فيض فاض جراء : " عندليب الروح"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    فيض فاض جراء : " عندليب الروح"

    فيض فاض من جراء


    عندليب الروح


    أ.د. حسن الأمراني

    ضاقت بأحلامي فماذا المطلبُ؟ = فيم التشكي والقصائد أرحبُ
    طافت بي السبع الطباق ولم تزل = ترنو لمنزلة سناها صيّب
    يا سائلا عن مذهبي فيما أرى = إن لم يكن قلبٌ ففيم المذهبُ؟
    قلبي إلى الحسنى نماه مشرقٌ = لكن صوتي يصطفيه المغرب

    أنا بلبل في الخافقين مغَردٌ = شفتاي عن قبس النبوة تُعربُ
    والروح يملي والجوانح تحتفي = بالنور يسري والأصابع تكتب
    وهب القصائدَ لي فؤادٌ شيِّق = وجراح أمتي التي تتعذب
    أنا بالجناحين انطلقت وربما = هيض الجناح وما استراح مذرّب

    وتقولُ فاتنة: سلبت مشاعري = زورا ومثلك للمشاعر يسلب
    من زمرة الشعراء أنت، وأنتمُ = زرعا بسحرهم يؤول الطحلب
    وزبرجدا هذا التراب وأنجما = هذا الحصى، فالمستحيل مقرب
    من يلق عن شَرَك البيان تفلتا = يفلت، ومالي عن بيانك مهرب
    لا تدفعي بي نحو هاوية الردى = وأنا فؤادي للشموس مجرّب
    بأبى الشموس الجانحات غواربا = إذ حيث كنا لهن قلبي ملعب
    لكن صوت المجد يمنع مركبي = من أن يزل عن الطريق المركب
    وأنا وهبت القلب أمتي التي = نزفت دما وعدوها متوثب
    هي أمة الآلام منذ تغربت = عن ذاتها يعدو عليها مخلب
    هي وردتي الحسناء أمنحها دمي = طوعا وشعري العندليب المعجب
    هي شوكة في القلب لست أردها = عني، فإيلام الحبيب محبّب

    ماذا أعدّد والجراح كثيرة = والمرجفون عيونهم تتحسّب؟
    وأقل جرح يا حماة ديارنا = يعنو له ذئب ويجأر ثعلب
    لكن أكناف الشام ولودة = والله يقضي، والقضاء مرتب
    طفل تجلى كالشهاب منورا = فعدوه لمصيره يتأهبُ
    لم يثنه عن عزمة نهضت به = أن العدو مدجج متألب
    فقضاؤه ومضاؤه وضياؤه = وبهاؤه الشمس البهية يحجب
    قدر أتى من ذي الجلال مجلجلا = فالأرض تصغي والكواكب ترقب
    حتى متى الأقصى يظل مكبلا = وإلام أمي تستغيث وتندب؟
    وعلام يبشم ثعلب من كرمنا؟ = وعلام يضحى المستغيث ويسغب؟
    قالت حجارته المباركة : ارم بي = فلأنت عندهم القضاء المرعب
    وأنا الحجارة، ما أنا إن لم يكن = كف مصوبة وقلب يضرب؟
    ويعانق الطفل الحجارة ثائرا = لكن سهم الغادرين مصوّب
    أمحمد يا تاج دين محمد = يا من له عرش البطولة ينصب

    يا زينة الأقصى المبارك حوله = يا منبع الثأر الذي لا ينضب
    يا درة الأقصى وأنت شهيده = في مثل سنك كل طفل يلعب
    ويسابق الأحلام وهي غريرة = ويصادق الأنام وهي توثب
    فمن الذي أغرى عدوك بالذي= تنهدّ منه الراسيات وتغضب
    يا درة بين النجوم يتيمة = لا وجه غيرك في الحوادث كوكب
    يا درة ألقت على خطواتنا = نورا وكانت قبلها تتذبذب
    ثبّت أرجلنا على سنن الهدى = فكأن جرحك قام فينا يخطب
    وكأن صمتك خلف والدك الذي= يرعاك للشهب الصواعق ملهب
    ويود لو يحميك من شرك الردى = لكن أسباب المنية تنصب

    وتشد أزر أبيك وهو محاصر = وترد عزم أبيك وهو مغيب
    والعهدة العمرية استصفت، وقد = ركنوا، عزيمتك التي تستصعب
    لم يبق من حجر على آثارهم = إلا ومن نهر الشهادة يشرب
    لم يبق من طير هنالك حائم = إلا إلى خضر المنازل يرغب
    لم يبق من شجر هنالك قائم = إلا وللقضب المنيفة يطلب
    والغرقد الموعود ودّ لو أنه = ما كان يحمي الظالمين ويحدب
    يا درة الأقصى عيونك لم تزل = أبدا مقدسة الملامح تكتب
    عيناك قنديلان من أمل إلى = ظليهما يأوي المخوف المتعب
    والشعر ما لم تمزج آياته = بدماك فهو إلى الغواية أقرب
    أطلقت كالنسر المدل قصائدي = فأنا بهن مصعد ومصوب
    عندي من الحبّ العظيم لأمتي = كنز، وألوية الهوى لا تغلب

    لا يطمعنّك أن تراني معدما = أنا في نعيم قصائدي أتقلب

    انا عندليب الروح من نغماته = ينهل قطر الطيبات ويسكب
    أنا عندليب الروح من نبضاته = تهدي الحيارى، والأجادب تخصب
    أنا عندليب الروح من همساته = صاغ المريدون النشيد وأطربوا
    أنا عندليب الروح، كأسي بالهدى = ثملت، وهل الأرض كأس أطيب؟
    أنا عندليب الروح ليس يشوقني = إلا إلى أرض النبوة مأرب
    أنا عندليب الروح ليس يسوقني = إلا إلى حلل الشهادة موكب
    لا أبتغي غير الأسنة مركب = إن لم يكن إلا الأسنة مركب

    والماء عذب إن ترده على الظمأ = لكن أمواه الشهادة أعذب
    فاطلب بهاء الروح في جوف الدجى = واسكب دموعك ينفلق لك غيهب
    واركب إذا ما قيل : يا خيل اركبي = فنحورنا بدمائنا تتخضّب
    واشرب فديتك لا تكن متألما = فسوى نشيد الروح برق خلّب
    أنا عندليب الروح يسلس جانبي = للطيبين فأمهم أنا والأب
    أصفي الوداد أحبّتي وأذود عن = أعراضهم وأعف إما أذنبوا
    ولقد أودّ العاديات تكرّما = وتعففا عمن يلوم ويعتب

    وإذا خفضت لذي العتاب مودة = مني الجناح فوجه ربي أطلب
    ما زلت تسأل :من أنا ؟ ما مذهبي؟ = يا صاحبي إن الجواب مغيب
    أو تشمل البحر العظيم سقاية = ويطاول النجم المحلق جندب؟
    ألغير أسباب الفضائل أنتمي = ألغير أعراق المكارم أنسب؟
    كفّ السؤال فإن قلبي شاعر= والشاعر الموهوب لا يتحزَّبُ

    (عن مجلة المشكاة " مجلة الأدب الإسلامي " عدد 36/37 سنة 1422/2001)

    فيض فاض جراء "عندليب الروح"



    أملت علي قصيدتكم "عندليب الروح" ما لم تمله كتب البلاغة وحركت أشجاني وهيجت مشاعري, وساقتني سوقا لنقش ما تمليه هواجسها, لما خالطها كلام بلطف كالهواء رقة, ويسيل كالماء عذوبة, يمتزج بالنفوس لنفاسته, ويشرب بالقلوب لسلاسته, فضلا عما زكى الله به الموقف, لما خنقت الدمع حشرجة, على حال أمة.

    بأية رقة طلعت علينا بائيتكم ؟ أتراها راقت للفؤاد وانسابت كالماء العذب الزلل في يوم حر قائظ في تخوم الصحراء ؟ أم تراها استمدت ضابطها من قواعد التجويد فرقت وترققت بمبالغة لما لحقها حرف استعلاء ؟ أم تراها استمدت مصطلحاتها من قاموس الأضداد، لما تأتي بالفكرة وهي صحيحة وعكسها أصح ؟

    نفت القصيدة عن صاحبها التحزب، وأعربت، بالحجج الدامغة، بأن صاحبها لحزب الله انتمى، وإن تنكر لكل انتماء، وفي وقت حزب الله للإرهاب نسب !!!
    بثت القصيدة الشكوى، وفجرت مسكوتا عنه، فلهج اللسان بحرقة الفؤاد ونفث سحرا طار في السماء : شهاب نور أضاء الأرجاء, وقال بلسان حاله, مضاهيا غزالة السماء, وقد ألجم الحياء لسان مقاله, فاستحيا من رب عزيز وهاب :

    ـ أتفصحين بأحلى بيان, وأجلى عبارة, أم بجون الليل اندثري ؟
    فقالت : ـ من نور الله أشرقت عباراتك, ومن نوره أضأت الأرجاء, فازداد بنوري نورك تلألأ، فهو نور على نور. لا تبالي بالحداثة وأحداث الأسنان, عن قليل يمزق الثوب الرقيع, ويبلى ويزهد فيه كل غاد ورائح. أتسهم في رجع صدى الباطل ؟ أم لهم من علم فيخرجوه لنا ؟ لم يدركوا للحياة معنى, ولا مغزى, ولا للموت غاية, ولا أصلا, حاولوا فهم حركات الكون, و سنن الله الكونية, فجاءوا بنظرية الفوضى فيا للأعاجيب.

    جاءنا كتاب ربنا, فيه الهدى والنور, ولكم التيه والضلال, يا متنورين, تلك سنن الله القرآنية تكشف بمزيد بيان عن سننه الكونية, والقصص القرآني بلغ مساحة ثلثه, كاشفا عن تفاعل كلمات الله التامات عبر السير التاريخي, مزيحا للثام عن بديع تناسق الأحداث وترابطها, ليستيقن المستيقنون و يزدادوا إيمانا مع إيمانهم, فيدركوا أخطاء الماضي, و صوابه, و نزوعه الراهن, ومآلاته المستقبلية : إنه كتاب هداية رفع التحدي لكل مخالف في الخلق و الأمر, فما أنفس فرائده, و أثمن فوائده, وأفصح مقاله, وأفسح مجاله. فما يستعذبه المعذب دونه ؟

    إن نسيان الله, ليس عمل العقل, ولكنه من فعل الغفلة, والأمن, وطول السلامة, فهل من رغبة صادقة, لإشراقة يقظة القلوب في نفوسكم, ليهتز المرء من أعماق وجدانه وتنكشف له عوالم انكسفت عنه بفعل جحوده, و قلة مبلغه من العلم ؟ إنها الرحمة المهداة , فهل من مستجيب ؟

    { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ }(البقرة: من الآية109)

    فأين أصوات أقزام تعالت, ممجدة للاتحاد السوفياتي إبانها, ودقت لها الطبول لما هطلت عليها الأموال مدرارا, أو أمطرت عليها القنابل إمطارا. أين الراكعون أمام لينين, وأين المادحون لماركس, واسطالين ؟ ليت من يطلع على أحوالهم اليوم, وبعضهم يلعن بعضا.

    هذا بالأمس القريب حدث, وللحداثة اليوم الصدى والرجع, وغدا الموت والردع, و هلم جرا, لأصنام عبدت من دون الله . فأين المهرب ؟

    {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} (مريم:82)
    بكيت درة, وعلى أمثاله, من الذر الغوالي, تبكي النائح وتشجب, وإليه تمتد الأيادي, متلفعة أو متنمسة, علها به تظفر, أما محمد الدرة, فعليه وعلى أمثاله تبكي السماء والأرض وتبوح.

    وكان ينبغي البكاء, على أموات الأحياء, الذين لا تبكيهم سماء ولا أرض, علهم يستفيقون, ومن نومهم ينهضون, وإلى بارئهم يؤوبون, ويتوبون.

    {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}(الملك:10)

    تباك, عقبته حشرجة, اخنقت الدمع على حال أمة, وبكى القلب إلى ربه، فاستجاب وأجاب:

    {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ}(الحج: من الآية47) و في سورة الإسراء وعد غير مكذوب" {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً}(الاسراء: من الآية7)

    سورة من يتأملها, ويتملاها, تشحذ عزيمته, وتقوي يقينه, وتزيده ثقة بربه : إنها غاية المهاجر إلى ربه. معربة بلسان حالها : كم من كيان انهار واندثر ؟ وما إسرائيل إلا في خبر كان " كان ذلك في الكتاب مسطورا".

    فالنتيجة معلومة، والمتى مجهول، والله يفعل في ملكه ما يشاء، والنصر آت لا محالة، وما علينا إلا فعل الواجب وترك المصير يصير.

    أعربت القصيدة نظما، عن جهاد الكلمة اللينة بأسلوب سهل ممتنع، لا تقوى عليه الشم الراسخات نثرا.

    وأبى القصيد النزول من عليائه، ومن سماء توهجه أرسل إشعاعه، فأضحى بين الأيدي في مشكاة يطلق عبيره وتفوح روائحه وتبوح بمكنونه.وهاجت فاتنة، وعضها غيظ، فأفصحت عما يخالجها بقولها : " سلبت مشاعري " والبوح صدع وتفجير لما أعلنته الملامح، والمشاعر ولم تفهم رسائلها. أصابت في قولها ؛ لكون سحر البيان يسلب اللب والمشاعرن فكيف إذا نقش السحر وعطر بدم الفؤاد، وازدادت جواهره تلألأً ؟ أتلام الفتات وقد لا تكون الجواهر أتم إشراقا, إلا بتمام النفس البليغة, في فضيلتها, أو رذيلتها على السواء ؟

    صدقت, وما صدقت, وجنوح دعوتها للملامة تهرب, ولدروب الهوى تتنكب : صبابة كأس حزنا تسكب, و تهرق عند العيش الرغيد الأطيب، جاءت في كبريائها, تتلاعب, و للقلب الحزين تتنمس, صيدا طريا تجلب, وله الجوانح والجوارح تهتز وتطرب. فلما دنت دنوها, وأقبلت إقبالها, وفي عنفوان شبابها تتبرج، شواها القلب الحزين بعبارة " من سجيل " تلطفت, بلطف الوصية بالقوارير.

    أيا حسن، أحسنت فعلا, وسددت أبواب المطامع, فلا تجرؤ بعدها جريئة, وقد سلقت الأولى, بغير ماء حار, ولا نار، لكنك أسأت أيضا, لما حجرت واسعا : هل النور يهدى ويسدى لفئة دون الفئام ؟ أم أكرمت الجواهر الغاليات, وصنتها, عن غير من يقدر قدرها ؟ فاللغة مبعدة عن الريادة في أوطانها, و أحرى لها السيادة : يرميها الإباحيون و العلمانيون و الرسميون عن قوس واحدة، وعلى وتيرة واحدة، فهذا يخدش حياءها، والآخر يهدم بفأس الحقد عظمتها, وثالث يؤخرها إبعادا لها, وإمعانا في إخراجها من الواقع, وآخر يلوي عنها و يعرض...

    قالوا عنها بافتخار : إنها ثالث لغة في العالم. قلت : تلك رتبة العالم الثالث, ولن أرض غير ما اصطفاه الرحمن واختاره من لغات العالم في أعلى الدرجات.
    فأين المصطفى المختار لرب العالمين مما اجتباه الناس؟
    سأل حداثي: من أنت ؟ عله يطلق مكبوتا, ويكشف الوجه الآخر, أو لعل مارد يخرج من القمقم مزمجرا, وعن أنيابه مكشرا, أو لعله يستنهض أنانية, فتعرب عن الحيثيات الاجتماعية والثقافية والأدبية و...لكنه صدف نظما, ذكره فضل الله على صاحبه, وأظهر فنه, وأخفاه وراءه, و كشف عن سمته, كيف ينبغي أن يكون المرء حليما في موضع الحلم, فهيما في موضع الحكم, مقداما في موضع الإقدام, محجما في موضع الإحجام, تصيبه السيئة لتختبر الحسنة, و تبلوه الخيانة لتجد الوفاء, و يكترثه البغض ليجد الحب, وتأتيه اللعنة لتجد المغفرة, إن سألت عن ضابط الحركات, والسكنات, وجدت خشية الله دافعا, وكابحا : حال تنهض من سبات, وتدفع النشء لتسابق الخيرات, وطلب وجه الله.

    ما قصدت مدحا, ولم أقل زورا, ولم أغش فجورا, لكنها مواصفات أبرزتها الأبيات, من بين ثنايا السطور, معربة عن سيرة ذاتية لكاتبها. أترى السائل استخرج هذه المواصفات, وكشف اللثام عنها, أم لوى وأعرض, وطرح النظم الأرض.

    فجزى الله السائل عني خيرا, لكونه مفتاحا جر فضلا وللصدف الغالية صيدا, فضلا عما سال في أثرها من مداد و ما حفلت به المجالس و النوادي.

    التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 21-12-2009, 19:19.
    http://www.mhammed-jabri.net/
يعمل...
X