الأسرع من سرعة الضوء

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    الأسرع من سرعة الضوء

    الأسرع من سرعة الضوء
    عذرا لاقتباسي العنوان من رائعة جواو ماكيويجو " أسرع من سرعة الضوء "

    خرجت الكلمات من فمه تتدحرج وكأنها كومة حجارة تتساقط من على قمة
    جبل إلى وادٍ سحيق .
    ــ انظري مَنْ بالباب يا أم جعفر .
    وفيما كانت أم جعفر منهمكة في إعادة ترتيب السرير الذي يرقد عليه زوجها. استقامت مذهولة , فهذه أول مرّة يتكلم بها أبو جعفر منذ أن سقط طريحا بالفراش قبل حوالي السنة . فَقَدَ خلالها حرية حركة أطرافه وحاسة السمع والقدرة على النطق .
    ربما يكون الطارق إنسانا عزيزا على قلب" أبو جعفر" , ويرغب بشدة في لقائه .
    أو ربما تكون أم جعفر تتوق شفاء زوجها فتوهمت الحدث حتى تجسَّد وأصبح حقيقة .
    عادت الكلمات تنهمر من فم" أبو جعفر" كمطر طال انحباسه .
    ــ ما بالك يا امرأة ؟ هناك ضيف بالباب , أدخليه , لقد اشتقت للصحبة وللأصحاب .
    قبل أن يسقط الدكتور عادل مريضا , كان بيته, صالونا يجمع الأصدقاء , الحميمين منهم والفاترة صلاتهم . كانت روحه ملاذ التائهين الباحثين عن السكينة . وكانت عظاته دربا للاهثين وراء الحقيقة . في حين كان الحديث في السياسة وفي الأدب والشعر وفي الفنون يستحوذ جُلَّ الوقت . لم تخل جلسات الصالون من سمر ونكات فاضحة ولعب الشدة والطاولة .
    ولم تبخل أم جعفر زوجة الدكتور عادل يوما في إعداد الطعام والشراب لهم , حتى باتت تتقن إدراك مذاق كل ضيف فتصنع له أكلته المفضلة . فبدت كالشريك الواجب حضوره في كل جلسة , وبالرغم أنها تملك درجة عالية من الثقافة , لا تقل عن زوجها أو عن احد من الحاضرين , إلاّ أنها لم تتطفل يوما وتقحم نفسها في آتون حواراتهم . ولكن , ذات يوم لم تستطع كبح جماح لهفتها في الإنصات لجدل طافت سخونته على السطح . وكاد لجم رؤاها في ثوابت تجزم هي بصوابها . كان الحديث عن الروح ومفارقتها للجسد بعد الموت .
    بعضهم أسهب بالشرح موضحا أن الروح ما هي سوى نتاج عمليات فيزيائية وكيميائية معقدة , محصلتها دب الحيوية والحياة لهذا الجسد كائنا من يكون , إنسانا أو حيوانا أو حتى نبات . أو نزع هذه الحياة عنه فيتحول إلى جماد . وبالتالي ليس هناك روح كي تنفصل عن الجسد . بالمقابل , وفي الطرف الآخر كانت هناك أم جعفر ويقينها أن الروح هي هبة الخالق لآدم حين جُبِلَ من طين ووُهِبَ الحياة . ولحظة الموت تصعد الروح لواهبها . وفيما تبادلت أم جعفر النظرات مع زوجها الدكتور عادل ومع الدكتور عيسى كأنما تستغيث بهما لنجدتها , وقف الدكتور عيسى مؤيدا يقينها , لا بل أضاف أن للديانات السماوية جميعها نفس اليقين . واستطرد قائلا , أن الروح بعد الموت تبقى تحوم في المكان الذي مات به وفي الأماكن التي كان يحبها إلى أن يأتي القِس ويصلي لراحة الميت , فتنصرف الروح صاعدة إلى السماء .
    فتحت أم جعفر الباب , رأت أمامها الدكتور عيسى . لم تتبين ملامحه جلية بسبب وهج نور الشمس الساطع البادي كهالة تحيط برأسه . استدارت وهي ترحب به قائلة :
    ــ أهلا بك . أبو جعفر بانتظارك . من مدة لم تحضر لعل المانع خير ؟ أنا وأبو جعفر نُجزم بأنك لست كباقي السُمّار الذين انفضّوا عن السامر حين سقط . وهذه هي الحقيقة المؤلمة , كألم الضرس الآتي قبل النوم . فلا جفن لك يغمض قبل شروق الشمس .

    جلس الدكتور عيسى قبالة" أبو جعفر" مبتسما كعادته ثم قال :
    ــ لا تهن ولا تحزن . بإذنه تعالى إيمانك سوف يبريك من مرضك وتعود كما كنت وأحسن . سوف أغادر الآن , هناك من ينتظرني في البيت .
    دخلت أم جعفر الغرفة وبيدها صينية القهوة . رأت زوجها" أبو جعفر" واقفا بالنافذة وكأنه يودع صديقا . ترنَّحت وكادت أن تسقط على ارض الغرفة من هول المفاجئة ، فمرضه لا يسمح له بالوقوف . استدار أبو جعفر نحو زوجته ثم قال لها :
    ــ من فضلك يا أم جعفر , هاتفي زوجة الدكتور عيسى واطمئني على وصوله للبيت .

    أجابته وهي لم تزل تحت تأثير الصدمة والمفاجئة :
    ــ لقد غادر الدكتور عيسى قبل ثوانٍ.هل أصبحنا في هذا الزمن نتحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء يا" أبو جعفر" ؟ أمرك يا سيدي .
    عبر صوت زوجة الدكتور عيسى سماعة الهاتف حزينا وهي تقول :
    ــ لقد مات زوجي الدكتور عيسى قبل ثلاثة أيام . وها هو الخوري هنا في البيت ، يصلي من أجل راحة نفسه .
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل العزيز
    فوزي سليم بيترو
    والله ما أحببت ومضة إنارة مثل ومضة إنارتك هذه
    وعلى فكرة أنا شخصيا أؤمن بتلك النوعية من الحوادث
    ربما لأني أحب الروحانيات
    وربما لأني عشت مرحلة الاقتراب من الموت للحظة في يوم ما وعدت للحياة بعدها!
    لو أنك كثفت قليلا لحصلنا على عمل أكثر جمالية زميلي
    تحياتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      فى رأى لن يخلق دهشتنا ، و يرسمها على وجوهنا
      إلا قلم ذكى ، يبدو عفويا ، و لكنه يملك من الدربة و الحنكة
      ما يجعل العادى غير عادى ، و المدهش أكثر ادهاشا !!

      كنت هنا كعادتك دكتور فوزى ، و بنفس ألفاظك و لغتك جميلا
      بل أكثر جمالا حين استطعت و بقليل من الحديث ، و كثير من الطيبة ،
      أن تضع أمامى هذا السحر ، و هذا الفيض الذى تجلى فى الصديق
      الذى كان فى سرعة الضوء !!

      شاهده الاثنان .. دكتور عادل ، وزوجة .. و فى وقت واحد ، ياربى
      ليصبح هنا السحر بلا سحر ، و بلا أى شىء خارق ، و لكن حين يأتى رد
      الزوجة على الجانب الآخر تكتمل الدهشة ، و يصبح لما طرحت قوة كبيرة
      بل مزلزلة عن الروح و تجليها ... ذكرتنى بتجلى السيدة العذراء عن فى مصر أخى الجميل !!

      أعدت إلى رونق و بهاء القص الماتع ، و تداعى الحدث ، بحنكة عالية ذكرتنى بالكثير من الأعمال الرائعة !!

      ينتمى العمل إلى الواقعية السحرية !!

      خالص محبتى أستاذى
      sigpic

      تعليق

      • نادية البريني
        أديب وكاتب
        • 20-09-2009
        • 2644

        #4
        "الأسرع من سرعة الضّوء"
        عنوان تضمّن مجموعة من القيم التي تؤسّس الاستقرار والثّبات داخلنا أوّلها وأهمّها الإيمان الذي يهبنا الرّاحة والسّكينة، عرّجت أيضا على الصّداقة التّي نحتاج إليها في هذا الزّمن الصّعب.
        شكرا لك أخي الفاضل فوزي سليم
        دمت مبدعا

        تعليق

        • فوزي سليم بيترو
          مستشار أدبي
          • 03-06-2009
          • 10949

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل العزيز
          فوزي سليم بيترو
          والله ما أحببت ومضة إنارة مثل ومضة إنارتك هذه
          وعلى فكرة أنا شخصيا أؤمن بتلك النوعية من الحوادث
          ربما لأني أحب الروحانيات
          وربما لأني عشت مرحلة الاقتراب من الموت للحظة في يوم ما وعدت للحياة بعدها!
          لو أنك كثفت قليلا لحصلنا على عمل أكثر جمالية زميلي
          تحياتي لك
          أستاذة عايدة
          كنت أخشى الإقتراب من عالم الروحانيات ، لرحابته وللغموض الذي يكتنفه
          فرأيت أن أنقل حادثة " أبو جعفر " بأقل التفاصيل ، حتى لا أغوص في مجال أنا لستُ خبيرا به .
          أشكرك للمرور والتعليق
          وسأعمل بنصيحتك في القادم

          ولك ودي
          فوزي بيترو

          تعليق

          • فوزي سليم بيترو
            مستشار أدبي
            • 03-06-2009
            • 10949

            #6
            [align=center]
            كل الشكر للزميل وللصديق والأخ ربيع
            على ما أفاض به من وهج نوره في توصيف
            شخصي المتواضع .

            لقد أجاد الأستاذ ربيع في سبر أغوار النص
            ولفت انتباهي إلى أمورٍ ذات أهمية . ورفعت
            من قيمة النص .
            كقوله مثلا :
            هذا الفيض الذي تجلّى في الصديق
            الذي كان في سرعة الضوء
            .
            وكقوله أيضاً :
            ذكرتني بتجلي السيدة العذراء

            وحين قلت :
            أعدت إلى رونق و بهاء القص الماتع ، و تداعى الحدث ،
            اقشَعَرَ بدني رهبةً

            متَّعكَ الله بالصحة
            فوزي بيترو

            [/align]

            تعليق

            • فوزي سليم بيترو
              مستشار أدبي
              • 03-06-2009
              • 10949

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
              "الأسرع من سرعة الضّوء"
              عنوان تضمّن مجموعة من القيم التي تؤسّس الاستقرار والثّبات داخلنا أوّلها وأهمّها الإيمان الذي يهبنا الرّاحة والسّكينة، عرّجت أيضا على الصّداقة التّي نحتاج إليها في هذا الزّمن الصّعب.
              شكرا لك أخي الفاضل فوزي سليم
              دمت مبدعا
              وبالإيمان الذي يهبنا الراحة والسكينة
              تُصْنَع المعجزات
              " إيمانك سوف يبريك "
              وضعتِ أصبعك يا عزيزتنا نادية
              على لب الموضوع . أحسنتِ

              وأتمنى لك دوام الصحة
              فوزي بيترو

              تعليق

              • مها راجح
                حرف عميق من فم الصمت
                • 22-10-2008
                • 10970

                #8
                وصف دقيق لحياة تتشبث بالحياة
                سعدت بقراءة النص المدهش لغة ومحلقا في الروح
                تحية وتقدير استاذ فوزي
                رحمك الله يا أمي الغالية

                تعليق

                • العربي الثابت
                  أديب وكاتب
                  • 19-09-2009
                  • 815

                  #9
                  الزميل المقتدر
                  سرت بنا بلغة سارد حكيم وبأسلوب جميل عبر حكي واقعي نحو نهاية غريبة لم نكن ننتظرها...
                  تقبل ياكريم مروري....ودمت متألقا.
                  العربي الثابت
                  اذا كان العبور الزاميا ....
                  فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                  تعليق

                  • فوزي سليم بيترو
                    مستشار أدبي
                    • 03-06-2009
                    • 10949

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
                    وصف دقيق لحياة تتشبث بالحياة
                    سعدت بقراءة النص المدهش لغة ومحلقا في الروح
                    تحية وتقدير استاذ فوزي
                    أخت مها
                    أنت رائعة " حياة تتشبث بالحياة "
                    إضافة وفهم عميق للنص
                    أشكرك
                    فوزي بيترو

                    تعليق

                    • فوزي سليم بيترو
                      مستشار أدبي
                      • 03-06-2009
                      • 10949

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة العربي الثابت مشاهدة المشاركة
                      الزميل المقتدر
                      سرت بنا بلغة سارد حكيم وبأسلوب جميل عبر حكي واقعي نحو نهاية غريبة لم نكن ننتظرها...
                      تقبل ياكريم مروري....ودمت متألقا.
                      العربي الثابت
                      الزميل عزيزنا العربي
                      الحقيقة كنت مشغول في النهاية مع أول كلمة كتبتها
                      يبدو أنني قد وفقت . فجائت النهاية غير متوقعة للمتلقي
                      أشكرك عزيزنا
                      ودمت
                      فوزي بيترو
                      التعديل الأخير تم بواسطة فوزي سليم بيترو; الساعة 10-01-2010, 18:37.

                      تعليق

                      يعمل...
                      X