على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل عودة
    كاتب وناقد واعلامي
    • 03-12-2008
    • 543

    على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة

    سليمان جبران في كتابه الجديد :



    [glow=FF0000]" على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة ".[/glow]



    بقلم : نبيل عودة





    يجري حول اللغة العربية حوار صاخب أحيانا ، بين العديد من المثقفين واللغويين ومختلف أصحاب الرأي . ويبدو ان هذا الحوار هو يميزالناطقين بلغة الضاد فقط ، إلا أن ذلك لا يشير الى اهمية غير عادية للغة الضاد ، بقدر ما يشير الى أزمة عميقة باتت تقلق المتعاملين مع اللغة ، وتتمثل في قصورها الفاضح في المجالات المختلفة ، وبالأساس المجالات العلمية والتقنية ، وأيضا في مجال الاستعمال الأدبي الإبداعي. وتبرز الأزمة بوزنها الكبير ، في هرب أصحاب اللغة من لغتهم الى لغات أجنبية للتعبير ، واشكاليات استيعاب الطلاب العرب للغتهم ، بل ونفورهم من اساليب تعليمها ومن التناقضات الكبيرة بين اللغة المحكية واللغة التي تسمى فصحى ، لدرجة أن تعريف الفصحى بات يشكل موضوعا للخلاف ، نتيجة دخول اساليب تعبيرية واصطلاحات وجمل متعارف عليها ، لا يمكن ان تخترق أسوار الحواجز النحوية التي وضعها سيبويه قبل مئات السنين ، في مناخ ثقافي ولغوي مختلف، وبات غريبا عن مفرداتنا وعن صياغاتنا وعن متطلباتنا اللغوية في هذا العصر الذي يشهد نقلة نوعية عاصفة في العلوم والتقنيات ، وفي اللغات واستعمالاتها. الا لغتنا العربية مسجونة داخل كهف يقف على ابوابه حراس اللغة، ظنا منهم انهم يخدمون لغتهم ، ولا يستوعبون ان حراستهم تقود لغتنا الجميلة الى الموت السريري ، أو تحولها الى لغة لا يتجاوز عدد المتحدثين فيها عدد المتحدثين اليوم باللغة الآرامية في العالم !!
    هذا الموضوع شغلني منذ سنوات ليس كلغوي ، بل كمثقف وكاتب يعيش نبض اللغة التي تشكل سلاحه التعبيري ، وأداته الهامة للتواصل ، الأمر الذي وضعني بمواجهة اشكاليات لغوية تعبيرية في الحديث او الكتابة عن مواضيع تكنلوجية وعلمية وفلسفية ، لم أجد لها صيغة عربية ، ووجدت في اللغة العبرية التي اتقنها بشكل جيد ، لا يرقى الى مستوى اتقاني للعربية بالطبع ، تعابير واصطلاحات سهلة واضحة ميسرة مفهومة ، وقابلة للاستعمال، بدون تعقيدات نحوية .
    شغلني أيضا سؤال ما زال مطروحا: بأي لغة عربية نكتب ؟
    الفصحى القديمة أضحت لغة لا مجال لاستعمالها وفهمها من الأكثرية المطلقة لمن يعرفون أنفسهم كعرب. الفصحى الجديدة السهلة ، او لغة الصحافة كما يسميها البعض ، أيضا غير ميسرة لأوساط واسعة جدا من العرب..بسبب انتشار الأمية الهائل الذي لا يقلق حراس اللغة بقدر قلقهم على مواصلة السجن القسري للغة في زنزانة نحو وضع لمناخ لغوي لم نعد نعيشه ، ومن المستحيل ان نعود اليه.
    في كتاباتي دائما اتلقى نقدا لغويا حول استعمالاتي للغة. ومحاولات تصحيح لغتي ، وانا على قناعة تامة ان تمكني من التعبير بلغتي العربية ، متطور جدا ، ليس بسبب دراستي للغة ، بل نتيجة ممارستي وتجربتي الغنية قراءة وكتابة ، وأعترفت مرات عديدة اني لا أعرف قواعد اللغة، ولا اريد ان أعرف اكثر مما اعرفه اليوم ، واذا كان لا بد من إصلاح فلغتي هي لغة معيارية حديثة ، متطورة في تعابيرها ، وسهلة الفهم لأوساط واسعة ، وتحمل من جماليات التعبير والصياغة أكثر من كل نصوص المتقعرين ، الذين لا استطيع ان افهم نصوصهم أو أهضم ثقل دم لغتهم !!
    ربما أطلت في مقدمتي ، ولكني اندفعت اليها بحماس إثر قراءتي لكتاب شدني بلغته الجميلة وشروحه المنفتحة الراقية ، حول إشكاليات لغتنا العربية صادر عن مجمع اللغة العربية في حيفا ، للبروفسور سليمان جبران ، الذي كان رئيسا لقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة تل أبيب ، قبل اعتزاله العمل هناك. يحمل الكتاب عنوانا دالا : "على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة "، وافتتح سليمان جبران كتابه ببيتين من الشعرعن "الغيورين" على اللغة:
    جاروا عليهــا زاعمين صلاحها في نبذ طارقهــا وفي تقييدهـــــا
    لم يفقهوا ان اللغــات حياتهــــــا في بعث تالدها وفي ... تجديدها
    وهناك مقدمة للدكتور عادل مصطفى ( باحث مصري في اللغة والعلوم والفلسفة ) يقول فيها: " العربية في أزمة ، يجفوها أهلها ، ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها سدنتها وأحبارها . ان العربية على فراش المرض ، تعاني من تضخم في القواعد والأصول ، وفقر في المصطلح ، وعجز عن مواكبة الجديد ومجاراة العصر . الداء واضح للعيان ، ولم يعد بالامكان اخفاؤه . فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار المشكلة."
    مقدمة الدكتور عادل مصطفى تستعرض اشكاليات اللغة ، التي يعالجها البروفسور سليمان جبران في كتابه ، وتتطابق أفكاره تماما مع طروحات وشروح سليمان جبران ، بحيث بدا لي متحمسا للكتاب وطرحه الذي يثبت ليس فقط معرفة سليمان جبران الكاملة باصول اللغة ونحوها ، انما معرفة موسوعية نادرة بكل ما مرت به اللغة العربية من تحولات وتطوير في القرن التاسع عشر ، خاصة منذ بدأ اللبناني فارس الشدياق : "رجل النهضة الأدبية الحديثة الأول " – كما وصفه مارون عبود ، وسائر النهضويين الرواد العرب أمثال المصري رافع الطهطاوي ، جهودهم العظيمة في احياء اللغة العربية التي قتلها التتريك والتخلف السائد في الأقطار العربية والذي كان لا بد ان ينعكس سلبا على واقع اللغة العربية. وللأسف، يبدو كأن الزمن توقف ، وما زلنا نحاور من نفس المنطلقات ، وما زلنا نلوك نفس الحجج ..
    قلت اني لست لغويا ، ومع ذلك قرأت بحث سليمان جبران اللغوي بشوق كبير ، أولا بسبب لغته الجميلة واسلوبه التعبيري الواضع ، وقدرته على التعامل مع الإشكاليات اللغوية المختلفة بتحليل وتفسير واستنتاج ، مبني على المعرفة الموسوعية ، وهو أمر سحرني به سليمان جبران ، لأني وجدت به أجوبة عن القضايا المطروحة امام تطور مجتمعاتنا المدنية ، فمن يظن انه بنحو لغة قديمة خاضع للمرحلة التي نشط فيها سيبويه ، يمكن بناء مجتمع مدني علمي تقني حديث هو واهم . اللغة أداة للتواصل لا بد منها للعلوم والتقنيات والثقافة والفلسفة والمجتمع ، وليس للقداسة فقط.
    من المواضيع التي يطرحها الكتاب: " لغتنا العربية : لا هي عاجزة ولا معجزة، متى نؤلف نحوا حديثا للغتنا العربية ؟ ، دور الشدياق في تطوير اللغة العربية ، العامية والفصحى مرة أخرى، الترادف غنى ام ثرثرة ؟ ، تصحيح الصحيح ، تجليات التجديد والتقييد " .
    تتميزلغة الكتاب بالاقتصاد في التعبير والابتعاد عن الفضفضة ، التي نواجهها في الكثير من النصوص. وكأني به الى جانب بحثه القيم يعطينا درسا ونموذجا في الصياغة الحديثة بدون فضفضة وترهل لا يضيف للمعنى شيئا ، وقناعته تقول اننا في عصر السرعة ولا يمكن الا ان نقتصد في الكلمات لنؤدي نفس المعنى.
    ترددت في إيراد النماذج، لاني شعرت بأني سانقل كل الكتاب للقارئ ، وهذا غير ممكن .
    وأعتقد ان انتباه معلمي اللغة العربية لهذا الكتاب ، في كل مستويات التعليم ، خاصة الثانوي والجامعي ، واستعمال المداخلات والنماذج التي يطرحا سليمان جبران ، سيحدث ردة فعل ايجابية تقرب اللغة العربية لأبناء هذه اللغة ، وتفتح امامهم آفاق لغوية جمالية تنعكس بشكل ايجابي على تقريب اللغة للطلاب العرب، وتقريب الطلاب العرب من لغتهم وقدراتها التعبيرية والجمالية ، مدركين ان الاشكاليات التي يهربون منها ، هي وليدة واقع مريض ، وليس نتيجة لغة عاجزة ومعقدة.

    الكتاب : على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة
    المؤلف : بروفسور سليمان جبران
    اصدار : مجمع الللغة العربية – حيفا - 2009

    نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي – الناصرة
    nabiloudeh@gmail.com
  • محمد فهمي يوسف
    مستشار أدبي
    • 27-08-2008
    • 8100

    #2
    أخي الفاضل الأستاذ نبيل عودة
    متعك الله بالصحة والعافية , وحمى قلمك الرصين بلغته العربية السهلة الميسرة .
    أعجبني مقالك الجميل عن التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة .
    وأنقل هنا هذه الفقرة التي سحرتك من كتابات سليمان جبران عن اللغة العربية :

    وهو أمر سحرني به سليمان جبران ، لأني وجدت به أجوبة عن القضايا المطروحة امام تطور مجتمعاتنا المدنية ، فمن يظن انه بنحو لغة قديمة خاضع للمرحلة التي نشط فيها سيبويه ، يمكن بناء مجتمع مدني علمي تقني حديث هو واهم . اللغة أداة للتواصل لا بد منها للعلوم والتقنيات والثقافة والفلسفة والمجتمع ، وليس للقداسة فقط.

    معلقا عليها برأي متواضع أرجو أن نتحاور حوله برفق وأناة :

    نعم أنا معك في أن اللغة أداة التواصل بين البشر , ولكل قوم لغتهم للتفاهم والتعاون في تحقيق المقاصد والأهداف
    حتى إن الأمم التي خلقها الله تعالى من غير البشر لهم لغاتهم الخاصة كالنمل والنحل وكل المخلوقات .
    وأنا معك في أن اللغة تنمو وتتطور كأي كائن آخر , تضيف إلى مكوناتها كل جديد يفيد التواصل بين أهلها من
    مصطلحات ومستجدات تقنية تتطلبها الحياة العصرية مع تطور التكنولوجيا في عصر العولمة .
    ولغتنا العربية ليست قاصرة ولا متوقفة النمو منذ جاء الإسلام وأضاف إليها من ألفاظ الدول المجاورة ما يخدم أهداف أهلها في الحياة .
    ولكني أختلف معك في أن هدم ( جانب النحو العربي ) في هذه اللغة هو الذي يبني حضارتها في المجتمع المدني العلمي التقني الحديث . فكيف تكون اللغة وسيلة للتواصل وقد اختلط على السامع فيها الفاعل بالمفعول بتغيير
    الوضع الإعرابي النحوي لكل منهما .مثلا ؟ وما دخل محاربة القواعد والضبط اللغوي في بناء التقدم التقني المنشود واللغة
    يمكنها أن تستوعبه بنحوها وضوابطه المقننة لتيسير الفهم والتواصل عن طريقها في عصر العولمة الحديث .؟

    كما أني لست معك في إبعاد الجانب الروحي ( للقداسة فقط ) عن سمات اللغة العربية وهي لغة القرآن الكريم
    ولا قصرها على ذلك وحده . فهي تحمل في جوانبها التعبيرية الراقية معاني البلاغة والبيان مستمدة ذلك من
    كلام الله تعالى بها , مواكبة بنفس الحروف الأبجدية والكلمات العربية السهلة كل ما ذكره سليمان جبران أو غيره
    ممن أرداوا الدفاع عن لغة الكتابة العربية لإنتاجهم بينما لمسوا جوانب قدح فيها بطريق غير مباشر . وهي براء من ذلك
    نحن نؤيد التطور ونمو اللغة واستيعابها لمستجدات العصر التقنية والعلمية ومواكبتها للعالمية في الأدب وغيره

    ونحمل هم ذلك في عشقنا لها وهي الباقية كرباط تواصلي بين العرب المخلصين لها دون تقعر أو تعقيد أو رفض لجديد
    الألفاظ والمصطلحات , مع سعينا لتعلم اللغات الأخرى لنتواصل مع كل تقدم وتطور , لكن الأساس أن تكون لغتنا هي هويتنا
    التي نرفعها ونحافظ عليها وندافع عن ثوابتها ولا نهمل ما يثريها مما يتفق عليه علماؤها المتخصصون في المجامع اللغوية العربية
    وموافقتهم على إضافته لمعاجمها العربية ليستخدمه الكتاب والأدباء ويتواصل به المتحدثون بها في كل مكان دون أن يقلل
    ذلك من مكانة اللغة العربية السهلة الصحيحة .
    إن هناك دعوات لأن تكون اللهجات ( اللغات المحلية أو العامية ) أقدر على مواكبة التطور , وهذه الدعوات هي حرب
    لوأد اللغة العربية الصحيحة . وبالتالي لقتل الهوية العربية . وهيهات لهذه الأصوات أن تصل إلى ما تريد .
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد فهمي يوسف; الساعة 11-03-2010, 21:51.

    تعليق

    • نبيل عودة
      كاتب وناقد واعلامي
      • 03-12-2008
      • 543

      #3
      اولا شكرا للأديب الأستاذ محمد فهمي يوسف على مداخلته المميزة .
      بالطبع وجهة نظري أكثر متحررة ولا أرى بالنحو وتحريك آخر الكلمة الا بقايا متيبسة من عهد تلاشى وأبقى قيوده على لساننا ونصوصنا.
      هناك لغات كثيرة تخلصت من الكثير من العوائق وانطلقت للعالمية ويؤسفني ان أقول ان العبرية ، التي كانت لغة ميتة ، أضحت أكثر سهولة للإستعمال من اللغة العربية في مجال العلوم والتكنلوجيا والسياسة والمجتمع والترجمة .. واقرأ بالعبرية وأكتب بطلاقة وبدون أخطاء، وبدون ان أنشغل واحتار اذا صغت الجملة بشكل صحيح او نشزت .. بينما في لغتي يجب ان اكون باحثا لغويا وضليعا في النحو والقواعد لأستطيع ان اصيغ جملي بدون ان أعلق بلسان حرس الحدود اللغوي.
      انا لست لغويا.. ولا أعرف القواعد وأكتب اعتمادا على سمعي.ولي أخطاء ، احيانا بنصوص أدبية قصصية ادفع النص ليراجعه أحد الزملاء ، ولكن في السياسة لا يهمني أنشر بدون تردد ، واواجه الكثير من التهجمات من أغبياء تركوا الفكرة والرؤية الفلسفية للطرح ، وركبوا حمار سيبويه ليعقبوا على ما لا يهمني .
      المشكلة بلغتنا تبرز ، حسب المختصين باللغة والمترجمين بعجز اللغة العربية عن تطوير مفردات علمية او غير علمية. وكنت قد كتبت مرة عن مشكلتي مع ترجمة كتاب الاستشراق لادوارد سعيد . لم انجح بقراءته بالعربية من مترجم استاذ للغة في جامعات بريطانيا ، وقرأته بالعبرية بلغة جميلة جدا وسهلة جدا ، وتبين لي ان لغويين عرب قرأوه بالعبرية أيضا او بلغة المصدر الانكليزية لأن الترجمة العربية تحتاج الى ترجمة للعربية.نفس الأمر مع كتاب "الثقافة والامبريالية".. معاناة رهيبة لفهم النص.. وانا اعيش نبض اللغة وأهشقها. فكيف الحال مع مثقف عادي؟ او قارئ عادي؟
      اذن لماذا نشكي غياب القارئ ؟
      المشكلة حسب رؤيتي هو تخلف المجتمع المدني العربي تخلف الاقتصاد العربي تخلف التقنية العربية تخلف التقنية الدقيقة .. تخلف الابحاث العلمية والتعليم ، تخلف الجامعات العربية ... وعدم تطور نظام عربي دمقراطي بمؤسسات دولة مستقلة لا تتردد في محاسبة أكبر قفا على كراسي السلطة.ان الحاكم الذي يطن ان كرسي الرئاسة هو حقه المشروع لأبد الآبدين ، ويتصرف كحاكم بأمر الله ، هو مجرم يدمر مجتمعاتنا العربية .
      ضمن الواقع الحالي نقاشنا سيكون طرحا في غير اوانه . التغيير الاجتماعي والسياسي سيقود الى تغيير في اللغة.. حقا هناك تطور في اللغة ، فرض نفسه رغم وجود الرافضين لهذا الجديد حتى اليوم .

      تعليق

      • مهند حسن الشاوي
        عضو أساسي
        • 23-10-2009
        • 841

        #4
        [align=center]
        حين اهتم علماء الأدب واللغة والبيان بلغتهم العربية درساً وتدريساً وتأليفاً وتصنيفاً، واعتنوا بوضع ضوابطها وقواعدها بعد أن هجر بعضهم الأهل والأوطان وعانى وعثاء السفر والعيش مع الأعراب ليعود باللغة الصافية التي خلصت من تلويث الاختلاط بعد انفتاح العرب على غيرهم من خلال الانتشار الإسلامي، كان همهم في ذلك حفظ لغة القرآن الكريم التي تحفظ بها شريعتهم التي جاءت خيراً للناس جميعاً، وأدل دليل على ذلك ما روي متواتراً أن أول من التفت الى هذا الأمر وأشار به هو الإمام علي بن أبي طالب لتلميذه أبي الأسود الدؤلي، والرواية وإن اختلفت في شكل إيرادها إلا أنها تواترت بنفس المعنى، فمن ذلك ما رواه المقرئ في أخبار النحويين قال:
        (قال عبيدة معمر بن المثنى: أخذ أبو الأسود عن علي بن أبي طالب عليه السلام العربية فكان لا يخرج شيئاً مما أخذه عن علي بن أبي طالب عليه السلام إلى أحد حتى بعث إليه زيادٌ:
        اعمل شيئاً تكون فيه إماماً ينتفع الناس به وتُعرب به كتاب الله، فاستعفاه من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ: (أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) - أي بكسر اللام من رسوله -، فقال: ما ظننتُ أن أمر الناس صار إلى هذا فرجع إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير فليبغني كاتباً لقناً يفعل ما أقول، فأتى بكاتب من عبد القيس فلم يرضه فأتى بآخر قال أبو العباس أحسبه منهم. فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه فإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف فإن أتبعت شيئاً من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين. فهذا نقط أبي الأسود)
        وهذا يدل على أهمية أواخر الكلم لأن هذه الآية يجعل فيها كسر لام (رسوله)، يجعل المعنى أن الله بريء من رسوله والعياذ بالله، وأمثال ذلك في الكلام كثير.
        ومن هنا انطلق العلماء في الاهتمام بلغتهم والدفاع عنها، فهي بالإضافة الى كونها موروثهم الحضاري ومعلمهم الذي يشد الأخ الى أخيه في أقاصي الأرض، هي كذلك مصدر تشريعهم في تنظيم حياتهم وفوزهم في الآخرة، مع وضوح أن القرآن الكريم غض يجري في الأمم مجرى الشمس والقمر، ولم ينتهِ عصر الاستفادة منه لنكتفي بما كتبه الأوائل في هذا المجال.
        ومن هنا انطلقت دعوة الاغتراب والسعي الى هدم اللغة العربية والمناداة باهمال ما توارث وعدم ركوب جواد سيبويه الأصيل أو إتعاب النفس في بيانات الجرجاني وبدائعه. وهي دعوة لها أهدافها وإن غفل عنها كثير ممن لم يلتفتوا الى وجه المؤامرة فيها.
        ولا ننسى أن الكسل وعدم المبالاة هي سمة العصر، وهي الآفة الكبرى التي غطت على المجتمع العربي لأجيال متناوبة، لأسباب أرادها المستعمر، بعد أن كان السابقون شعلة من نشاط في ارتياد حلقات العلم والتدريس والتصنيف والإبداع، وقد سرت هذه الشرارة الى يبيس أجيالنا، لنحصد العزوف عن ضوابط اللغة والمناداة باللغات الدارجة وشيوع التراكيب الغريبة عن لغتنا على ألسن الكتاب والناشئة، وإن كانت بوادرها بدأت من قبل المترجمين الذين زفوا إلينا بشرى تعريب الأعمال العالمية الكبرى بلغة متهرئة، مع ما تفعله لغة الصحف في ذلك.
        وهنا لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين الكتابة العلمية والكتابة الأدبية، ولكل منها خصائصها، مع الاحتفاظ بالخصائص المشتركة وهي في اللغة العلمية الأقل المجزئ كما يعبرون، ومع هذا لا تجد الكتاب يلتزمون به لقصر باعهم، فيعللون ذلك بتحجر اللغة وأذواق القراء

        [/align]
        [CENTER][SIZE=6][FONT=Traditional Arabic][COLOR=purple][B]" رُبَّ مَفْتُوْنٍ بِحُسْنِ القَوْلِ فِيْهِ "[/B][/COLOR][/FONT][/SIZE][/CENTER]

        تعليق

        • نبيل عودة
          كاتب وناقد واعلامي
          • 03-12-2008
          • 543

          #5
          الأستاذ مهند حسن الشاوي
          لغة لا يعرف استعمالها الصحيح الا قلة قد لا تتجاوز 5% من أصحابها ، هي لغة في طريقها للإختفاء.
          اللغة لم تخلق للأكاديميات فقط .انما للإستعمال . وعدم فهم أهمية تيسيرها واغنائها بالمفردات الجديدة الواردة من الحضارات الأجنبية ، لقصور مجتمعاتنا في التطور الحضاري، تواجه وضعا يجعل استعمالها أمرا غير مفكر به لدى الاف المفكرين والباحثين العرب ، لذا ليس صدفة ان أهم دراسات بحثية عربية لم تكتب بلغة الضاد. وانا على ثقة ان كل المختبرات العلمية العربية تستعمل اصطلاحات أجنبية .
          عزيزي ما انقذ اللغة العربية من التتريك هم الآباء اليسوعيين في لبنان ، وهم اول من أدخل الطباعة وأطلق الثقافة العربية واللغة العربية من قيودها وتخلفها الذي كان "انجازا" تركيا . ولعب فارس الشدياق دورا عظيما في احياء اللغة العربية وادخال مفردات جديدة أضحت اليوم مستعملة على كل لسان . وهل يمكن تجاهل الدور التنويري النهضوي لرفاعة الطهطاوي في مصر ومجموعة ادباء التنوير والنهضة في القرن التاسع عشر الذين ندين لهم بنقلنا من تخلف ثقافي ولغوي وفكري وعلمي الى مراتب متقدمة نسبيا .. أمثال طه حسين وقاسم أمين والأفغاني ومحمد عبده وسلامة موسى واحمد لطفي السيد وشبلي شميل اللبناني وعبد الرحمن الكواكبي في سوريا وغيرهم في الوطن العربي ، ومهما تحدثنا عن لغة الضاد لا يمكن تجاهل دور ادباء المهجر بتطوير لغة عربية حديثة سهلة وجميلة ورومانتيكية بحد ذاتها..
          ولو التزموا بقيود اللغة لما استطعنا اليوم ان نجري حوارنا بلغة سهلة سريعة التفاعل ..ولبقينا نسمي "الساندويش" ب "الشاطر والمشطور وبينهما دامس" ولظلت عقلية الشاطر والمشطور تسيطر على فكرنا وعقلنا ولغتنا ..
          عزيزي ، لغة المسيح الآرامية التي كانت لغة حية تسود مناطق شاسعة في الشرق الأوسط ، ماتت وتلاشت لسبب بسيط ، انها لم تعد تستجيب للحياة المتطورة .
          لا شيء مقدس في اللغة اذا لم تكرس للتواصل والعلوم والتطور العام الشامل في جميع مجالات الحياة.
          ليس بالصدفة ان اللغة العربية ضمن اللغات التي رشحت للإختفاء .. هذا الأمر لا يقع جيدا في نفوسنا.ان لغة غير متطورة ومرتبطة كاملا بالتطور العلمي والتقني ، تواجه مشاكل عويصة في تحولها الى لغة قابلة للتداول الدولي وللتداول بين المؤسسات العلمية داخل الوطن العربي كله.

          تعليق

          • مهند حسن الشاوي
            عضو أساسي
            • 23-10-2009
            • 841

            #6
            [align=center]
            الأستاذ نبيل عودة
            كل تغيير عظيم يحتاج الى صحوة وعظماء ونخبة، وقد مرَّ تأريخنا العربي والإسلامي بصحوات كثيرة على يد مصلحين وعظماء أعادت حضارتنا الى أمجادها، والقرآن الكريم كتاب حياة
            تلفه القداسة وتضيء على أفقه كلمات الله التي وعدت بحفظه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، لن يصعب على الله تعالى أن يهيّء من يخرج من رحم الواقع وينفض تراب الركود
            العلمي والأدبي الذي يلفنا، ليعيد للغة القرآن زهوها، ويرجع لأجيالنا حبه للغته والحفاظ عليها، حينها ستهزأ الأجيال القادمة من جيل طويل لفته الخيبة، وكتاب كتبوا وصنفوا ولم يتقنوا ضابطة من ضوابط لغتهم، وحتى ذلك الحين ما زال فينا من يظل سفيراً لهذه اللغة ويحاول الحفاظ عليها وصيانتها، ونقلها ناصعة الى من بعده، وينافح عنها ويكشف خيوط المؤامرة الداعية الى وأدها، ولا يصحّ الا الصحيح.
            حين كان بعض الصحابة يقرأ القرآن كانت تقف أمامه كلمات لا يعرف معانيها، وهو العربي المحض، وكان يفسرها بعض أهل العلم كابن عباس وأمثاله، حتى روي أن بعض الصحابة
            قرأ: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) فقال: هذه الفاكهة قد علمنا، فما الأبّ ؟ لكن ذلك لم يثنهم عن التعلم ومحبتهم للغة قرآنهم، فراح العلماء يصنفون في غريب القرآن كتباً ومصنفات توضح أمثال هذا.
            أنا أتفق معك أن هذا الجيل جيل كسل وعدم مبالاة، وأن الجم الغفير منهم لا يقرأ كتاباً فضلاً عن أن يعرف ضوابط لغته، لكن الذي يقرأ لك ولغيرك هم النخبة المثقفة، ولهذا تجدهم يحتجون
            عليك أو كما تسميه أنت: يتهجمون. وهؤلاء من نكتب لهم، أما غيرهم فقد أخذه منا الإعلام الصوري والفضائيات والمسلسلات التركية المدبلجة والأغاني الهابطة ولم تعد عقولهم تتحمل أخبار السياسة والمجتمع والترجمة وقراءة كتبها.
            لا تواجه لغتنا مشاكل عويصة بالتهويل الذي تتكلم عنه، وبالأمثلة الساذجة التي تضربها، فأنا أحمل شهادة في علم الكيمياء من جامعات العراق، وقد وجدت أن كتبنا التي ترجمت الى العربية
            في اختصاصي قد اتقن أصحابها ترجمتها، واستجابت هذه اللغة لكل متطلبات الترجمة ونقل العلوم الى طلاب العلوم العرب، ولم يحصل أي إشكال مما تظنه. وإن أحببت فراجع.
            لن أجيبك على ما ذكرت من أسماء ووقائع، فبعضها عليها ما عليها، وهذا زمان مضى وانقضى وكتب عنه من كتب، ولا أفهم ما هو التنوير الذي تقصده، هل هو التنوير المبطن بالشرور،
            أم العسل الممزوج بالسم، لنقف وقفة صدق مع تأريخنا، ونكشف ما يحاك لنا أيها الأستاذ.
            اكتب بالطريقة التي تعجبك، لكن دع اللغة وضوابطها لغيرك يهتم بها لأنه يعلم ما عليه فعله ولا تتهجم بهذه الطريقة، وخفف من هذا العداء الظاهر للغتك وعلمائها، واعلم لو أنك أعطيتها
            جزءاً من وقتك، لفزت بلذاتها كما فزنا، وانحزت الى ضفة المدافعين عنها، ورحم الله من قال: (الناس أعداء ما جهلوا).

            [/align]
            [CENTER][SIZE=6][FONT=Traditional Arabic][COLOR=purple][B]" رُبَّ مَفْتُوْنٍ بِحُسْنِ القَوْلِ فِيْهِ "[/B][/COLOR][/FONT][/SIZE][/CENTER]

            تعليق

            • حامد السحلي
              عضو أساسي
              • 17-11-2009
              • 544

              #7
              سبق وأن طرحتُ هذا الموضوع في إطار البحث ولكن من وجهة النظر المعاكسة لما يذهب إليه الأستاذ نبيل عودة والكثير من دارسي اللسانيات اليوم خصوصا الباحثين في حوسبة اللغة
              عربية القرآن (عصر الاحتجاج) في مواجهة الفصحى الحديثة ‏( 1 2 3)
              كاتب الموضوع: حامد السحلي

              تعليق

              يعمل...
              X