فاروق شوشة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    فاروق شوشة

    فاروق شوشة

    ولد فاروق محمد شوشة عام 1936 بقرية الشعراء بمحافظة دمياط.
    حفظ القرآن، وأتم دراسته في دمياط وتخرج في كلية دار العلوم 1956، وفي كلية التربية جامعة عين شمس 1957.
    عمل مدرساً 1957، والتحق بالإذاعة عام 1958، وتدرج في وظائفها حتى أصبح رئيساً لها 1994 ويعمل أستاذاً للأدب العربي بالجامعة الأميركية بالقاهرة.
    أهم برامجه الإذاعية: لغتنا الجميلة، منذ عام 1967، والتلفزيونية: "أمسية ثقافية" منذ عام 1977.
    رئيس لجنتي النصوص بالإذاعة والتلفزيون، وعضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، ولجنة المؤلفين والملحنين.
     دواوينه الشعرية: إلى مسافرة 1966 – العيون المحترقة 1972 – لؤلؤة في القلب 1973 – في انتظار ما لا يجيء 1979 – الدائرة المحكمة 1983 – الأعمال الشعرية 1985 – لغة من دم العاشقين 1986 – يقول الدم العربي 1988 – جئت لك 1992.
     مؤلفاته: لغتنا الجميلة – أحلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي – أحلى 20 قصيدة في الحب الإلهي – العلاج بالشعر – لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة – مواجهة ثقافية – عذابات العمر الجميل (سيرة شعرية).
     حصل على جائزة الدولة في الشعر 1986، وجائزة محمد حسن الفقي 1994.

    </i>
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2

    (1) عزالدين إسماعيل‏:‏ الموقف والرسالة

    بقلم: فاروق شوشة
    ......................
    في منتصف الخمسينيات أتيح لي أن أري عزالدين إسماعيل وأستمع اليه عن قرب‏,‏ وهو يتوسط بعض رفاقه المؤسسين للجمعية الأدبية المصرية‏:‏ صلاح عبدالصبور وفاروق خورشيد وعبدالرحمن فهمي‏,‏ كان الأربعة ـ في بداية إعلانهم عن ميلاد جمعيتهم ـ قد رحبوا بدعوة اللجنة الثقافية في كلية دار العلوم وحرصوا علي أن يقوم كل منهم بدور بارز في هذا اللقاء‏,‏ كان صلاح عبدالصبور يعلن من منصة علي مبارك في قلعة الكلاسيكية الشعرية عن تيار شعري جديد يمثل انعطافة كبري في مسار الشعر العربي‏,‏ وكان فاروق خورشيد مهتما بتوضيح وظيفة الأدب ـ كما يفهمها أعضاء الجمعية الادبية ـ الذين خرجوا لتوهم من عباءة جماعة الأمناء وشيخها أمين الخولي ومجلتها أدب‏.‏
    وانشغل عبدالرحمن فهمي بشرح المفاهيم الجديدة للقصة الجديدة‏,‏ ويعني القصة في الأدب الحديث‏.‏ أما عزالدين اسماعيل فقد تولي مسئولية المنظر لأفكار الجمعية فيما يتصل بالنقد الأدبي‏,‏ والتأصيل لنظرية التفسير النفسي للأدب‏,‏ كان محمد خلف الله ـ عميد آداب الاسكندرية وعضو المجمع اللغوي ـ قد سبق الي طرح هذا المنهج في تاريخ مبكر‏..‏ وظلت ذاكرتي تحتفظ بصورة عزالدين اسماعيل في قامته السامقة وشموخه ووجهه الجاد حتي اتيح لي أن أتعامل معه بعد ذلك بسنوات بعد ان التحقت بالاذاعة‏,‏ وصادقت فاروق خورشيد‏,‏ الذي كان واسطة العقد في تأليف القلوب من حول الجمعية الأدبية المصرية‏,‏ ونجح ـ بشخصيته القوية الأسرة ـ في أن يجعل من عدد شباب الاذاعيين المنغمسين في الحياة الأدبية والثقافية ـ أصدقاء للجمعية‏,‏ يحضرون ندواتها ومجالسها وأسمارها البديعة ـ في مراحلها المختلفة ـ دون أن يكونوا أعضاء بالفعل‏,‏ وكنت واحدا من هؤلاء‏,‏ وعندما اقتربت من عزالدين اسماعيل وتعاملت معه‏,‏ وأخذت أستضيفه لبرامج البرنامج الثاني ـ البرنامج الثقافي الآن ـ خاصة مع النقاد ثم بعد ذلك بسنوات طويلة للبرنامج التليفزيوني الامسية الثقافية حلت في نفسي صورة ممتلئة بالصفاء والعذوبة والنقاء ـ والقلب الطفولي ـ لانسان جميل‏,‏ وناقد ومفكر ومبدع من طراز رفيع‏.‏ خلال هذه السنوات الطويلة ـ علي مدار أكثر من نصف قرن ـ كان عزالدين يحقق مراقيه وتجلياته في رحلة الحياة والثقافة والفكر‏,‏ استاذا جامعيا في آداب عين شمس‏,‏ ورئيسا لقسم اللغة العربية فيها‏,‏ وعميدا للكلية‏,‏ ثم رئيسا لهيئة الكتاب ورئيسا لتحرير مجلة فصول المدفعية الثقيلة في النقد الأدبي كما كنا نسميها‏,‏ فرئيسا لاكاديمية الفنون‏,‏ وخلال ذلك رئيسا للجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ وحين توقفت علاقته بالمؤسسة الرسمية للثقافة‏,‏ كان نشاطه المتوهج في تأسيس الجمعية المصرية للنقد الأدبي‏,‏ ورئاستها والتخطيط لها مع نخبة من أصدقائه وتلاميذه‏,‏ وإقامة مؤتمراتها الدولية‏,‏ والاصرار علي اقامتها ودفع تكلفتها من جيبه الخاص‏.‏
    لكن شيئا لن يعادل السنوات العشر الأخيرة في علاقتنا معا‏,‏ التي عمقت وتأكدت واتسعت لكثير من بوحه وإفضاءاته عن كثير من ظواهر حياتنا الأدبية والثقافية والنقدية‏,‏ وعن كثير من رموز هذه الحياة‏,‏ وعن طعنات الغدر التي تلقاها ممن كانوا ـ بالنسبة اليه ـ في مقام مريديه وطلابه‏,‏ المستعينين به في أمور شتي حياتية وثقافية‏,‏ كان يضمنا معا خلال هذه السنوات العشر بمجلس الأمناء في مؤسسة البابطين الكويتية للابداع الشعري‏,‏ وخلالها كانت عشرات اللقاءات ومئات الحوارات والعديد من الأسفار والرحلات الي عواصم عربية وأجنبية‏,‏ وأشهد أن صوته طيلة هذه السنوات كان الي جانب العدل والموضوعية‏,‏ والجدية في الطرح والتناول‏,‏ والترفع لغة وفكرا ومنهجا عما يمكن أن يعتبره خروجا علي شرف الثقافة والفكر‏,‏ والانتصار الدائم للابداع الحقيقي‏,‏ من غير تحيز الي اتجاه بعينه‏,‏ أو تعصب أيديولوجي الي مذهب بذاته‏,‏ وكان آخر لقاء لي معه وهو في مرضه الاخير ـ قبل رحيله بأيام ـ وأنا أحمل اليه رسالة من مجلس الأمناء‏,‏ بعد أن أعجزه المرض الخطير المداهم عن الحضور والمشاركة‏,‏ كما حال بينه وبين حضور المؤتمر الاخير للجمعية المصرية للنقد الأدبي بعد أن خطط له وتابع كل خطواته ومراحله‏,‏ وغاب عنه عند اجتماعه منذ شهور قليلة في نوفمبر الماضي‏.‏ ويرحل عزالدين اسماعيل عن ثمانية وسبعين عاما‏(1929‏ ـ‏2007)‏ بعد أن فتكت به العلة الشرسة‏,‏ وفي نفسه من الآلام والاوجاع ما يفوق علة الجسد‏..‏ كان يحدثني في آخر لقاءاته عن موقف جامعته من الجمعية التي يرأسها ومن مؤتمرها السنوي‏,‏ وعن إحجامها الشديد عن تقديم أدني مساعدة أو إسهام أو مشاركة في تكاليف هذا المؤتمر‏,‏ وكيف أحس بالغربة الشديدة والإهانة القاسية والموجعة من جامعة انتمي اليها طيلة حياته استاذا وعميدا واستاذا غير متفرغ ومشرفا علي عشرات الرسائل للماجستير والدكتوراه ومربيا لأجيال عدة من الدارسين والباحثين والنقاد‏!‏
    وكثيرا ماكنت أذكره بديوانه الشعري البديع دمعة للأسي دمعة للفرح الذي يضم مقطوعاته الشعرية القصيرة المحكمة‏,‏ والتي تنتمي الي فن الابجرامات‏,‏ والابجرام مصطلح يدل علي القصيدة الشعرية الشديدة القصر‏,‏ التي تنتهي عادة بمفاجأة تلقي الضوء علي أبياتها وتخلع عليها دلالة خاصة‏.‏
    وأقول له‏:‏ لقد نفست علي نفسك وداويت أوجاعها بهذا الديوان الجميل‏,‏ وأوصلت الرسالة الي من يعنيهم الأمر بعد أن صورتهم في لوحات قلمية شعرية ناطقة‏.‏ لم لا تواصل عملية التطهير التي أشار اليها أرسطو في حديثه عن وظيفة الشعر أو بلغته‏,‏ الدراما‏,‏ وتخرج ديوانك الثاني للناس وفيه الجديد من القصائد والابجرامات‏,‏ وحين أقنعه صديقه وموضع ثقته الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب بنشر هذا الديوان الجديد ضمن السلسلة التي يشرف عليها والتي تصدرها هيئة قصور الثقافة‏,‏ ظهر الديوان في يوم رحيله الأخير تحت عنوان هوامش في القلب كما ظهر ـ قبله بأيام كتابه النقدي الجديد كل الطرق تؤدي الي الشعر صادق العزاء لرفيقة عمره وشريكة حياته الحافلة الدكتورة نبيلة ابراهيم استاذة الادب الشعبي بجامعة القاهرة‏.‏
    ....................................
    *الأهرام ـ في 18/1/2007م.


    </i>

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      (2) النيل

      شعر: فاروق شوشة

      ألقى النيل عباءته فوق البر الشرقي, ونامْ
      هذا الشيخ المحنيُّ الظهر,
      احدودب..
      ثم تقوّس عبر الأيام
      العمر امتد,
      وليل القهر اشتد
      وصاغ الوراقون فنون الكِذبة في إحكامْ!
      لكن الرحلة ماضية...
      والدرب سدود
      والألغام !
      حمل العُكَّازَ,
      وسار يحدق في الشطآن, وفي البلدانْ
      قيل : القاهرةُ ـ توقفَ..
      جاء يدق الباب ـ ويحلمُ
      هل سيصلي الجمعة في أزهرها?
      يمشي في (الموسكي) و(العتبة)
      يعبر نحو القلعةِ..
      أو يتخايل عُجْباً في ظل الأهرام
      وقف الشيخ النيل يحدق
      لم يلق وجوهاً يعرفها
      وبيوتاً كان يطل عليها
      وسماء كانت تعكس زرقته..
      وهو يمد الخطو,
      ويسبق عزف الريح,
      ويفرد أشرعة الأحلام
      وقف الشيخ النيل .. يسائل نفسه:
      هل تتغير سِحَن الناس..
      كما يتغير لون الزيّ?
      وهل تتراجع لغة العين..
      كمايتراجع مد البحر?
      وهل ينطفيء شعاع القلب
      فتسقط جوهرة الإنسانِ
      ويركلها زحف الأقدامْ?
      دق الشيخ النيل البابَ
      فما اختلجت عين خلف الأبراجِ
      ولا ارتدَّ صدى في المرسى الآسنِ
      أو طار يمامْ!
      من يدري أن النيل أتى?
      أو أن له ميعاداً تصدح فيه الموسيقى
      ويؤذّن فيه الفجر
      فتختلج الأفئدة..
      ويكسو العينين غمامْ?
      وتنحنح مزدرداً غصته
      عاود دق الباب .. الناس نيام!
      ألقى النيل عباءته فوق البر الغربي..
      ونام!

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        (3) القصيدة والرعد

        شعر: فاروق شوشة

        كان بين القصيدة والرعد ثأر قديم
        كلما نزفت بوحها
        لاحقتها سنابكه بالغبار الرجيم
        فتهاوت على درَج الأرجوانِ
        مضمخة بالأسى العبقري,
        ودافنة همَّها في انعقاد الغيوم
        القصيدة, باكية, تستجير
        وللرعد مطرقة وزئيرٌ
        ودمدمةٌ,
        وفضاء حميم
        وانتشاء يخامر كل الذين يطلّون من شاهق
        الكون,
        يمتلكون المدى والتخوم
        القصيدة ها.. تتناثر كالذرِّ
        سابحة في هَيُولَى السديم
        تتفتق ذائبة في عروق الحجارةِ
        في غرْين النهر,
        في جذع صبارةٍ..
        شوكها من حروف الشقاء النظيم
        ثم ترتاح من وحشة في العراء
        ومن شجن في الدماء,
        فتأوي إلى الليل,
        ساكبة دمعها
        في عيون النجوم!
        القصيدة, شاخصة تتساءلُ
        وهي تطل على الكون
        أيَّ بلاء عظيم!
        ترصّدني الرعد
        حتى انطفأت
        وأوشكت أذبلُ
        أوشكت أرحلُ
        رعد يباغتني
        قلت : خيرٌ سيأتي
        ودنيا ستمطر..
        لكنه انجاب .. رعد عقيم!
        هل أجاريه قعقعةً?
        الوجود ضجيج..
        له لغة من رماد المداخن
        والأفق كابٍ دميم
        فجأة,
        مثل ومض الشهاب
        ووقع النبوءة في القلب,
        ها,
        يتكشَّف لي بارق.. لا يريمْ!
        لا تخافي من الرعد,
        وانطلقي بالغناء,
        الغناء الذي يتخلَّل هذا السديم
        لا تخافي من الرعد , لا
        إنه زمن عابر
        والقصيدة فاتحةٌ..
        وزمان مقيمْ

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          (4) رسالة إلى أبي

          شعر: فاروق شوشة


          يفاجئني الذي اكتشفت : أنت في نفسي حللت !
          في صوتي المرتج بعض صوتك القديم
          في سحنتي بقية منن حزنك المنسل في ملامحك
          وفي خفوت نبرتي ـ إذا انطفأت ـ ألمح انكساراتك
          وأنت ..
          عازفا حينا ،
          وحينا مقبلا
          وراضيا ، تأخذني في بردك الحميم
          أو عاتبا مغاضبا
          فأنت في الحالين ، لن تصدني ..
          وتستخير الله ، أنت تكون قد عدلت !
          يفاجئني أنك لم تزل معي
          وأنت شاخص في وقفتي الصماء ، والتفاتاتي
          أرقبني فيك ،
          وأستدير باحثا لدي عنك
          تحوطني ، فأتكئ
          تمسك بي ، إذا انخلعت
          تردني لوجهتي
          مقتحما كآبة الليل المقيم
          الآن ، عندما اختلطنا
          صرت واحدا ،
          وصرت اثنين ،
          عدت واحدا ،
          عنك انفصلت ، واتصلت
          لم أدر كم شجوك النبيل قد حملت
          أضفته لغربتي
          ومن إبائك الذي يطاول الزمان .. كم نهلت
          فاكتملت معرفتي
          واتسعت أحزان قلبي اليتيم
          بالرغم من أبوتك
          وأنت ناصحي المجرب الحكيم
          لم تنجني من شقوتك !
          ***
          أبي تراك في مكانك الأثير مانحي سكينتك
          وقد فرغت من رغائب الحياة
          فانسكبت شيخوختك
          على مدارج الصفاء والرضا
          وصار قوس الدائرة
          أقرب ما يكون لاكتمالها الفريد
          هأنذا ألوذ بك
          أنا المحارب الذي عرفته ، المفتون بالنزال
          وابنك ..
          حينما يفاخر الآباء ، بالبنوة الرجال
          منكسرا أعدو إليك
          أشكو سراب رحلتي
          وغربتي
          ووحدتي
          محتميا بما لديك من أبوتي
          ولم يزل في صدرك الرحيب متسع
          وفي نفاذ الضوء من بصيرتك
          جلاء ظلمتي وكربتي
          فامدد يدك الذي قد غاله الطريق
          واخترقت سهامه صميمه .. فلم يقع
          لكنه أتاك نازفا مضرجا
          دماؤه تقوده إليك
          زندبة في جبهتك
          وصرخة مكتومة يطلقها .. إذا امقتع
          هذا ابنك القديم ،
          وابنك الجديد ..
          يبحث فيك عن زمانه ،
          وحلمه البعيد
          فافتح له خزانتك !

          </i>

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            (5) لحظة لقاء

            شعر: فاروق شوشة

            كم يبقى طعم الفرحة في شفتينا !
            عمرا؟
            هل يكفي!
            دهرا مسكوبا من عمرينا...
            فليهدأ ناقوس الزمن الداوي في صدرينا
            وللتوقف هذي اللحظة في عمقينا .
            لن نذكر الا أن طوقنا الدنيا أغفينا
            واتاحت كفانا......تغرس دفئا في روحينا
            لن نذكر إلا أنا جسدنا حلما
            وارتاح الوهج الدامي في عينينا.
            *****
            قلبك في صدري, يسمعني أغلى نبضاته
            يهدأ في خجات اللقيا.أغفو في أعمق خجاته
            أطل عليك.ضياء العمر,ونضرة واحاته
            أقبس ومض الامل المشرق في لفتاته
            أرشف نبع الضوء الهامي في نظراته
            يتساقط كل رحيق العالم في قطراته
            وأرى دنيناي وأيامي أبدا تمشي في خطواته
            *****
            أسأل :هل تتسع الأيام لفرحةقلبين؟
            تعبا,
            حملا الدنيا ,
            هل يخبو هذا الألق الساجي في العينين
            ونخاف يطير ,فنمسكه,ونضم الدنيا بيدين
            ونعود إلى عش ناء نرتاح إليه طيرين
            أسأل:هل تتسع الأيام لنضرة حلمين!
            أقرأ ايامي عندهما كونا يتفجر لأثنين
            *****
            عيناي تقول ,يداي تحدق,والأشواق
            فيض يغمرني ,يغرقني في لفح عناق
            وحريق يألك أيامي ....يشعل نيران الاحداق
            مازلنا من خلف اللقيا في صدر مشتاق
            أملا يتجدد موصولا......
            معسول شراب ومذاق.
            الموضوع الثاني بعنوان(بين عينيك موعدي ):
            بين عينيك موعدي
            وأنا احمل ايامي وأشواقي اليكا...
            وأرى في الأفق النائي يدا تمتد كالوعد,وتهفو
            وأراني نحوها ........طوع يديكا
            من قديم الدهر ,كانت نبضة مثل اهتزازالبرق
            مثل اللمح,
            شئ لست أدريه احتواني
            فتلاصقت لديكا...... يومها
            وارتعشت عينان
            أغفى خافقان,
            استسلما للخدر الناعم ينساب ويكسو وجنتيكا
            يومها, واتحدت روحان,
            أغفت مقلتان,
            اختارتا حلما برئ الوجه,حلو السمت
            عشناه نديا أخضر اللون,وضيئا
            وقرأت العمر مكتوبا......هنا ....في مقلتيكا
            *****
            بين عينيك موعدي
            وأنا كل صباح اتلقى نبرة اللحن المندي
            ساكبا في قاع أيامي ربيعا واشتياقا ليس يهدا
            ليس يرتاح ....سوى أن عانق العمر وضما
            ليس يرتاح....سوى أن اشبع الأيام تقبيلا ولثما
            وتهادى كاخضرار الفجر ,
            مزهز الأسارير
            طليق الوجه ,مضموما إلى الوجه المفدى
            لمسة, وانطلقت منك يد
            تعزف انغاما....
            وتهتز رياحين ووردا
            مسحة جبهة ايامي ,ومحت عنها عناءا وتهاويل وكدا
            واستقرت في يدي لحظة صدق,خاشع الخفقة
            ينساب وعودا
            ذقتها وعدا فوعدا
            ذقتها يامسكري ....شهدا .....فشهدا
            *****
            بين عينيك موعدي
            يومنا القادم احلى لم يزل طوع هوانا
            كلما شارفت الحلم خطانا ,واطمانت شفتانا
            واستراحت مقلتانا
            وتنينا, فكان العمرأشهى من أمانينا,واغلى
            وظننا أن خيطا من ضياء الفجر يهتز بعينينا
            سلاما وامانا
            كلما قلنا بدأنا وانتهينا
            صرخت فينا وفيأعماقنا ,لحظة جوع ليس يهدا
            فرجعنا مثلما كنا,
            وكنا قد ظننا الشوق قد جاوزنا,وانداح عنا
            ويد تمتد من خلف الليالي ,كي تطلا
            نسجت ثوب حنان ليس يبلى
            صوقت أيمان الخضراء أحلامنا وريحانا وظلا
            يومنا القادم ...أحلى
            يومنا القادم ...أحلى.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              (6) أنا إليك

              شعر: فاروق شوشة

              أنا اليك مبتداي ,حاضري ونهايتي
              اشعلت أيامي فصارت نارها حقيقتي
              فإن سألت عن هواي هذه حكايتي
              ندية كوجهك الملئ بالطفولة
              رخيمة كصوتك المنساب في سريرتي
              عميقة كعطرك الزكي في حديقتي
              حسبي على طول الزمان ,أنت حبيبتي
              *****
              لو نجمة تنير لي لو كان يهمس القمر
              بأن موعدا لنا ,نسرقه من القدر
              فالتنطلق أنفاسنا ....وشوقنا الذي أستعر
              وليحمل النسيم الشجي بوحنا إن عبر
              ولتسترح عيوننا....في واحة مدى البصر
              ياكم تشاكينا ,
              ظمئنا ,
              ثم أقبل المطر
              *****
              سيشرق الصباح حبيبتي ,سيشرق الصباح
              فليسكت الأسى الذي اظلنا,ولتسكت الجراح
              اليوم لا مكان للدموع في عيوننا,ولا نواح
              إنا معا على المدى ,يظلنا معا جناح
              مادمت ملء خافقي ,فألف اهلا يارياح

              </i>

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                (7) بغداد يا بغداد

                شعر: فاروق شوشة

                كيف الرقاد ! وأنت الخوف والخطر
                وليل بغداد ليل ماله قمر !
                ها أنت فى الأسر : جلاد ومطرقة
                تهوي عليك وذئب بات ينتظر
                وذابحوك كثير ؟ كلهم ظمأ
                إلى دماك ؟ كأن قد مسهم سعر
                أين المفر؟ وهولاكو الجديد أتى
                يهيئون له أرضا فينتشر
                أنى التفت فثم الموت ؟ تعزفه
                كفان بينهما التاريخ ينشطر
                بغداد حلم رف واستدار
                كما يزف طائر
                نأى به المدار
                وحينما قصدت بابها الوصيد ذات يوم
                على أضيع فى رحابها الفساح
                أسلمت نفسى للهوى القديم واستكنت
                فتحت هذه الحجارة المهمشة
                يرقد
                -في شوارع الرشيد والمنصور أو أبى نواس -
                جميع من قرأت من نجومها
                ومن رجالها الأقمار
                ومبدعى ديوانها المملوء بالفتوح
                والأفراح والجراح والعمران
                والخراب والفنون والجنون
                والثورات والثوار !
                وليلها المزهر فى سماء عنفوانها !
                كأنه نهار
                وها أنا
                أسير بين الكرخ والرصافة
                أبحث عن عيون هاته المها
                أسأل كيف طاب لابن الجهم
                موسم الغرام ؟ والأشعار !
                وحينما تمتد ساعة التسيار
                أعود من مسيرة الأشواق
                مستلقيا على ضفاف دجلة
                والسمك المسجوف يشعل الحنين
                والتذكار
                أسير فى تزاحم الوجوه والرفاق
                هنا توقف أيها الدليل
                فهذه مكتبة المثنى
                تفتح أبوابا من الكنوز
                تنفض الغبار
                عن كتب مطوية عتيقة
                لما تبح بما حوته من غرائب الأسرار
                وتنزل الستار !
                أبحث فى بغداد والعراق
                عن شاعر يعيش لحظة المحاق
                ويدرك الأفول
                والذبول
                ملء عيون لم تزل
                تعيش لحظة انتظار
                لقادم يجئ ؟ عله ؟
                أو لا يجئ
                وما الذى يحمله الغد الخبئ
                من ظلمة ؟ ومن دمار !
                وهل ترى ينبه الصحاب والرفاق
                إلى الغد الذى يلاحق الصغار !
                أبحث فى بغداد والعراق
                أبحث فى لفائف الذهول والإطراق عن صاحب وعن دليل
                يرشدنى إلى مواطئ القدم
                لواحد من عترة الأخبار
                كان إذا مشى ؟ وإن أشار أو تكلما
                فوجهه الوضئ يمنح الوجود
                دارة وأنجما
                يعطيه أنسه وحسه
                ومجلسه ..
                وكان من شذا يديه تورق العطور
                وتهطل الخيرات والثمار
                ومن جنى لسانه تساقط اللآلئ
                عقدا من النجوم
                كأنه فيض الندى ؟ تغتسل القلوب فيه
                أو كأنه در البحار !
                أبحث عن هذا الحكيم
                فى زمن للتيه والضلال والنزق
                لعله الحلاج...
                أو لعله الجاحظ ؟
                أو أبو حيان...
                أو واحد لا نعرفه
                فى موكب النفاق والخديعة اختنق
                أبحث عن هذا الحكيم
                لعله يعود بالضياء للحدق
                لعله ينجى من الغرق
                من قبل أن يهدم ذاك المسرح الكبير
                وتنزل الستار !
                ******
                دار السلام ! وهل جربته أبدا
                وأنت قنبلة بالهول تنفجر
                طاشت رصاصاتك اللاتى قذفت بها
                فى كل صوب ؟ فزاغ العقل والبصر
                كيف ارتضيت خنوعا لا مثيل له
                والروح فى قبضة الطاغوت تعتصر
                كم نافقوك ؟ وكم صاغوا ملاحمهم
                والحلم يطوى ؟ وظل المجد ينحسر
                داست سنابك جلاديك فوقهمو
                فالناس صنفان : مقتول ومنتحر
                ياكم جنيت وقد أبقيتنا بددا
                فى أمة ساد فيها الذل والخور
                ماذا ترومين ؟ جلاد وعاصفة
                ونحن بالصمت والخذلان نعتذر
                جيكور ماتزال ؟ والسياب
                يبحث فى الشناشيل التى تهدمت
                عن ابنة الحلم ؟ وعن جبينها الوضاء
                مازال واقفا يصيح :
                كيف ارتضيت أن تكونى للطغاة
                سدرة ومتكأ ؟
                وأن يعشش الخراب فيك سيدا ملكا
                وصبح الزمان داجى الرؤى ؟ محلولكا !
                يا ويل من أن ببابهم أو اشتكى
                فصار للكلاب عظمة ؟
                ومضغة لكل من روى ومن حكى !
                وفى البعيد يضرع النخيل ؟ والهواء
                منعقد ؟ كأنه أنشوطة المخنوق
                ساعة الإعدام ..
                ثم شئ ضاغط ؟ كهجمة الوباء
                وقع الدرابك التى تهتز بالغناء
                كأنه النشيج ? أو لعله البكاء
                الأرض قد ضاعت
                فأين طلة السماء !
                وأين وجه شارد قد هام فى العراء
                وأين ظل ؟
                كان فى جيكور ظل باذخ وماء !
                وكان نخل شامخ ؟
                فيه شموخ العراق
                وكان صوت هاتف يفترش الآفاق
                وينشد الأطفال من قصيدة السياب :
                يا مطرا يا حلبى
                عبر بنات الجلبى
                يا مطرا يا شاشا
                عبر بنات الباشا
                يا مطرا من ذهب !
                الموت فى جيكور ؟ فى جنين ؟
                فى الأقصى ؟ وفى بيسان
                وموكب الدمار يسحق النخيل والزيتون
                ويخرس الأطفال فى عرائش الكروم
                ويطفئ النجوم
                ويملأ الحلوق بالرمال
                بغداد
                يا بغداد
                يا بغداد
                يا روعة الحلم الذى .. هل يستعاد ؟
                ترى يصيح الديك فيك من جديد
                ويصدح الناقوس والأذان !
                وتشرق الشمس على دروبك السجينة
                وهل ترى ينداح فيك من جديد
                صوت أبى تمام
                مبددا كآبة الأحزان
                من قبل أن تضيع عمورية المحاصرة
                ملء دفاتر الهوان !
                هذا يهوذا قادم فى شملة المسيح
                ولص بغداد الجديد طائش غرير
                يحلم بالمجد ؟ وبالفتوح
                أم أن هولاكو يعود فى زماننا الكسيح
                مراوغا ؟ كعهده ؟بالغمز والتلميح
                أمامه الأعلام والأوهام والبيارق
                وخلفه الحشود والرعود والصواعق
                تسد عين الشمس ...
                يظنها..
                تستر وجهه القبيح !

                </i>

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  (8) هل تذكرين؟!

                  شعر: فاروق شوشة


                  إذا رن صوتك في مسمعي
                  وطوف في العالم الأوسع
                  رأيتك في كل شئ معي
                  وأطرقت اصغي إلى همسة
                  ترفرف في خافقي المولع
                  ****
                  بأعماق عينيك أبصرت حبسي
                  وأبصرت واحة امني وخصبي
                  تفجر دنياك في خاطري
                  ترانيم شوق توسدن قلبي
                  فيا طائري الحلو,عيناك افقي
                  وخطوك لحني,ودربك دربي
                  *****
                  غدا.... سوف يعبر يومي غد
                  وتمتد خلف رؤانا يد
                  تطوق أيامنا بالحنان
                  ليجمعنا في غد موعد
                  ويرتاح قلبي إلى شاطئ
                  يطوف فيه الهوى الأسعد
                  غدأ..... إن عُُُُش هوانا غد
                  *****
                  سأذكر بارقة من حنين
                  أضاءت بقلبي فراغ السنين
                  وأذكر موجة حب دفين
                  تداعب أحلامنا كل حين
                  وتطفو على صفحات العيون
                  سأذكر ماعشت هل تذكرين.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #10
                    (9) الرماد أمامك

                    شعر: فاروق شوشة

                    الرماد أمامك‏..‏
                    والبحر خلفك‏..‏
                    فاترك - لمن خلعوك- الخلافة
                    هذا زمان لدهماء هذا الزمان
                    يعيثون فيه فسادا
                    ويرجون منه امتدادا
                    ويحيون‏...‏
                    يرتكبون صنوف الخطايا
                    وفي طيشهم يوغلون
                    فلا يستدير إليهم أحد‏!‏
                    الرماد يسود‏..‏
                    تقدم‏...‏
                    وكن واحدا لا نصيب له
                    في الرهان
                    ولا شوكة تستفز‏,‏
                    وإلا‏...‏
                    فأنت الحصاة التي تفسد الزيت
                    في آلة الناهبين‏,‏
                    وأنت البلاء المسلط‏,‏
                    أنت الدمار المسيطر
                    حاذر
                    فرأسك أول ما سيطير
                    إن ارتفع الرأس عن شبره المفترض
                    أو تجاوز أبعد من كتف القانص
                    المعترض
                    أو تأمل بعضا من اللوحة المدهشة
                    مشهدا‏,‏
                    مشهدا‏,‏
                    كازدحام الأفق‏..‏
                    بالجياع الذين يبيعون أعمارهم
                    لاقتناء رصاصة
                    والصغار الذين يسيرون تحت النعوش
                    لكي يكبروا في القبور
                    والشيوخ الذين يؤهلهم عجزهم
                    لابتلاع المرارة
                    وتهوي الأوابد عبر المفاوز
                    وهي تنقب عن طلل في الرمال
                    هنالك‏..‏
                    تصبح عولمة الفاتحين شظايا
                    وبعض زجاج تهشم
                    فوق الرؤوس المليئة بالكبر
                    لاتمتلك الآن غير الخشوع
                    لسيدها الموت
                    يدفعها في اتجاه العناد
                    وفي لوثة الكبرياء
                    لعل الجراح يرممها الثأر
                    والثأر نار بغير انتهاء‏!‏
                    ‏***‏
                    الرماد انطلق‏..‏
                    هل تطيق لصهيون هيمنة لاترد‏!‏
                    وهل تتنازل عن قدس أقداسك
                    المستباحة؟
                    هل يطمعونك حتى تكون شريكا
                    وأنت الذي يتحلق حولك
                    كل الذين يرونك خيط الرجاء
                    إلي وطن مستباح
                    وأرض
                    وخاتمة ــ حرة ــ للمطاف؟
                    هل تخون دمك؟‏!‏
                    إنه وطن ساكن في شرايين قلبك
                    ملتصق في وتينك
                    مشتعل في رؤياك
                    ومخضوضل في جبينك
                    مرتسم في يقينك
                    منطلق في جناحيك
                    محتشد في قرارة ذاتك
                    مستمسك بالضلوع‏!‏
                    فانطلق‏..‏
                    لا رجوع‏!‏
                    ‏***‏
                    ولا حائط غير جلدي
                    ومتكأ غير مائك
                    مسرجة غير وجهك
                    أنت الرفيق الذي لايخون
                    وأنت المعين الذي لا يضيق
                    وأنت الدليل الذي لا يضل
                    وأنت الزمان القديم الجديد
                    الزمان الذي ليس عنه بديل‏!‏
                    فلتطل هجمات الرماد القبيح
                    وليضع مرة واحدة
                    مابدا واهنا من رجاء شحيح
                    وليفز بالغنيمة من يهرعون
                    ومن يؤجرون
                    ومن يهتفون‏..‏
                    لايهم‏!‏
                    وحدك الآن‏..‏
                    تبقي مدى الدهر
                    أنت الحقيقي‏,‏
                    أنت الصحيح
                    وأنت الجميل الجليل‏!‏

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #11
                      (10) قصيدة لكل زمان

                      بقلم: فاروق شوشة

                      هذه قصيدة لكل زمان أبدعها المتنبي شاعر العربية الكبير‏,‏ وأودعها خلاصة رؤيته للحياة‏,‏ والزمن والناس وهي خلاصة تقطر مرارة‏,‏ وأسي‏,‏ ومعاناة‏.‏ لكنه الأسي الذي لا يؤدي إلي اليأس‏,‏ ولا يفضي إلي الشعور بعدمية الحياة‏,‏ أو الاستسلام إلي الموت‏.‏ والمتنبي الحكيم لا يطلعنا في شعره ـ عادة ـ علي التفاصيل التي أوصلته إلي منطق الحكمة‏,‏ وذروة التأمل‏.‏ بل هو يتجه إلي النفس الإنسانية مباشرة‏,‏ يباغتها ويوقظها ويعريها‏,‏ مقدما صدمته الكاشفة‏,‏ وطعنته النافذة إلي الصميم‏.‏
                      وديوان المتنبي يحدثنا في هوامشه أن القصيدة من إبداعات المتنبي وهو في مصر‏,‏ مستوحشا ومتوحدا ؟ بعد أن يئس من وعود كافور وتسويفه‏,‏ وبدأ يقلب النظر والرأي في الحال التي أصبح عليها بعد أن ركب خيل الأماني‏,‏ وامتطي صهوات الأحلام‏,‏ وظن أن المجد الذي يخايله قاب قوسين منه‏,‏ وهو الذي ضيع أغلي سنوات العمر‏,‏ مطاردا سرابا خادعا‏,‏ ومنتظرا أملا لا يتحقق‏,‏ بحثا عن عرش زائف‏,‏ هو عرش الحكم والولاية‏.‏ وهو لا يري عرش الشعر الأعظم‏,‏ الذي أجلسته عليه عبقريته الشعرية‏,‏ وسعي العرش إليه من دون كل شعراء زمانه الكبار‏,‏ ولو تحقق له عرش الولاية‏,‏ لخسر الشعر شاعره الخالد‏,‏ وقصائده التي تخاطب كل زمان‏.‏
                      يقول المتنبي في قصيدته التي لم ينشدها بين يدي كافور‏,‏ ولم يذكره فيها‏,‏ فلم يقيدها بزمن أو حادثة‏:‏
                      صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
                      وعناهم من شأنه ما عنانا
                      وتولوا بغصة كلهم منه
                      وإن سر بعضهم أحيانا
                      ربما تحسن الصنيع لياليه
                      ولكن تكدر الإحسانا
                      وكأنا لم نرض فينا بريب الدهر
                      حتي أعانه من أعانا
                      كلما أنبت الزمان قناة
                      ركب المرء في القناة سنانا
                      ومراد النفوس أصغر من أن
                      نتعادي فيه وأن نتفاني
                      غير أن الفتي يلاقي المنايا
                      كالحات‏,‏ ولا يلاقي الهوانا
                      ولو ان الحياة تبقي لحي
                      لعددنا أضلنا الشجعانا
                      وإذا لم يكن من الموت بد
                      فمن العجز أن تكون جبانا
                      كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس
                      سهل فيها إذا هو كانا‏!‏
                      هل كان يأس المتنبي من عطاء كافور ـ الذي لم يتحقق وراء هذه القصيدة الشجية الأسيانة وهل أوصله تقليبه للأمر علي وجوهه إلي أن مراد النفوس‏,‏ وكل ما تطمح إليه أو تطمع فيه‏,‏ هو في حقيقته و جوهره أصغر من أن يقتتل الناس من أجله ويتفانوا‏,‏ ولعله كان ـ وقتها ـ يدير في رأسه خطة الخروج من مصر والفرار من كافور‏,‏ والنجاة من عيونه وجنوده‏.‏
                      الأمر إذن يتطلب شجاعة وقدرة علي المغامرة‏.‏ وهو علي استعداد لملاقاة الموت وجها لوجه‏,‏ لكنه يأبي الهوان والذل‏,‏ الموت إذن أحب إليه من عيش غير كريم‏,‏ ومن حياة لا تلائم كبرياءه وعزة نفسه‏.‏ إن ما نتصوره صعبا أو يتطلب قدرة خارقة‏,‏ يصبح سهلا جدا وميسورا بعد حدوثه‏,‏ ويدهشنا أن الوهم كان يصوره علي هذه الدرجة من الصعوبة والاستحالة بينما هو بعد أن تمتليء به النفوس تتهيأ لملاقاته ثم تعمل لتحقيقه ـ لم يكن مستحقا لهذا الموقف المحاذر المتحسب‏.‏
                      لكن عبقرية المتنبي لم تجعل هذه القصيدة النادرة المثال في شعره حبيسة العلاقة بين المتنبي وكافور‏,‏ ولا سجينة فضاء تلك السنوات التي جعلته يراجع موقفه‏,‏ ويصل إلي قراره بترك كافور والخروج من مصر‏.‏ فقد أصبحت صرخة شعرية إنسانية لكل زمان‏,‏ وطلقة في وجه الجبن والهوان والتردد والذلة‏,‏ من منطلق صادق وواضح وبسيط جدا‏,‏ يلمسه الجميع‏,‏ هو أن الموت حق علي الجميع‏,‏ فلماذا الخوف إذن من ملاقاته والهروب من مواجهته؟
                      ولو أن الحياة دائمة والخلود فيها متاح لكان الشجعان أضلنا عقلا‏,‏ وأكثرنا طيشا ونزقا‏.‏ وهو المعني الذي تردد كثيرا في شعر الشعراء الصعاليك جلاء لحقيقة موقفهم الخارق الشجاعة في مواجهة الموت‏,‏ والذي لخصه أميرهم عروة بن الورد في قوله‏:‏
                      فإن فاز سهم للمنية‏,‏ لم أكن
                      جزوعا‏,‏ وهل عن ذاك من متأخر
                      وصوره طرفة بن العبد في معلقته البديعة وهو يقول‏:‏
                      ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي
                      وأن أشهد اللذات‏:‏ هل أنت مخلدي؟
                      فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي
                      فدعني أبادرها بما ملكت يدي‏!‏
                      والذي أبقي قصيدة المتنبي حية فينا حتي اليوم تخاطبنا بوصفها من شعر هذا الزمان وكل زمان‏,‏ أنها بفضل صياغتها الشعرية المحكمة قبضت علي أحد مفاتيح النفس الإنسانية المهمة‏,‏ في مواجهتها للموت‏,‏ وانتصارها عليه بوعيها أنه حقيقة لا إنكار لها وقضاء لا مفر منه‏,‏ فلم الخوف والخشية‏,‏ والتردد والجبن‏,‏ والرضا بالهوان إذن؟
                      وإذا لم يكن من الموت بد
                      فمن العجز أن تكون جبانا
                      كلمات باقيات للمتنبي أقدمها إلي كثيرين يدفعهم الجبن إلي العجز‏,‏ في مواجهة صنوف شتي من البطلان والتخلف والفساد‏,‏ وتغيب عنهم عظة الحياة وحكمتها‏,‏ المتمثلة في أنه لا يوجد علي وجه الأرض ـ من سراب الأماني المخادع ـ ما يستحق العداء والاقتتال من أجله‏,‏ لأن الذي يستحق هو صون الكرامة والشرف‏,‏ وإعلاء راية العزة والكبرياء‏,‏ واستقبال القضاء حين يصبح محتوما ـ بمواجهة الشجاع‏,‏ لا بهوان العاجز الجبان.
                      .................................
                      *الأهرام ـ في 4/12/2005م.

                      تعليق

                      • د. نديم حسين
                        شاعر وناقد
                        رئيس ملتقى الديوان
                        • 17-11-2009
                        • 1298

                        #12
                        د. حسين علي محمد
                        أشكركَ غاية الشكر على هذه اللفتة المباركة . لقد نشأنا على صوتِ فاروق شوشه العميق والهاديءِ والرصين ، عبرَ برنامج لغتنا الجميلة ، وتابعنا برنامجه التلفزيوني الهام ، وقرأنا أشعارهُ العالية .
                        لقد حبَّبنا بلغتنا الباسقة عندما كانت تتكالبُ عليها اللغات ، بنَفَسٍ عامرٍ بالوطنيةِ والعزَّةِ .
                        شكرًا لك مرةً أخرى وسلمت يَدُك .

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #13
                          شُكراً للأديب المبدع الدكتور
                          نديـــــــــم حســــين
                          على مُشاركته الكريمة،
                          مع موداتي.

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #14
                            (11) سناء البيسي في سيرة الحبايب

                            بقلم : فاروق شوشة
                            .....................

                            كل كتاب جديد لسناء البيسي هو حالة خاصة من الإبداع في الكتابة‏,‏ لا تتشابه أبدا مع الحالات السابقة‏.‏ هو لؤلؤة فريدة في سلك منظوم‏,‏ يشع وهجه الخاص‏,‏ وإبهاره المتميز‏.‏ ولأنها‏-‏ سناء البيسي‏-‏ كالنهر او البحر‏,‏ الذي لاتنزله مرتين‏,‏ لأن ماءه يتغير باستمرار ويتجدد باستمرار‏,‏ فكهذا كتاباتها‏,‏ لانحس ازاءها أننا قرأناها من قبل‏,‏ كما نري لدي بعض كتابنا الذين يسمون بالكبار‏,‏ حين يقومون بدور الحاوي الذي يلعب بالبيضة والحجر‏,‏ ويعيدون تقديم ألحانهم المكرورة التي سئمها الناس في تنويعات جديدة لاتنجح في إخفاء ما أصابهم من إفلاس‏.‏
                            لكن الأمر مع سناء البيسي يأخذ بتلابيبنا ولا يتركنا حتي نستمتع بالمذاق الجديد والنكهة المغايرة‏,‏ وحتي نكشف حجم التجدد والقدرة علي تجاوز الذات‏.‏ هذه هي حالنا مع كتابها الجديد الضخم‏(570‏ صفحة من القطع المتوسط كل صفحة من ستة وعشرين سطرا‏,‏ كل سطر من خمس عشرة كلمة‏):‏ سيرة الحبايب‏:55‏ شخصية من قلب مصر الذي صدر لها مؤخرا عن دار الشروق‏.‏ انها تهديه لابنها هشام رفيق التجوال‏:‏ دعوة لجولة واسعة معي في رحاب الأحباب‏.‏
                            وأحباب سناء البيسي هم بناة مصر وصناعها وجدانا وروحا وعقلا‏,‏ وهم بعض منارات الحضارة الاسلامية والحياة العربية‏,‏ وأئمة التنوير الديني‏,‏ وأعداء الظلام والظلامية‏,‏ في انعطافة الي الكتابة وأعلامها‏,‏ والفن ورموزه‏.‏ كل حبة من حبات مسبحة سناء التي تضم خمسا وخمسين جوهرة مكنونة‏,‏ اخرجها الغواص من صدف التنكر والتجاهل والنسيان‏,‏ وقدمتها الجواهرجية سناء مجلوة ساطعة‏,‏ يتجدد بريقها الأخاذ ولمعانها النادر وعشق الناس لها‏:‏ فكرا وفنا ودعوة وريادة‏.‏
                            ولكل من هذه الشخصيات الجواهر تسميتها الدالة والمميزة‏,‏ فالسيدة خديجة أولي المؤمنات‏,‏ وعلي بن أبي طالب‏:‏ إمام المتقين‏,‏ والسيدة نفيسة‏:‏ نفيسة العلم‏,‏ وشلتوت‏:‏ إمام التوفيق والتقريب‏,‏ وعبد الحليم محمود‏:‏ امام الصوفية‏,‏ والغزالي‏:‏ سيد الدعاة‏,‏ والباقوري‏:‏ امام التيسير‏,‏ والشيخ مصطفي عبد الرازق‏:‏ البحر الزاخر‏,‏ وسعد زغلول‏:‏ الأصل والصورة‏,‏ وأحمد حسنين باشا‏:‏ عاشق الصحراء‏,‏ وعثمان أحمد عثمان‏:‏ المعلم‏,‏ والتابعي‏:‏ صاحب الجلالة‏,‏ وفكري أباظة‏:‏ باشا الصحافة‏,‏ ومحمد عفيفي‏:‏ الضحكة الرايقة الراقية‏,‏ والسنهوري‏:‏ الامام الخامس‏,‏
                            وعلي مصطفي مشرفة‏:‏ عميد العلم‏,‏ وجمال حمدان‏:‏ درس في عشق مصر‏,‏ وسليم حسن‏:‏ عاشق المحروسة‏,‏ ورجاء النقاش‏:‏ صياد اللؤلؤ‏(‏ وهي تسمية تصدق علي سناء البيسي التي اصطادت في كتابها هذا وحده خمسا وخمسين لؤلوة‏),‏ وجلال أمين‏:‏ في جلباب أبيه‏,‏ وصولا الي صلاح جاهين‏:‏ كتيبة الإبداع‏,‏ ومحمود شكوكو‏:‏ السندباد البلدي‏,‏ ورياض السنباطي‏:‏ القيمة والقمة‏,‏ وزكي رستم‏:‏ المشخصاتي ابن الباشوات‏,‏ وفاطمة رشدي‏:‏ شلال الأنوثة‏,‏ ومنيرة المهدية‏:‏ الغندورة‏,‏ وأم كلثوم‏:‏ كم أناديك‏.‏ لآليء أكتفي بالاشارة اليها لهوي خاص من بين كل الآخرين‏.‏
                            لايفوت سناء البيسي أن تقدم لكتابها الضخم بأنه ليس تأريخا وإنما هو‏:‏ تحليق مع باقة جمعتها من ثمار شجرة الانسانية لأتذوقها علي مهل‏,‏ وأحلق في أجوائها بالخشوع والمعايشة والصداقة والحب والتأمل والتأثر‏,‏ وأنصت لها وأستزيد‏..‏ فغرامي وقضيتي وحوار عمري ونبض قلمي ونهج بحثي هو سيرة الأحباب‏.‏
                            لكن الذي لم تقله سناء البيسي أنها‏-‏ في هذا الكتاب‏-‏ تشارف ذروة ابداعها في فن اللوحات القلمية‏,‏ وهي ترجمة غير أمينة لفن البورتريه‏,‏ هذا الفن الذي قرأنا نماذجه الأولي عند التابعي والمازني ويحيي حقي‏,‏ كل لوحة قلمية شخصية انسانية نابضة بالحياة‏,‏ وكل وجه من وجوه هذه الشخصيات المرسومة بالقلم يحمل سماته وملامحه الدالة‏,‏ ويعلن عن الجوهر المتفرد فيه‏.‏ وهو فن لاتقوم كتابته إلا علي قاعدة راسخة من المحبة‏,‏ وإلا فما معني أن تكتب عما لاتحب؟
                            وسناء عاشقة ومحبة وذائبة في كل من كتبت عنهم‏:‏ قدامي ومحدثين ومعاصرين‏,‏ دعاة ومفكرين وأدباء ومبدعين وفنانين‏,‏ ولولا هذا الفيض من الحب الغامر والكاشف الذي اتسع له فضاء وجدانها الرحب ما ظفرنا بهذا الفيض من الابداع الجميل‏.‏ لقد استطاعت بحسها الانساني والصحفي والصوفي أن تطور من هذا الفن فن اللوحة القلمية‏,‏ وأن تشيد من لبناته صروح عالمها الفذ الشامخ البنيان‏,‏ الذي يتأبي علي التقليد او المحاكاة‏.‏
                            لاتفوتها نأمة‏,‏ ولايغرب عن بالها شاردة‏,‏ ولاتبعد عن هدفها المرسوم قيد أنملة‏.‏ إني لشديد العجب مثلا كيف وصلت بدأبها وتحديها الي عالم سليم حسن‏-‏ عاشق المحروسة‏-‏ وترجمته للوحات بديعة من أشعار الغزل في الأدب المصري القديم ضمنها المجلد الثامن عشر من موسوعته العملاقة‏,‏ فجعلنا وجعلتنا نردد مع العاشق الذي قال‏(‏ في عام‏1300‏ قبل الميلاد‏)‏ لساكنة الفؤاد‏:‏ عندما تأتي الريح فانها تتوق الي شجرة الجميز‏,‏ وعندما تأتين فانك تتوقين الي‏.‏
                            حبيبتي اذا ضممتها وذراعاها مفتوحتان خيل الي أني امرؤ من بلاد بنت نبع العطور‏.‏ آه‏,‏ ليتني خادمتها لأجلس عند قدميها‏,‏ خاتما في اصبعها‏,‏ ليتني الحارس حتي تؤنبني وعندها يمكنني سماع صوتها‏,‏ وهي غضبي‏,‏ لأكون امامها كالطفل ارتعد فرقا
                            فهل قرأ شعراء مصر الغزلون شعر هذا العاشق المصري القديم الذي سبقهم الي تمني الجلوس عند قدمي المحبوب‏,‏ وأن يكون خاتما في اصبعه او حارسا يسهر علي رعايته؟
                            أما نحن ياسيدتي سناء البيسي‏-‏ من قرآئك ومحبيك‏-‏ فندعو بأن تتسع سيرة الحبايب لديك لخمس وخمسين شخصية أخري من قلب مصر‏,‏ لأن فكرك وقلمك وفنك‏,‏ يمتلك مساحة من الحب لايملكها إلا قلب رائع كقلبك‏,‏ ونفس نفيسه كنفسك الراقية‏,‏ المحلقة أبدا‏.‏ واسلمي لنا‏.‏
                            ............................................
                            *الأهرام ـ في 8/3/2009م.

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #15
                              (12) ســعد لبيب‏:‏ الأستاذ والمعلم

                              بقلم : فاروق شوشة
                              .....................

                              رأيته في اليوم الأول لالتحاقي بالإذاعة في العشرين من أكتوبر عام‏1958,‏ كانت التقاليد الإذاعية تقضي بأن يقابل المذيع الجديد ـ عند تسلمه العمل ـ كبير المذيعين أو المدير العام للتنفيذ‏,‏ ولما كان كلاهما‏(‏ صلاح زكي وحسني الحديدي‏)‏ غير موجود‏,‏ فقد دفعوا بي إلي مكتب الإعلامي الكبير عبدالحميد يونس ـ وكيل الإذاعة في ذلك الوقت ـ وكان بصحبته الأستاذ سعد لبيب مدير البرنامج الثاني للإذاعة‏(‏ البرنامج الثقافي الآن‏),‏ وكان قد مضي عام واحد علي بدء إرساله‏.‏ وأخذ الأستاذ يونس يسألني عن دراساتي واهتماماتي وأسباب اختياري للعمل الإذاعي‏,‏ وإجاباتي تركز علي إذاعة البرنامج الثاني الواجهة المشرفة للعمل الإذاعي الثقافي‏;‏ ولم أعرف وقتها أن الشخص الذي كان يصحبه الأستاذ يونس هو سعد لبيب‏,‏ بالرغم من أنني كنت أتابع البرنامج الأسبوعي مجلة الهواء الذي كان يقدمه هو وصديق عمره فهمي عمر ـ الذي أصبح رئيسا للإذاعة فيما بعد ـ أطال الله عمره‏.‏ وعرفت بعد أيام قليلة أنه طلبني للعمل في البرنامج الثاني‏,‏ فلم يوافق حسني الحديدي الذي أصر علي بقائي في قسم المذيعين‏,‏
                              وسمح لي بأن أعمل وقتا إضافيا في البرنامج الثاني بعد انتهاء واجباتي في قسم المذيعين‏.‏ هذا العمل الإضافي استمر ـ تطوعيا ـ طيلة خمس سنوات كان البرنامج الثاني خلالها وعلي رأسه سعد لبيب مدرستي الإذاعية الأولي‏,‏ وسعدت بأن أكون تلميذا مباشرا يتلقي التوجيهات الأولي ويتعلم دروسه الأساسية في الكلام والإلقاء وكيفية إجراء الحوار والتعامل مع ضيوف الميكروفون‏,‏ وكيف يكون الإعداد لبرنامج ما‏.‏ كانت إدارة سعد لبيب للعمل الذي اختير له بعد سفره في بعثة إلي الإذاعة البريطانية لدراسة ما يسمي بالبرنامج الثالث فيها المخصص للثقافة ـ إدارة تقوم علي الحزم والمودة معا ـ وكانت أسرة البرنامج الثاني التي تضم صفوة من الإذاعيين تحمل له محبة واحتراما وتقديرا من طراز فريد‏,‏ هذه الصفوة التي تضم سميرة الكيلاني الإذاعية الكبيرة المثقفة‏,‏ وبهاء طاهر ـ الروائي الكبير الآن ـ وفؤاد كامل المترجم وأستاذ الفلسفة‏,‏ ومحمود مرسي المخرج الإذاعي الذي أصبح نجما سينمائيا وتليفزيونيا‏,‏ وسهير الحارتي النحلة الدؤوب المتوهجة بالنشاط والحيوية‏,
                              ‏وصلاح عز الدين المخرج العائد إلي الوطن بعد أن رفض هو وزميله محمود مرسي العمل في الإذاعة البريطانية عندما حدث الدوان الثلاثي علي مصر‏,‏ وكامل يوسف المخرج الإذاعي الشهير‏,‏ وحكمت عباس مسئولة ا
                              لبرامج الفنية‏,‏ وعفاف المولد مسئولة البرامج العلمية‏.‏ وكان سعد لبيب المايسترو الرائع الذي يقود كتيبة الحالمين بصنع أول إذاعة ثقافية عربية علي غير مثال‏,‏ حريصا علي أن يلتقي مع الجميع كل صباح لتقييم ما أذيع بالأمس‏.‏ ولم تكد تمضي شهور قليلة حتي كلفني بتقديم الحلقات العربية من برنامج مع الأدباء الذي لا يزال علي خريطة الإذاعة حتي الآن وكان ضيف الحلقة الأولي نجيب محفوظ‏,‏ وكانت المرة الأولي التي يدخل فيها مبني الشريفين لتسجيل البرنامج الذي أصر أن تكون إجاباته فيه مكتوبة‏,‏ الأمر الذي جعل من حوارنا وثيقة حرصت علي نشرها في مجلة الآداب البيروتية عام‏1960,‏ وقد رجع إليها كثير ممن كتبوا عن نجيب محفوظ في ذلك الوقت‏.‏ وحين انتقلت الإذاعية الكبيرة سميرة الكيلاني إلي التليفزيون ـ ضمن الفوج الأول من رواد الإذاعة فوج البناء والتأسيس ـ عبدالحميد يونس وبابا شارو‏(‏ محمد محمود شعبان‏)‏ وسعد لبيب ومحمود مرسي ثم همت مصطفي بعد ذلك ـ كلفني سعد لبيب بتقديم برنامجها مع النقاد الذي كان صوت الحياة النقدية في ذلك الزمان‏.‏ ولم يلبث سعد لبيب أن أصبح دينامو الحيوية والنشاط في عمله الجديد بالتليفزيون سكرتيرا له‏,‏ ومسئولا عن إذاعاته الخ
                              ارجية‏,‏ وبرامجه الفنية والثقافية‏,‏ قبل أن يصبح مديرا عاما لبرامجه ومسئولا عن وضع الخريطة البرامجية لهذا الجهاز الذي يدين لسعد لبيب بوضع أسس العمل وتقاليده الأولي‏,‏ قبل أن يترهل الوضع‏,‏ وتسيطر فلسفة الكم التي بسببها آثر بابا شارو العودة إلي عمله بالإذاعة احتراما لتاريخه ومواقفه‏,‏ وإيثاره الكيف‏,‏ الأمر الذي لم يعجب كبار المسئولين وقتها‏,‏ الذين كانوا يتعجلون كل شيء قبل أن تنضج الثمار‏,‏ ويتم تدريب الكوادر الفنية‏,‏ ولا تزال فلسفة الكم في الإعلام المصري سببا في كل ظواهره السلبية حتي الآن في الإذاعات والقنوات التليفزيونية التي تزداد تورما وانتفاخا دون أن تحمل جدوي أو فائدة‏.‏ وعندما حدثت هوجة مايو وأضير بسببها عدد من نجوم الإذاعة والتليفزيون كان سعد لبيب واحدا من ضحاياها بعد أن أعطي عصارة قلبه وفكره للإعلام المصري‏.‏ وعلي عكس كل التوقعات كان تحرره من سجن الوظيفة بداية لمرحلة من التألق والازدهار والنجاح المدوي في حياته خبيرا إعلاميا ـ عربيا ودوليا ـ ومؤسسا لمعاهد التدريب في قطر والعراق‏,‏ ومستشارا إعلاميا للعديد من الهيئات والمؤسسات‏,‏ وفي مقدمتها اليونسكو واتحاد الإذاعات العربية‏,‏ وعميدا لأول كلية للإعلام
                              في أول جامعة خاصة في أكتوبر‏,‏ وأستاذا للإعلام في عديد الجامعات‏,‏ وواضعا للعديد من الدراسات الإعلامية المؤلفة والمترجمة‏.‏وفي غمار هذا التألق الذي استرد به سعد لبيب شبابه وعافيته‏,‏ يسارع الإعلام المصري ـ الذي تنكر له بعض الوقت ـ إلي احتضانه‏,‏ عضوا في مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون‏,‏ ورئيسا لمهرجان التليفزيون‏,‏ ثم مهرجان الإذاعة والتليفزيون طيلة دوراته الأولي‏:‏ مؤسسا ومنظما وواضعا لمنظومة القيم واللوائح والمعايير‏,‏ وأستاذا في معاهد التدريب‏,‏ ومستشارا رفيعا لرؤساء الاتحاد‏,‏ وهو في خضم هذا كله‏:‏ الإنسان الجميل الرائع الذي يفيض رقة وبشاشة‏,‏ ولا تفارقه الابتسامة‏,‏ والذي لم يكتسب خصومة واحدة طيلة مشواره الطويل‏,‏ حاملا أمانة المسئولية في دأب لا يعرف الكلل ونشاط يتوهج بالحيوية والقدرة علي العطاء‏.‏
                              برحيل سعد لبيب تغيب عن عالمنا الإنساني والإعلامي نسمة جميلة صافية وروح إنسانية عذبة‏,‏ وخبرة معلم وأستاذ نجح في أن يجعل منها مصنعا للعديد من تلاميذه وأبنائه‏,‏ يربيهم ويتعهدهم ويوجههم‏,‏ هم الآن بعض غرس يديه وثمرة ريادته‏.‏ وياأستاذي ومعلمي وأخي وصديقي نم هانئا‏,‏ سيظل فينا غرسك‏,‏ ويبقي فينا عطرك‏,‏ وستزدهر فينا وبنا أحلامك وأمنياتك‏.‏
                              .......................................
                              *الأهرام ـ في 15/3/2009م.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X