هذه السطور المتواضعة هى تعليق وليست دراسة بالمفهوم الأكاديمى ،حاولت فيها أن أدلى بدلوى فى محيط النقد الأدبى الزاخر ،كتبتها فى شهر فبراير سنة 2006م ونشرت فى موقع الوراق،ثم نُشرت فى جريدة مصرية ثم بمجلة أدبية .
نظرأً لما أثاره أخى الدكتور/ أحمد الليثى ،فى ثلاثيته عن الرئيس /جمال عبدالناصر ،وتطرقه إلى نجيب محفوظ ورواية أولاد حارتنا ،تذكرتُ هذه السطور ، أهديها لشخصه الكريم علّها تنال بعض القبول.
ترددت كثيرا وكثيرا جدا ، فى المشاركة فى هذا الملف الرائد ، عن رائعة الأديب العالمى نجيب محفوظ "أولاد حارتنا "إذ أنها الوحيدة والمتفردة من بين أعماله التى أصابها وابل من النقد الجاد والنقد المغرض ، وكانت الأحكام تلقى جزافا دون روية وبلا أدنى إمساك بتلابيب أبسط مبادىء النقد الأدبى والثقافى ، بل بلغ السيل الزبى أن رماها بكل نقيصة ، كل من سمع عنها ولم يقرأها .
ولم أنس أن الشيخ كشك صاحب الأشرطة العديدة والخطيب الشهير، رحمنا الله وإياه ، قد دخل المعركة المحفوظية ، لاعنًا وشاتمًا ومهاجمًا ببشاعةٍ وتحقير ، هذا العمل الفذ ، على الأقل من وجهة نظرى المتواضعة ، والذى صار حديث الساعة ، وهل تتطبع بمصر أما تظل خارج أعمال نجيب محفوظ ، المطبوعة والمتداولة بمصر ، لقد قرأتها مطبوعة عن دار الآداب _ببيروت_ ويقينى أن قراءة العمل الأدبى ينبغى أن تتسع دائرته إتساعا شاملا بالظروف التى إنبثق فيه العمل الأدبى ، فى محيطها ، سياسيا وإجتماعيا وثقافيا وإقتصاديا وأى ظروف أخرى محيطة بالوطن ، هذا على المستوى القطرى ،وأيضا على المستوى الدولى .
فكل عمل إبداعى أيا كان له خلفية يرتكن عليها ويتوكأ على معطاياتها ،ولابد أن يوضع ، فى الحسبان ، هذه الظروف مجتمعة ،حتى يصدر الحكم وفقا للمعايير النقدية والجمالية والفنية ، وليس نتيجة هوى أو موقف مسبق أو تعنت مرفوض أو جهل سقيم .
وعلينا أن نكون منصفين لأنفسنا أولا ، فلا ننجرف وراء المهاترات أو نتوه وسط الزوابع والعواصف والإبتزاز الفكرى والمقولات الفاسدة والنباح الكريه وليكن الرأى والرأى الآخر ،هما الدعامتان الذين نستند عليهما ، ولنقدس فقه الإختلاف ، فلكل من رأيه وذوقه ، دون إصدار أحكام قاطعة ، فرأيى خطأ يحتمل الصواب ورأى غيرَى صواب يحتمل الخطأ .
هذا ما نشأنا عليه وسرنا به مسيرة حياتنا .
هذه إفتتاحية أحرص عليها ، موضحا ومركزا ، آملا وفى القريب جدا أن أطرح وجهة نظرى فى هذا العمل الإبداعى الروائى الشامخ .
وشكرا لمن حفًزنى للكتابة.
و يبدأ نجيب محفوظ ، رائعته "أولاد حارتنا"
"هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق .
لم أشهد من واقعها إلاطوره الأخير الذى عاصرته ،ولكنى سجلتها جميعا كما يرويها الرواة وما أكثرهم .
جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات ،يرويها كل كما يسمعها فى قهوة حَيه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال ،ولاسند لى فيما كتبت إلا هذه المصادر .
وما أكثر المناسبات التى تدعو إلى ترديد الحكايات "
أنهى نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة عام 1952م،وظل صامتا ، يرقب الأحداث فى مصر المحروسة وإندلاع ما تم التعارف عليه بثورة يوليو 1952م بقيادة الضباط الأحرار وعلى رأ سهم اللواء /محمد نجيب ،وخروج الملك فاروق وتنازله عن العرش لولى عهده الأمير أحمد فؤاد .
ومابين عامى 1952م و1957م وقعت أحداث جسام وأخطاء فادحة وخطايا القمع والتعذيب والحكم الدكتاتورى والبطش والإستبداد والمحاكمات العسكرية الظالمة والقهر الفكرى والثقافى،وإنجازاتها المتعددة فى مجال الإصلاح الزراعى والصناعى والتعليمى وبناء السد العالى ...إلخ .
وبدأ نجيب محفوظ وهو العين الناقدة والفاحصة والمتأملة وهو العقل المتوقد والذهن الجبار ، بدأ يرصد المتغيرات والإنقلابات ولم يكن بعيدا عنها بل عائشا فى خضمها وكما أكد فى الإفتتاحية ، معاصرا لها .
وفى عام 1959م ومحمد حسنين هيكل يعتلى رئاسة جريدة الأهرام ،والأشهر عربيا وعالميا ، ومحمد حسنين هيكل المقَرب جدًا من الزعيم / جمال عبدالناصر وصديقه وموطن سره ومحط ثقته والصحفى الشهير ومقالاته المعنونة "بصراحة "والتى تذاع فى الراديو ليسمعها من لم يقرأها من الشعب الجاهل الذى لايقرأ ولايكتب !!!وليتدبر مافيها بإمعانٍ ،تعميمًا للفائدة وتثبيتًا للمعلومات وتركيزًا على الخطوط الرئيسية للسياسة الخارجية والداخلية ..وباعتبار أن ما يُكتب بجريدة الأهرام هو مايدور داخل المطبخ السياسى للصانع الأوحد للقرارات المصيرية لمصرنا المحروسة .
قام ،آنذاك ،بنشر رواية أولاد حارتنا ، مسلسلة ، وهنا قامت القيامة وهبت العواصف وأمتلأ الجو غيوما وضبابا وأعلنت الحرب الفكرية الشعواء على الرواية وكاتبها الكافر والزنديق والملعون ، والمطالبة بوقفها فورا ،وماكتبه الشيخ محمد الغزالى فى تقريره المغرض وهجوم الأزهر الشرس وبمكانة هيكل لدى عبدالناصر إنتزع منه القرار بالإستمرار فى النشر .
ويقال أن المندوب الشخصى لعبدالناصر ، حسن صبرى الخولى ، إتفق مع نجيب محفوظ ، بعدم طبع الرواية بمصر ، ,وأن تطبع خارجها ، و أخيرا أكد نجيب محفوظ هذا الإتفاق ،ويستطرد نجيب محفوظ فى الإفتتاحية ص7 :
"شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا ،وعاصرت الأحداث التى دفع بها إلى الوجود "عرفة"ابن حارتنا البار ، وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل فى تسجيل حكايات حارتنا على يدى ،إذ قال يوما :"إنك من القلة التى تعرف الكتابة ، فلماذا لاتكتب حكايات حارتنا ؟"
ويسترسل قائلا :وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفة فى حارتنا ....."
"ثم يتابع :"فإننى لاأكتب عن نفسى ولاعن متاعبى ،وما أهون متاعبى إذا قيست بمتاعب حارتنا .
حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة .
كيف وجدت ؟
وماذا كان من أمرها ،ومن هم أولاد حارتنا؟
لم يكن نجيب محفوظ إلا ناقدا لواقع عايشه ، وأمسى يصحو وينام على تغيرات الثورة ، وإنفراد مجموعة الضباط الأحرار بمقاليد السياسة والحكم ، وتمكن عبد الناصر من الإطاحة بكل رأس تناطح رأسه ، وإقدامه على تأميم قناة السويس وما تلى ذلك من عدوان ثلاثى واحتلال سيناء واشتعال الحرب وتدخل القوتان العظمييان آنذاك موسكو وواشنطن ، والخروج المذل والمهين لقوات العدوان الغاشم وتحرير سيناء .
ومازالت صورة عبدالناصر وهو يعتلى المنبر ويخطب بالجامع الأزهر بالقاهرة ، والقلوب والحناجر تهتف وتحيط به ، صورة صعب نسيانها ، وصعود نجم عبدالناصر والذين معه صعودا ملك بعدها قلوب الشعب وعقولهم ، بل لا أكون مبالغا إذا قلت أنه صار الحاكم الآمر الناهى لامرد لقضائه ، وأثرى الضباط الأحرار ثراءا فاحشا وهيمنوا هيمنة كاملة على البلاد والعباد ، وأصبح منهم الوزراءوالسفراء والمحافظون والكتاب والساسة ورجال الأعمال وأصحاب المناصب المرقومة وقادة جيوش .
والشعب سكران سكران بنشوة الإنتصارات وتحقيق الأحلام والسعى نحو إقامة مجتمع تذوب فيه الفوارق الطبقية وإقامة العدالة الإجتماعية وتحالف قوى الشعب العاملة .
وما أشبه الليلة بالبارحة .
فالشعب يئن ويئن ويئن ، وكأنك ياأبو زيد ماغزيت !!!والسلطات والقيادات والمتعة والوجاهة والمجد للضباط الأحرار والذين معهم ، والقبض والسحل والسجون والمعتقلات والتعذيب للمفكرين والمثقفين وأبناء الشعب المخلصين الذين يطالبون بالحد الأدنى من الحياة الإنسانية المتواضعة ،ودخل الشيوعيون والأخوان المسلمون والمعارضون لتوجهات الحكم السجون وطوردوا وعذبوا وإنتهكوا بدنيا وعقليا ونفسيا ، بل التصفية الجسدية إن أمكن ، والمحاكمات العسكرية العاجلة .
ولا أنسى الحكم البشع بالإعدام بمحاكمة عسكرية سريعة لاتتوافر فيها ضمانات الدفاع ،لخميس والبقرى ، وسبب ذلك مطالبهم المتواضعة فى حياة كريمة وهما العاملان الفقيران بإحدى الشركات بكفر الدوار .
وهذا بالتأكيد بداية خطيرة وإنذار مخيف وقاس وبشع وحقير ومرعب ، فالصمت الصمت الصمت .
وفى هذا السياق التاريخى لتلك الحقبة المرة والمريرة فى حياة مصر المحروسة وسقوط الأمل فى حفرة اليأس .
سجًل ،وبكل أمانة ودقة ، نجيب محفوظ ،هذه التداعيات المريعة التى أصابت الوطن والناس فى مقتل:
"ومع ذلك فلم تعرف حارة حدة الخصام كما عرفناها ،ولا فرًق بين أبنائها النزاع كما فرق بيننا ،ونظير كل ساع إلى الخير نجد عشر فتوات يلوحون بالنبابيت ويدعون إلى القتال .
حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالأتاوة ، والأمن بالخضوع والمهانة ، ولاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة فى القول أو الفعل بل للخاطرة تخطر فيشى بها الوجه .
وأعجب شىء أن الناس فى الحارات القريبة منا كالعطوف وكفر الزغارى والدراسة والحيسنية يحسدوننا على أوقاف حارتنا ورجالنا الأشداء ، فيقولون حارة منيعة وأوقاف تدر الخيرات وفتوات لا يغلبون .
كل هذا حق ، ولكنهم لايعلمون أننا بتنا من الفقر كالمتسولين ، نعيش فى القاذورات بين الذباب والقمل ، نقنع بالفتات ، ونسعى بأجساد شبه عارية "ص7،6من الرواية .
فى المقالات السابقة ، حاولت وبإيجازٍ شديدٍ ، أن أطرح وجهة نظرى المتواضعة ، والظروف الإجتماعية والسياسية سواء التى تجرى بالوطن أوالتحولات السائدة بدول العالم ككل ، بإعتبار أن السياق التاريخى للعمل الإبداعى لابد من وضعه فى الحسبان ، فلاشىء يأتى من عدم ،وإنما من واقع معايش ووجود نحياه بخيره وشره .
ويهمنى أن أستهل البداية ، للولوج داخل العمل الإبداعى ومضمونه والشكل الفنى الذى يرتكن عليه ،ولاأنسى مستويات التلقى للعمل الإبداعى والتراكم المعرفى والفكرى لكل متلق وقارئ، وكيف تشكل رؤيته ورأيه ومنهجه فى الحكم على المبدع وإبداعاته ؟
وبالتالى هناك مستويات متعددة للتلقى ، والعمل الإبداعى أكبر من أن ينحصر فى رأى واحد ، ويحكمنا المنطق النقدى الصارم فى إظهار جمالياته ومثالبه ونقده والنأى بالعقل عن الفوضى والترهل والورم الفكرى المنغلق والمحدود الأفق والضيق االمدارك .
إن العقل أشر ف وأجلً من أن يسقط فى حمئة العفن والسباب واللعن والقذف.
وأبدأ وبإختصار الحديث عن "أولاد حارتنا" فهى رواية تقع فى 552 صفحة من القطع الكبير ، تشمل إفتتاحية وخمس حكايات " أدهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة "بعدد 114 فقرة .
وأوضح أكثر ، أن نجيب محفوظ وبعد إنتهائه من عمله الضخم "الثلاثية -بين القصرين ،قصر الشوق ، السكرية -بإعتبارها من روائع روايات الأجيال على المستوى العالمى ،وصمته فترة طويلة ، ثم بدأ كتابة أولاد حارتنا ، على شكل حكايات ، فالسردية لدى نجيب محفوظ ، خيط متصل الأوصال ،متشابك المواضيع ، مترابط النسيج ،بلاغة لغوية ساحرة وألفاظ منتقاة بعناية وعذوبة غامرة .
وتبدأ الحكاية الأولى "أدهم "
" كان مكان حارتنا خلاء .
فهو إمتداد لصحراء المقطم الذى يربض فى الأفق .
ولم يكن بالخلاء من قائم إلا البيت الكبير الذى شيده الجبلاوى كأنما لتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطرق .
كان سوره الكبير العالى يتحلق مساحة واسعة ، نصفها الغربى حديقة ، والشرقى مسكن مكون من أدوار ثلاثة .
ويوما دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتانى المتصل بسلاملك الحديقة .
وجاء الأبناء جميعا ، إدريس وعباس ورضوان وجليل وأدهم ، فى جلابيبهم الحريرية ، فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لايكادون ينظرون نحوه إلا خلسة ، وأمرهم بالجلوس فجلسوا على المقاعد من حوله ...."
هكذا بدأت الحكاية واثناء الإجتماع أصدر الواقف قرارا خطيرا باختياره أدهم لإدارة الوقف تحت إشرافه ، وتبودلت النظرات بين الأخوة تعكس مشاعر متابينة ، ودارى البعض مشاعره ، إلا إدريس إنفجر فى وجه أبيه غاضبا ، ولكننى الأخ الأكبر !!!
ولكن الأب لم يبال ، وأكد أنه راعى فى إختياره مصلحة الجميع .
ويبدأ الصراع الإنسانى الأبدى بين من يستحق ومن لايستحق ، بين العدل والظلم ، بين الخير والشر ، بين الكبير والصغير ، ويتحمل أدهم المسؤولية فى إدارة الوقف بكل همة ونشاط .
وتنفجربأعماق إدريس أحط الإنفعالات وأسوأها ، ويسلك السلوك المشين دون تعقل ، بل يهاجم وبضراوة والده الذى طرده من البيت شر طردة لخروجه على الناموس الأبدى ، إحترام الأب وتوقيره وتبجيله والإنحناء له والإحسان به .
نظرأً لما أثاره أخى الدكتور/ أحمد الليثى ،فى ثلاثيته عن الرئيس /جمال عبدالناصر ،وتطرقه إلى نجيب محفوظ ورواية أولاد حارتنا ،تذكرتُ هذه السطور ، أهديها لشخصه الكريم علّها تنال بعض القبول.
1--حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة
ترددت كثيرا وكثيرا جدا ، فى المشاركة فى هذا الملف الرائد ، عن رائعة الأديب العالمى نجيب محفوظ "أولاد حارتنا "إذ أنها الوحيدة والمتفردة من بين أعماله التى أصابها وابل من النقد الجاد والنقد المغرض ، وكانت الأحكام تلقى جزافا دون روية وبلا أدنى إمساك بتلابيب أبسط مبادىء النقد الأدبى والثقافى ، بل بلغ السيل الزبى أن رماها بكل نقيصة ، كل من سمع عنها ولم يقرأها .
ولم أنس أن الشيخ كشك صاحب الأشرطة العديدة والخطيب الشهير، رحمنا الله وإياه ، قد دخل المعركة المحفوظية ، لاعنًا وشاتمًا ومهاجمًا ببشاعةٍ وتحقير ، هذا العمل الفذ ، على الأقل من وجهة نظرى المتواضعة ، والذى صار حديث الساعة ، وهل تتطبع بمصر أما تظل خارج أعمال نجيب محفوظ ، المطبوعة والمتداولة بمصر ، لقد قرأتها مطبوعة عن دار الآداب _ببيروت_ ويقينى أن قراءة العمل الأدبى ينبغى أن تتسع دائرته إتساعا شاملا بالظروف التى إنبثق فيه العمل الأدبى ، فى محيطها ، سياسيا وإجتماعيا وثقافيا وإقتصاديا وأى ظروف أخرى محيطة بالوطن ، هذا على المستوى القطرى ،وأيضا على المستوى الدولى .
فكل عمل إبداعى أيا كان له خلفية يرتكن عليها ويتوكأ على معطاياتها ،ولابد أن يوضع ، فى الحسبان ، هذه الظروف مجتمعة ،حتى يصدر الحكم وفقا للمعايير النقدية والجمالية والفنية ، وليس نتيجة هوى أو موقف مسبق أو تعنت مرفوض أو جهل سقيم .
وعلينا أن نكون منصفين لأنفسنا أولا ، فلا ننجرف وراء المهاترات أو نتوه وسط الزوابع والعواصف والإبتزاز الفكرى والمقولات الفاسدة والنباح الكريه وليكن الرأى والرأى الآخر ،هما الدعامتان الذين نستند عليهما ، ولنقدس فقه الإختلاف ، فلكل من رأيه وذوقه ، دون إصدار أحكام قاطعة ، فرأيى خطأ يحتمل الصواب ورأى غيرَى صواب يحتمل الخطأ .
هذا ما نشأنا عليه وسرنا به مسيرة حياتنا .
هذه إفتتاحية أحرص عليها ، موضحا ومركزا ، آملا وفى القريب جدا أن أطرح وجهة نظرى فى هذا العمل الإبداعى الروائى الشامخ .
وشكرا لمن حفًزنى للكتابة.
2-شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا
و يبدأ نجيب محفوظ ، رائعته "أولاد حارتنا"
"هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق .
لم أشهد من واقعها إلاطوره الأخير الذى عاصرته ،ولكنى سجلتها جميعا كما يرويها الرواة وما أكثرهم .
جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات ،يرويها كل كما يسمعها فى قهوة حَيه أو كما نقلت إليه خلال الأجيال ،ولاسند لى فيما كتبت إلا هذه المصادر .
وما أكثر المناسبات التى تدعو إلى ترديد الحكايات "
أنهى نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة عام 1952م،وظل صامتا ، يرقب الأحداث فى مصر المحروسة وإندلاع ما تم التعارف عليه بثورة يوليو 1952م بقيادة الضباط الأحرار وعلى رأ سهم اللواء /محمد نجيب ،وخروج الملك فاروق وتنازله عن العرش لولى عهده الأمير أحمد فؤاد .
ومابين عامى 1952م و1957م وقعت أحداث جسام وأخطاء فادحة وخطايا القمع والتعذيب والحكم الدكتاتورى والبطش والإستبداد والمحاكمات العسكرية الظالمة والقهر الفكرى والثقافى،وإنجازاتها المتعددة فى مجال الإصلاح الزراعى والصناعى والتعليمى وبناء السد العالى ...إلخ .
وبدأ نجيب محفوظ وهو العين الناقدة والفاحصة والمتأملة وهو العقل المتوقد والذهن الجبار ، بدأ يرصد المتغيرات والإنقلابات ولم يكن بعيدا عنها بل عائشا فى خضمها وكما أكد فى الإفتتاحية ، معاصرا لها .
وفى عام 1959م ومحمد حسنين هيكل يعتلى رئاسة جريدة الأهرام ،والأشهر عربيا وعالميا ، ومحمد حسنين هيكل المقَرب جدًا من الزعيم / جمال عبدالناصر وصديقه وموطن سره ومحط ثقته والصحفى الشهير ومقالاته المعنونة "بصراحة "والتى تذاع فى الراديو ليسمعها من لم يقرأها من الشعب الجاهل الذى لايقرأ ولايكتب !!!وليتدبر مافيها بإمعانٍ ،تعميمًا للفائدة وتثبيتًا للمعلومات وتركيزًا على الخطوط الرئيسية للسياسة الخارجية والداخلية ..وباعتبار أن ما يُكتب بجريدة الأهرام هو مايدور داخل المطبخ السياسى للصانع الأوحد للقرارات المصيرية لمصرنا المحروسة .
قام ،آنذاك ،بنشر رواية أولاد حارتنا ، مسلسلة ، وهنا قامت القيامة وهبت العواصف وأمتلأ الجو غيوما وضبابا وأعلنت الحرب الفكرية الشعواء على الرواية وكاتبها الكافر والزنديق والملعون ، والمطالبة بوقفها فورا ،وماكتبه الشيخ محمد الغزالى فى تقريره المغرض وهجوم الأزهر الشرس وبمكانة هيكل لدى عبدالناصر إنتزع منه القرار بالإستمرار فى النشر .
ويقال أن المندوب الشخصى لعبدالناصر ، حسن صبرى الخولى ، إتفق مع نجيب محفوظ ، بعدم طبع الرواية بمصر ، ,وأن تطبع خارجها ، و أخيرا أكد نجيب محفوظ هذا الإتفاق ،ويستطرد نجيب محفوظ فى الإفتتاحية ص7 :
"شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا ،وعاصرت الأحداث التى دفع بها إلى الوجود "عرفة"ابن حارتنا البار ، وإلى أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل فى تسجيل حكايات حارتنا على يدى ،إذ قال يوما :"إنك من القلة التى تعرف الكتابة ، فلماذا لاتكتب حكايات حارتنا ؟"
ويسترسل قائلا :وكنت أول من اتخذ من الكتابة حرفة فى حارتنا ....."
"ثم يتابع :"فإننى لاأكتب عن نفسى ولاعن متاعبى ،وما أهون متاعبى إذا قيست بمتاعب حارتنا .
حارتنا العجيبة ذات الأحداث العجيبة .
كيف وجدت ؟
وماذا كان من أمرها ،ومن هم أولاد حارتنا؟
3- أولاد حارتنا بين الثورة والإحباط
لم يكن نجيب محفوظ إلا ناقدا لواقع عايشه ، وأمسى يصحو وينام على تغيرات الثورة ، وإنفراد مجموعة الضباط الأحرار بمقاليد السياسة والحكم ، وتمكن عبد الناصر من الإطاحة بكل رأس تناطح رأسه ، وإقدامه على تأميم قناة السويس وما تلى ذلك من عدوان ثلاثى واحتلال سيناء واشتعال الحرب وتدخل القوتان العظمييان آنذاك موسكو وواشنطن ، والخروج المذل والمهين لقوات العدوان الغاشم وتحرير سيناء .
ومازالت صورة عبدالناصر وهو يعتلى المنبر ويخطب بالجامع الأزهر بالقاهرة ، والقلوب والحناجر تهتف وتحيط به ، صورة صعب نسيانها ، وصعود نجم عبدالناصر والذين معه صعودا ملك بعدها قلوب الشعب وعقولهم ، بل لا أكون مبالغا إذا قلت أنه صار الحاكم الآمر الناهى لامرد لقضائه ، وأثرى الضباط الأحرار ثراءا فاحشا وهيمنوا هيمنة كاملة على البلاد والعباد ، وأصبح منهم الوزراءوالسفراء والمحافظون والكتاب والساسة ورجال الأعمال وأصحاب المناصب المرقومة وقادة جيوش .
والشعب سكران سكران بنشوة الإنتصارات وتحقيق الأحلام والسعى نحو إقامة مجتمع تذوب فيه الفوارق الطبقية وإقامة العدالة الإجتماعية وتحالف قوى الشعب العاملة .
وما أشبه الليلة بالبارحة .
فالشعب يئن ويئن ويئن ، وكأنك ياأبو زيد ماغزيت !!!والسلطات والقيادات والمتعة والوجاهة والمجد للضباط الأحرار والذين معهم ، والقبض والسحل والسجون والمعتقلات والتعذيب للمفكرين والمثقفين وأبناء الشعب المخلصين الذين يطالبون بالحد الأدنى من الحياة الإنسانية المتواضعة ،ودخل الشيوعيون والأخوان المسلمون والمعارضون لتوجهات الحكم السجون وطوردوا وعذبوا وإنتهكوا بدنيا وعقليا ونفسيا ، بل التصفية الجسدية إن أمكن ، والمحاكمات العسكرية العاجلة .
ولا أنسى الحكم البشع بالإعدام بمحاكمة عسكرية سريعة لاتتوافر فيها ضمانات الدفاع ،لخميس والبقرى ، وسبب ذلك مطالبهم المتواضعة فى حياة كريمة وهما العاملان الفقيران بإحدى الشركات بكفر الدوار .
وهذا بالتأكيد بداية خطيرة وإنذار مخيف وقاس وبشع وحقير ومرعب ، فالصمت الصمت الصمت .
وفى هذا السياق التاريخى لتلك الحقبة المرة والمريرة فى حياة مصر المحروسة وسقوط الأمل فى حفرة اليأس .
سجًل ،وبكل أمانة ودقة ، نجيب محفوظ ،هذه التداعيات المريعة التى أصابت الوطن والناس فى مقتل:
"ومع ذلك فلم تعرف حارة حدة الخصام كما عرفناها ،ولا فرًق بين أبنائها النزاع كما فرق بيننا ،ونظير كل ساع إلى الخير نجد عشر فتوات يلوحون بالنبابيت ويدعون إلى القتال .
حتى اعتاد الناس أن يشتروا السلامة بالأتاوة ، والأمن بالخضوع والمهانة ، ولاحقتهم العقوبات الصارمة لأدنى هفوة فى القول أو الفعل بل للخاطرة تخطر فيشى بها الوجه .
وأعجب شىء أن الناس فى الحارات القريبة منا كالعطوف وكفر الزغارى والدراسة والحيسنية يحسدوننا على أوقاف حارتنا ورجالنا الأشداء ، فيقولون حارة منيعة وأوقاف تدر الخيرات وفتوات لا يغلبون .
كل هذا حق ، ولكنهم لايعلمون أننا بتنا من الفقر كالمتسولين ، نعيش فى القاذورات بين الذباب والقمل ، نقنع بالفتات ، ونسعى بأجساد شبه عارية "ص7،6من الرواية .
4-أولاد حارتنا بين الشكل والمضمون
فى المقالات السابقة ، حاولت وبإيجازٍ شديدٍ ، أن أطرح وجهة نظرى المتواضعة ، والظروف الإجتماعية والسياسية سواء التى تجرى بالوطن أوالتحولات السائدة بدول العالم ككل ، بإعتبار أن السياق التاريخى للعمل الإبداعى لابد من وضعه فى الحسبان ، فلاشىء يأتى من عدم ،وإنما من واقع معايش ووجود نحياه بخيره وشره .
ويهمنى أن أستهل البداية ، للولوج داخل العمل الإبداعى ومضمونه والشكل الفنى الذى يرتكن عليه ،ولاأنسى مستويات التلقى للعمل الإبداعى والتراكم المعرفى والفكرى لكل متلق وقارئ، وكيف تشكل رؤيته ورأيه ومنهجه فى الحكم على المبدع وإبداعاته ؟
وبالتالى هناك مستويات متعددة للتلقى ، والعمل الإبداعى أكبر من أن ينحصر فى رأى واحد ، ويحكمنا المنطق النقدى الصارم فى إظهار جمالياته ومثالبه ونقده والنأى بالعقل عن الفوضى والترهل والورم الفكرى المنغلق والمحدود الأفق والضيق االمدارك .
إن العقل أشر ف وأجلً من أن يسقط فى حمئة العفن والسباب واللعن والقذف.
وأبدأ وبإختصار الحديث عن "أولاد حارتنا" فهى رواية تقع فى 552 صفحة من القطع الكبير ، تشمل إفتتاحية وخمس حكايات " أدهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة "بعدد 114 فقرة .
وأوضح أكثر ، أن نجيب محفوظ وبعد إنتهائه من عمله الضخم "الثلاثية -بين القصرين ،قصر الشوق ، السكرية -بإعتبارها من روائع روايات الأجيال على المستوى العالمى ،وصمته فترة طويلة ، ثم بدأ كتابة أولاد حارتنا ، على شكل حكايات ، فالسردية لدى نجيب محفوظ ، خيط متصل الأوصال ،متشابك المواضيع ، مترابط النسيج ،بلاغة لغوية ساحرة وألفاظ منتقاة بعناية وعذوبة غامرة .
وتبدأ الحكاية الأولى "أدهم "
" كان مكان حارتنا خلاء .
فهو إمتداد لصحراء المقطم الذى يربض فى الأفق .
ولم يكن بالخلاء من قائم إلا البيت الكبير الذى شيده الجبلاوى كأنما لتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطرق .
كان سوره الكبير العالى يتحلق مساحة واسعة ، نصفها الغربى حديقة ، والشرقى مسكن مكون من أدوار ثلاثة .
ويوما دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتانى المتصل بسلاملك الحديقة .
وجاء الأبناء جميعا ، إدريس وعباس ورضوان وجليل وأدهم ، فى جلابيبهم الحريرية ، فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لايكادون ينظرون نحوه إلا خلسة ، وأمرهم بالجلوس فجلسوا على المقاعد من حوله ...."
هكذا بدأت الحكاية واثناء الإجتماع أصدر الواقف قرارا خطيرا باختياره أدهم لإدارة الوقف تحت إشرافه ، وتبودلت النظرات بين الأخوة تعكس مشاعر متابينة ، ودارى البعض مشاعره ، إلا إدريس إنفجر فى وجه أبيه غاضبا ، ولكننى الأخ الأكبر !!!
ولكن الأب لم يبال ، وأكد أنه راعى فى إختياره مصلحة الجميع .
ويبدأ الصراع الإنسانى الأبدى بين من يستحق ومن لايستحق ، بين العدل والظلم ، بين الخير والشر ، بين الكبير والصغير ، ويتحمل أدهم المسؤولية فى إدارة الوقف بكل همة ونشاط .
وتنفجربأعماق إدريس أحط الإنفعالات وأسوأها ، ويسلك السلوك المشين دون تعقل ، بل يهاجم وبضراوة والده الذى طرده من البيت شر طردة لخروجه على الناموس الأبدى ، إحترام الأب وتوقيره وتبجيله والإنحناء له والإحسان به .
تعليق