ركام خريفي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حكيم عباس
    أديب وكاتب
    • 23-07-2009
    • 1040

    ركام خريفي

    [align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]

    ركام خريفي


    تؤرجح الرّيح نباح الكلاب الضّالة في ليلة خريفية ماطرة ، الشارع مهجور تحت النّافذة ، يتسكّع الضوء المبلّل على الرّصيف بين أعمدة المصابيح ذهابا و إيابا ، تنفخ الرّيح بين أوراق شجر سقطت في وسط الشارع ، تتثاقل ، تفرد حضنها لحبّات المطر ... و تنام ... تغضب الرّيح فتهزّ زجاج الّنافذة ، تصْفر و تُقطّع نشيج المزاريب ، بقع من الضوء الباهت تتراقص على جدران غرفته و هو منكبّ على مكتبه ، يحاول كتابة قصيدة جديدة ...

    في نهاية الشارع ، تحت أغصان شجرة عارية تتدلّى خارج أسوار بيت أرملة عجوز وحيدة ، صبيّة في العشرين تلجأ من المطر لمعطف حبيبها ، بين ذراعيه ، تغمض عينيها في عناق طويل تُلهبه حرارة الجسدين الملتصقين ، جَفلا و انتفضا كعصفورين مبلّلين عندما علا سعال العجوز ، فرّت تقطعُ الشارع وحيدة ، ضفائرها تلهث بين ضفائر المطر المبلّل برائحة الخريف ... بقي على الرّصيف وحيدا ، يداه في جيبي معطفه ، و سعال العجوز يأتيه متقطّعا..
    قرأ على نفسه بصوت مرتفع ما كتب ، لم تعجبه القصيدة ، هزّ رأسه و فتح صفحة جديدة ، تخنق جدران غرفته الكتب و الصمت العميق ..
    المدرسة خلف الشّارع من النّاحية الثانية ، تنتحب تحت ثقل العتمة و الفراغ ، و صدى أصوات و ضحكات من تركوا أسماءهم على المقاعد و مضوا ..
    موزّعو الصّحف الصباحيّة لفّعوا رؤوسهم و انتشروا بين البيوت كما "الإنفلوانزا" المُبْكرة ...
    صاحب المخبز في أوّل الشارع ، تخفّفَ من ملابسه ، نار فرنه تُبْهِجُه و تنفخ رغيف الخبز ، يحمرّ فيتصاعد منه البخار ، يَنْجذِبُ لِباب المخبز الزّجاجي المُضيء جامِعُ القمامة ، يسند مكنسته للجدار و يقرع الباب ، يؤشر له صاحب المخبز نحو ساعة معْصمه و يرفض بيعه الخبز الساخن ، لا يفتح إلاّ بعد ساعتين ..!هل سيبقى الخريف ساعتين؟؟؟
    أشعل لفافة تبغ ، نفخ الدّخان كما الرّغيف ، عاد لمكنسته يمشّط وجه الرّصيف...
    "شطّب" بقلمه آخر سطرين من قصيدته ، فنقصت و تدلّت كزنبقة ذابلة ، ما زالت دون دبيب القصيدة فيه.
    أوشك الفجر ، تتشبّث بأطراف سريره ، مزقه مرض عضال ، تتأمّل الأكياس المعلّقة فوق رأسه تدفع سوائلها في دمه ، صوت جهاز القلب كما نقّار الخشب ، "يخزقُ" اللّيل و يُؤجّج الذكريات ، تمسك أصابعه الذابلة ، تقبّله كل ساعة أو نصف ساعة ، يفتح عينيه ، لا يقول شيئا و يغيب ثانية ، دخلت الممرضة معها جُرعة الصّباح ، طلبت منها الخروج ... خرجت و ابتعدت..
    تعْلَم أن شيئا لن يكون كما كان ، و ستدخل الشتاء وحيدة .. وحيدة ، شعرت بغصّة ، ابتعدت أكثر.. كان يأتي من القسم المقابل صراخ المواليد الجدد ... فتدحرجت فوق خدّها دمعتان..
    تَبَلَّلَ وجه القصيدة ، ساحَ الحبر و اختلط بأنفاسها ، مزّق الورق بعصبية ، و رمى دفتره إلى أقصى الغرفة ...
    كان فيما مضى هادئا ، و عندما استعصت الكلمات الأخيرة ... ثار ، دفن وجهه بكفيه و دلّك عينيه بأطراف أصابعه ، ثم نهض ، جلب الدفتر ، و جمع أشلاء قصيدته ، و أمسك القلم ...
    بقع الضوء الخافت على الجدران ما زالت مكانها ، تسهر فيها بعض الكتب ، و البعض الآخر ينام على أطرافها صامتا دونما أحلام ، زجاج النّافذة كما كان ، تُرقّصه الرّيح و يمسح على وجنتيه المطر ..
    وحده البحر ما زال يضرب رمال الشاطئ كما كان يفعل في الصيف المنصرم ، تسلّل بعض البرد لعظامه ، فعلا موجه قليلا ، و صوته قليلا ، اختفى في العتمة قليلا ، يُناجي مخلوقات توسّدت ذراعيه ، يلهو بصدفاته قليلا ، يلقيها فوق الرّمال ثم يجمعها ، فيهتزّ طربا على صوت قرقعتها ... يُفخّمها الليل ، يُلوّنها الخريف ، تنثرها الريح ، و يعزفها المطر ... مطر ... مطر ... مطر خريفي في كلّ مكان ، إلاّ القصيدة لا تترجّل و لا تتعمّد في المطر ... ما زالت تخشى الخروج من موقدها ... يشدّها من شعرها ، فتصرخ و تبكي فيه ، يُدلّلها ... فتنام ...
    ما بكِ أيتها الروح .. ؟؟ هو الخريف كما هو و كما كان دائما ..



    حكيم
    [/align][/cell][/table1][/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة حكيم عباس; الساعة 13-01-2010, 05:21.
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    الشاعر و الخريف و الكاميرا و المكان
    أربع يتعاطون هوج الخريف ،
    و يتثاقون فى حركتهم
    علهم فى نهاية الأمر يدفقون الروح فى قصيدة
    و القصيدة عصية رغم التدليل ، و حالة الوجد
    التى تسيطر على الشاعر !!
    و الشاعر بكامرته ، يلاحق المكان ، يطارده ،
    فيحاول تسجيل ما يقع و يتم ، فى الطريق ،
    و ما بين العجوز و الشابين
    و ما بين الكناس و الخباز
    و الخريف يجلد الجميع بالريح و المطر !!
    مطر .. مطر .. مطر
    و القصيدة لا ينبتها المطر ، تخالف الحقائق
    فالمطر على قدر ما نعلم ينبت الأخضر ،
    و يلون وجه السحاب و الأرض !!

    استمتعت حكيم الجميل بأسلوبك الماتع
    الذى لونت به وجه دهشتى
    و أينعت فرحة بما بين يدى

    شكرى و مودتى لك
    sigpic

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      حكيم عباس
      خريف ومطر
      وشتاء وعجوز
      وعاشقين يغترفان من خمر العشق
      وتلك الوليدة التي تأبى أن ترى النور
      رائعة زميلي
      نص بديع وأكثر
      سرد شيق يعبق برائحة الإبداع حقيقة كنت أغترف منه الكلمات وألتهمها
      هنا تكمن مقدرة المبدع
      أشكرك على كل هذا الامتاع سيدي الكريم
      تحياتي وودي الأكيد
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • مجدي السماك
        أديب وقاص
        • 23-10-2007
        • 600

        #4
        تحياتي

        المبدع حكيم عباس..تحياتي
        قصة في غاية الروعة..اعجبني اسلوبك.
        مودتي
        عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

        تعليق

        • حكيم عباس
          أديب وكاتب
          • 23-07-2009
          • 1040

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          الشاعر و الخريف و الكاميرا و المكان
          أربع يتعاطون هوج الخريف ،
          و يتثاقون فى حركتهم
          علهم فى نهاية الأمر يدفقون الروح فى قصيدة
          و القصيدة عصية رغم التدليل ، و حالة الوجد
          التى تسيطر على الشاعر !!
          و الشاعر بكامرته ، يلاحق المكان ، يطارده ،
          فيحاول تسجيل ما يقع و يتم ، فى الطريق ،
          و ما بين العجوز و الشابين
          و ما بين الكناس و الخباز
          و الخريف يجلد الجميع بالريح و المطر !!
          مطر .. مطر .. مطر
          و القصيدة لا ينبتها المطر ، تخالف الحقائق
          فالمطر على قدر ما نعلم ينبت الأخضر ،
          و يلون وجه السحاب و الأرض !!

          استمتعت حكيم الجميل بأسلوبك الماتع
          الذى لونت به وجه دهشتى
          و أينعت فرحة بما بين يدى

          شكرى و مودتى لك
          -----------
          [align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]
          الأستاذ "الرّبيع"
          تحيّة طيّبة

          أدمنتك ... و كلّما حاولت نشر كلمة ، تقفز أمامي ، و حين أفعل ، أجري أتتبعك و أبحث عنك .. لكنّني لم أملك الشجاعة الكافية حتى الآن ، لأعلّق على أي "تحفة" تضعها في كلّ أرجائنا .. كيف تسلّط عليّ هذا الجبن ؟؟ ... لا أدري.
          فيما يخصّ تعليق حضرتك هنا ، فقط أودّ أن أقول ، لم يكونوا "أربع " بل كنت أنا المُتعبُ خامسهم الافتراضي..
          تخترقني فتشحنني و تشحذني نظرتك الثاقبة ...

          كلّ التقدير و الاحترام ، و كلّ الجمال لك أيّها "الرّبيع"
          حكيم
          [/align]
          [/cell][/table1][/align]

          تعليق

          • مصطفى الصالح
            لمسة شفق
            • 08-12-2009
            • 6443

            #6
            الاستاذ حكيم

            ..
            الا ان هذه من اروع ما قرات

            فيها عبق الالهام القادم من سحر الاحلام

            تحياتي
            [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

            ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
            لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

            رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

            حديث الشمس
            مصطفى الصالح[/align]

            تعليق

            • حكيم عباس
              أديب وكاتب
              • 23-07-2009
              • 1040

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
              الزميل القدير
              حكيم عباس
              خريف ومطر
              وشتاء وعجوز
              وعاشقين يغترفان من خمر العشق
              وتلك الوليدة التي تأبى أن ترى النور
              رائعة زميلي
              نص بديع وأكثر
              سرد شيق يعبق برائحة الإبداع حقيقة كنت أغترف منه الكلمات وألتهمها
              هنا تكمن مقدرة المبدع
              أشكرك على كل هذا الامتاع سيدي الكريم
              تحياتي وودي الأكيد
              ------------------
              [align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]
              "الماجدة" عائدة محمد نادر
              تحيّة طيّبة

              أشكر حضورك و أنا سعيد به ، أشكر رقتك و إطرائك متنّيا أن أكون جديرا به ، القاصّة المتألقة دوما ، شهادتك شرف كبير

              تقديري و احترامي
              حكيم
              [/align][/cell][/table1][/align]
              التعديل الأخير تم بواسطة حكيم عباس; الساعة 19-01-2010, 19:05.

              تعليق

              • حكيم عباس
                أديب وكاتب
                • 23-07-2009
                • 1040

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
                المبدع حكيم عباس..تحياتي
                قصة في غاية الروعة..اعجبني اسلوبك.
                مودتي
                ------------------

                [align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]
                الأستاذ مجدي السماك
                تحية عطرة

                أشكرك على تذوّقك قصتي المتواضعة ، و أتمنى أن أكون أهلا لشهادتك
                تحياتي
                حكيم
                [/align]
                [/cell][/table1][/align]

                تعليق

                • حكيم عباس
                  أديب وكاتب
                  • 23-07-2009
                  • 1040

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة
                  الاستاذ حكيم

                  ..
                  الا ان هذه من اروع ما قرات

                  فيها عبق الالهام القادم من سحر الاحلام

                  تحياتي
                  ------------------
                  [align=center][table1="width:95%;"][cell="filter:;"][align=right]
                  الأستاذ مصطفى الصالح
                  تحيّة طيّبة

                  هههه!!
                  شكرا لحضورك الكريم ، أتمنى أن يعجبك دائما ما قبل "إلاّ أنّ" و ما بعدها (أرجو تقبّل هذه الممازحة)، شهادتك رصيد أفتخر به .

                  كلّ الاحترام و التّقدير
                  حكيم
                  [/align]
                  [/cell][/table1][/align]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X