تحيّة طيّبة للجميع
منذ فترة و أنا أفكر بدراسة تحليلية مبسّطة حول الحوار و مشاكلة ، ثم انشغلت و نسيت ، ثم راودتني الفكرة ثانية فتكاسلت فتأخرت في التنفيذ ، فجاء هذا الموضوع الذي افتتحته الأخت الفاضلة ماجي نور الدين ليحيي من جديد الفكرة .
أودّ المشاركة فعلا في هذا النقاش الدّائر حول "الحوار" و لكن بتوسّع بعض الشيء ، و بشمولية أكثر ، هذا يعني أن مشاركتي ستكون طويلة ، ما يفرض تجزئتها إلى ثلاثة أو أربعة أجزاء ، أقوم بنشرها ليس دفعة واحدة كي تتيح المجال للأخوات و الاخوة بالإطلاع عليها ضمن وقتهم المتاح .
قد تكون ثقيلة لطولها فتظهر و كأنّها موضوعا قائما بذاته ، و ليس مشاركة في موضع !! لكن من ناحيتي هذا لا يهم ، فهي هديّة للأخت ماجي إن قبلتها .
قد تكون ثقيلة لطولها فتظهر و كأنّها موضوعا قائما بذاته ، و ليس مشاركة في موضع !! لكن من ناحيتي هذا لا يهم ، فهي هديّة للأخت ماجي إن قبلتها .
في الوقت نفسه ، لا أعارض و لا أرى أي مانع من فصلها في موضوع مستقل تحت إشراف الأخت ماجي إذا رأيتم أن ذلك أفضل و يعطي التشاور و الحوار فرصة ليكون أكثر فعالية و فائدة.
"الحوار و مشاكله"
قاعدة أساسية لفهم المشكلة
1. أي واحد فينا ، عندما يكون وحيدا ، يتصرف وفق ما يريحه و وفق مقاييسه و بشكل آلي دون بذل أي جهد أو تخطّيط ، تخرج من اعتباراته جميع صيغ و أشكال المراقبة الذاتية للسلوك ، و جميع "سيناريوهاتها" ، بمعنى ، عندما يُقْدم على أيّ فعل لا يأخذ في الحسبان معظم إن لم يكن كل المقاييس و الروادع و الموانع التي تراقب الفعل ، فلا "يحرص" و لا "يتوخى" و لا "يحسب" و لا "يحْذَر" و لا"يُنمّق" و لا يُجمّل" و لا "يُجامل" و لا "يتكلّف" و لا "يتصنّع" و لا "يُمثّل" ولا "يتمظهر" و لا "يُداري" و لا "يُنافق" و لا "يمدح" و لا "يُثني" و لا "يكذب" و لا يدّعي" و لا "يتفاخر " و لا "يستعلي" و لا "يُعاند" و لا "يتعصّب" و لا "يبالغ" و لا "يتمادى" و لا " يكره" و لا "ينقم" و لا "ينتقم" و لا "يتآمر" و لا " يحسد" و لا "يحقد" و لا "يتجنّى" و لا " يكيد" و لا "يستعرض" و لا "يتحاقر" و لا "يعتدي" و لا "يهيج" و لا "يحرّض" و لا "يزوّر" و لا " يتعامى" و لا "يتغاضى" و لا "يسلب" و لا "يفجر" ......الخ
لاحظ أن جميع هذه الكلمات هي دلالات على أفعال و سلوكيّات لا تظهر عندما نغلق على أنفسنا الغرفة في البيت ، و إنّما تظهر عندما لا نكون وحيدين ، أي عندما يكون معنا آخر ، إنّها أفعال و سلوكيّات تظهر عندما تكون الذّات في الجماعة ، فهي سلوكيّات اجتماعية
لاحظ أن جميع هذه الكلمات هي دلالات على أفعال و سلوكيّات لا تظهر عندما نغلق على أنفسنا الغرفة في البيت ، و إنّما تظهر عندما لا نكون وحيدين ، أي عندما يكون معنا آخر ، إنّها أفعال و سلوكيّات تظهر عندما تكون الذّات في الجماعة ، فهي سلوكيّات اجتماعية
لاحظ أيضا أنّها موجودة فينا كلّها على درجات متفاوتة ، لا يمكن للذات بشرية (غير المعصومين) أن تبرأ منها في كلّ لحظات حياتها ، فهناك لحظات و مواقف ، نكذب فيها و نتحاقر فيها و نعتدي و نستعلي و نفجر ...الخ ثم نكبح جماح النّفس و نرتد إلى نظام قيمنا الذي يقول لنا ما هو الصح ، ماهي الفضيلة.. ما أعنيه أن هذه سلوكيات إنسانية محضة و لا مجال لإنكارها و لا مجال للإدعاء اننا نبرأ منها ، بل هناك تفاوت في درجات ممارستها ، و هناك تفاوت في تواصلها و حضورها في سلوكنا الإجتماعي.
هذا لا يعني بأي شكل أننا نروّج لها فالفضيلة معروفة و الرذيلة معروفة (كما الحلال بيّن و الحرام بيّن) و جميع القوانين الوضعية منذ فجر التاريخ و جميع العادات و التّقاليد التي عرفها يوما الإنسان و جميع الديانات السماوية و كلّ الفلسفات الإنسانية عمادها وضع نظام قيمي و معياري ينظّم سلوكنا الإجتماعي وفق أنظمة ردع و عقاب ، لكنّها جميعا لا تلغي وجودها فينا فسلوكنا مركّب و هي أدوات الذات أثناء ممارستها الحياة الإجتماعية ... موضوع لا أريد التوسّع به أكثر من ذلك ، فقط اردت ان أجلبه للمائدة لننتبه له لأهميّته كي نفهم أن لا مجال للمثالية التي قد نجنح للتنظير لها ، المهم كيف نسيطرعلى عجلة قيادة الذات بحيث نردّها لجادة الصواب حين تجنحُ...
خلاصة القول أن هذه المفردات التي تدلّ على أنماط سلوكية هي ليست من طبيعة الذات ، أي أن الإنسان بطبيعته التي خلقه الله عليها ، ليس كذلك ، و إنما يتطبّع بها أثناء ممارسة السلوكيات الاجتماعية ، و لا يوجد بشر خارج هذه الدّائرة مهما ادّعى ، إذن أن تُكوّن مجتمعا ، أن يكون هناك مجتمعا لا بدّ من ناموس يضبط هذا المجتمع.
هذا لا يعني بأي شكل أننا نروّج لها فالفضيلة معروفة و الرذيلة معروفة (كما الحلال بيّن و الحرام بيّن) و جميع القوانين الوضعية منذ فجر التاريخ و جميع العادات و التّقاليد التي عرفها يوما الإنسان و جميع الديانات السماوية و كلّ الفلسفات الإنسانية عمادها وضع نظام قيمي و معياري ينظّم سلوكنا الإجتماعي وفق أنظمة ردع و عقاب ، لكنّها جميعا لا تلغي وجودها فينا فسلوكنا مركّب و هي أدوات الذات أثناء ممارستها الحياة الإجتماعية ... موضوع لا أريد التوسّع به أكثر من ذلك ، فقط اردت ان أجلبه للمائدة لننتبه له لأهميّته كي نفهم أن لا مجال للمثالية التي قد نجنح للتنظير لها ، المهم كيف نسيطرعلى عجلة قيادة الذات بحيث نردّها لجادة الصواب حين تجنحُ...
خلاصة القول أن هذه المفردات التي تدلّ على أنماط سلوكية هي ليست من طبيعة الذات ، أي أن الإنسان بطبيعته التي خلقه الله عليها ، ليس كذلك ، و إنما يتطبّع بها أثناء ممارسة السلوكيات الاجتماعية ، و لا يوجد بشر خارج هذه الدّائرة مهما ادّعى ، إذن أن تُكوّن مجتمعا ، أن يكون هناك مجتمعا لا بدّ من ناموس يضبط هذا المجتمع.
2. الآن عندما تخرج الذّات من وحدتها و عزلتها ، و تصبح بين أفراد الأسرة الواحدة ، نلاحظ أن معظم إن لم يكن جميع المفردات التي سميناها أعلاه ، تظهر بشكل أو بآخر لتدلّل على سلوكياتنا بين أفراد الأسرة. فبدلا من الغياب التام للـ "حرص" و الـ "حذر" و الـ "التوخي" ... الخ أثناء وحدتنا تظهر الآن أشكال أولية منها فتحكم تصرفاتنا و سلوكنا ، ما تبقى من سلوكيات ايجابية و سلبية تظهر بدرجات متفاوتة ، فـ "نتحاقر" أحيانا على بعض إخواننا أو أخواتنا ، و "نكذب" علبهم ، و "نضطهدهم" و "نضربهم" و "نعنّفهم" و "نعتدي" و "نكسر" و "نخرّب" أشيائهم ، و لكن أيضا "نحرص" عليهم و "نحافظ" عليهم و "نلاطفهم" و "نساعدهم" و "نرشدهم" ...الخ . يأتي الأب أو الأم أو الأخ الأكبر ليطبق نظام الأسرة القيمي ، ليقول لهذا أنت أخطأت أو أحسنت بحق أخيك ، بمعنى أنّه يُطبق ناموسا في الأسرة (المجتمع الصغير) من أجل ردع السلوكيات السلبية و الحد منها ، لا لمجلرّد القمع ، و لا لمجرد الإلتزانم بتعاليم الأب ، بل الهدف النّهائي التّفاهم و التّحاب .. أن يكون هناك إنصاف و عدل كي تسود المحبة و التّفاهم ، و كلّ هذا لا يلغي من طباعنا جميع الأفعال السلبية المشينة و لا الايجابية الجميلة ... و هكذا نرى أن سلوك الإنسان مركّبا و معقّدا و ليس بسيطا و لا يمكننا حصره بوصف أو توصيف واحد.
3. عندما تخرج الذّات الآن إلى مجتمع أوسع يضمّ أكثر من الأسرة ، يضم الأقارب و الجيران و الأصدقاء ، نجد أن سلوكيات الفرد أيضا اختلفت و انتقلت إلى مستوى أعلى من التّعقيد ، فـ "الحرص" و "التحسب" و "الحذر" و "التجمّل" و "التظاهر" و "التكلف" ...الخ أصبح أوضح و أقوى في سلوكنا ، أي يظهر أقوى كمقياس لسلوكنا نأخذه بعين الإعتبار كي نظهر بالمظهر الذي نرغب أمام الآخرين ، من جهة ثانية ، تصبح باقي السلوكيات الايجابية و السلبية أيضا أكثر حضورا و أقوى و أشدّ فاعلية ، إذ تصبح تحكم علاقاتنا في أغلب جوانبها ، و من ثمّ نحدّد مواقفنا ، فهذا الشخص نرتاح للتّعامل معه و ذاك لا نرتاح ، هذا نفرح لرؤيته و زيارته و ذاك نقوم باستقباله روتينيّا كواجب ، ننتظر بفارغ الصبر الانتهاء منه ، نوازن و نقيّم ، فإذا جاء أحد الاقرباء و ربّما شديد القرابة منّا لطلب الزّواج من إحدى بناتنا ، نتوشوش فيما بيننا داخل الأسرة لنقرّر إن كان مناسبا أو غير مناسب ، نقبله أو نرفضه ، و هذه عمليّة تقييمية بناءا على سلوك ظهر لنا و اخضعناه لنظامنا القيمي ، بمعنى ، أنّنا في كل حركة نأتي بها داخل المجتمع ، و كلّ سلوكا مهما كان طفيفا يخضع مرات و مرات لمراقبة النّظام القيمي ، منّا أنفسنا ، و من الآخر في ذات الوقت .... و قد نُظهر أو نُخفي أحكامنا ، و كلّها ضمن ديبلوماسيّة التعامل مع الآخرين ، و ضمن سلوكياتنا المطعّمة بالسلبيات (الرذائل) و الايجابيات (الفضائل) ، لذلك نجد أن هذا القريب جدا الذي تقدّم للزواج من إحدى بناتنا و رفضناه مثلا ، يتفاجأ و يغضب بل يحزن و يثور أهله ، لأنّه لم يكن يتوقّع و لا أهله أيضا ، أن هذا هو رأينا فيه ، كلّ هذا نعرفه جميعا و لنا خبرات واسعة و متنوّعة فيه ، ما علينا إلا أن نضعه في سياق التحليل و المفاهيم الصحيحة . إنّنا عالم مختلف كلّيا عندما نكون وحدنا و عالم آخر يختلف في كلّ جوانبه عندما نكون مع الآخرين في مجتمع واحد كبر أو صغر ، بعض الاشياء نحسبها و ننتبه لها و لكن معظمها تتمّ بصورة روتينية في أذهاننا دون أن نشعر.. و كلّها تخضع لنظام قيمي و معاييري شامل.
نلاحظ أن الناموس الذي يحكم سلوكياتنا و فيما بعد آراءنا و قناعاتنا ، اتّسع ، أي أن النظام القيمي الذي يوازن سلوكنا و يفرض نظام عقوباته و ردعه ، أصبح أبعد عن ذواتنا ، و أبعد عن أسرتنا . بيننا و بين ذواتنا نحن نحكم ، في الأسرة يحكم الأب و الأم و الأخ الأكبر و ليس نحن ، الآن أصبح الحكم في يد العادات و التقاليد إضافة لكبار السن و غيرهم ، صار الأشخاص الذين يحضرون في أذهاننا عندما نقدم على تصرّف ما ، أكثر عددا و أبعد عنّا ، عن سلطة ذواتنا و تأثيرنا عليهم ، و صارت القواعد أوسع ، و ظهر شيء جديد غير محسوس و لا ملموس "العادات و التقاليد" ، فيتمثّل فينا كسلطة مجهولة ، لكنّها قويّة الحاضور ، فتكتسب قوة إضافية و إذعان أشد من طرفنا.
نلاحظ أن الناموس الذي يحكم سلوكياتنا و فيما بعد آراءنا و قناعاتنا ، اتّسع ، أي أن النظام القيمي الذي يوازن سلوكنا و يفرض نظام عقوباته و ردعه ، أصبح أبعد عن ذواتنا ، و أبعد عن أسرتنا . بيننا و بين ذواتنا نحن نحكم ، في الأسرة يحكم الأب و الأم و الأخ الأكبر و ليس نحن ، الآن أصبح الحكم في يد العادات و التقاليد إضافة لكبار السن و غيرهم ، صار الأشخاص الذين يحضرون في أذهاننا عندما نقدم على تصرّف ما ، أكثر عددا و أبعد عنّا ، عن سلطة ذواتنا و تأثيرنا عليهم ، و صارت القواعد أوسع ، و ظهر شيء جديد غير محسوس و لا ملموس "العادات و التقاليد" ، فيتمثّل فينا كسلطة مجهولة ، لكنّها قويّة الحاضور ، فتكتسب قوة إضافية و إذعان أشد من طرفنا.
4. الآن في المجتمع الواسع المفتوح الأمور تختلف أيضا و تنتقل لمستوى أعلى من التعقيد و التركيب ، و تتنوّع السلطات و ممثليها ، و كل هذا التنوع لا يُلغي سلوكنا السلبي و لا الايجابي و إنما يضبطه و يؤطره وفق نظام قيمي و معياري شامل هدفه الردع من أجل الوصول إلى االتحاب و التفاهم ..
الخلاصة نضعها في هذه القواعد البديهية الأربع:
*** يختلف حضور الذات و هيمنتها من مرحلة لأخرى ، فهي الحاكم المطلق عندما نكون وحيدين ، ثم تفقد من سلطتها في الأسرة لصالح الآخر (أفراد الأسرة) ثم تفقد أكثر في نطاق العائلة و الاصدقاء ، ثم تفقد معظم أو كلّ سيطرتها في نطاق المجتمع المفتوح الواسع.
* ** مراقبتنا الذاتية لسلوكنا تسير بخطّ معاكس للنقطة السابقة ، بمعنى كلّما كانت سلطة الذات أكبر و أوسع (عندما نكون وحيدين) تكون المراقبة الذاتية التي نمارسها على أنفسنا أقل و أبسط أو معدومة ، تزيد مراقبتنا لذواتنا قليلا في الأسرة ، و تشتدّ بين الأقرباء و الاصدقاء و تسيطر و تهيمن المراقبة الذاتية على سلوكنا في المجتمعات المفتوحة.
***السلوكيات الايجابية و السلبية (الفضيلة و الرذيلة ) نمارسها و تمتزج في سلوكياتنا كلّما خرجنا من دائرة إلى دائرة أوسع ، فهي غير موجودة عندما نكون وحيدين ، و تظهر بأشكالها البسيطة في الأسرة و تتعقد بين الأقرباء و الأصدقاء و تتعقّد أكثر و تصبح مركّبة و أساسية في المجتمعات الواسعة المفتوحة .
*** النظام القيمي و المعياري يسير متوازيا مع النقطة السابقة فهو بسيط لا يذكر عندما نكون وحيدين ، يظهر بأشكاله الأولى في الأسرة ، يتوسع و يتعقد بين الأصدقاء و الأقرباء و يصبح كلّيا مركّبا و خارج تأثيرنا و سيطرتنا في المجتمعات الواسعة المفتوحة.
هذه مبادئ و بديهيات أربعة أساسية علينا تذكرها جيّدا و استيعابها لأنّها ستحكم مفاهيمنا للأشياء من حولنا.
......... / يتبع
تعليق