صراع في الغابة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    صراع في الغابة


    صراع في الغابة

    النمر والبيضة
    لم تمر غابتنا بمثل ما نحن به من قحط وجفاف مُنذُ أن سَجَّلَ التاريخ لسنوات جوع مَضَتْ في
    ذلك الزمان الغابر . فكشفت الأيام عن أنيابها لتُصيب جميع حيوانات الغابة بالهزال الذي
    ضرب سِمانها وعجافها بنفس القدر . الأرض عطشى . وأوراق الشجر بدأت تذبل وتتساقط
    من على أغصان هشة . فضاق كثيرون بحياتهم حتى أصبحت مناجاة النجوم ملاذهم الوحيد .
    استيقظ النمر مع صياح الدِيَكة . صياحٌ خافتٌ خجولٌ يعجز عن إيقاظ وليد بحضن أمه . فعَجِبْتُ
    للنمر النائم , كيف سمعه ! سألتُ نفسي فأجابت :
    ــ وهل الجَوْعى ينامون ؟
    نهض نمرنا عن فراشة , بسْمَلَ ثم بسط راحتيه نحو السماء واخذ يُتمتِم داعيا المولى أن يرزقه
    وأهل الغابة جميعهم . فرَّش أسنانه وكأنَّ عليها نُتَفَاً من الطعام ! وبدأ يتلمس المكان باحثا عن
    إيً شيء يُؤكل , وهو أعلم مني ومنك أن بيته خاوياً , ولكنها عادة .
    خرج للخلاء يتدثَّرُ بهلاهيل اتقاء لبرد الصبح علَّه يجد شيئاً يسد بهِ رمقهُ حتى وإن كانت بيضة
    عصفور . لم يصدق عينه , رأى بيضة اكبر من بيضة عصفور , ربما بيضة حمامة أو بيضة
    دجاجة , لا بل أكبر , إنها بيضة نعامة أو ربما لديناصور ؟
    قفلَ راجعاً لبيته يحتضن البيضة وقد تضاربت في رأسه أفكارا لا حصر لها كلٌ تحاول
    الاستئثار بطهي البيضة حسب مزاجها . فتسائل بعد أن أضناه الفكر :
    ــ أأسلقها ؟ أم أقليها ؟
    لم يطُل تسائُله , فغمغمَ :
    ــ أنا أحب البيض مسلوقا , سوف أسلقها .
    في أثناء انشغاله بمصير البيضة , تناهى إلى أذنيه صوت الفهد وكأنه يُحادثُ شخصا ما .
    فداعبهُ النمر قائلاً :
    ــ ماذا ألمَّ بك أيُّ هالفهد , هل أصبحت تُكلِّم نفسك في هذه الأيام ؟
    دمعت عيني الفهد وردَّ عليه قائلاً :
    ــ عِمتَ صباحاً يا صديقي النمر . هل تعلم , أن فمي لم يذق طعم الزاد منذ أسبوع وأكثر ؟
    وأرى البيضة الَّتي تحتضنها تكفينا نحن الاثنين , فهل تقبل أن نتقاسمها سوياً ؟
    لم يتوقع النمر أن يشاهد الفهد يوما بهذه الصورة ً . فأومأ برأسه مستجيبا لنداء الاستغاثة هذا .
    وتمتمَ في سِرِّه قائلاً :
    ــ ما هي إلاّ سداد دين على أي حال .
    وقال له بطيب خاطر ورضا :
    ــ تفضَّلْ , سوف أسلق البيضة وأقسمها مناصفة بيني وبينك .
    رفع الفهد يده كتلميذ مؤدب وقال بصوت منخفض :
    ــ مهلاً يا صديقي النمر , سوف نقليها ونتقاسمها , فأنا لا أحب البيض مسلوقاً .
    ردَّ عليه النمر بتصميم وإصرار :
    ـ لكنك تعلم أني لا أحب البيض المقلي .
    فما كان من الفهد سوى أن يخاطبه بجرأته المعهودة قائلا :
    ــ وأنت تعلم بأني لا أحب البيض المسلوق .
    ردَّ عليه النمر بازدراء :
    ــ البيضة بيضتي يا حضرة الفهد, اطهيها كما أشاء .
    تمادى الفهد في جرأته وقال للنمر :
    ــ أنا ضيفك , وعليك احترام رغبتي .
    مطَّ النمر شفتيه مستهزئاً :
    ــ عندما أدعوك تكون ضيفي , وانأ لم افعل . فرضتَ نفسك على مائدتي وانأ قبلت مع الأسف .
    ردّ عليه الفهد بأسى يخالطه بعض من الكبرياء :
    ــ أنا لم أضربك على يدك لتقول لي تفضل , وطالما قلتها فأنا ضيفك . وعليك حق الضيافة .
    بدأ النمر يرتجف غيظاً وقال له بحزم :
    ــ سحبتها يا أخي , وتفضل انصرف من هنا .

    إقْتِتَال الإخوة

    لم يصدق الفهد ما سمعه , فأدركتهُ حميته وردَّ عليه بحدّه وعصبية :
    ــ أتطرُدني يا عديم الذوق ؟
    وبسرعة انقض الفهد على النمر وأطبق بفكيه حول عنقه ........
    وإذا بالأسد يرتفع أمامهما متوثباً كالقدر , فصاح مزمجراً :
    ــ على رسلكما أيها السفيهين , هل انتهى أمركما بالشجار أمامي ! أليسَ لهذه الغابة ملك ؟
    اندفع كلاهما نحو الأسد حتى وقفا أمامه , سجدا له , وقبَّلا جبينه ووجنتيه احتراما ووجلاً .
    زمجر الأسد زمجرة أخرى تلقفها سيّارة القوافل البعيدة . وقال لهما بلهجة آمرة :
    ــ سأجعلكما عبرة إذا لم تُفصِحا أمامي سبب هذا العراك .
    روى كل منهما قصته كما هي بلا زيادة وبلا نقصان .
    ابتسم الأسد وقال لهما ساخراً :
    ــ أين المشكلة ؟
    تردد النمر وهو يرنو إلى عينين حادتين ترنوان إليه بتحدٍ فاضح , فتطوَّع لسرد ما غاب عن
    إدراك الأسد .
    وقال مازحاً :
    ــ المشكلة يا سيدنا , أنني قبلت الفهد شريكا لي في هذه البيضة لسوء حظي .
    بَهَتَتْ ابتسامة الأسد , وحلَّت محلَّها ابتسامة أخرى لا طعم لها ولا لون . وقال في برود :
    ــ أفهم من كلامك , انك قد ندمت على قبولك للفهد شريكاً معك في البيضة ؟
    أدرك النمر خطورة الموقف وقال متوسلاً ومُبْدِيَاً بذات الوقت بعضاً من كبريائه :
    ــ معاذ الله أن افعل , فأنا نمر يا جلالة الملك والنمور لا يتراجعون عن قرارٍ اتخذوه , وكما
    ترون جلالتكم . البيضة لا يمكن قسمَها وهي نيئة , إذاً فلا بد من طهيها قبل قسمتها , وقد
    تباينت وجهات نظرنا أنا والفهد حول طريقة الطهي .
    ظنَّ كليهما أن الأسد ما زال يبتسم فبانت نواجذه وهو يقول :
    ــ أين المشكلة ... اقصد أين هي تلك البيضة التعيسة ؟ ضعوها أمامي .
    وأردف قائلاً بمكر :
    ــ هل تعلمان أني لا أحب البيض مسلوقاً, ولا أحبه مقلياً, أحبه نيّ هكذا . هل من مُعترض ؟
    تدَلَّى رأسيهما كسنابل قمح أينعت قبل أوانها . البيضة الآن مستقِرَّة في جوف الملك , والملك قد
    حكمَ بالعدل ولا نقاش في عدالة حكمه . أدرك النمر , كما أدرك الفهد أيضا فداحة خطأهما ,
    فراحا يُنصتان لهسيس الصمت الذي عَمَّ الغابة بأكملها .

    هزيمة ودرس

    لم يطل صمت الغابة كثيراً بعد ان افتُضِحَ أمر البيضة , فخرج الصامتون عن صمتهم , وبدءوا
    يتذمرون خلسة وبالعلن .
    وقد جاء اليوم الأكبر يوم الخميس , حيث أقام الأسد بمناسبة زفاف ابنه الشبل حفلاً خيالياً لم
    تشهد له الغابة مثيلاً , تحدّى جوعهم , في زمن يقتَتِلُ فيه الأخوة من اجل بيضة عصفور أو
    حتى حبة قمح . وكأنهم كانوا بانتظار الشعرة التي قصمت ظهر البعير , فهرع الجياع
    يتدافعون نحو السرادق المُقام يتخطفون الطعام وينزعون الوتد عن طنبِهِ , فانهار السرادق
    فوق الرؤوس وفوق الكؤوس . نزعَ الأسد وضيوفه الجراب عن أسلحتهم , فكشفوا عن أنيابهم
    وانقضّوا على الجياع بمخالبهم العارية . تصدّى لهم النمر يُسانده الفهد ومن خلفهما جحافل
    الحيوانات المقهورة .
    وكان يوم , انتصر فيه الجياع على ممتلئي البطون .
    يقول التاريخ :
    لم يُهزم جائعٌ فوق أرضه قط .
    وقد سُجِّلت هذه الواقعة بثورة يوم الخميس .
    تحَلَّقت الحيوانات نمرها المنتصر وهم يهتفون :
    ــ كنت فين يا نمر وإحنا مِندوّرْ عليك . كلنا رجالك يا نمر , بالروح بالدم نفديك .
    تُوِّجَ النمر ملكاً للغابة يوم الجمعة التالي ليوم الخميس , فغادرها الأسد ذليلاً وقد صمَّ أذنيه
    ضجيج احتفالات النصر . وفي طريقه إلى الاختفاء وقف في الخلاء ينصتُ لأول مرّة في
    حياته لهسيس صمتٍ قادم من المجهول , ومن خلفه دوي دقات الطبول .
    جلس الأسد متكوِّماً فوق همه الذي لا يُدانيه هم . بالأمس كان ملك هذه الغابة . كان شمسها الَّتي
    لم تغب عنها يوماً, كان بدرها الذي لم يُفتقد بأحْلَك لياليها . واليوم , ها هو يلعنُ الساعة التي
    تُوِّجَ فيها ملكاً على هذه الحيوانات التي لا تعي مصلحتها أين .

    عمَّ الرخاء في بدايات أيام النمر, واستمر حولين إلى أن ضرب الجفاف الأرض بقسوة لا سابق
    لها . فأخذت الحيوانات تموت جوعاً وعطشاً , وتفشَّت الأمراض فحصدت ألعفي من حيواناتها
    قبل السقيم .
    ها هو الوقت العصيب الذي يمتحن الرجال قد عبر بلا استئذان . وها هو النمر يستذكر الملك
    المهزوم بجبروته المدون في صفحات التاريخ .
    هل يجثو أمام الصعاب ؟ ويلوذ بالفرار ؟ هل يسرق قوت الأطفال ويلوح بعصا العقاب ؟
    أم انه قد تعلم درساً ووعى ان لا ملاذ له سوى غابته وحيواناتها ؟
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    نص مبدع استاذ فوزي
    أراه يناسب الكبار أكثر من الصغار لعمق المغزى السياسي فيه
    مجرد رأي
    تحية لقلمك المضيء
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • نعيمة القضيوي الإدريسي
      أديب وكاتب
      • 04-02-2009
      • 1596

      #3

      الاستاذفوزي
      ه
      و نص يحتاج لتعليق يناسبه،لي رجعة أكيد،كي أحلق بين سطوره جيدا
      تحياتي





      تعليق

      • فوزي سليم بيترو
        مستشار أدبي
        • 03-06-2009
        • 10949

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
        نص مبدع استاذ فوزي
        أراه يناسب الكبار أكثر من الصغار لعمق المغزى السياسي فيه
        مجرد رأي
        تحية لقلمك المضيء
        وهل ترضين يا أخت مها أن نقوم بحرمان أطفالنا من الوعي السياسي ؟
        ربما يأتي يوم يغدون فيه أصحاب قرار ، وفي قمة الهرم - متفائل -
        ولن أطيل - لأني جبان - .

        مرورك هنا أسعدني
        ودمتِ
        فوزي بيترو

        تعليق

        • محمد ثلجي
          أديب وكاتب
          • 01-04-2008
          • 1607

          #5
          [align=center]
          فعلا نص ممتع وفكرة جميلة وسرد بديع ورهيف
          كثيراً ما وجدنا في أدب الغرب والأدب العربي مثل تلك النصوص
          المحكية بلغة ومنطق الحيوان لحكمة في النهاية
          أستاذنا الدكتور سليم فوزي كل التحية والتقدير وإلى الأمام
          [/align]
          ***
          إنه الغيبُ يا ضيّق الصدرِِ
          يا أيها الراسخ اليومَ في الوهمِ والجهلِ
          كم يلزمُ الأمرَ حتى يعلّمك الطينُ أنك منهُ
          أتيت وحيدًا , هبطت غريبًا
          وأنت كذلك أثقلت كاهلك الغضّ بالأمنياتِ
          قتلت أخاك وأسلمته للغرابِ
          يساوى قتيلاً بقابرهِ

          تعليق

          • كريمة بوكرش
            أديب وكاتب
            • 12-07-2008
            • 435

            #6
            مساء الخير دكتور فوزي
            نص ممتع و جميل
            يحمل الكثير من العبرة للكبار قبل الصغار.
            مازلت أنتظر أعمالا أخرى
            تحيتي و سلامي

            تعليق

            • فوزي سليم بيترو
              مستشار أدبي
              • 03-06-2009
              • 10949

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نعيمة القضيوي الإدريسي مشاهدة المشاركة
              الاستاذفوزي
              هو نص يحتاج لتعليق يناسبه،لي رجعة أكيد،كي أحلق بين سطوره جيدا
              تحياتي
              ونحن بانتظارك أستاذة نعيمة
              رأيك يهمنا
              ودي واحترامي
              فوزي بيترو

              تعليق

              • فوزي سليم بيترو
                مستشار أدبي
                • 03-06-2009
                • 10949

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد ثلجي مشاهدة المشاركة
                [align=center]
                فعلا نص ممتع وفكرة جميلة وسرد بديع ورهيف
                كثيراً ما وجدنا في أدب الغرب والأدب العربي مثل تلك النصوص
                المحكية بلغة ومنطق الحيوان لحكمة في النهاية
                أستاذنا الدكتور سليم فوزي كل التحية والتقدير وإلى الأمام
                [/align]
                العزيز محمد ثلجي
                مرورك الدافئ على قصتي أسعدني
                وهل تعلم ماذا قال لي حفيدي " آدم " حين كنت أسردها له ؟
                قال لي بتعجب : لماذا يا - جدو - لم يرقض النمر على البيضة فتفقس دجاجة . والدجاجة تضع بيض كثير فيأكله هو والفهد والأسد أيضاً ؟
                هكذا يا عزيزي محمد يفكر الأطفال . فما بالنا نحن الكبار لا نفكر ببراءة مثلهم ؟
                أم أننا في زمن غابت عنه الحكمة ؟
                ودمت
                فوزي بيترو

                تعليق

                • نعيمة القضيوي الإدريسي
                  أديب وكاتب
                  • 04-02-2009
                  • 1596

                  #9
                  [align=center]الدكتور فوزي

                  عذرا لتأخري،هاأنا أعود كما وعدت،لأن المتعة القصصية هنا جميلة وتستدعي العودة،القصة بناء من الحكم والمغزى التي تطبع مجتمعات عدة،صورة تتداول وتتكرر في شعوب مختلفة،الإنتفاع بالبيضة،الضيافة،الجوع،التقاتل،غلبة القوي،ثم الترف ونقيضه الأخر،أليست هنا حكم،وصور ومعينات تمكن منها الكاتب،وأسردها للكبير قبل الصغير.
                  إنها قصة مصاغة بأسلوب بسيط وقوي في نفس الوقت،بناء قصصي مكتف،ولغة متمكنة.
                  هنيئا لقلم صاغ فأجاد الصياغة
                  تحياتي
                  [/align]





                  تعليق

                  • فوزي سليم بيترو
                    مستشار أدبي
                    • 03-06-2009
                    • 10949

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة كريمة بوكرش مشاهدة المشاركة
                    مساء الخير دكتور فوزي
                    نص ممتع و جميل
                    يحمل الكثير من العبرة للكبار قبل الصغار.
                    مازلت أنتظر أعمالا أخرى
                    تحيتي و سلامي
                    الأخت العزيزة كريمة
                    المعذرة لتأخري بالرد
                    كي تكتب للطفل ، عليك العبور إلى عالمه .
                    وبما أنني أغرق - في شبر مية - وأنا أكتب للكبار
                    فما بالك الكتابة لأطفال ؟ والطفل لا يجامل كالكبار .
                    وعليه : " ما زلت أنتظر أعمالا أخري ... "
                    أخشى يا أختي كريمة أن يطول انتظارك .

                    مرورك يسعدني دائما
                    ودمتِ
                    فوزي بيترو

                    تعليق

                    يعمل...
                    X