رابح….لاشيئ فيه يوحي بالرّبح! موظف في إدارة عمومية بإحدى المحافظات الدّاخلية،مُرتشٍ، لا يندى جبينه ولا ينضح عرقًا….
يغازل الحيطان في مشيته راغبًا في ظلّها ..وسِترها! ـ مديون ـ على مدار السّنة، سنة تكون فيها الأرض قد أتمّت دورتها حول الشّمس….ويعجز هو عن إحاطة ديونه وتسديدها.
يعيش في عوالم كثيرة، فهو تارةً "يحلم" وأخرى "يهذي" وثالثة "يهلوس"! يخطط ،يبني الأفكار ليهاجر ذات يوم إلى عالم الواقع مثقلا بالعقيق والعقيان…
حين "يحلم" يعانق المساجد المشبوهة ويعاقر ـ المتشدّدين ـ يستعطفهم ويدغدغ نفحاتهم الإيمانية علّهم يجودون بما منّ الله عليهم…ويغدقونه مالاً…
أليس مثلهم يبيع زخرف الكلام؟…لكنّه يستيقظ مفزوعا حين يستدرك أن ثمن سخائهم يحصدون أجسادًا منفجرة…وأكثر ما يريد تفجيره هو : نزواته….وعقده المكبوتة!…..فقط!.
فيعود إلى "الهذيان"….يرى نفسه ـ مخبرًا سريًّا ـ يقتفي آثار مديره العّام، عميد اللّصوص ويتبّع عوراته…يدقّق في الفواتير ـ الوهمية ـ ، يساومه في نِسبةٍ من الأرباح …ـ استرخس ـ المنح الهزيلة ثمن وشايته وإستراق أخبار زملائه…لا تسدّ الرّمق!…يتذكّر أنّ الرّجل ـ يُؤتي ـ الجزية على رأس كل حول…ويسبّح بحمد الوزير…فهو معصوم! كما أنّه ركب موجة المسؤولين ـ الكبـــــــــــــــار ـ ولم يعد يكترث للقدح والغيبة… صام عن الرّفث واللّغو وتركه لجحافل ـ الفاشلين ـ، رضي باختطاف الأموال العمومية واكتنازها..ديدنه كديدن ديناصورات العرب ..لسان حالهم يقول: خوضوا والعبوا نبشركم بإملاق شديد…
يشعر باحباط شديد ويهوي في غياهب " الهلوسة "….يؤسس بنكًا!..اختار له من الأسماء <سمسم>..إلاّ أنّه ليس كهفًا بل مؤسّسة ربوية كاملة الأركان، مقنّنة وفخ مُحكم! عبق ـ الفوائد ـ يجلب الطمّاعين من مسيرة سبعين سنة ويطمس على بصيرتهم فيُهطلون الخزنة أموالاً!
الفكرة سهلة المنال ، مفتاحها صهر جارته خالتي الطاوس..سبّاك اعتاد العمل لدى ـ أعمدة الدّولة ـ أصلح مجاري أحدهم سدّتها الدهون والدسم ـ فتجشّأت ـ وأغمرت السّرايا ـ بخيراتها ـ فغاص البطل في ـ القشدة ـ وجاهد لـِ <تحرير> المجرى ببسالة وبصره معلّق بابتسامات الابنة…أو كما كان يعتقد فمن فرط وداكة وجهها يخيّل للمرء أن تقزّزها ابتسام!!
رفض السبّاك (طبعًا) تقاضي أجرٍ واكتفى بالابتسامات فرقّ <الفرعون> لذلك ووعده بـ "خِدمة"…
قصّة يعرفها القاصي الدّاني..لن تخفى عن رابح..يرى فرصة لقرصنة "الخدمة"،يغري السبّاك أن يتوسّط له لدى <ربّه> وينال شرف المساهمة في إنشاء بنك الحيّ….وما ذلك بمستحيل، فولكور المنطقة محشوّ بقصص مماثلة عن نجاح ـ العُراةـ ولعلّ أبرزها حكاية النّاقل العمومي صاحب العربة المهترئة الذي ـ صار بقدرة قادر ـ يتربّع على حظيرة حافلات جاوز عديدها الألف!…جعلها برتقالية تيمّنا بصناديق البرتقال التي قصمت ظهر < البيجو 404>…
أضحى رابح يلمس الرّبح ويداعبه…يكاد ينطلق بسيارته الفارهة..له فيها جمال حين يريح وحين يستريح…لولا أن تذكّر <دينه> تجاه صاحبه النّتن!..أضعف الحلقات في سلسلته الفكرية…ألفان دينار أخذها ـ هديّةً لقضاء حاجة ـ *..لم يُقضها وفوّت على الرّجل فرصة السّكن!
يعود رابح إلى الواقع مُكرها يمارس رياضته المفضّلة : التطفّل على أقرانه وسحرهم بزخرف الكلام يجني به ثمنًا قليلا…أوَ ليس من البيان سحر؟
هامش:
· *هدية قضاء الحاجة= ما يُعرف شرعًا بالرّشوة!
تعليق