[align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]
ركام خريفي
تؤرجح الرّيح نباح الكلاب الضّالة في ليلة خريفية ماطرة ، الشارع مهجور تحت النّافذة ، يتسكّع الضوء المبلّل على الرّصيف بين أعمدة المصابيح ذهابا و إيابا ، تنفخ الرّيح بين أوراق شجر سقطت في وسط الشارع ، تتثاقل ، تفرد حضنها لحبّات المطر ... و تنام ... تغضب الرّيح فتهزّ زجاج الّنافذة ، تصْفر و تُقطّع نشيج المزاريب ، بقع من الضوء الباهت تتراقص على جدران غرفته و هو منكبّ على مكتبه ، يحاول كتابة قصيدة جديدة ...
في نهاية الشارع ، تحت أغصان شجرة عارية تتدلّى خارج أسوار بيت أرملة عجوز وحيدة ، صبيّة في العشرين تلجأ من المطر لمعطف حبيبها ، بين ذراعيه ، تغمض عينيها في عناق طويل تُلهبه حرارة الجسدين الملتصقين ، جَفلا و انتفضا كعصفورين مبلّلين عندما علا سعال العجوز ، فرّت تقطعُ الشارع وحيدة ، ضفائرها تلهث بين ضفائر المطر المبلّل برائحة الخريف ... بقي على الرّصيف وحيدا ، يداه في جيبي معطفه ، و سعال العجوز يأتيه متقطّعا..
قرأ على نفسه بصوت مرتفع ما كتب ، لم تعجبه القصيدة ، هزّ رأسه و فتح صفحة جديدة ، تخنق جدران غرفته الكتب و الصمت العميق ..
المدرسة خلف الشّارع من النّاحية الثانية ، تنتحب تحت ثقل العتمة و الفراغ ، و صدى أصوات و ضحكات من تركوا أسماءهم على المقاعد و مضوا ..
موزّعو الصّحف الصباحيّة لفّعوا رؤوسهم و انتشروا بين البيوت كما "الإنفلوانزا" المُبْكرة ...
صاحب المخبز في أوّل الشارع ، تخفّفَ من ملابسه ، نار فرنه تُبْهِجُه و تنفخ رغيف الخبز ، يحمرّ فيتصاعد منه البخار ، يَنْجذِبُ لِباب المخبز الزّجاجي المُضيء جامِعُ القمامة ، يسند مكنسته للجدار و يقرع الباب ، يؤشر له صاحب المخبز نحو ساعة معْصمه و يرفض بيعه الخبز الساخن ، لا يفتح إلاّ بعد ساعتين ..!هل سيبقى الخريف ساعتين؟؟؟
أشعل لفافة تبغ ، نفخ الدّخان كما الرّغيف ، عاد لمكنسته يمشّط وجه الرّصيف...
"شطّب" بقلمه آخر سطرين من قصيدته ، فنقصت و تدلّت كزنبقة ذابلة ، ما زالت دون دبيب القصيدة فيه.
أوشك الفجر ، تتشبّث بأطراف سريره ، مزقه مرض عضال ، تتأمّل الأكياس المعلّقة فوق رأسه تدفع سوائلها في دمه ، صوت جهاز القلب كما نقّار الخشب ، "يخزقُ" اللّيل و يُؤجّج الذكريات ، تمسك أصابعه الذابلة ، تقبّله كل ساعة أو نصف ساعة ، يفتح عينيه ، لا يقول شيئا و يغيب ثانية ، دخلت الممرضة معها جُرعة الصّباح ، طلبت منها الخروج ... خرجت و ابتعدت..
تعْلَم أن شيئا لن يكون كما كان ، و ستدخل الشتاء وحيدة .. وحيدة ، شعرت بغصّة ، ابتعدت أكثر.. كان يأتي من القسم المقابل صراخ المواليد الجدد ... فتدحرجت فوق خدّها دمعتان..
تَبَلَّلَ وجه القصيدة ، ساحَ الحبر و اختلط بأنفاسها ، مزّق الورق بعصبية ، و رمى دفتره إلى أقصى الغرفة ...
كان فيما مضى هادئا ، و عندما استعصت الكلمات الأخيرة ... ثار ، دفن وجهه بكفيه و دلّك عينيه بأطراف أصابعه ، ثم نهض ، جلب الدفتر ، و جمع أشلاء قصيدته ، و أمسك القلم ...
بقع الضوء الخافت على الجدران ما زالت مكانها ، تسهر فيها بعض الكتب ، و البعض الآخر ينام على أطرافها صامتا دونما أحلام ، زجاج النّافذة كما كان ، تُرقّصه الرّيح و يمسح على وجنتيه المطر ..
وحده البحر ما زال يضرب رمال الشاطئ كما كان يفعل في الصيف المنصرم ، تسلّل بعض البرد لعظامه ، فعلا موجه قليلا ، و صوته قليلا ، اختفى في العتمة قليلا ، يُناجي مخلوقات توسّدت ذراعيه ، يلهو بصدفاته قليلا ، يلقيها فوق الرّمال ثم يجمعها ، فيهتزّ طربا على صوت قرقعتها ... يُفخّمها الليل ، يُلوّنها الخريف ، تنثرها الريح ، و يعزفها المطر ... مطر ... مطر ... مطر خريفي في كلّ مكان ، إلاّ القصيدة لا تترجّل و لا تتعمّد في المطر ... ما زالت تخشى الخروج من موقدها ... يشدّها من شعرها ، فتصرخ و تبكي فيه ، يُدلّلها ... فتنام ...
ما بكِ أيتها الروح .. ؟؟ هو الخريف كما هو و كما كان دائما ..
قرأ على نفسه بصوت مرتفع ما كتب ، لم تعجبه القصيدة ، هزّ رأسه و فتح صفحة جديدة ، تخنق جدران غرفته الكتب و الصمت العميق ..
المدرسة خلف الشّارع من النّاحية الثانية ، تنتحب تحت ثقل العتمة و الفراغ ، و صدى أصوات و ضحكات من تركوا أسماءهم على المقاعد و مضوا ..
موزّعو الصّحف الصباحيّة لفّعوا رؤوسهم و انتشروا بين البيوت كما "الإنفلوانزا" المُبْكرة ...
صاحب المخبز في أوّل الشارع ، تخفّفَ من ملابسه ، نار فرنه تُبْهِجُه و تنفخ رغيف الخبز ، يحمرّ فيتصاعد منه البخار ، يَنْجذِبُ لِباب المخبز الزّجاجي المُضيء جامِعُ القمامة ، يسند مكنسته للجدار و يقرع الباب ، يؤشر له صاحب المخبز نحو ساعة معْصمه و يرفض بيعه الخبز الساخن ، لا يفتح إلاّ بعد ساعتين ..!هل سيبقى الخريف ساعتين؟؟؟
أشعل لفافة تبغ ، نفخ الدّخان كما الرّغيف ، عاد لمكنسته يمشّط وجه الرّصيف...
"شطّب" بقلمه آخر سطرين من قصيدته ، فنقصت و تدلّت كزنبقة ذابلة ، ما زالت دون دبيب القصيدة فيه.
أوشك الفجر ، تتشبّث بأطراف سريره ، مزقه مرض عضال ، تتأمّل الأكياس المعلّقة فوق رأسه تدفع سوائلها في دمه ، صوت جهاز القلب كما نقّار الخشب ، "يخزقُ" اللّيل و يُؤجّج الذكريات ، تمسك أصابعه الذابلة ، تقبّله كل ساعة أو نصف ساعة ، يفتح عينيه ، لا يقول شيئا و يغيب ثانية ، دخلت الممرضة معها جُرعة الصّباح ، طلبت منها الخروج ... خرجت و ابتعدت..
تعْلَم أن شيئا لن يكون كما كان ، و ستدخل الشتاء وحيدة .. وحيدة ، شعرت بغصّة ، ابتعدت أكثر.. كان يأتي من القسم المقابل صراخ المواليد الجدد ... فتدحرجت فوق خدّها دمعتان..
تَبَلَّلَ وجه القصيدة ، ساحَ الحبر و اختلط بأنفاسها ، مزّق الورق بعصبية ، و رمى دفتره إلى أقصى الغرفة ...
كان فيما مضى هادئا ، و عندما استعصت الكلمات الأخيرة ... ثار ، دفن وجهه بكفيه و دلّك عينيه بأطراف أصابعه ، ثم نهض ، جلب الدفتر ، و جمع أشلاء قصيدته ، و أمسك القلم ...
بقع الضوء الخافت على الجدران ما زالت مكانها ، تسهر فيها بعض الكتب ، و البعض الآخر ينام على أطرافها صامتا دونما أحلام ، زجاج النّافذة كما كان ، تُرقّصه الرّيح و يمسح على وجنتيه المطر ..
وحده البحر ما زال يضرب رمال الشاطئ كما كان يفعل في الصيف المنصرم ، تسلّل بعض البرد لعظامه ، فعلا موجه قليلا ، و صوته قليلا ، اختفى في العتمة قليلا ، يُناجي مخلوقات توسّدت ذراعيه ، يلهو بصدفاته قليلا ، يلقيها فوق الرّمال ثم يجمعها ، فيهتزّ طربا على صوت قرقعتها ... يُفخّمها الليل ، يُلوّنها الخريف ، تنثرها الريح ، و يعزفها المطر ... مطر ... مطر ... مطر خريفي في كلّ مكان ، إلاّ القصيدة لا تترجّل و لا تتعمّد في المطر ... ما زالت تخشى الخروج من موقدها ... يشدّها من شعرها ، فتصرخ و تبكي فيه ، يُدلّلها ... فتنام ...
ما بكِ أيتها الروح .. ؟؟ هو الخريف كما هو و كما كان دائما ..
حكيم
[/align][/cell][/table1][/align]
تعليق