[frame="2 90"]
احتفاء بالشعر والحرية وغناء برحابة الأمل
ونحن نشرف على الدخول إلى نهاية عقد، ترصد فيه منجزات ماضية، ونطل على عام يشارف على افتتاح عقد جديد، تتداعى إلى الذاكرة منجزات مررنا بها في الأدب والإبداع الذي ينهل من معين الحرية، وهي لا تحتكم إلى عقد أو زمن بعينه، لكنها تحضر اليوم لأنها تمتح من صلاحية أبدية، بما تخوضه من غمار الإقامة في الحياة والوجود.
وللحرية بكل مساماتها ومعانيها طعم، لا يفتر وروح تتوثب، وقلوب تنقبض أو تتفتح، ولها ما لا يمكن أن يغيب عن الروح والقلب والعقل معا.
إنها التوق الأبدي لتخليق حيوات جميلة، محمولة على الأمل والحب والحياة والجمال والنبل.
وإذ كنت أستعيد بعضا مما كتب في شأنها شعرا، فإني وجدت في كتاب وضعه المترجم والكاتب المصري الطليعي
طلعت الشايب
انبعاثا يتنامى لرائحة الثورة والغضب والألم الإنساني، الكثير، في جنبات الدفاع عن الحرية وأصولها.
قصائد ملغمة بتوق حميم للحرية، تنزرع في كتاب بحجم راحة اليد، فيها أحلام بشرية لهذه الكينونة التي نحتاجها كما نحتاج الماء والهواء والأكل، وهجاء بشري للعبودية والقمع ومظاهر التواطؤ مع الموت.
يرصد الكتاب في خمسين قصيدة مترجمة ومختارة، من إرث القرن العشرين، عطر الزمن الجميل، زمن الثورات والتحولات وما جسدته شعوب العالم النامي والمتقدم آنذاك، من معانٍ تتغنى بالحرية والتوق إليها...
والكتاب بمنزلة إطلالة من شرفة الغناء والشعر والحب والحرمان والفقد على عالم مسكون بهذيانه الأزلي، وانجرار آلته المجنونة بالدم، نحو الحروب والسجون والدكتاتوريات التي ما تزال تجثم فوق الصدور.
إن كتبا بهذا الحجم الرقيق من المودة، لا يمكنها أن تمحى؛ لأنها ترصد الألق الإنساني في أقصى إشراقاته، وفي أتون مضيّه نحو مكانة الإنسان الحالم بزمن مضيء ومشرق.
يفتتح الشايب كتابه الجميل بقصيدة
(صلاة) للمصري أمل دنقل
مستلهما تقنية جملته من الفضاء النصي القرآني، مستذكرا بذلك عبقرية الجملة القرآنية بما تحمله من وقع مؤثر في المعنى ومن بلاغة تحيط النص بفصاحة الرؤية:
"تفردت وحدك بالسر
إن اليمين لفي خسر
أما اليسار ففي العسر
إلا الذين يمشون
إلا الذين يعيشون
يحشون بالصحف المشتراة العيون فيعشون
إلا الذين يشون
وإلا الذين يوشّون ياقات قمصانهم برباط السكون".
كأنه يعبر في هذه الافتتاحية عن حاجة ماسة لأن يكون الإنسان حرا طليقا، وهو في ذروة انسحاقه جراء العسف والقسوة التي تمارس من قبل الأنظمة السياسية عليه.
ثم ينقلنا الكتاب إلى عالم يفيض بألمه: ففي
قصيدة سوموزا
يزيح الستار عن تمثال سوموزا في ستاد سوموزا، يأخذنا الى نيكارجوا وقديسها إرنستو كاردينال الذي عاش قسوة الدكتاتور سوموزا، ومن العنوان الممهور بسخرية عالية، نتفحص صوت كاردينال الذي يستمر ساخرا متهكما، يعزف مراراته، بروح تفيض جمالا وذهابا نحو مشارف الحقيقة:
"ليس لأني أعتقد
إن الشعب هو الذي أقام هذا التمثال
لأني أعرف أكثر منكم
أنني أنا الذي أمرت بذلك
ولا أزعم أنني سوف أدخل عالم الخلد به
لأني أعرف أن الشعب سوف يحطمه ذات يوم
وليس لأني أريد أن أقيم لنفسي في حياتي
النصب التذكاري الذي تقيمونه في مماتي
أنا أقيم هذا التمثال
لأني أعرف أنكم سوف تكرهونه".
وفي شغف الحياة من وراء القضبان، الحياة بعيدة المنال، الحياة التي تستحق أن تعاش، يقفز بنا
البولندي شيسلاف ميلوش
إلى الشمس في قصيدة تحمل العنوان ذاته:
"كل الألوان تنبع من الشمس
ليس لها لون معين، فهي تضم الألوان جميعا
الأرض قصيدة... لكن الشمس
هي الفنان في الأعالي ومن يريد أن يلون العالم
فلينظر إليها مباشرة
حتى لا يفقد ذاكرة الأشياء التي رآها".
ومن سجن طرة في مصر، يقصد
محمد عفيفي مطر
في رهافة الرؤية، ويكتب: هذا الليل يبدأ، ليعرج بنا نحو صقيع الظلمة التي تخلفها عناية كائنات العتمة في الروح، محاولة إفقادها توهجها لكن:
"دهر من الظلمات أم هي ليلة
جمعت سواد الكحل والقطران
من رهج الفواجع في الدهور
عيناك تحت عصابة عقدت
وساخت في عظام الرأس عقدتها
وأنت مجندل ـ يا آخر الأسرى ولست بمفتدى
فبلادك انعصفت وسيق هواؤها وترابها سبيا
وهذا الليل يبدأ
تحت جفنيك البلاد تكومت كرتين من ملح الصديد
الليل يبدأ
والشموس شظية البرق الذي يهوي".
بهذه الروح المشغولة بألم لحظة مقودة إلى العتمة، إلى قضبان لا تسجن الشاعر خلفها حسب، بل تزج بالبلاد كلها خلف لعنتها، ينوع مطر اشتياقاته للخروج من الليل الذي يبدأ من هناك، من السجن، وليس من الليل الذي ينفلت من عقال الطبيعة.
ريتا مبوبي باباس من اليونان، تهجم في قصيدة دثروني
على القلب مباشرة، قبل لحظة إعدام لا تستحق إلا أن تمتلئ بالدمع، لكنها تحوّل تلك اللحظة إلى فضاء إنساني عجيب بكل ما يحلمه من حياة:
"صوبوا مباشرة على قلبي
لقد خدمني بإخلاص
ولكي أجعله هدفا سهلا لكم
وضعت هذه القطعة من القماش الأسود
تماما في وسط صدري
لا أعرف كيف ستكون نيرانكم
أيها الجنود الشبان البؤساء
لقد أيقظوكم في الفجر من أجلي
وأنا لم أمسك في حياتي بندقية ولا أعرف".
بهذا الدفء الذي يشعل الرغبة في التوقد، يصبح الموت بالإعدام، لأسباب لا تعني القتلة، إشراقة متدفقة في وعي الحياة وتفاصيلها التي لا تخلو من جمال مهما كانت قاتمة، تستمر في مخاطبة الجنود الشبان البائسين:
"من يدري... ربما نكون قد لعبنا معا
في الشارع
ارحموني من صقيع الصباح
ها أنذا عارية
فدثروني بنيرانكم
ابتسموا لي أيها الأولاد
غطوا جسدي بنظراتكم المحدقة
فلم يسبق أن غطاني حبيب
حتى في الأحلام".
أي قوة تنبعث من بين سطور هذه القصيدة المدماة؟ وأي رغبة في الحياة تتخفى وراء رغبة العدم التي لا تحد؟
إنه الشعر حين يتقدم على كل شيء ويعبر المفازات قويا، محركا شهوة الحب والأمل حتى في الموت.
أما
محمود درويش في قصيدته شهادة من بروتلد برخيت أمام المحكمة العسكرية،
فيحتمي بصفاء غنائيته، متأججا غاضبا، وممتلئا بمنطق اللحظة التي تسوقه إلى محاكمة من العدو، فتجعله مدانا حتى وهو بعيد عن الإدانة:
"سيدي القاضي
أنا لست بجندي
فماذا تطلبون الآن مني
وأنا لا شأن لي فيما تقول المحكمة
ذهب الماضي إلى الماضي سريعا
دون أن يسمع مني كلمة
مضت الحرب إلى الحب لترتاح
وطياروك عادوا سالمين
والسماء انكسرت في لغتي سيدي
القاضي ـ وهذا شأني الشخصي ـ
لكن رعاياك يجرون سمائي خلفهم مبتهجين
ويطلون على قلبي
ويرمون قشور الموز في البئر
ويجرون أمامي مسرعين".
ويركض الشاعر بصوته العالي المغني منشدا ألمه وسخريته:
"ما الذي تطلبه سيدي القاضي من العابر بين العابرين
في بلاد يطلب الجلاد فيها مديح الأوسمة
آن لي أن أصرخ الآن
وأن أسقط عن صوت قناع الكلمة
هذه زنزانة يا سيدي لا محكمة
وأنا الشاهد والقاضي وأنت الهيئة المتهمة".
في بنغلاديش أيضا، كان القمع والجوع وما يزالان يؤرجحان هذا البلد الذي تواطأت عليه قسمة الخوف من الجغرافيا، فاحتله أمل الفقراء بحياة جميلة، لكنهم سرعان ما تواروا خلف أسنانهم المهشمة ولحقهم الموت والقتل المدبر:
"خرج طاغور القلب من سجن الدولة
بوسعنا أن نسمع صوته مجددا
في فضاء البنغال
وصورته الجليلة مضيئة على جدراننا
حملت القفص الخالي وعلقته على الشرفة
منتظرا عودة الطائر الأخضر الجميل
حيث علامات الخوف تنقشع واحدة... واحدة
ولكن الدم في أوردتي وعقلي
ما يزال يتدفق بتعليمات الخوف".
في قصيدته الشهيرة
حرية، لا يتوقف بول إيلوار
عن منح الحرية أوسمة التلبية، مع نثر هذه القصيدة على سماء باريس، منددة بكل ما هو قمعي، وحرية القصيدة ـ ربما ـ الأشهر لشعراء فرنسا، ما تزال تحتفظ بقوة منطقها وقوة توهجها في الروح، كأنها بكل ما احتفظت به من ألق، باقية في حنايا الوجدان الجمعي البشري، لأنها تقول حاجتنا لها:
"على كراسات التلاميذ
على دكتي وعلى الأشجار
على الرمل والجليد
اكتب اسمك
على كل الصفحات المكتوبة
وعلى الصفحات البيضاء
حجر، دم، ورق أو رماد
اكتب اسمك"
يستمر إيلوار بكتابة اسم الحرية على كل شيء تقريبا، ببساطة متناهية، وبدفق غنائي مركز، وبنشيد يستلهم روح الحرية والرغبة في اندفاقها، إلى أن تقفز الحرية ذاتها من سوار القصيدة إلى هواء الأرض:
"وبقوة كلمة
أبدأ حياتي من جديد
ولدت لأعترف
ولأسميك
الحرية"
الشاعر الكردي شيركوه بيكه سي
يهتف للحرية أيضا في قصيدة قضبان ولكن من زاوية حادة، يقول:
"في ورشة أحد الحدادين
انتفضت مجموعة من القضبان المفتولة
قامت وهددت
وسلطت غضبها على نيران الحداد
عندما عرفت
أنهم يريدون أن يعيدوا تشكيلها
من نافذة لمكتبة عامة
لتصبح بوابة لسجن
يغلقونها على قمر شعر أسير".
ويصرخ
صلاح عبد الصبور
في وجه الفقر والجوع والظلمة على لسان الحلاج في مسرحيته عنه يقول:
"هذا ما جال بفكري
عانيت الفقر يعربد في الطرقات
ويهدم روح الإنسان
فسألت النفس ماذا أصنع
هل أدعو جمع الفقراء
أن يلقوا سيف النقمة
في أفئدة الظلمة
ما أتعس أن نلقي بعض الشر ببعض الشر
ونداوي إثما بجريمة
ماذا أصنع".
ويبقى السؤال فاغرا فاه: هل حقا يمكن للعالم أن ينجو من ظلاماته، بصياغة ظلامات جديدة؟
ويقدم
رضا براهيني من إيران
على تقفي صوته، في عتمة الموت والسجن، يبدو منهكا، لكن صوته مرتفع، تتجلى فيه قوة الشعر ومديحه الذي لا ينتهي:
"سيدي
ليس من السهل عليّ أن أتحدث معك
في السجن هنا... تتردد شائعة تقول إنك شاعر
أنا لم أكتب كلمة شعر في حياتي
لم أقرأ حتى كلمة شعر واحدة
ولكني أستطيع أن أحكي لك
عن حياة عامل خالية من الشعر
لو سمح ألم قدميك
لو بإمكانك أن تنسى الأسئلة
التي عليك أن تجيب عليها في ظرف ساعة
وإن كنت لا تخشى أن لا يأخذوا أخاك
أو أن تصاب أمك بسكتة قلبية
أو تظن أن اختك لن يقبضوا عليها
استمع إلى كلمات هذا السجين البسيط".
في هذا الدفق المتلاحق من الصور، تشدنا ملامح العذاب والألم في السجن، في القصيدة التي تنفعل بكل ما هو إنساني، وبكل ما هو حالم بالحرية تلك التي غنى لها شعراء هذا الكتاب.
وسوى ذلك فإننا حين نتفقد ما جمع وترجم من قصائد، في خمسين نصا، تحتمي بذائقة انتقاء رفيعة، ورغبة في تخليد لحظة سجلها هؤلاء الحكماء الخمسون، فإننا ننظر إلى أفق القصيدة اليوم وإلى أفق الإنسان اليوم، لنجد أنه يعبر متاهة لا نهائية من الغموض والهذيان، متاهة، تجعله منكبا على ملاحقة ذيول الكلمات، وسذاجة المعاني، من دون أن يقدّم في محتوى النص الإبداعي الإنساني ما يحفر عميقا في وجدان الإنسان، ويخلصه من قيده الرابض في معقل الاضطهاد الذي لم يتوقف في كل عصر وزمان.
في
قصيدته عشر دقائق،
يفضح عزيز نيسين السجن
على طريقته:
"تجلسين عشر دقائق
يداك في يدي
قرة عيني
عشر مرات
عشر سنوات
ليست كافية
حرس السجن عن يميني... وعن شمالي
والسجن ليس شيئا إلى هذه الدرجة
ولكن اهتياج المشاعر شيء آخر
كيف حالك
أنا بخير
أين كلماتي الحلوة
اشتقت لوجهك بين كفي
الخريف أفضل فصول العام في اسطنبول
الوقت المثالي لممارسة الحب
واضح أنهم يدفعون بنا إلى حافة الجنون
ولكننا يا لحسن الحظ
نعرف قيمة الضحك".
ثمة شعراء آخرون حفل بهم الكتاب، ولمعت قصائدهم مثل قطرات الندى على غصن زهرة، وثمة حرية تنبعث من ورق هذه القصائد التي مهرتها سنوات من العذاب والاضطهاد، وتوق حار لأن تكون الحياة أجمل بعيدا عن القمع والموت والانتهاك.
ولكنني حين أقدمت على التعليق على بعض هذه القصائد التي تبدو قريبة منا، أو أن أصحابها منا فعلا، فذلك لمتعة خفية تسربت من بين الكلمات، هي التي أجبرتني على الانحياز لها، مع أن قصائد الحرية مهما تبدلت أزياء من يكتبونها فإنها تبقى منهمكة بروح ووجدان الإنسان، أيا كان.
الملحق الثقافي ( جدل )
جريدة العد الأردنية
الجمعة في 1-1-2010
[/frame]
وللحرية بكل مساماتها ومعانيها طعم، لا يفتر وروح تتوثب، وقلوب تنقبض أو تتفتح، ولها ما لا يمكن أن يغيب عن الروح والقلب والعقل معا.
إنها التوق الأبدي لتخليق حيوات جميلة، محمولة على الأمل والحب والحياة والجمال والنبل.
وإذ كنت أستعيد بعضا مما كتب في شأنها شعرا، فإني وجدت في كتاب وضعه المترجم والكاتب المصري الطليعي
طلعت الشايب
انبعاثا يتنامى لرائحة الثورة والغضب والألم الإنساني، الكثير، في جنبات الدفاع عن الحرية وأصولها.
قصائد ملغمة بتوق حميم للحرية، تنزرع في كتاب بحجم راحة اليد، فيها أحلام بشرية لهذه الكينونة التي نحتاجها كما نحتاج الماء والهواء والأكل، وهجاء بشري للعبودية والقمع ومظاهر التواطؤ مع الموت.
يرصد الكتاب في خمسين قصيدة مترجمة ومختارة، من إرث القرن العشرين، عطر الزمن الجميل، زمن الثورات والتحولات وما جسدته شعوب العالم النامي والمتقدم آنذاك، من معانٍ تتغنى بالحرية والتوق إليها...
والكتاب بمنزلة إطلالة من شرفة الغناء والشعر والحب والحرمان والفقد على عالم مسكون بهذيانه الأزلي، وانجرار آلته المجنونة بالدم، نحو الحروب والسجون والدكتاتوريات التي ما تزال تجثم فوق الصدور.
إن كتبا بهذا الحجم الرقيق من المودة، لا يمكنها أن تمحى؛ لأنها ترصد الألق الإنساني في أقصى إشراقاته، وفي أتون مضيّه نحو مكانة الإنسان الحالم بزمن مضيء ومشرق.
يفتتح الشايب كتابه الجميل بقصيدة
(صلاة) للمصري أمل دنقل
مستلهما تقنية جملته من الفضاء النصي القرآني، مستذكرا بذلك عبقرية الجملة القرآنية بما تحمله من وقع مؤثر في المعنى ومن بلاغة تحيط النص بفصاحة الرؤية:
"تفردت وحدك بالسر
إن اليمين لفي خسر
أما اليسار ففي العسر
إلا الذين يمشون
إلا الذين يعيشون
يحشون بالصحف المشتراة العيون فيعشون
إلا الذين يشون
وإلا الذين يوشّون ياقات قمصانهم برباط السكون".
كأنه يعبر في هذه الافتتاحية عن حاجة ماسة لأن يكون الإنسان حرا طليقا، وهو في ذروة انسحاقه جراء العسف والقسوة التي تمارس من قبل الأنظمة السياسية عليه.
ثم ينقلنا الكتاب إلى عالم يفيض بألمه: ففي
قصيدة سوموزا
يزيح الستار عن تمثال سوموزا في ستاد سوموزا، يأخذنا الى نيكارجوا وقديسها إرنستو كاردينال الذي عاش قسوة الدكتاتور سوموزا، ومن العنوان الممهور بسخرية عالية، نتفحص صوت كاردينال الذي يستمر ساخرا متهكما، يعزف مراراته، بروح تفيض جمالا وذهابا نحو مشارف الحقيقة:
"ليس لأني أعتقد
إن الشعب هو الذي أقام هذا التمثال
لأني أعرف أكثر منكم
أنني أنا الذي أمرت بذلك
ولا أزعم أنني سوف أدخل عالم الخلد به
لأني أعرف أن الشعب سوف يحطمه ذات يوم
وليس لأني أريد أن أقيم لنفسي في حياتي
النصب التذكاري الذي تقيمونه في مماتي
أنا أقيم هذا التمثال
لأني أعرف أنكم سوف تكرهونه".
وفي شغف الحياة من وراء القضبان، الحياة بعيدة المنال، الحياة التي تستحق أن تعاش، يقفز بنا
البولندي شيسلاف ميلوش
إلى الشمس في قصيدة تحمل العنوان ذاته:
"كل الألوان تنبع من الشمس
ليس لها لون معين، فهي تضم الألوان جميعا
الأرض قصيدة... لكن الشمس
هي الفنان في الأعالي ومن يريد أن يلون العالم
فلينظر إليها مباشرة
حتى لا يفقد ذاكرة الأشياء التي رآها".
ومن سجن طرة في مصر، يقصد
محمد عفيفي مطر
في رهافة الرؤية، ويكتب: هذا الليل يبدأ، ليعرج بنا نحو صقيع الظلمة التي تخلفها عناية كائنات العتمة في الروح، محاولة إفقادها توهجها لكن:
"دهر من الظلمات أم هي ليلة
جمعت سواد الكحل والقطران
من رهج الفواجع في الدهور
عيناك تحت عصابة عقدت
وساخت في عظام الرأس عقدتها
وأنت مجندل ـ يا آخر الأسرى ولست بمفتدى
فبلادك انعصفت وسيق هواؤها وترابها سبيا
وهذا الليل يبدأ
تحت جفنيك البلاد تكومت كرتين من ملح الصديد
الليل يبدأ
والشموس شظية البرق الذي يهوي".
بهذه الروح المشغولة بألم لحظة مقودة إلى العتمة، إلى قضبان لا تسجن الشاعر خلفها حسب، بل تزج بالبلاد كلها خلف لعنتها، ينوع مطر اشتياقاته للخروج من الليل الذي يبدأ من هناك، من السجن، وليس من الليل الذي ينفلت من عقال الطبيعة.
ريتا مبوبي باباس من اليونان، تهجم في قصيدة دثروني
على القلب مباشرة، قبل لحظة إعدام لا تستحق إلا أن تمتلئ بالدمع، لكنها تحوّل تلك اللحظة إلى فضاء إنساني عجيب بكل ما يحلمه من حياة:
"صوبوا مباشرة على قلبي
لقد خدمني بإخلاص
ولكي أجعله هدفا سهلا لكم
وضعت هذه القطعة من القماش الأسود
تماما في وسط صدري
لا أعرف كيف ستكون نيرانكم
أيها الجنود الشبان البؤساء
لقد أيقظوكم في الفجر من أجلي
وأنا لم أمسك في حياتي بندقية ولا أعرف".
بهذا الدفء الذي يشعل الرغبة في التوقد، يصبح الموت بالإعدام، لأسباب لا تعني القتلة، إشراقة متدفقة في وعي الحياة وتفاصيلها التي لا تخلو من جمال مهما كانت قاتمة، تستمر في مخاطبة الجنود الشبان البائسين:
"من يدري... ربما نكون قد لعبنا معا
في الشارع
ارحموني من صقيع الصباح
ها أنذا عارية
فدثروني بنيرانكم
ابتسموا لي أيها الأولاد
غطوا جسدي بنظراتكم المحدقة
فلم يسبق أن غطاني حبيب
حتى في الأحلام".
أي قوة تنبعث من بين سطور هذه القصيدة المدماة؟ وأي رغبة في الحياة تتخفى وراء رغبة العدم التي لا تحد؟
إنه الشعر حين يتقدم على كل شيء ويعبر المفازات قويا، محركا شهوة الحب والأمل حتى في الموت.
أما
محمود درويش في قصيدته شهادة من بروتلد برخيت أمام المحكمة العسكرية،
فيحتمي بصفاء غنائيته، متأججا غاضبا، وممتلئا بمنطق اللحظة التي تسوقه إلى محاكمة من العدو، فتجعله مدانا حتى وهو بعيد عن الإدانة:
"سيدي القاضي
أنا لست بجندي
فماذا تطلبون الآن مني
وأنا لا شأن لي فيما تقول المحكمة
ذهب الماضي إلى الماضي سريعا
دون أن يسمع مني كلمة
مضت الحرب إلى الحب لترتاح
وطياروك عادوا سالمين
والسماء انكسرت في لغتي سيدي
القاضي ـ وهذا شأني الشخصي ـ
لكن رعاياك يجرون سمائي خلفهم مبتهجين
ويطلون على قلبي
ويرمون قشور الموز في البئر
ويجرون أمامي مسرعين".
ويركض الشاعر بصوته العالي المغني منشدا ألمه وسخريته:
"ما الذي تطلبه سيدي القاضي من العابر بين العابرين
في بلاد يطلب الجلاد فيها مديح الأوسمة
آن لي أن أصرخ الآن
وأن أسقط عن صوت قناع الكلمة
هذه زنزانة يا سيدي لا محكمة
وأنا الشاهد والقاضي وأنت الهيئة المتهمة".
في بنغلاديش أيضا، كان القمع والجوع وما يزالان يؤرجحان هذا البلد الذي تواطأت عليه قسمة الخوف من الجغرافيا، فاحتله أمل الفقراء بحياة جميلة، لكنهم سرعان ما تواروا خلف أسنانهم المهشمة ولحقهم الموت والقتل المدبر:
"خرج طاغور القلب من سجن الدولة
بوسعنا أن نسمع صوته مجددا
في فضاء البنغال
وصورته الجليلة مضيئة على جدراننا
حملت القفص الخالي وعلقته على الشرفة
منتظرا عودة الطائر الأخضر الجميل
حيث علامات الخوف تنقشع واحدة... واحدة
ولكن الدم في أوردتي وعقلي
ما يزال يتدفق بتعليمات الخوف".
في قصيدته الشهيرة
حرية، لا يتوقف بول إيلوار
عن منح الحرية أوسمة التلبية، مع نثر هذه القصيدة على سماء باريس، منددة بكل ما هو قمعي، وحرية القصيدة ـ ربما ـ الأشهر لشعراء فرنسا، ما تزال تحتفظ بقوة منطقها وقوة توهجها في الروح، كأنها بكل ما احتفظت به من ألق، باقية في حنايا الوجدان الجمعي البشري، لأنها تقول حاجتنا لها:
"على كراسات التلاميذ
على دكتي وعلى الأشجار
على الرمل والجليد
اكتب اسمك
على كل الصفحات المكتوبة
وعلى الصفحات البيضاء
حجر، دم، ورق أو رماد
اكتب اسمك"
يستمر إيلوار بكتابة اسم الحرية على كل شيء تقريبا، ببساطة متناهية، وبدفق غنائي مركز، وبنشيد يستلهم روح الحرية والرغبة في اندفاقها، إلى أن تقفز الحرية ذاتها من سوار القصيدة إلى هواء الأرض:
"وبقوة كلمة
أبدأ حياتي من جديد
ولدت لأعترف
ولأسميك
الحرية"
الشاعر الكردي شيركوه بيكه سي
يهتف للحرية أيضا في قصيدة قضبان ولكن من زاوية حادة، يقول:
"في ورشة أحد الحدادين
انتفضت مجموعة من القضبان المفتولة
قامت وهددت
وسلطت غضبها على نيران الحداد
عندما عرفت
أنهم يريدون أن يعيدوا تشكيلها
من نافذة لمكتبة عامة
لتصبح بوابة لسجن
يغلقونها على قمر شعر أسير".
ويصرخ
صلاح عبد الصبور
في وجه الفقر والجوع والظلمة على لسان الحلاج في مسرحيته عنه يقول:
"هذا ما جال بفكري
عانيت الفقر يعربد في الطرقات
ويهدم روح الإنسان
فسألت النفس ماذا أصنع
هل أدعو جمع الفقراء
أن يلقوا سيف النقمة
في أفئدة الظلمة
ما أتعس أن نلقي بعض الشر ببعض الشر
ونداوي إثما بجريمة
ماذا أصنع".
ويبقى السؤال فاغرا فاه: هل حقا يمكن للعالم أن ينجو من ظلاماته، بصياغة ظلامات جديدة؟
ويقدم
رضا براهيني من إيران
على تقفي صوته، في عتمة الموت والسجن، يبدو منهكا، لكن صوته مرتفع، تتجلى فيه قوة الشعر ومديحه الذي لا ينتهي:
"سيدي
ليس من السهل عليّ أن أتحدث معك
في السجن هنا... تتردد شائعة تقول إنك شاعر
أنا لم أكتب كلمة شعر في حياتي
لم أقرأ حتى كلمة شعر واحدة
ولكني أستطيع أن أحكي لك
عن حياة عامل خالية من الشعر
لو سمح ألم قدميك
لو بإمكانك أن تنسى الأسئلة
التي عليك أن تجيب عليها في ظرف ساعة
وإن كنت لا تخشى أن لا يأخذوا أخاك
أو أن تصاب أمك بسكتة قلبية
أو تظن أن اختك لن يقبضوا عليها
استمع إلى كلمات هذا السجين البسيط".
في هذا الدفق المتلاحق من الصور، تشدنا ملامح العذاب والألم في السجن، في القصيدة التي تنفعل بكل ما هو إنساني، وبكل ما هو حالم بالحرية تلك التي غنى لها شعراء هذا الكتاب.
وسوى ذلك فإننا حين نتفقد ما جمع وترجم من قصائد، في خمسين نصا، تحتمي بذائقة انتقاء رفيعة، ورغبة في تخليد لحظة سجلها هؤلاء الحكماء الخمسون، فإننا ننظر إلى أفق القصيدة اليوم وإلى أفق الإنسان اليوم، لنجد أنه يعبر متاهة لا نهائية من الغموض والهذيان، متاهة، تجعله منكبا على ملاحقة ذيول الكلمات، وسذاجة المعاني، من دون أن يقدّم في محتوى النص الإبداعي الإنساني ما يحفر عميقا في وجدان الإنسان، ويخلصه من قيده الرابض في معقل الاضطهاد الذي لم يتوقف في كل عصر وزمان.
في
قصيدته عشر دقائق،
يفضح عزيز نيسين السجن
على طريقته:
"تجلسين عشر دقائق
يداك في يدي
قرة عيني
عشر مرات
عشر سنوات
ليست كافية
حرس السجن عن يميني... وعن شمالي
والسجن ليس شيئا إلى هذه الدرجة
ولكن اهتياج المشاعر شيء آخر
كيف حالك
أنا بخير
أين كلماتي الحلوة
اشتقت لوجهك بين كفي
الخريف أفضل فصول العام في اسطنبول
الوقت المثالي لممارسة الحب
واضح أنهم يدفعون بنا إلى حافة الجنون
ولكننا يا لحسن الحظ
نعرف قيمة الضحك".
ثمة شعراء آخرون حفل بهم الكتاب، ولمعت قصائدهم مثل قطرات الندى على غصن زهرة، وثمة حرية تنبعث من ورق هذه القصائد التي مهرتها سنوات من العذاب والاضطهاد، وتوق حار لأن تكون الحياة أجمل بعيدا عن القمع والموت والانتهاك.
ولكنني حين أقدمت على التعليق على بعض هذه القصائد التي تبدو قريبة منا، أو أن أصحابها منا فعلا، فذلك لمتعة خفية تسربت من بين الكلمات، هي التي أجبرتني على الانحياز لها، مع أن قصائد الحرية مهما تبدلت أزياء من يكتبونها فإنها تبقى منهمكة بروح ووجدان الإنسان، أيا كان.
الملحق الثقافي ( جدل )
جريدة العد الأردنية
الجمعة في 1-1-2010
تعليق