العيب في اليقطين.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الضيف حمراوي
    أديب وكاتب
    • 28-11-2008
    • 70

    العيب في اليقطين.

    العيب في اليقطيــن
    سار الذئب يتجول في ملك الله الفسيح،يتأمل بديع خلقه، ويقارن موزونات عدله ، وتصاريف حكمته . وصل عند حبة يقطين ضخمة ، صفراء تسر الناظرين ، ممدة على الأرض ، فيها للمستطعمين شبع ودواء. دار بها ثم تمدد بجانبها ؛ ووضع ذقنه فوق قائمتيةـ وراح يتأملها وخيل إليه أن في خلق نبتة اليقطين نقص واضح للعيان؛ لا يجادل فيه عاقل ؛ وهو ظاهر في عدم التناسب بين حجم أوراقها العريضة وضخامة ثمرتها والحبل السري الرفيع الذي يغذيها، وكان الأنسب -حسب ذوقه الرفيع ، وطبيعة الأشياء التي أقر بها الحكماء والراسخون في العلم- أن يحمل ورق اليقطين وثمره جذع ضخم و سيقان قوية تليق بها.
    أحس بعدم الرضا لهذا العيب الذي تبدى أمام ناظريه ، فنهض وسار يتفسح ، يكتشف وينتقد ، ويعلق مبديا إعجابه بالأشياء تارة ،وكاشفا لعيوب الموجودات أخرى .- والشبع والراحة؛ قد تشقيان صاحبهما وقد تمدانه بالقدرة على الملاحظة وإبداء الرأي.
    وصل الذئب عند شجرة البلوط ، تأمل جذعها القوي الضارب في أعماق الأرض ، وتتبع سيقانها المشرئبة نحو السماء ، أنها دوح أخضر، شهوة للعطشى والمتعبين ،؛ في انتصابه عزة؛ تسر النفوس وتملأ العين ، وهداه نظره المتفحص إلى ثمرتها كانت بندقا صغيرا لا تناسب بينه وبين شجرة البلوط ، لم يعجبه عدم التناسب بين الحامل والمحمول، فقال : في كل مخلوق نقص أو عيب يحرمه صفة الكمال، وهذا لا يخص النبات ، أو العلاقات بين الكائنات ، فإن عداء البشر العبثي لي –أنا- مثلا ، و في مقدمتهم الرعيان خير دليل على وجود خلل عام يشين الكون ، وكان أصوب وأعدل لو خلق الله في نفوس البشر حبا لي كحبهم للقطط والكلاب والذي يتجاوز عند الكثير منهم حبهم لآبائهم وأولادهم ، وكان أصوب وأعدل لو كانت اليقطينة ثمرة لشجرة البلوط ، وكانت البلوطة ثمرة لنبتة اليقطين؟ لو خلق الله خلقه على هذا النحو لتحقق للخلق الكمال ، واجتمع في المخلوقات الاتساق والانسجام ؛ وعم النفع والجمال الأنام والأنعام.
    استطلع المكان فوجده آمنا ، وأحس بخدر في مفاصله وسرعان ما تمدد متوسدا ذراعيه ، واضعا فوقهما ذقنه يحمل الرأس الحكيم ,أغلق عينا وأبقى الأخرى ترعى المحيط ، وفي لحظة ضعف غفا فرأى أحلاما : دجاجا وغنما ، كلابا وبشرا يطاردونه وهم يصرخون ، ويضجون ، ورماه رام ،فأصاب جمجمته؛ فقفز تحت وقع الألم وهو يعوي عواء مرا ، وقام يعدو يطلب النجاة وبعد أن عدا مسافة ، وقف والتفت خلفه فلم ير شيئا ، وأنصت فأحس بالوحشة لشدة الصمت ، وتذكر أنه رأي حينما أيقظه الألم حبة بلوط تقفز من رأسه إلى الأرض وتتدحرج ، عاد أدراجه إلى أسفل شجرة البلوط يمشي في حذر ،و يتفحص المكان فأبصر حبة البلوط ، دقق فيها النظر، كانت مكتنزة كما يجب؛ ويبدو أنها هوت من أعلى غصن ولذلك كانت صدمتها مؤلمة ، هم بأكلها لكنه تذكر فأحس بالخجل من فلسفته السابقة، ومن الطريقة الخرقاء التي أراد أن ينسق بها شؤون الخلق وضحك كما لم يضحك من قبل.
    لو كانت هذه البلوطة بحجم حبة اليقطين وسقطت من سامق الدوح على جمجمتي؛ حاملة الحكمة وحاميتها هل كان يبقى عندئذ للكون الذي لم يعجبني معنى. ؟
    ثم قال يخاطب نفسه : أيها الأخرق العاجز عن عد الخطوات الفاصلة بينك وبين فريستك
    أنت لست سوى ناب يدفعه بطن- كمعظم خلق الله-.
    ذاك ما قالته حبة البلوط ووعته جمجمة الذئب، فأقسم ألا يأنس ولا يستأنس و أضرب عن الكلام إلى يوم الدين رغم أنه أكد لنفسه أن العيب في اليقطين لأنه يشبه بطن الإنسان الغني البخيل الخامل الحامل دوما، تماما .

    [align=left]الضيف حمراوي 10-01-2010[/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة الضيف حمراوي; الساعة 13-01-2010, 05:25.
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    تشدني هذه النصوص التي تتموج في رموزها فتعطينا درساً بل دروسا

    أنت لست سوى ناب يدفعه بطن- كمعظم خلق الله-.


    استاذ الضيف الحمراوي
    نص مبدع ذكي
    تحية وتقدير
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    يعمل...
    X