صراع في الغابة
النمر والبيضة
لم تمر غابتنا بمثل ما نحن به من قحط وجفاف مُنذُ أن سَجَّلَ التاريخ لسنوات جوع مَضَتْ في
ذلك الزمان الغابر . فكشفت الأيام عن أنيابها لتُصيب جميع حيوانات الغابة بالهزال الذي
ضرب سِمانها وعجافها بنفس القدر . الأرض عطشى . وأوراق الشجر بدأت تذبل وتتساقط
من على أغصان هشة . فضاق كثيرون بحياتهم حتى أصبحت مناجاة النجوم ملاذهم الوحيد .
استيقظ النمر مع صياح الدِيَكة . صياحٌ خافتٌ خجولٌ يعجز عن إيقاظ وليد بحضن أمه . فعَجِبْتُ
للنمر النائم , كيف سمعه ! سألتُ نفسي فأجابت :
ــ وهل الجَوْعى ينامون ؟
نهض نمرنا عن فراشة , بسْمَلَ ثم بسط راحتيه نحو السماء واخذ يُتمتِم داعيا المولى أن يرزقه
وأهل الغابة جميعهم . فرَّش أسنانه وكأنَّ عليها نُتَفَاً من الطعام ! وبدأ يتلمس المكان باحثا عن
إيً شيء يُؤكل , وهو أعلم مني ومنك أن بيته خاوياً , ولكنها عادة .
خرج للخلاء يتدثَّرُ بهلاهيل اتقاء لبرد الصبح علَّه يجد شيئاً يسد بهِ رمقهُ حتى وإن كانت بيضة
عصفور . لم يصدق عينه , رأى بيضة اكبر من بيضة عصفور , ربما بيضة حمامة أو بيضة
دجاجة , لا بل أكبر , إنها بيضة نعامة أو ربما لديناصور ؟
قفلَ راجعاً لبيته يحتضن البيضة وقد تضاربت في رأسه أفكارا لا حصر لها كلٌ تحاول
الاستئثار بطهي البيضة حسب مزاجها . فتسائل بعد أن أضناه الفكر :
ــ أأسلقها ؟ أم أقليها ؟
لم يطُل تسائُله , فغمغمَ :
ــ أنا أحب البيض مسلوقا , سوف أسلقها .
في أثناء انشغاله بمصير البيضة , تناهى إلى أذنيه صوت الفهد وكأنه يُحادثُ شخصا ما .
فداعبهُ النمر قائلاً :
ــ ماذا ألمَّ بك أيُّ هالفهد , هل أصبحت تُكلِّم نفسك في هذه الأيام ؟
دمعت عيني الفهد وردَّ عليه قائلاً :
ــ عِمتَ صباحاً يا صديقي النمر . هل تعلم , أن فمي لم يذق طعم الزاد منذ أسبوع وأكثر ؟
وأرى البيضة الَّتي تحتضنها تكفينا نحن الاثنين , فهل تقبل أن نتقاسمها سوياً ؟
لم يتوقع النمر أن يشاهد الفهد يوما بهذه الصورة ً . فأومأ برأسه مستجيبا لنداء الاستغاثة هذا .
وتمتمَ في سِرِّه قائلاً :
ــ ما هي إلاّ سداد دين على أي حال .
وقال له بطيب خاطر ورضا :
ــ تفضَّلْ , سوف أسلق البيضة وأقسمها مناصفة بيني وبينك .
رفع الفهد يده كتلميذ مؤدب وقال بصوت منخفض :
ــ مهلاً يا صديقي النمر , سوف نقليها ونتقاسمها , فأنا لا أحب البيض مسلوقاً .
ردَّ عليه النمر بتصميم وإصرار :
ـ لكنك تعلم أني لا أحب البيض المقلي .
فما كان من الفهد سوى أن يخاطبه بجرأته المعهودة قائلا :
ــ وأنت تعلم بأني لا أحب البيض المسلوق .
ردَّ عليه النمر بازدراء :
ــ البيضة بيضتي يا حضرة الفهد, اطهيها كما أشاء .
تمادى الفهد في جرأته وقال للنمر :
ــ أنا ضيفك , وعليك احترام رغبتي .
مطَّ النمر شفتيه مستهزئاً :
ــ عندما أدعوك تكون ضيفي , وانأ لم افعل . فرضتَ نفسك على مائدتي وانأ قبلت مع الأسف .
ردّ عليه الفهد بأسى يخالطه بعض من الكبرياء :
ــ أنا لم أضربك على يدك لتقول لي تفضل , وطالما قلتها فأنا ضيفك . وعليك حق الضيافة .
بدأ النمر يرتجف غيظاً وقال له بحزم :
ــ سحبتها يا أخي , وتفضل انصرف من هنا .
إقْتِتَال الإخوة
لم يصدق الفهد ما سمعه , فأدركتهُ حميته وردَّ عليه بحدّه وعصبية :
ــ أتطرُدني يا عديم الذوق ؟
وبسرعة انقض الفهد على النمر وأطبق بفكيه حول عنقه ........
وإذا بالأسد يرتفع أمامهما متوثباً كالقدر , فصاح مزمجراً :
ــ على رسلكما أيها السفيهين , هل انتهى أمركما بالشجار أمامي ! أليسَ لهذه الغابة ملك ؟
اندفع كلاهما نحو الأسد حتى وقفا أمامه , سجدا له , وقبَّلا جبينه ووجنتيه احتراما ووجلاً .
زمجر الأسد زمجرة أخرى تلقفها سيّارة القوافل البعيدة . وقال لهما بلهجة آمرة :
ــ سأجعلكما عبرة إذا لم تُفصِحا أمامي سبب هذا العراك .
روى كل منهما قصته كما هي بلا زيادة وبلا نقصان .
ابتسم الأسد وقال لهما ساخراً :
ــ أين المشكلة ؟
تردد النمر وهو يرنو إلى عينين حادتين ترنوان إليه بتحدٍ فاضح , فتطوَّع لسرد ما غاب عن
إدراك الأسد .
وقال مازحاً :
ــ المشكلة يا سيدنا , أنني قبلت الفهد شريكا لي في هذه البيضة لسوء حظي .
بَهَتَتْ ابتسامة الأسد , وحلَّت محلَّها ابتسامة أخرى لا طعم لها ولا لون . وقال في برود :
ــ أفهم من كلامك , انك قد ندمت على قبولك للفهد شريكاً معك في البيضة ؟
أدرك النمر خطورة الموقف وقال متوسلاً ومُبْدِيَاً بذات الوقت بعضاً من كبريائه :
ــ معاذ الله أن افعل , فأنا نمر يا جلالة الملك والنمور لا يتراجعون عن قرارٍ اتخذوه , وكما
ترون جلالتكم . البيضة لا يمكن قسمَها وهي نيئة , إذاً فلا بد من طهيها قبل قسمتها , وقد
تباينت وجهات نظرنا أنا والفهد حول طريقة الطهي .
ظنَّ كليهما أن الأسد ما زال يبتسم فبانت نواجذه وهو يقول :
ــ أين المشكلة ... اقصد أين هي تلك البيضة التعيسة ؟ ضعوها أمامي .
وأردف قائلاً بمكر :
ــ هل تعلمان أني لا أحب البيض مسلوقاً, ولا أحبه مقلياً, أحبه نيّ هكذا . هل من مُعترض ؟
تدَلَّى رأسيهما كسنابل قمح أينعت قبل أوانها . البيضة الآن مستقِرَّة في جوف الملك , والملك قد
حكمَ بالعدل ولا نقاش في عدالة حكمه . أدرك النمر , كما أدرك الفهد أيضا فداحة خطأهما ,
فراحا يُنصتان لهسيس الصمت الذي عَمَّ الغابة بأكملها .
هزيمة ودرس
لم يطل صمت الغابة كثيراً بعد ان افتُضِحَ أمر البيضة , فخرج الصامتون عن صمتهم , وبدءوا
يتذمرون خلسة وبالعلن .
وقد جاء اليوم الأكبر يوم الخميس , حيث أقام الأسد بمناسبة زفاف ابنه الشبل حفلاً خيالياً لم
تشهد له الغابة مثيلاً , تحدّى جوعهم , في زمن يقتَتِلُ فيه الأخوة من اجل بيضة عصفور أو
حتى حبة قمح . وكأنهم كانوا بانتظار الشعرة التي قصمت ظهر البعير , فهرع الجياع
يتدافعون نحو السرادق المُقام يتخطفون الطعام وينزعون الوتد عن طنبِهِ , فانهار السرادق
فوق الرؤوس وفوق الكؤوس . نزعَ الأسد وضيوفه الجراب عن أسلحتهم , فكشفوا عن أنيابهم
وانقضّوا على الجياع بمخالبهم العارية . تصدّى لهم النمر يُسانده الفهد ومن خلفهما جحافل
الحيوانات المقهورة .
وكان يوم , انتصر فيه الجياع على ممتلئي البطون .
يقول التاريخ :
لم يُهزم جائعٌ فوق أرضه قط .
وقد سُجِّلت هذه الواقعة بثورة يوم الخميس .
تحَلَّقت الحيوانات نمرها المنتصر وهم يهتفون :
ــ كنت فين يا نمر وإحنا مِندوّرْ عليك . كلنا رجالك يا نمر , بالروح بالدم نفديك .
تُوِّجَ النمر ملكاً للغابة يوم الجمعة التالي ليوم الخميس , فغادرها الأسد ذليلاً وقد صمَّ أذنيه
ضجيج احتفالات النصر . وفي طريقه إلى الاختفاء وقف في الخلاء ينصتُ لأول مرّة في
حياته لهسيس صمتٍ قادم من المجهول , ومن خلفه دوي دقات الطبول .
جلس الأسد متكوِّماً فوق همه الذي لا يُدانيه هم . بالأمس كان ملك هذه الغابة . كان شمسها الَّتي
لم تغب عنها يوماً, كان بدرها الذي لم يُفتقد بأحْلَك لياليها . واليوم , ها هو يلعنُ الساعة التي
تُوِّجَ فيها ملكاً على هذه الحيوانات التي لا تعي مصلحتها أين .
عمَّ الرخاء في بدايات أيام النمر, واستمر حولين إلى أن ضرب الجفاف الأرض بقسوة لا سابق
لها . فأخذت الحيوانات تموت جوعاً وعطشاً , وتفشَّت الأمراض فحصدت ألعفي من حيواناتها
قبل السقيم .
ها هو الوقت العصيب الذي يمتحن الرجال قد عبر بلا استئذان . وها هو النمر يستذكر الملك
المهزوم بجبروته المدون في صفحات التاريخ .
هل يجثو أمام الصعاب ؟ ويلوذ بالفرار ؟ هل يسرق قوت الأطفال ويلوح بعصا العقاب ؟
أم انه قد تعلم درساً ووعى ان لا ملاذ له سوى غابته وحيواناتها ؟
تعليق