ما الجدل؟
المقاربة اللغوية والاصطلاحية
المقاربة اللغوية:
الجدل لغة:
الجيم والدال واللام أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه.
ترجع مادة ج.د.ل في اللغة إلى معنى:
1- المادي يفيد القوة والصلابة، كما في قول جدل الحبل إذا أحكم فتله ؛
2- المعنوي كما في دلالتها على اللدد في الخصومة، والقدرة عليها.
وإلى المعنى الثاني جنحت الموسوعة الكويتية حيث أبانت بأن الجدل هو: "مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة."
الجدل في الاصطلاح:
يقول ابن البناء المراكشي: الجدل: قانون نظري يابين به سبيل الهدى عن سبيل الضلال"
ويقول الإمام الجويني: " إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهماعلى التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامهامن الإشارة والدلالة."
ويقول الباجي: " الجدل تردد الكلام بين اثنين قصد كل منهما تصحيحقوله وغبطال قول صاحبه."
بين المناظرة والجدل:
كلمتان مترادفتان رغم اختلاف الألفاظ، فهذا الجويني رحمة الله يقول :" ولا فرق بين المناظرة والجدل، والمجادلة والجدل في عرف العلماء بالأصول والفروع، وإن فرق بين الجدل والمناظرة على طريق اللغة؛ وذلك أن الجدل في للغة مشتق من غير ما اشتق منه النظر"
المناظرة مأخوذة من النظر وهو الفكر في الشيء تقدره وتقيسه ، ولأبي زهرة رأي يفرق بين الأمرين: " المناظرة يكون الغرض منها الوصول إلى الصواب في الموضوع الذي اختلفت انظار المنتاقشين فيه،والجدل يكون الغرض منه إلزام الخصم، والتغلب عليه في مقام الاستدلال"
وهو الموقف نفسه الذي نجده حاجي خليفة.
واعتماد مبدأ الأوائل أسلم؛ إذ لا فرق بين الجدل والمناظرة؛ لكون الكل يهدف إلى ابتغاء الصواب، شريطة ابتغاء أدب الجدل وشروط المناظرة.
القرآن وسنن الله في الجدل:
1- أبان سبحانه وتعالى بأن الكفار وحدهم يشاكسون في قبول نصوص الكتاب: { مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ }[غافر : 4]
2- جاءت النقطة الأولى تقريرا لمشاكسة الكافرين للقرآن بينما تتباين أفعالهم وتجتمع حول النقاط التالية:
أ- إتهام الكفار للقرآن بأنه أساطير الأولين:
{ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } [الأنعام : 25]
ب- مجادلتهم بالباطل لدحض الحق{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً } [الكهف : 56]
ت- استعانتهم بوحي الشيطان {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام : 121]
ث- يتعنتهم ومجادلتهم فيُ الحق {يجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الأنفال : 6]
ج- ومجادلتهم في الله بغير علم{َيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد : 13]
ح- يقين المجادلين في الآيات باليأس من نتائج جدالهم{وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ} [الشورى : 35]
خ- الكفار والمنافقون ينافح بعضهم عن بعض وما دروا ما ينتظرهم{هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} [النساء : 109]
د- مقت الله للمجادلين في آيات الله بغير علم{الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } [غافر : 35]
تنظيم القرآن للجدل
1- أمر الحق سبحانه وتعالى بمجادلة الناس بالحسنى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل : 125]
2- وجاءنا بتوجيه خاص فيما يتعلق بأهل الكتاب {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت : 46]
3- وطمأننا سبحانه وتعالى وهو يقص علينا نبأ المشاكسين في آيات الله{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ} [غافر : 69]
4- كما أطلعنا سبحانه وتعالى بكون الجدل طبيعة بشرية{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف : 54]
5- والأصل في الإنسان الظلم والجهل، ومن هنا نهينا عن تزكية البشر سواء الأنفس أو الغير :{وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} [النساء : 107]؛
6- كما أدبنا سبحانه وتعالى بعدم الخوض في ذات الله وقدسيته وربوبيته بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ } [الحج : 3] {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }[الحج : 8]؛
7- والجدال سبيل الأنبياء لتبيين عثرة الفهم {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ} [الأعراف : 71]؛ {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود : 74]؛
8- التذكير بأن الجدل يجري تحت مراقبة الله جل علاه؛ {وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج : 68]؛
ومن السنة النبوية
أقتبس هذين الحديثين:
[ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ]
(الراوي: أبو أمامة الباهلي المحدث: الترمذي - المصدر: سنن الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3253خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار وحجاج ثقة مقارب الحديث)
أنا زعيم ببيت في رياض الجنة وببيت في أعلاها وببيت في أسفلها لمن ترك الجدل وهو محق وترك الكذب وهو لاعب وحسن خلقه
(الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم: 8/26خلاصة حكم المحدث: فيه أبو حاتم سويد بن إبراهيم ضعفه الجمهور ووثقه ابن معين وبقية رجاله رجال الصحيح)
ما الجدل المذموم والمحمود؟
ولا يمكننا مغادرة هذا المعين الزاخر بالعطاء والتوجيهات النيرة دون استخلاص بأن الجدل فيه جانب مذموم وجانب ممدوح، فإن تعلق الأمر بالانتصار للنفس، ركوبا لصهوة كبريائها ودرءا للنقائص عنها فهذا هو الجانب المظلم المذموم.
وأما إن كان الدافع خيرا واستجابة لقومة لله: إما نصرة لدينه وتنزيها لشريعته وإعلاءا لكلماته، وإما نصرة للمستضعفين، وحضا على طعام المسكين فهذا هو الجاني الإيجابي.
علم الجدل:
نتساءل بداية : هل للجدل علم؟ ونأخذ من القرآن الكريم قواه تعالى : {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [آل عمران : 66] وبهذا الدليل نستيقت بأن للجدل علم.
ضوابط الجدل :
تختلف هذه الضوابط باختلاف المدارس التي تتبناها، وعلى العموم أسرد هنا مميزات عامة للجدل
1- التزام الأمانة العلمية في البحث الجدلي؛ وهو ضابط التربوي المتمثل في تقوى الله عز وجل، والإكثار من ذكر الله، ثم الدعاء طلبا للتوفيق الرباني لملازمة الحق وإدراكه.
2- أولويات تحديد المصطلحات: الوضوح المنهجي في تحديد دقائق الأمور يقتضي الوقوف عند المصطلحات ودلالاتها تفاديا للغموض، وتوخيا للقصدفي بغية التواصل.
3- إستراتيجية مفهوم النظر: يقول الباجي : "تفكر الناظر في حال المنظور فيه طلبا للعلم بما هو ناظر فيه، أو لغلبة الظن، وإن كان مما طريقه غلبة الظن". ، وهذا ما يدفعنا للدراسات الاستقرائية والاستدلالية، وبخاصة ما يتعلق بالنصوص القرآنية والحديثية.
- إنصاف المخالف واحترامه؛ مهما اختلفنا في وجهات النظر، فإن عزيمة التلاقي في حد ذاتها إرادة طيبة، ولا يخلو بتاتا أي لقاء من تقارب، أحيانا قد يبدو خافتا من غير لمعان يثير أهميته، وأحيانا قد يكون باهرا.
- التزام حسن الاستدلال؛ ملازمة شروط الاستدلال الصحيح، وأن يكون الكلام عن علم وبينة. ويتطلب منا دراسة قبلية دقيقة للدليل قبل الاستدلال به وإعماله، مع اختصار الكلام.
- ضبط الاستدلال أثناء الجدل: مراعاة لمبدأ الخصم عند المعارضة، ومن هنا كان لزاما على المحاور معرفة محاوره معرفة تامة، كي يتجنب المتحاورين ما ينبغي تجنبه مما يثير الحساسيات، ويزيد الصف تصدعا.
اقتصرت على هذه الضوابط لكون الموضوع الذي يشغلني هو كيف نرد بعلم جدل النصوص من كتاب وسنة ضمن ما يرتضيه الشرع، وما يفسحه من مجال للاجتهاد.
وجاء الكلام عن مضامين هذه الضوابط بإشارات يتبعها التفصيل – إن شاء الله-
أدب المناظرة للإمام الشافعي:
إذا ما كنت ذا فـضل وعلم
بما اختلف الأوائل والأواخر
فناظر من تناظر في سكون
حليمـا لا تـلح ولا تكابـر
يفيدك ما استفادا بلا امتنان
من النكـت اللطيفة والنوادر
وإياك اللجوج ومن يرائي
بأني قد غلبت ومن يفـاخـر
فإن الشر في جنبات هـذا
يمني بالتقـاطـع والـتدابـر
مجالات الجدل
كما رأينا أن الجدل علم، ومجالاته لا تخلوا جانبا من جوانب العلمي إلا دخلته.
غايات الجدل:
فالهدف المنشود من الجدل البناء فهو
- كشف الحق؛
- إفادة العالم الأذكى لمن دونه؛
- تنبيه الأغفل الأضعف؛
- التعرف على وجهة نظر الآخرين؛
- البحث والتنقيب؛
- تقريب وجهات النظر؟
- الاقناع ، وذلك بإظهار الحق؛
مناظرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعتبة بن ربيعة : (سيدا في قريش)
وأخرج إبن اسحاق والبيهقي عن محمد بن كعب قال حدثت ان عتبة بن ربيعة قال ذات يوم ورسول الله في المسجد
- يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا لعله إن يقبل منها بعضها ويكف عنا
- قالوا بلى يا أبا الوليد
- فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك حتى إذا فرغ عتبة
- قال رسول الله يا أبا الوليد قال نعم
- قال فاسمع مني
- قال فأفعل
- فقال رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا فمضى رسول الله فقرأها عليه فلما سمعها عتبة انصت لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه حتى انتهى رسول الله إلى السجدة فسجد فيها ثم
- قال سمعت يا أبا الوليد
- قال سمعت ق
- قال فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه
- فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا وما وراءك يا أبا الوليد
- قال ورائي إني والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط والله ما هو بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به
- قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه
- فقال هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم .
وانظر أيضا مناظرته صلى الله عليه وسلم للنصارى النجران في سيرة ابن هشام ج2/213 وما بعدها.
وانظر أيضا مجادلة خولة بنت ثعلبة في شأن زوجها وبخاصة ما تزل فيها من الوحي: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [المجادلة : 1].
ومجادلة سعيد بن معاد وسعيد بن عبادة في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة.
مناظرة الصحب الكرام الإمام علي للإمام عثمان
وأما الواقدي فإنه زعم أنه عبدالله بن محمد حدثه عن أبيه قال لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله بعضهم إلى بعض أن اقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلا نفير منهم زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فاجتمع الناس وكلموا علي بن أبي طالب فدخل علي عثمان
- فقال الناس ورائي وقد كلموني فيك والله ما أدري
- ما أقول لك وما أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه إنك لتعلم ما نعلم ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه وما خصصنا بأمر دونك وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ونلت صهره وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك وإنك أقرب إلى رسول الله رحما ولقد نلت من صهر رسول الله ما لم ينالا ولا سبقاك إلى شيء فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل وإن الطريق لواضح بين وإن أعلام الدين لقائمة تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة فوالله إن كلا لبين وإن السنن لقائمة لها أعلام وإن البدع لقائمة لها أعلام وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة وإني سمعت رسول الله يقول يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقماته فإن عذابه شديد أليم وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول فإنه يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة وتلبس أمورها عليها ويتركهم شيعا فلا يبصرون الحق لعلو الباطل يموجون فيها موجا ويمرجون فيها مرجا.
- فقال عثمان قد والله علمت ليقولن الذي قلت أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكرا أن وصلت رحما وسددت خلة وآويت ضائعا ووليت شبيها بمن كان عمر يولي أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك قال نعم قال فتعلم أن عمر ولاه قال نعم قال فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته قال علي سأخبرك إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك
- قال عثمان هم أقرباؤك أيضا
- فقال علي لعمري إن رحمهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم
- قال عثمان هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها فقد وليته
- فقال علي أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه قال نعم قال علي فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية
- ثم خرج علي من عنده وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر فقال أما بعد فإن لكل شيء آفة ولكل أمر عاهة وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون يقولون لكم وتقولون أمثال النعام يتبعون أول ناعق أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغضا ولا يردون إلا عكرا لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور وتعذرت عليهم المكاسب ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأقمن إن قلت هلم أتي إلي ولقد أعددت لكم أقرانكم وأفضلت عليكم فضولا وكشرت لكم عن نابي وأخرجتم مني خلقا لمن أكن أحسنه ومنطقا لم أنطق به فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا ألا فما تفقدون من حقكم والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضل فضل من مال فما لي لا أصنع فيما أريد فلم كنت إماما؟
- فقام مروان بن الحكم فقال إن شئتم حكمنا والله بيننا وبينكم السيف نحن والله وأنتم كما قال الشاعر فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم معارسكم تبنون في دمن الثرى
- فقال عثمان اسكت لا سكت دعني وأصحابي ما منطقك في هذا ألم أتقدم إليك ألا تنطق فسكت مروان ونزل عثمان وفي هذه السنة مات أبو عبس بن جبر بالمدينة وهو بدري ومات أيضا مسطح بن أثاثة وعاقل بن أبي البكير من بني سعد بن ليث حليف لبني عدي وهما بدريان وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله عنه.[/right][/COLOR]
تعليق