الهمالايا على كورنيش النيل.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • م. زياد صيدم
    كاتب وقاص
    • 16-05-2007
    • 3505

    الهمالايا على كورنيش النيل.

    ضاق به المكان حتى كاد يطبق على أنفاسه .. خرج يتمشى الهوينى على كورنيش النيل، بعد نهار مضن أمضاه في العمل.. رآها تمر محاذية له غير منتبهة، توقف فجأة، استدار إلى الخلف يحدث نفسه: هي! إنها هي بذاتها.. زميلتنا في العمل، نادي..توقفت تستدير باتجاه مصدر الصوت باستغراب، ابتسمت ملوحة بإشارة تساؤل من أصابع يدها، تقترب منه، تساله وما تزال أصابعها تتحرك باستهجان: ماذا تفعل هنا؟
    - أنا ماذا افعل هنا! يبتسم.. يجيبها: وماذا تفعلين أنت هنا ؟ تساؤل تكرر فيما بينهما بطريقة أوحت بالسذاجة والعفوية، مما أطلق عنان ضحكاتهما..
    يتنهد احمد.. يتحسس جيب سترته يخرج علبة سجائره.. تباغته بقولها: لماذا السجائر هنا أيضا ؟ ألا يكفيك ما تنفثه علينا في المكتب طوال اليوم ، ستتسبب في خرق طبقة الأوزون، اتبعتها بقهقهة خفيفة، يخجل من قولها وان بدا مزاحا، يعيد علبته إلى مكانها، يبتسم على مضض منها، فهو يعرفها حق معرفة، إنها زميلته الحشرية حنان ، يعملان معا في المؤسسة الحكومية منذ سنوات طويلة، يعلم أيضا بعدائها للسجائر ومن يدخنوها !.

    يسيران باتجاه كرسي خشبي أسفل شجرة زينة فيجلسان.. تفتح حقيبتها وتخرج منها كيس من النايلون الأبيض وقد امتلأ من بزر البطيخ المقلي والفول السوداني المحمص، يبدأ الاثنان بالتقاط حبيباته بنهم.. يصدران تلك الفرقة التي تخرج من بين الأسنان، حيث يلتقطان نواته الصغيرة بشهية وإقبال متتالي،ويلفظون خارجا قشوره مباشرة على الرصيف !.. تتسارع حركة أناملهما بوتيرة عالية في إيصال الحبيبات إلى ما بين أسنانهما، ليستمر العمل دون كلل أو ملل، فقد تحولت إلى ما يشبه الملقط ؟..فجأة قُطع صمتهما :
    - ما رأيك في رحلة إلى الهمالايا ؟ سألها.
    - لم افهم، هل أوضحت أكثر ؟
    - لا توضيح، فالأمر في غاية السهولة ! سأمر عليك الليلة !.. جهزي حقيبة صغيرة، فلا داعي لحاجيات كثيرة، رحلتنا لن تستمر أكثر من أسبوع، كان يحدثها بجدية تامة بدت على وجهه.
    - الهمالايا مكان جميل لاشك، يعبأ بمعتقدي بوذا.. وتفوح روائح البخور في كل مكان، على مرتفعات هي الأعلى في العالم لكن: ألا يوجد مكان ابعد منه ؟ سألته مقهقهة..
    - إذا ننطلق منه إلى الصين، المهم أن نبتعد عن ضجيج الناس وكآبة روتين العمل والحياة وصخبها.
    - تنهدت بصوت مسموع ، معك حق فعلا، نحن نكاد أن نجن من روتين قاتل ،يعصف بنا طوال اليوم، لا يميز بين الأمكنة فكلها على حد سواء.
    - اتفقنا إذا.. ستكون رحلتنا على دراجة نارية ! فلا عربة، ولا طائرة املكها،نريد تغيير الروتين بكل أشكاله، كان منفعلا لدرجة لم تعد تميز مزاحه من جديته .. ويضيف: ستكون مغامرة، كأننا قد عدنا بالزمن إلى الوراء إلى سنوات شبابنا الأول.
    - تضحك حنان بمليء فيها ، فيتناثر البزر من بين أسنانها البيضاء المصطفة كعقد من اللؤلؤ.. لكن: أسبوع يكفى ؟ موتور ورحلة إلى الهمالايا، كيف تستوي الأمور ؟ هل أفهمتني ؟ تقهقه بصوت مسموع..
    - نعم أسبوع إقامة، وشهر في الطريق كي نصل إلى هناك، يقهقهان معا بجنون .. يلتفت إليهما المارة على الكورنيش، يرمقونهما بازدراء واستهجان غريب..
    - ما بك يا احمد تبدو غريبا جدا هذا اليوم! فقد أضحكتني كثيرا، وربك يسترها، لأنه في آخر مرة ضحكت فيها من قلبي، وقعت في حادثة كادت أن تنقلب إلى كارثة، لولا ستر ربك.. فلا أحب الضحك بهذا الشكل، لأنهم يقولون: فاله نحس وشؤم !.
    - أصبتي حقا يا حنان، كانت أحلام يقظة، مجرد أحلام.. عبارات لا واقع لها زميلتي الغالية ! فقد أحببت أن أفضفض عن نفسي وأجلو عنا قليلا من هموم الحياة وثقل أعباءنا وروتين قهرنا اليومي ..
    - شعرت بهذا يا احمد .. وكدت أن اصعق بداية، لاعتقادي بأنك قد تكون ثملا، مما أفقدك السيطرة على منطق الكلام.. فبدأت تهذى.. لكنى تداركت الأمر سريعا وانغمست معك في الأحلام...

    انتهى كيس البزر المخلوط مع الفول السوداني، وصمتت فرقعاته.. وشارف حديثهما العفوي على نهايته، ولقائهما الجميل على غير ميعاد أن ينفض .. استودعا بعضهما بعضا، فهي تعود إلى أسرتها قبل مغيب الشمس، لظروفها الخاصة في مجتمع لا يرحم !.. بينما يعود هو إلى بيته لينتظران يوم جديد من الروتين.

    و يبقى حديثهما على كورنيش النيل، مجرد رحلة أحلام عابرة.. يتكرر وقعها على مسامعهما بكل حيثياتها، وملابساتها، وضحكاتها و.... حتى بدأت مؤخرا، تؤرق مضجعهما في كل ليلة !!.

    إلى اللقاء.
    أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
    http://zsaidam.maktoobblog.com
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    م. زياد صيدم

    فعلا كسرت حاجز الروتين والبروتوكولات زياد
    أنا شخصيا لم أتعاطف مع الموقف الذي كانت البطلة فيه (( تقزقز اللب )) ولم أستطع تصور المنظر حتى
    أيجوز أن تفعل امرأة ما حتى وإن كانت .. أن تفعل هذا
    وتكشر عن أسنانها المليئة بقشور اللب كيف ذاك

    أحسنت وأنت تصور الناس ينظرون إليهما شزرا لأني كنت قد فعلت الشيء نفسه لو صادفت مثل هذه الحالة
    ربما أردتها أن تكون غير اعتيادية وقد كانت فعلا زميلي
    رحلة بالرغم من اللب كانت جميلة تتكسر على جدرانها خيالات خصبة
    ودي الأكيد لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • م. زياد صيدم
      كاتب وقاص
      • 16-05-2007
      • 3505

      #3
      ** الاديبة الراقية عائده......

      يبدو انك لستى من هواة فصفصة بزر البطيخ ه..

      شاكر لك هذا المرور والقراءة.. والملاحظة.. لكن فصفصة اللب تكون هكذا خاصة من عامة الشعب وفى المناطق المفتوحة للاسف طبعا ..

      تحايا عبقة بالرياحين..........
      أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
      http://zsaidam.maktoobblog.com

      تعليق

      • مصطفى الصالح
        لمسة شفق
        • 08-12-2009
        • 6443

        #4
        رحلة جميلة جدا على كورنيش الهمالايا

        ولم لا

        من حق الانسان ان يحلم

        لكن فصفصة البزر والقاء قشره فورا من الفم حتى ولو كنت في الشارع خاصية لا اتقبلها فكيف بامراة جالسة على كرسي في الشارع منظر آلمني اسهابك في شرحه

        ومع ذلك فالقصة جذابة

        كل التقدير

        مصطفى الصالح
        [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

        ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
        لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

        رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

        حديث الشمس
        مصطفى الصالح[/align]

        تعليق

        • مها راجح
          حرف عميق من فم الصمت
          • 22-10-2008
          • 10970

          #5
          أضحكتني فعلا استاذ زياد
          اعتقد ان النص ساخر
          يحاولان التحليق بالمستحيل للابتعاد عن رتابة الواقع بطريقة ساخرة

          (يسيران باتجاه كرسي خشبي أسفل شجرة زينة فيجلسان.. تفتح حقيبتها وتخرج منها كيس من النايلون الأبيض وقد امتلأ من بزر البطيخ المقلي والفول السوداني المحمص، يبدأ الاثنان بالتقاط حبيباته بنهم.. يصدران تلك الفرقة التي تخرج من بين الأسنان، حيث يلتقطان نواته الصغيرة بشهية وإقبال متتالي،ويلفظون خارجا قشوره مباشرة على الرصيف !.. تتسارع حركة أناملهما بوتيرة عالية في إيصال الحبيبات إلى ما بين أسنانهما،)

          مشهد مُربك بالفعل

          تحيتي وتقديري
          رحمك الله يا أمي الغالية

          تعليق

          يعمل...
          X