يوم إمرأة...
بدأ الضوء يتسلّل عبر زجاج النافذة ببطء ليغمر الغرفة معلنا ميلاد يوم جديد..
فتحت عينين مرهقتين. مدّت يدها إلى المنبّه .. السّادسة و النصف..لم تعد بحاجة إلى ضبطه .. سنين زواجها التسع برمجت عقلها على نفس التوقيت كل صباح . نهضت رغم الشعور بالتعب...ستوقظ الأولاد أولا ..و تحضّر الفطور قبل أن توقظ زوجها..لم تنم إلاّ بعد منتصف اللّيل. لم يتوقف الرّضيع عن البكاء ..قضت الليل به في غرفة الصالون حتى لا يوقظ بكاؤه أحدا .لا زال يعاني من مشكل الغازات ..أخبرها الطّبيب أن تصبر وأن حالته ستتحسن بعد أشهر. "الصّبر ؟ عندي منه ما لو وزع على البشر جميعا لكفاهم . "
نظرت في المرآة وهي تغسل وجهها,لا تذكر آخر عهد لها مع المرايا..
"يوما ما سأنسى أنّ لي وجها!" ..مشطت شعرها بسرعة و.. بحركة آلية لفّته في المنديل ودخلت المطبخ ...
تذكّرت الموعد المؤجل منذ شهور مع الحلاقة و مع طبيب الأسنان و زيارة وعدت بها إحداهن...
أجّلت نصف حياتها يوم تزوجت منه, و مع كل ولادة طفل من أطفالها كانت تؤجّل جزءا من النصف الآخر..فصارت حياتها كلّها مشروعا مؤجلا.
"ترى متى سأعيش ؟و هل الحياة تنتظر ؟ "
الثامنة صباحا. إتجه الإولاد إلى المدرسة و زوجها إلى عمله..طبعا بعد أن تأكّد من أناقته و لمّع حذاءه جيدا..موظف كبير في شركة مرموقة لابد أن يكون دائما في أحسن صورة....و ماذا عنها ؟
شهادة اللّيسانس في الحقوق لا تزال حبيسة درج المكتبة ..و تنام معها منذ سنين أحلامها و آمالها.
آمال امرأة كانت يوما ما إنسانا.
يبدأ يومها و يبدأ السّباق مع السّاعة..ترتيب الغرف , الإهتمام بالرضيع , تحضير الغداء ..و..و..
يصرّ زوجها أن يكون الأكل منوّعا و ساخنا و جاهزا على الطاولة فور دخوله.. مشغول دائما..لا وقت يضيّعه في الإنتظار...
إبتسمت و هي تحضّر الأكل.." أقرب طريق إلى قلب زوجك معدته.. "يا لها من شتيمة ! ..هذه إهانة لأي رجل.."
"حتى لو كانت صحيحة فهي لا تقنعني ..قلبٌ تكون المعدة طريق إليه لا يلزمني .. لا يغريني بالوصول إليه..ثم أليست المعدة بيت الداء؟ ألا يصيبك هذا الطريق بعسر إحساس و قرحة مشاعر؟ ..ربما هذا يفسّر إصابة بعض الرجال بإمساك في الحنان و الحب و إسهال في الظّلم و الجبروت !"
طلبتْ منه أكثر من مرة أن تستعين بخادمة فرفض..
" لا أثق في أحد..و لا أريد أن يدخل بيتي شخص غريب ".
"طبعا هل لديك فكرة عما أعاني ؟"
منتصف النهار. دخل الأطفال و جلَبتهم وهو و صمته ...أنهي طعامه. قالت ' هنيئا ' .
' شكرا ' قالها باقتضاب شديد كأنّ الكلمات تحرق شفتيه .. لو كان أكل خارجا ربما أثني على نوعية الخدمة و مهارة الطباخ !
بعد الظهر يبدأ الشوط الثاني من يومها الذي يشبه أي يوم..
عندما نام إبنها مع العصر فرحت بالقليل من الوقت .تصفّحت الجريدة على النت..لا تدري لماذا تشعر بأن الجرائد اليومية تعمق الشعور بالإحباط ...
تأملت صفحة " مساحة للمرأة "..مقالات عديدة.." الوردي الفاقع لهذا الصيف " , "تخلصي نهائيا من البثور " ," لا تتركي الشك يهدّد حياتك الزوجية " و "حلوى باللوز لذيذة و سريعة "...ما أفيدها مساحة! هذه هي المرأة إذن.موضة و مكياج و طبخ و زوج ! تشبه إلى حد ما امرأة العصور الأولى..
يأتي المساء ثم اللّيل بنفس الروتين ..
عندما ينام الجميع تكون هي مستيقظة..دائما بعض الأشغال تنتظر..
تتأكّد من نظافة المطبخ و الحمام.تلقي نظرة على الأولاد و هم نيام .تطفئ النور في الغرف الأخرى.
تدخل غرفتها ربما لتنام .
و دائما.. هي آخر من يودّع النهارو أوّل من يستقبله..
تعليق