ؟"
إنتبهتْ ..آه .. وصلنا ..لم تشعر بفرملة السيارة..
فتحت الباب و نزلت من على صهوة ..الخيال .
[/align]
تعليق