

يوم الثلاثاء الدامى
[align=justify]
كان اليوم يوم ثلاثاء .. الصمت المهيمن على الصحراء المحيطة بنا لا يوحى بالحرب الدائرة بشراسة فى مواقع أخرى من أرض سيناء و سمائها.. فى داخل المركبة المدرعة كان الصمت مسيطراً أيضاً.. سكتت الألسنة وتولت العيون الكلام وإن كان قليلاً. تململ سائق المركبة فى مجلسه فتح فمه ولكن لم يتكلم.. تكلم الرامى بلهجة من يستعرض علمه.. يقولون عن يوم الثلاثاء إنه يوم الدم.. هل يعرف أحدكم لماذا ؟ لم يجب أحد قال بزهو طفل تفوق على أقرانه.. لأن قابيل سفك دم هابيل فى هذا اليوم.. علق الضابط القائد بهدوء : اليوم نسفك دم عدونا و نملأ به الوادى.. انتهز السائق فرصة إتصال الكلام وسأل سؤالاً أجله أكثر من مرة. هل تصمد مركبتنا هذه أمام دبابة.. ندم على السؤال بعد أن لمح نظرات الإستنكار فى عيون الزملاء.. قال الضابط بصوت حمله بالثقة والتشجيع : نعم تصمد لأنكم خير أجناد الأرض ولأنكم أصحاب حق والعبرة ليست بالسلاح ولكن بمن يحمله ومن يستعمله.. عبرنا بها الماء و نحرر بها الأرض بإذن الله.
انسحبت نظرات الاستنكار واللوم و عاد الصمت يسيطر مرة أخرى. من آن لآخر كان الضابط ينهض ويستطلع الوادى بمنظاره المقرب من خلال سقف المركبة المفتوح و يشير إلى زملائنا الكامنين فى حفرهم البرميلية أن لا شئ فى الأفق.. كانت مهمتنا الحفاظ على هذه النقطة بأى ثمن حتى تصلنا تعزيزات.. وكنا على استعداد لدفع الثمن رغم علمنا من البداية أنه دم وأرواح البعض منا.. لا يهم من.. اختار الضابط هذه التبة المرتفعة التى تشرف على الوادى وجثم بالمركبة المدرعة فوقها كنسر يتحين ظهور الفريسة ووزع بقية الزملاء على الوادى.. وكدأب رجال المشاة سرعان ما اتخذ كل واحد منهم موقعاً وحفر لنفسه حفرة برميلية بسرعة ومهارة وكمن فيها ويده على سلاحه فى انتظار إشارة القائد.. انتظار صابر لا يشوبه القلق ولا يعكره الخوف.. انتظار عايشناه صبح مساء ست سنوات على الشاطئ الآخر للقناة.. و بعد أن عبرنا لا بأس بقليل من الإنتظار.
بصوت تنضح منه الفرحة قال الضابط : طابور من ست دبابات إسرائيلية.. كان يتكلم ويترجم كلامه إلى إشارات بيده لزملائنا فى الوادى.. سنتركهم يقتربون ثم ننقض عليهم يا أبطال.. كان السائق أول من امتدت يده إلى سلاحه واستعد ومن عينيه كان يتدفق سيال من العزم والتصميم.
بدت الدبابات كوحوش أسطورية تهرس نبات ورمل الصحراء بضراوة وتثير الغبار بينما يفترس هديرها الصمت المخيم على المكان.. أشار الضابط إلى الرامى.. أطلق الصاروخ الأول فأصاب الدبابة الأولى وامتزج دوى الإنفجار مع ألسنة اللهب مع صيحات الله اكبر.. كان الصاروخ الثانى من نصيب آخر دبابة.. تعطل سير الوحوش الحديدية .. لا تستطيع التقدم ولا التقهقر.. شلتهم المفاجأة.. برز الرفاق من حفرهم وانصب وابل من نيران أسلحتهم الصاروخية على ما تبقى من الدبابات.. يقتربون من الدبابة حتى يصيبوها فى مقتل بشجاعة لم تنحت بعد الكلمات التى تستطيع وصفها .
استسلمت دبابتان وانتهت المعركة.. عومل الأسرى بنبل الفرسان وحملت موجات الأثير إلى مركز القيادة بشرى نصر الشجعان.
[/align]
تعليق