بَدا صباحُ ذاكَ اليومِ شَاحِباً قَاتماً .. تُهرولُ الغُيومُ بَاحثةً فِي حِضنِ السّماءِ عَن مأوىً ..
والشّمسُ تَلوحُ منَ البَعيدِ ، تمدُّ ذِراعَيها الفَارهَتينِ لمُعانقةِ البَحر .. بَحرُ غَزّة .. تَطفُو عَلى صَفحةِ مِياههِ الزّرقاءُ غَمَاماتِ حُزنٍ .. كَأنه يَتنفّس بِرئةِ الوَجعْ ..
تتحرّكُ شِفاههُ مرتّلةً بضعَ تمتماتٍ صَامتة ، وأمواجُهُ تَغرقُ في سُباتٍ عَميق .. أكانَ هُدوءُ مَا قَبلَ العَاصِفةْ .. ربّما .. فقد أتتِ العَاصِفةُ
ولكنّ البحرَ لم يَكن الضّحيّة .. بَل كَانت غَزّة !
بَدأ ذلكَ اليومُ بِاعتياديةٍ تامّة .. يُمارسُ الناسُ رُوتينَ حياتهم القَاتِل ..
فالأطفالُ يخبّئونُ أحلامَهم الصّغيرةَ كَقُلوبِهم فِي حَقائبهمِ ،
ويَهُرولونَ نحوَ المَدرسةِ ليأخذوا قِسطاً مِن فَرحٍ قد لا يَجدونهُ إلا بِرفقةِ زُملائهم ..
و الموظّفونَ يَحزمونَ آمالهم .. ويكدّسونَها في جُيوبهمِ التي تَكثرُ فيها الهُمومُ .. و تشحُّ فيها النّقود ..
ويخرجونَ إلى أعمالِهم وابتسامةُ الرّضا تَطفو عَلى صَفحاتِ شِفاههم .. تحفّهُم دَعواتُ الأمّهاتِ و الزّوجات ..
كلُّ شيءٍ كان عادياً .. فَجميعهم مُنغمسونَ فِي حياتِهم .. وَ لا يَعلمونُ ما يُخبّئهُ لَهم القدرْ !
كانَت مَعدةُ الموتِ يَومَها مُترعةٌ ، بِمَوتٍ آخرْ .. تُدغدغهُ رَائحةُ الدّماءِ ، وَ شَهيّتهُ للقتلِ تفرضُ نَفسَها .. بِقوةْ ..
ارتَدى جَناحينِ سَوداوينِ ، و شدَّ عَصابةً على عَينيهِ ، وحلّقَ مُنتشياً فِي سَماءِ غَزّة ..
تَصحبهُ أسرابٌ مِن موتٍ آخرْ .. نَفثت مَا في جَوفِها حِمماً ، لتهطلَ زخّاتِ مطرٍ ، تقبّلُ جبينَ الأرضِ باكيةً
كأنّها تُقدّم اعتذارَها سَلفاً .. ثمّ تلعنُ شَياطينَ الموتِ .. و تَنفَجرْ !
وَ .. كانت الصّدمةْ ..
تَطايرَ كلُّ ما حَولكَ في الهَواءْ .. كأنّكَ تَرى المَوتَ واقِفاً متبّسماً أمامَكَ ..
و يخاطبكَ بِسخريةٍ لاذِعةٍ ، تُوقظُ فيكَ الضّعفْ
:" أترغبُ بِرحلةٍ نحوَ السّماءْ ؟!" ..
شُلَّ عقلُكَ تَماماً .. حَاولتَ جَاهداً لملمةَ شَظايَا أفكارِكَ المُبعثرةِ .. ولكنكَ لم تَستِطع ..
فغرِقتَ في نوبةِ صَمتٍ لم تتمكّن خِلالَها مِن إجابةِ سُؤالِ طِفلكَ الصّغيرِ وهوَ يُمسكُ بِطَرفِ رِدَائكَ
: "أبي .. هل سَنموتْ ؟!" ..
- يَتبع -
تعليق