
يوم لمحب في الجبل
[align=justify]
الجبل ... صخور البازلت السوداء تلمع تحت وهج الشمس المحرقة ... "المذنبون" يعملون بآلية ، ولكن بجد تفادياً للسعات سياط الحرس وإن كانت تأتى أحياناً كقدر أخرق لمجرد رغبة معربدة فى ظلام أعماق حارس يمتعه منظر وجه إنسان يتألم، وما يحفره الألم فى الملامح الإنسانية سواء كانت جميلة أو قبيحة من لوحات لم تنحت بعد الكلمات التى تصف بشاعتها...
هو وحده كان يعمل بنفس الجدية والآلية، وينال ما يقسم له من ضربات السياط – يفعل الأولى وتفعل به الثانية مع احتفاظه لنفسه بعالم آخر خاص به – عالم في داخله دفنه في أعماقه وإن كان عالماً حياً .. منفعلاً ... متفاعلاً، ولقد روض قسمات وجهه وحركات أعضائه على القيام بمهمة حراسة ذلك العالم المخبوء في أعماقه حتى لا يشى ملمح أو يضعف عضو فيخون .. وينكشف الغطاء عن عالمه الخاص به .. في البدء كان ذلك يبدو مستحيلاً، ولكن آلة الزمان التي تعمل بوقود المحاولة الصابرة .. المثابرة تصنع أحياناً من المستحيل ممكناً....
يرتفع المعول ويهبط فيبتر قطعة من صخرة الجبل التي يعمل فيها ليقدم لحراسه حصته المفروضة في آخر يوم العمل في الجبل، حين ارتطم المعول بالصخرة كان الصوت الصادر من الصخرة أعلى من صوت المعول .. سمع الصخرة تقول له (بصوت مشجع حان) : "أيها المحب العجوز تشجع ولا تهن فقد اقتطع من جسد حبيبتك الكثيرون منهم المحبون مثلك ومنهم الكارهون الحاقدون ومازلت أحيا وسوف أحيا ....".
يقترب حارس منه – ورغم أنه يعمل بجد وآلية وسرعة – ينقض سوط ثعبانى شرس ينهش كتفه، كان ظهره للحارس .. سوط ثان .. وثالث .. ورابع .. الشراسة تعربد والنهش يزداد سعاراً ، يستدير "محب" ويواجه الحارس وهو ينقل صخرة أخرى بترها من جسد الجبل .. عيون الحارس الشاب في العشرين من عمره تلمع ببريق لذة .. تركب حصان الجنون الجامح الذى انفلت عنانه، ويبصق الحارس على المذنب محب قائلاً (بغيظ كريه الرائحة): "اشتغل بهمة يا أبا الهول ياكلب.." يغوص "محب" فى عالمه الخاص مردداً (لقد كان أبو الهول ولا يزال أسداً).. يبتعد الحارس ناحية "مذنبين" آخرين، قطعة الصخر في يده عاد يكلمها أو يستكمل ما انقطع بينهما : يسمينى "أبا الهول" لأنى لا أصرخ حين يسلط على سوطه الثعبانى .. هلى تعلمين ؟ فأنت موجودة قبل الزمان .. قرأت مرة في كتاب لرحالة زار مصر على أيام الفراعنة أن المصريين كانوا يدربون أبنائهم على ألا يظهر على وجوههم الإنفعال سواء كان حزناً أو فرحاً ..
صفير قطار يأتى من خلف الجبل .. صوت صفير القطار يتكرر وكأن القطار يتسلى ويكسر ملل الجرى على خطين متوازيين لا يلتقيان بالصفير، أحست الصخرة بأن صفير القطار له نفس سحر "افتح ياسمسم" وأن باباً موصداً في عالم "محب" الخاص على وشك الإنفتاح . الباب لا يستجيب للنداء السحرى .. أكوام من صخور النسيان لحمت بملاط التناسى تسد الباب لكن تيار الذكريات الحبيبة الجارف يقتلع صخور النسيان في طريقه ويذيب ملاط التناسى .....
الباب ينفتح وتخرج منه شعاعات وأطياف من ألوان مختلفة لكل لون معنى ورائحة ومذاق خاص مميز .. ألوان العشق الواله كبحر زاخر بلا شطئان ولا أعماق .. والحب الواثق كزهرة بيضاء دغدغتها أنامل الندى الرقيقة ولاطفتها ضياءات الفجر الوليد فتفتحت لتشهد العناق الفضى للنيل والشمس، وتتنسم شذى عنبر أرض مصر والإيمان الراسخ كجبل المقطم العتيد .. والاخلاص الواثق .. والرجولة الصلبة .. والشهامة المجنحة .. و "الحب" المغرض المقنع الدنى كثعبان ناعم مزخرف الحراشيف يزحف على بطنه في مستنقع منتن الوحل "ليظفر" بضفدع قمئ .. والإيمان المزعزع .. والإخلاص الخائن .. والرجولة الرخوة .. والشهامة الزائفة.
الأطياف تتقارب والشعاعات تتجمع والصورة تتضح .. الصخرة مازالت صامتة "محب" فتى فى شرخ الصبا فى السنة الثانية في "كلية الحقوق" عاشق مدله في حب مصر عروس الزمان .. أزلية الحسن .. حبها قدر لا يتبدل وقسمة لا تتعدل أو تعدل .. يتغزل في معشوقته ليل نهار.
تنبثق من نفسه شطرة من بيت قاله شاعر "مصرى" شرب كأس البعد عن مصر وغص بمرارته "من لى ببيت على النيل.." "محب" الشاب الذى تتغنى كل خلية في جسده بكلمات قالها واحد من محبى مصر وهم كُثُرُ ....... قم يامصرى مصر دايماً بتناديك .. خذ بنصرى نصرى دين واجب عليك.
الجبل شامخ صامت صفير القطار ينادى "مطر .. مطر .. مطر .."، يتباطئ القطار يمشى متكاسلاً .. يتقدم "مطر" ومن خلفه محب وبقية العصبة .. صناديق وأجولة تلقى من القطار ويقفز الرجال خلف الصناديق والأجولة، يترك القطار تكاسله ويزيد سرعته مردداً صفيره "مطر .. مطر .." الصفير هذه المرة فيه نغمة تقول (قريباً نلتقى).
كان "مطر" روبن هوود مصرياً خارجاً على القانون له عصبة من الرجال شرب هو كأس عشق عروس الزمان مصر حتى الثمالة .. فقام وهم خلفه وهدموا جدران "زنزانة القانون" ومزقوا قضبانها .. "القانون" الذى يسجن الحب في وقت كان (الحب والمحبوبة والمحبون) في زنزانة كبيرة بناها المحتل الإنجليزى وساعده في بنائها مصريون .. لا .. لا .. لا.. هم أى شئ آخرهم نفايات وخبث لفظهم طين مصر فتشكلوا بشراً أو الحق أقول صور بشر .. .. "مطر" وعصبته يسرقون قطارات الإنجليز ليشتروا أسلحة أو قد يسعدهم الحظ فيعثرون بصندوق سلاح أو ذخيرة بين "المسروقات" .. ترسل تلك الأسلحة والذخائر للفدائيين الذين يحاربون الإنجليز في الإسماعيلية لتخليص المحبوبة من أيدى الإنجليز التى تدنس طهر جسدها الغالى .. "الكل فى واحد" هكذا كانت العصبة و "مطر" .. مطر شخصية تركت مكانها في كتب الأساطير، .... وتجسدت بشراً صلباً قوياً .. ولد وترعرع وكبر في الجبل .. قد جسده من حجر الجبل وجرت في عروقه دماء الصلابة والقوة والشموخ .. رغم خشونة ملامحه في مكان قلبه عين فوارة ونبع يتدفق حباً ... يعشق مصر .. ويحب ناسها .. ويحب عصبته حباً جماً يرمقهم دوماً بعين والد حان راحم لا يشغله النضال عن أن يسأل عن أولاده وكل صغيرة وكبيرة في حياتهم .. أفراحهم وأحزانهم .. آمالهم وآلامهم فهم "أولاده" وعصبته ... يرفع "محب" عينيه إلى السماء .. طائر جارح لم يستطع أن يميزه يحلق عالياً .. خاطر أسود يهوم .. فى نفس "محب" ثم يحط كغراب "نوحى" حط على قبر فى يوم اتشحت فيه السماء برداء الإكفهرار الرمادى .. ترى هل كان الكل يحبون مصر؟ وهل كانوا يحبون "مطر"؟؟.. إذا كانت الإجابة نعم .. فلماذا "أنا" في السجن ولماذا فغر التراب المتوحش المتلهف فاهه ليلتقم "مطر" و "عبد المؤمن" ... وسائق القطار الرجل الطيب ؟؟ .. ماذا كان اسمه؟؟.. لم تعد تذكر اسمه أيها العجوز .... لا يهم لقد كان مصرياً طيباً محباً .. لعل الموت أراحه من لعبة (الحرس والمذنبون – أو عسكر وحرامية – كما يقول "أولاد البلد") .. فهى لعبة صعبة وأصولها ليست محددة واضحة. آه خرجت من "محب" إلى داخله وتردد صداها فى بئر نفسه .. ينظر إلى الصخرة وعيناه تسألانها بنظرات تتلهف على إجابة السؤال لعل الـ آه تستريح ولا تخرج حممها لتشق مجرى تتسرب فيه مياه مستنقع المرارة .. أيتها الصخرة يامن عشت الزمان منذ مولده هل تستطيعين أن تجيبى على هذا السؤال لماذا الحرس يتسلون بعذابات وآلام المذنبين؟ . آه والكل مصريون .. قولى لى علمينى هل هناك معيار صحيح سليم لا يأتيه الباطل يتحدد به مكان الإنسان في هذا الجبل ؟ .. فى صف الحرس .. أم فى صف المذنبين بين العسكر يمشى واثق الخطوة أم يجرى مع الحرامية .. كهارب تتخطفه الشياطين، صرخة مسعورة مذعورة .. تلاحقها صرخات أكثر ذعراً .. صرخات وحش جريح، ويلتفت "محب" وهو يعمل بجد وآلية وسرعة .. رفيق "اليسارى" المتطرف يتلوى بحركات أفعوانية انعكاسية .. الحارس يلهبه بالسوط .. وكلما ازداد الضرب قسوة وعنفاً كلما علا الصراخ مزعجاً وحشياً .. أجفلت منه حدأة كانت تهوم تتسلى بالفرجة على ما يحدث في دنيا البشر، ويبدو أن الحارس أعجبته اللعبة فاستمر فيها .. قال "محب" للصخرة : لو كان يحب عروس الزمان لما صرخ .. مسكين إنى أرثى له .. حشوا عقله بالنظريات والعقائد والمقولات .. ولكنهم تركوا قلبه – "عن عمد" – فارغاً .. مهجوراً .. مظلماً .. مغارة للخفافيش .. إنها ليست صرخات تلك التي كانت تخرج من فمه بل خفافيش مذعورة تصوت وتتخبط في سماء العمى المظلمة وقد خبت نجوم الحب الهادية فيها.
يرتفع المعول ويهبط تلتقى نظرات "محب" بنظرات أحد المذنبين إسمه "عبد الودود" حين التقت النظرات اشتم فى نظرات "عبد الودود" الكراهية والحقد والمرارة التى تروى أشواك الحقد والكراهية رغم أن عيونهما التقت لثوان معدودات .. يقول "محب" للصخرة: "هو واحد من الجماعات الدينية المتطرفة المغالية في الغلو .. ألم تشتمى رائحة الكراهية والحقد والمرارة في نظراته .. مسكين هو الآخر .. ليست غلطته ولكنهم الكبار الذين أوردوه هذا المورد وسقوه من هذا المشرب زرعوا في قلبه الكراهية والحقد أشجاراً شوكية وسقوها بالمرارة فازهرت زهوراً تفوح كراهية وحقدا ومرارة .. إنهم الكبار أصحاب الثأر القديم".
تذكر "عبد المؤمن" بوجهه الباسم على الدوام .. لقد كان واحداً من العصبة كان متديناً يفهم معنى الدين الصحيح القويم .. سألته مرة لماذا أنت دائم البسمة رغم أي شئ فقال لى وقد اتسعت ابتسامته : الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ما معناه (بسمة المؤمن في وجه أخيه صدقة) .. طيب الله ثراك يا "عبد المؤمن" كان رجلاً .. له قصة .. ومن من الناس ليس له قصة بل قصص .. وقصص .. كان "عبد المؤمن" عاملاً فى ورشة عمه .. "عبد المؤمن" اللطيم (فقد أباه وأمه ولم يتم عامه السابع على ظهر الأرض)، رحلا وتركا له كوماً من البنات لهن أفواه مفغورة وعورات يتحتم أن تبقى مستورة .. بدأ العمل في سن كان أقرانه يتمتعون باللهو واللعب فيها .. ولكن ما الحيلة ؟ لابد أن يعمل شد إلى ساقية الكدح يدور ويدور معصوب العينين .. مرت به السنون واشتد عوده فى العمل .. كان ديناً بالفطرة يحافظ على الصلوات الخمس رغم ما يلقاه من عنت عمه وتأنيبه على تضييع الوقت في المسجد .. يصبر ويتحمل .. يحضر دروس الدين ... طلب منه عمه أن يجهز أدواته ومعداته فهناك عمل .. الوقت متأخر .. ولكن لابد من الذهاب .. ذهب إلى شقة في عمارة كان برفقة عمه رجل آخر أنيق الملبس طيب الرائحة .. فتح الرجل الأنيق الباب بمفتاح دخلوا .. ما هو العمل المطلوب ؟ قال له عمه مشجعاً : "أن نحاول أن نفتح للسيد مشيراً ناحية الرجل الأنيق هذه الخزانة لأنه أضاع المفتاح – ربنا يكون في عونه مشاغله كثيرة" – ابتسامة واعدة ممنية أكثر تشجيعاً من السيد الأنيق .. بدأ يحاول .. وفجأة ضجيج وضوضاء .. أوامر منذرة متوعدة .. كلاب ورجال وصفعات وركلات حتى للسيد الأنيق .. انقشعت سحب عاصفة الفجأة الرعدية – تبين الأمر – لم تكن المسألة عملاً ولا خدمة للسيد الأنيق الذى أضاع مفتاحه لكثرة المشاغل .. كانت سرقة خططها عمه والسيد الأنيق ... زلزلته المفاجأة .. سياط الأفكار تجلد روحه .. اهتز ميزان نفسه القلق وحش شره ينهش لحمه وأعصابه وعظامه ويمتص نخاعه على أشياء وأشياء وأهم شئ كوم البنات .. راعت المحكمة ظروفه، وحكمت عليه حكماً مخففاً .. خرج من السجن ليرتمى في أحضان جماعة دينية معروفة فى ذلك الوقت ظن أن لدى الإخوة فيها الدواء الشافى لجرح خنجر الشر الغادر الذى غاص في قلبه الخير الساذج .. بمرور الوقت بدأ يستعيد اتزان نفسه ويقبض على زمام عقله ويحسن الحكم على الأمور .. أدرك بفطرته أن تلك الجماعة "ترشده" إلى السقوط في الهاوية .. أعطاهم ظهره .. تعرف بـ "مطر" بحكم القرب في السكن في "مدينة الموتى" التى يحمى حرمتها جبل المقطم الشامخ.
الذكرى الحلوة تدغدغ الفؤاد ونسماتها تنعش الروح في صحراء الغربة وسط الزحام ..لقد استطاع "مطر" في جلسة واحدة أن يشفى كل جراحات "عبد المؤمن" ولما لا ؟ وقد سقاه من الطهور .. سقاه كأساً من عشق عروس الزمان "مصر" وانضم عبد المؤمن للعصبة .. ينظر "محب" للمعول وهو يهبط ويواصل الحكاية ...
الصخرة تنصت بشوق .. نعم انضم "عبد المؤمن" للعصبة .. جلسة واحدة مع "مطر" .. ذاب التردد والخوف وانعدام الثقة أمام سيال الحب الصادر من عينى "مطر" .. "مطر" نسيج وحده هكذا اعتاد "محب" أن يردد لنفسه .. عجن من طينة الحرية .. هو عميدهم وكبيرهم .. يعلو جناح النسر وينتقى لآلئ بحر السماء ودررها ليصنع منها عقداً يزين به جيد حبيبته "مصر" .. يفرغ "محب" ما بتره من الصخر .. آه النفس ذهبت وما تزال تذهب حسرات .. كأس الحب أوقفت نزيف قلب "عبد المؤمن" الدامى، وفجرت فيه ينبوعاً من الحب المؤمن الواثق.
يقترب حارس آخر من "محب" ينعم عليه بباقة من لسعات السياط السوداء .. باقة من زهور الشر يقدمها شيطان للضحية التى شكها بشوكته ... تقطعت نفس "محب" غضباً وطارت شظايا الغضب الأحمر إلى داخله، بينما ظلت سحنته محايدة ويداه تعملان بجد وآلية وسرعة .. يقهقه الحارس نشواناً بخمر الجنون المطبق (أبو الهول) لا يكاد ينطقها سليمة وقد فك الحمق الأرعن لسانه .. هذه القهقهة الشيطانية وجرسها الجهنمى .. خنجر مسموم ينكأ الجرح الممض الذى لا يندمل .. ياللعجب نفس السحنة .. "اسماعيل مكادى" يتجسد .. سحنة تسقطها من عينك أو تسقط هى كورقة ذابلة تداس بالأقدام .. هذا إذا قدر لك أن تراها على سجيتها وذلك عندما يكون صاحبها سابحاً في مستنقع النشوى الخرقاء "ليتطهر" من دنس فعلة فاجرة لا ترد يد لامس ..تماماً كما كانت سحنة الحارس وهو يقهقه منتشياً بعد جلده "محب" .. أما عدا ذلك فهى سحنة حربائية .. مداهنة .. مصانعة .. مماكرة .. سحنة ناضبة ماء الوجه .. لا تغض طرف صاحبها المخازى .. كان "مطر" محتاجاً إليه لذا ضمه للعصبة .. كان "ترابياً" وبالتالى كان الخازن للمسروقات في جوف أحد القبور التى يتعهدها حتى يتم التصرف في المسروقات المخبوءة .. سقاه "مطر" من الشراب الطهور كأس عشق عروس الزمان "مصر" لم يؤثر فيه وكيف يؤثر فيه ؟ وهو المدمن على معاقرة الخمر الرخيصة التى تنفخ فيه نشوى عربيدة محمومة تحلق به فى عوالم من السفالة والإنحطاط .. يرتفع المعول ويهبط والصخرة ترنو إلى "محب" تستحثه أن يكمل .. قال "لم تفعل كأس الحب فى نفس "مكادى" مفعولها ربما لأنه لم يكن له نفس أو لعل كانت له نفس وماتت ودفنها مع الموتى الذين يدفنهم" .. لكن "مطر" محتاج إليه .. مرات .. ومرات ناقشت "مطر" وجادلته .. لم أكن أطيقه .. كان وجوده في العصبة نغمة شاذة نشاز في لحن متناغم جميل .. وإذا اجتمعت العصبة بأكملها العم مطر وسائق القطار الطيب – تذكرت اسمه عم "صالح" – وأنا ومكادى معنا كنت أحس أنه عضو زائد شائه في جسد عصبتنا كأصبع سادسة شوهاء يداريها صاحبها خجلاً .. كان "مطر" دائماً يردد لي المثل الشعبى (الحاجة مرة) ولكن على الدوام كان يخالجنى إحساس داخلى يتردد (ياليت الأمر يقف عند حد المرارة) .. إحساس غامض مبهم تشعر بوجوده ولكنك لا تراه بأن كارثة في الطريق إلى "عصبة الحب المقدس" ستأتى كصخرة عملاقة تتدحرج من القمة لتسحق زهرة جميلة عند السفح.
فى يوم خرجت "العصبة" من احدى "غاراتها" .. بصندوق ملئ بأوراق النقد الجديدة اللامعة .. سال لعاب الجشع من فم "اسماعيل مكادى" تنمر وجسده يرتعد بحمى الطمع .. كاد ينسى وجود "مطر" في وسطنا والهدف الذى يسرق من أجله "مطر" ويساعده طالب في الحقوق، ولكن أنى لمثله أن يفهم معنى كلمة هدف أو يكون له هدف .... يومها ثار بركان "مطر" – اتق شر الحليم اذا غضب – تطايرت حمم غضبه .. نحن الذين لم نخطئ ولم نجرم خفنا ومسنا الرعب .. تضاءل "مكادى" بل تلاشى لم يعد له وجود تقدم "عبد المؤمن" وعم صالح محاولين .. تهدئة "مطر" .. كان مكادى منكمشاً في ركن الغرفة كقطة مذعورة في انتظار العقاب على فعلة تعلم أنها تستحق العقاب عليها .. جذبه عم "صالح" من يده ليترضى "مطر" مقبلاً رأسه .. لم ينهض زحف محاولاً تقبيل قدم "مطر" .. رفعه "مطر" .. لم يكن ليرضى أن يفعلها .. مرت العاصفة وهدأ "مطر" وزعت الأنصبة التى أرادها "مطر" فقط مايقيم الأود ويستر العورة ولم ينس المحتاجين والأرامل من سكان "مدينة الموتى" التى يحميها جبل المقطم الشامخ .. والباقى كله دفع في سلاح دبرعم "صالح" توصيله إلى الإسماعيلية في قطاره ليصل إلى أيدى الفدائيين .. كنت رائعاً يا "صالح" واحد من المحبين الكثر تسكن مدينة الموتى لكن قلبك حى يتغنى بلحن الوفاء لحبيبتك مصر.
أوشكت الشمس على المغيب .. صفير قطار آخر فيه وحشة مقبضة تذكره بصفير موحش مقبض لم ولن ينساه .. الصخرة تحس بعيون المرارة والحزن والشجن والأسى التى فجرها ذلك الصفير في عالم "محب" الداخلى وتنظر إليه ليس بإشفاق ولكن بتفهم .. الدموع تطفر وتنساب إلى الداخل وتصب مع المرارة والحزن والشجن والأسى .. كان الوقت وقت الغسق الشمس أوفدت اشعتها الذهبية لتسلم على الجبل على وعد بلقاء فضى في الفجر.
"مطر" وعبد المؤمن وأنا ومكادى نكمن في انتظار قطار عم صالح .. الإحساس بالكارثة غامض مبهم ولكنه موجود "عبد المؤمن" يحرك شفتيه يتلو آيات من القرآن على وجهه تعبير الإيمان الراضى "مطر" في المقدمة كعادته وفى مكانه الطبيعى .. حاولت النظر ناحية "مكادى" رغم مقتى له .. لم أر عينيه كان يدفنهما فى التراب.
صوت القطار يقترب (مطر .. مطر .. مطر) شئ غير عادى في الصفير ... يخرج من القطار وكأنه مرغم .. واقترب القطار هدأ من سرعته وكأنه لا يريد أن يفعلها .. تقدم "مطر" والكل خلفه فقط مكادى آخر من قفز حاول عم صالح أن يصرخ لينبهنا فاغمد سونكى خسيس في قلبه .. الرشاشات فتحت على "مطر" وكأنهم يقتحمون قلعة .. "عبد المؤمن" يضرب بسلاحه يتملكه احساس المجاهد وقد نسى كل شئ حتى "كوم النبات" .. مكادى جبن لم يقاوم أو ظن أنه لن يتعرض للطلقات فهو رجلهم الذى وشى لهم كما تكشف فى التحقيقات بعد ذلك .. هو الذى خان ووشى وكان جزاؤه عدداً من الطلقات أكثر من أى واحد آخر .. الصخرة تتساءل وأنت يامسكين ؟ .. كنت اضرب مذهولاً فلأول فى حياتى مرة أطلق النار – كل مرة كانت المسألة هينة يسيرة رغم علمنا أننا "نسرق" قطارات العدو المحتل ونحمل سلاحاً للطوارئ .. ولكن يبدو أنه كانت هناك أوامر بالإبقاء على حياً ظناً منهم بأنى بئر معلومات عن نشاط الفدائيين والحركات الطلابية .. ولكن (ابا الهول) خيب ظنهم. ساعة الغسق ساعة مهيبة .. الكل يستعد للعودة إلى العنابر..
فجأة نشب عراك بين رفيق "اليسارى" و "عبد الودود" من الجماعات الدينية المغالية في الغلو لا أحد يدرى لماذا وما الذى أشعل العراك .. تجمع الحرس حولهما .. السياط تنهال عليهما بقسوة ووحشية .. العين تشهد هذا المنظر ونزيف القلب يزداد بفعل الذكرى والمنظر المؤلم المؤسف المؤسى .. مصريون يضربون ومصريون يُضربون .. الصخرة ترنو إلى "محب" وتحثه على ترد يد آخر كلمات "عبد المؤمن" .
"أيها القلب الحانق تطهر في ينبوع التسامح الدافق وأنر جنباتك بنور الأمل الواثق وأنت أيها المحب العجوز تمسك بدين الحب واستمر في التبشير بعشق مصر أزلية الحسن فحل القضية ليس عند أصحاب الدماء الفوارة الحمراء ولا أصحاب الرؤوس الفضية البيضاء ولكن عند محبى عروس الزمان حباً واثقاً الذين اغتسلوا فى نهر الحب الدافق .. ..".
[/align]
تعليق