مأساة قرد
-1 -
[align=justify] أحس بالخجل يتدفق ممتزجاً بالعرق من مسام جسمه الفارع وهو يمشى إلى جانبه للمرة الأولى في الشارع.. حيث كل شيئ وأي شخص يمكن أن يكون فريسة سهلة لنظرات العيون المتطلعة النهمة للسائرين والواقفين.. ويأتي الخطر دائماً من عيون المتسكعين بلا هدف.. الباحثين عما يملأ وقتهم الخالي من المتعة والفارغ من أي هدف أو مغزى للحياة.
حاول أن يتناسى أنه يمشى بجانبه رغم وجوده المحسوس الذي يفرض نفسه على العين والأنف والأذن.. تطلع بنهم بين مفضوح إلى فتاة متفجرة الأنوثة تمشى على إيقاع غير مسموع.. فتتحرك أعضاء جسدها الفاتن المثير بإبهار في تناغم ملفت للأنظار.. انتزعه من أفكاره التي كانت تكدره ضيق ملابسها الجلدية والتصاقها الفاضح بلحمها مظهرة أدق تفاصيل جسدها الرائع فلفحه لهيب الإشتهاء الشبق.. جاوبته بنظرات مقتحمة مستهينة.. تحركت شفتاها.. لم يتوقع ما قالته بدلال وغنج وهي تضحك بكل قسمات وجهها :
- أخوك التؤأم ؟ الشبه كبير وواضح.
أعجبتها النكتة التي صنعتها في التو واللحظة فتمادت في الضحك بخلاعة.. ود لو دق عنقها الجميل.. كظم غيظه بمشقة .. استشعرت الفتاة الشقية الخطر.. أسرعت في خطاها قبل أن يتأزم الموقف فيتفجر.. واضح أنه لا يتذوق النكته أو ربما لم تعجبه هذه بالذات.. ولم يتوقع من صاحبة جسد فاتن حضور البديهة.. نظر إلي رفيقه من أعلى.. تمنى لو صرخ في وجهه منفساً عن غيظه وشعوره بوخز الخجل المؤلم بإلحاح.. تطلع إليه رفيقه بنظرات منكسرة تعتذر بذلة عما يسببه له من حرج فهو يحس أن رفقته ثقيلة على قلبه.. صدرت عنه همهمة حزينة .. تبعه وهو يلهث ليجاري خطواته السريعة الواسعة.
فرض صفير قطار وجوده على ضوضاء الشارع المختلطة الأصوات.. نظر ناحية المقطم الشامخ مستهيناً بكر الأيام في عناد لا يلين.. كان لصفير القطار نفس سحر " افتح يا سمسم " .. انفتح باب الذكريات ببطء يحتمه ما علاه من صدأ التناسى ومحاولة النسيان.. بدأت صورة الأقصر تهل على استحياء.. النيل ومعبد الكرنك بأعمدته العملاقة وتماثيل الملوك الغابرين وأوثان آمون وما كانوا يَّدعون غيره من أرباب ... والنقوش على الجدران بما تثيره من حيرة الغموض .. ومسجد العارف بالله أبي الحجاج الأقصري يعتلى الصرح الضخم بشموخ.. ذكريات المولد وموكب القوارب والصوفية أرباب الأشاير تهوم مطلقة أسهم قوس قزح المحملة بالمشاعر المتداخلة وأطياف لا تحصى ألوانها.. كانت جدته كل أسرته.. لم ير أباه سمع أنه سُحق تحت صخرة عملاقة وهو يكد في مقلع للحجارة.. لم يفهم ما قيل له حين سأل عنه في صغره.. الآن يفهم بعد أن أذاقته الحياة من مر قسوتها.. ولكن ما لم يفهمه حتى الآن لماذا انتهت حياة أبيه بعنف قاس وهو يكدح لقاء قروش معدودات؟! أما أمه .. " ياحسرة قلبي عليها " كما كانت تقول جدته بأسى كلما ذكرتها ثم تمصمص شفتيها بوجد بين " كانت حورية ضلت طريقها إلى الجنة دار النعيم فجاءت إلي الأرض دار الشقاء فماتت وهى تلدك بعد أن شربت المر بعد موت أبيك ".. كان يستمع إلي جدته وكأنها تحكى له " حدوتة ".. ولكن " الحدوتة " لم تكن تنتهى " بالعيش في تبات ونبات " وإنما بانخراطها في بكاء يهز كيانها النحيل الذي برته الأيام والليالى فيرتمي في حضنها يبكي لبكائها إلى أن تشفق عليه فتربت على رأسه وتهدهده ثم تتصنع الضحك والدموع لا تزال تتسابق على خديَّها وتقول بحنان ملائكي : " ألن تأكل فطيرتك بالزبدة خبزتها للغالي ابن الغالية ".. ثم تزيد في إغرائه .. " وعسل أسود وعود قصب خد الجميل مليح يا سيد الملاح ".. كان يسرع إلى الأكل وجدته تدغدغه وتقول " اترك لي قطعة من الفطيرة لست البرين أمك حبيبتك " ثم تتنهد وهم تغمغم " أخطأ من سماني ست البرين .. ولكنها أسامي لا تشتري ولا تباع ".. دارت عجلة السنين دون أن يصدر عنها صوت يشى بدورانها.. كبر وحباه الله بسطة في الجسم.. فكانت جدته التي لم تنجح السنون رغم قساوتها في قهر حيويتها.. تربت بحنان أم وحنو جدة على كتفه العريض وكأنها تخشى أن تحسده " ما شاء الله.. الله أكبر.. صرت ياوليدي مثل ملوك المعبد ".
-2-
صرخ رفيقه متألماً.. استفاق من حلم الذكريات الذي حلقت روحه خفيفة طليقة في آفاقه الرحبة.. توقف.. انحنى عليه.. لاحظ أن قدمه اليمنى مجروحة ينزف الدم منها.. أخرج شظية من الزجاج من باطن قدمه الصغيرة بينما الألم يدفعه لصراخ يوجع القلب.. أشفق عليه.. شعر بالذنب يخزه.. تلاشت مشاعر الخجل من رفقته بقدرة قادر.. لمح ثعباناً يبخ سمه في كأس.. حمله برفق.. اتجه نحو الصيدلية بسرعة وهو يغمغم لنفسه.. " لم أكن أحسب أن دم القرد أحمر ".. تسلل صدى صوت عم " إدريس " ورجعه من عالم آخر إلي سمعه : " ارفق به ياوليدي .. إنه من لحم ودم ".. عبس الصيدلى .. نهره بغلظة فظة ملوحاً بقبضة يده طارداً له ولرفيقه.. توسل وترجى بذلة لا تصدر إلا عمن من وطأه الفقر.. أخرج الجنيه الوحيد الذي معه.. أعطاه للصيدلى.. طهر الجرح وضمده وهو يسب و يلعن " على آخر الزمن نداوي القرود .. هزلت والله ".. كان ينفس عن غضبه من حياته التي تزداد مرارة مع عربدة غول الغلاء وهو الذي يحمل على كتفيه عبئاً ثقيلاً.. انتهى.. دفعه للخارج بقرف وقسوة فكاد أن يقع وهو يحمل القرد بذراعيه القويين.. رغم عملقته فرت دموع المهانة والذلة تلسع خديه.. ارتمى على الأرض تحت ظل شحيح لشجرة هرمة والتصق القرد به مستمعاً بدفقة الحنان التي تلقاها لأول مرة منذ خرج معه .. مرت أمامه الفتاة ذات الملابس الجلدية التي سخرت منه تحمل أكياساً منتفخة بما فيها من أطايب.. نهض القرد وهو يعرج.. حياها باحترام مبالغ فيه.. انحنى ثم استقام.. أدى تحية أقرب إلي العسكرية دون يأمره صاحبه بذلك.. ضحكت الفتاة ضحكة مجلجلة بتأثير المفاجأة وإصرار القرد على تحيتها رغم إصابة قدمه.. ألقت إليه بتفاحة حمراء تسر الناظرين .. تلقفها القرد ببراعة مما زاد من سرور الفتاة وجذلها.. أخرجت ورقة مالية جديدة خضراء من فئة العشرين أخذها القرد وواصل زفة الشكر على نغمات ضحكها الطروب الذي يطرد الهم المزمن في التو واللحظة.. ناوله القرد الورقة المالية ثم تردد لحظة قبل أن يعطيه التفاحة أيضاً.. دس الورقة في جيبه بحرص.. قضم قضمة كبيرة من التفاحة ثم ردها للقرد الذي نهشها متلذذاً.. سحبه خلفه برفق.. لحق بالفتاة.. " عنك يا هانم " .. حمل الأكياس عنها.. سار خلفها وهى تتجه ناحية سيارتها.. لم يستطع أن يمنع نفسه من متابعة حركة ردفيها المحشورين في البنطلون الجلدي ولكن يتحركان بصنعة.. وضع الأكياس في السيارة بعناية.. ووقف بأدب ينتظر أن يلبى لها أي أمر.. خجل من نفسه حين غضب عندما داعبته.. جلست خلف عجلة القيادة.. وشت ملامحها الفاتنة بانشغالها في التفكير.. رست على قرار.. فقالت بلهجة السادة الآمرة : " عندي حفلة.. ما رأيك أن تأتي معى لتسلى ضيوفي أنت وهذا القرد الظريف وسأكرمكما ".. لم يتردد للحظة قال بخضوع من جاء من سلسال خدم : " خدامك أنا والقرد يا هانم ".. انبسطت نفسه فقال : " اسمى أبو زيد أما القرد فاسمه مبروك ".. نظرت إلي بنيانه المتين وبرقت النشوة في عينيها وقالت بغنج : " تشرفنا ".. وعادت ضحكتها المجلجلة الموقظة للفتنة النائمة النافخة في جمر الشهوة تلعلع.. بصق ملتح بالقرب من السيارة وارتفع صوته : " أعوذ بالله من شياطين الإنس والجن.. خلاعة وفسق ".. وإن كانت عيناه قد خانتاه فتفحصتا الفتاة بجوع شره.. تعالى صوت مغن شعبي من مسجلة في محل قريب ".. النار .. النار .. أنا قلبي قايد نار".. بينما عجوز يسير متكئاً على عصاه يردد لنفسه بعد أن رشف من الفتنة المتحركة وهو المطعوم المحروم .. " الرحمة ياناس .. القمر طلع بالنهار.. والنبي حلو يا حلو " .. ثم بلهجة قارح قديم " والنبي قمر .. قمرله ليالى.. ".
طلبت منه أن يجلس إلي جوارها .. عربدت الفرحة في قلبه البكر .. أجلس القرد على المقعد الخلفي كما أمرت .. انطلقت السيارة بسرعة جعلت العجلات تصرخ.. التفت المارة إلي السيارة الفخمة .. قال عاطل من المتسكعين بلهجة العارفين لكن بغل مفضوح : " عربية ثمنها لا يقل عن نصف مليون.. صحيح ناس بتكسب ولا تتعبش ".. راح القرد في نوم عميق على المقعد الوثير وشخيره وتأوهه من الجرح يترددان بين حين وآخر.. أشعلت لفافة تبغ ما أن نفثت دخانها حتى عرف أنها ممونة بحشيش من الصنف الغالي وليس كالذي كان يدخنه عم " إدريس " ويشركه في الأنفاس وهو يحكي له عن أي شيء وكأنه مذياع.. فهو حكواتي قراري .. أعطته اللفافة وهي تبتسم مغرية.. التقطها برشاقة.. وأخذ يمتص دخانها بلذة من يقبل امرأة ويمص شفتيها.. كانت تتفحصه باسمة.. خجل.. قال متلعثماً من الخدر الذي أخذ يسري في عقله ويدب في جسده " لا مؤاخذة يا هانم.. أنا خرمان " ضحكت برقة جعلته يشعر أنه أمير تكلمه واحدة من جواريه كما في حكايات جدته.. " السجائر كثيرة لا تقلق ".. وبصوت منوم مغنطيسى " استرح.. استرخى.. تذوق المتعة ".. مدت له يدها بعلبة شيكولاته أخذ يلتهمها بنهم المحروم.. أحس برحيق يخرج منها حين تذوب في فمه.. عرف أنه خمر.. فبعد أن جاء إلي القاهرة من الأقصر علمته المدينة العجوز ذات الشباب المتجدد الكثير.. فلم يعد ذلك الغر البرئ الذي جاء يبحث عن إدريس ليكفله.
حمله الخدر على جناحه إلي سماء الأفكار التي لا تخلو من سحب الذكريات.. " يبدو أن الشقاء قرر أخيراً أن يفلتنى من قبضته القادرة العابثة الفاجرة.. لقد اختطف الموت جدتي بلا رحمة ودون تمهيد.. وكنت أظن أنها ستبقى إلي جانبي إلي الأبد.. ذقت طعم الوحدة لأول مرة.. وعرفت معنى اليتم بعد أن رحلت العجوز فجأة ولكن بهدوء.. عدت إلي البيت فوجدتها ممددة على فرشتها على جانبها الأيمن في اتجاه القبلة وقد غطت نفسها حتى رقبتها.. من يراها يحسبها نائمة في وداعة طفل وعلى شفتيها بسمة فرحة.. رحلت وتركتنى بلا سند ولا معين ".. عصرت الذكرى دموعاً صامتة سالت على خديه.. جمع لي أصحاب القلوب الرحيمة من الجيران ثمن تذكرة قطار إلي القاهرة وأعطوني جنيهاً وعنوان عم إدريس ابن عم جدتى الذي هوى غجرية في شبابه.. وظل يتبعها من مكان لآخر حتى استقر في القاهرة يكسب عيشه من عرق قرد.. عجوز متهالك أكلته الأيام.. عشت معه لفترة حاول أن يلقننى فيها أسرار حرفة " القُرَداتي " .. كان طيباً عطوفاً كجدتي.. لم يبخل علي بشيئ.. جاءه الموت الذي يعادينى بلا ذنب جنيته في حقه.. خطفه منى.. أوصاني خيراً بالقرد مبروك وهو يجود بأنفاسه الأخيرة.. وشدد في الوصية وكأنه ابن من صلبه.. ابن تمنى أن يرزقه.. ولكن واحسرتاه انقضى العمر وتبددت متعة انتظار الحلم إلى الأبد.
-3-
مدت الفتاة يدها بثلاث ورقات.. كل ورقة بمائة جنيه.. لا يصدق عينيه المفتوحتين من الدهشة الممزوجة بالعجب.. ربما كان اليوم يوم سعده.. وربما ما يحدث ثمرة دعوات جدته الطيبة.. تخلت السيارة عن بساط الطريق الأسود وتوغلت في الصحراء.. لايهم.. رددها لنفسه وهو يتحسس النقود التي استودعها جيباً أميناً حافظاً.. نظر إلي القرد الذي أفاق من غفوته بحنان وحب نبتا فجأة في قلبه المسرور بالمال الذي جاء بسبب القرد.. هذا القرد سبب سعده.. " يضع سره في أضعف خلقه ".. كما كانت جدته تقول بيقين.. مد يده للقرد.. احتضنه وقبله.. بادله القرد القبلة وهو يهمهم جذلاً.. فهو الذي بقى له بعد رحيل عم إدريس.. ضحكت الفتاة ضحكة مغناج أطلقت شرر الشهوة في دمه.. وصلت السيارة إلي نهاية الرحلة والشمس تتأهب للرحيل خجلي من ترك مكانها للقمر فاحمر وجهها وصبغت حمرته السماء.
ترجل من السيارة وهو يحمل القرد كمن يحمل طفله الذي جاء بعد طول انتظار.. وفي عقله الذي يهوم في سماء السُطل تردد صوت " عم إدريس الذي كان يشدد في الوصية على مبروك وعلى أن يرعاه كقريبه الصغير اليتيم " يا وليدي.. هذا القرد مبروك.. فحين ولد ألح علىَّ اسم مبروك وكأنه هاتف لا يمل التكرار.. ومن يومه وش خير وبركة.. لا تستغرب فكل حرفة لها أصولها وأسرارها .. فمن رحمة ربي وبركة دعاء الوالدين أني هويت حرفة " القرداتي ". . كانت كلماته تمتزج بالدخان القادم من أعماق رئتيه يرسم صوراً دائمة التشكل " وبفضل الله صرت واحداً من المعلمين المعدودين فيها بلا فخر ".. يناوله السيجارة ليتفرغ للحكى الذي يعشقه.. " بعد أن هجرت بيت أبي وأمي وتركت الأهل والصحب.. ومعي مصاغ أمي الذي سرقته.. وأنت تعلم عشق النوبيات للذهب.. سرقت كنزاً فيه ذهب موروث عن سابع جدة.. وحياة النبي يا وليدي كنز.. المهم تبخر الكنز بسرعة وكأنه ثلج يذوب تحت شمس بؤونة الحجر.. بدأت الغجرية التي تزوجتها تتذمر وتننمر.... وليس هناك أذل من رجل يخلو جيبه من النقود.. بدأت أصواتنا تعلو وتخرج من عشتنا الصفيح لتدخل عشش الجيران.. استمع مع الآخرين لثلاثة أيام بلياليهم.. عند ظهر اليوم الرابع دق باب عشتى الشيخ قاسم من كبار الغجر ومعلم القرود.. حمل معه طعاماً وشاياً وبناً وسكراً ودخاناً يكفي لأسبوع.. أمر الغجرية كان اسمها " ليالي ".. ومن الليالي ما هى أسود من قرن الخروب ياوليدي فافهم.. بإعداد الشاي وتجهيز الجوزة.. كان له هيبة وله هيئة الأستاذ.. بعد أن شربنا الشاي علي إيقاع قرقرة الجوزة وامتلأت العشة بالدخان المعطر بكرف الحشيش.. أمر الغجرية بحسن عشرتى فأذعنت بلا نقاش وأوصاني بها ورفع صوته " ناقصات عقل ودين.. ولا غني عنهن" وطلب منى أن أمر عليه في عشته غداً بعد صلاة الظهر.. شكرته مقبلاً يده وكأنها يد أبي التي أفتقدها بحرقة.
قال لي بحنو أب حين ذهبت إلي عشته وهي الوحيدة التي لها حديقة وإن كانت صغيرة لأبعد حد.. " أهلاً ياولد .. سأعلمك أسرار الحرفة كي أكون سبباً في فتح باب رزق لك ".. ثم بوقار أستاذ حان " لا تخيب أملي فيك ".. علمنى أسرار الحرفة.. بعد أسبوع أعطاني أم مبروك لأسرح بها على أن يأخذ ثلث ما أكسبه حتى أوفي ثمنها. تعدل حالي.. صرت كسيباً.. عادت لي شارة الرجولة التي ينزعها الإفلاس .. آه الرجل منا يعيبه جيبه وعيبه.. ومرت الأيام ومات معلم القرود الطيب فورثت منصبه شيخاً للقرداتية.. وذهبت الغجرية في ليلة غاب عنها القمر ولم تعد حتى الآن.. ثم كانت مصيبتى والتي لا يزال حزنها يشرب من دم قلبي حين ماتت أم مبروك.. لكن ربنا كري.. فقدعوضى بمبروك قبل رحيلها ".
عاد أبو زيد من جولانه في عالم السُطل حيث يختل منظور المكان ومعيار الزمان على صوت تثاؤبمبروك.. كان الليل قد غرس ألويته في رمال الصحراء معلناً سيطرته على الدنيا.. خيام ونيران وموسيقى لها جرس معدني.. النجوم تطل على ما يجري.. جلس وبجانبه مبروك يرقبان ما يجري.. قام فقد جلس مستنداً إلي السيارة بظهره.. هلت الفتاة التي جاء معها وقالت بلهجة لعوب : " مش حتفرجنا " ثم بشبق مفضوح " نفسنا نشوف ".. حشد من الشباب والفتيات والرجال والنساء ينز منهم الترف.. وتقف سياراتهم اللامعة وإلي جوارها الخدم والسائقون.. " ياولد عمي.. يابوي .. كانت فين الدنيا دي غايبة عنى ".. الكل يلبس السواد.. شعور طويلة.. أجسام بضة ناعمة.. مولد وصاحبه غايب.. مزيج من روائح الشواء وعرق المترفين والصابون الفاخر والعطور الغالية.. بيرة .. خمر من كل الأنواع.. سجائر.. معسل.. حشيش.. والدنيا براح.. فهناك من يأكل ومن يسكر ومن يرقص ومن يغازل ومن يلامس ومن يحتضن ويعبث.. وبين حين وآخر تذهب فتاة مع شاب أو رجل فيغيبا عن الأنظار ثم يعودان.. ذاب أبو زيد والقرد في هذه البوتقة.. حتى مبروك أفرط في السكر وشرب الحشيش.. اقتربت فتاة تصرخ فتنتها زاعقة.. نظرت إلي أبي زيد وغمزت.. زامت الفتاة التي أحضرته والقرد.. ذاقته أولاً وتلتها أخريات.. تراقصت الدنيا.. تداخل كل شيء وتلاحمت الأجسام.. والموسيقى المعدنية الجرس الصاخبة لا تكف.. الخمور تشرب وكأنها الماء.. مخدرات من كل صنف وأحسن نوع.. خيول جامحة منطلقة تقصد منتهى شوط اللذة.. طقطقات القبل وتأوهات الأجساد المتلاحمة.. بحر بلا قرار أحس أبو زيد أنه يغوص في ظلام قعره.
طفا بعد فترة لا يملك حسابها وجد نفسه في عربة إسعاف فهو ممدد على نقالة ورجل الإسعاف ينظر له بلا مبالاة وإلي جانبه شرطى ريفى.. سأل بلهفة أين مبروك ؟.. لم يجب أي من الرجلين.. شعر بدماغه كبالون يصر طفل شقي على نفخه بشدة ويوشك أن ينفجر.. صورة غائمة مغبشة لمبروك الثمل يصرخ مستنجداً به.. اللون الأحمر يهيمن عليها.. صاح بائع جرائد بصوت منغم" اقرأ الحادثة القبض على عبدة الشيطان".
وتاه النداء في وسط ضجيج الشارع.. بصق الشرطى الريفى فأصابت بصقته وجه أبى زيد – ربما عن قصد – وهو يقول بقرف : " كلاب أولاد كلب كفرة ".. ومضت السيارة تشق طريقها بصعوبة بالغة وسط الزحام مستعينة بسرينتها التي لا تكف عن العويل.
[/align]
تعليق