الكلب الضال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صفوق الدوغان
    عضو الملتقى
    • 16-01-2010
    • 50

    الكلب الضال





    دسَ رأسهُ داخل الوسادة الصوفية، فسمعَ عبر شقوق القماش رغاء شاه وأصداء لعواء ذئب، وهنالك جزء ما نسيه الضياع بين كرات الصوف.. فثمة ذكريات، ليست ذكريات تقريباً، وإنما رائحة دمن النعاج مُختزنة على امتداد خواء الصباح المشمس الحارق، وذباب أزرق، مُنتشر في الفراغ بينه وبين ما لا نهاية السقوف السوداء المتراكمة فوق بعضها البعض، يقتات على بلورات الحياة هذا الذباب، أذا كانت ثمة حياة أصلاً!، وهناك كابوس ما لا يفارقه منذ سنين طوال وكل ليلة يعاد ذات الكابوس، هنالك أشياء كثيرة تُعاد على مر العصور وقديمة كقِدَم الأرض، فإحساس مُخيف أن الأرض قديمة.. لكنها؛ لا تتكرر، وهو أحساس يدعو للاستنشاق دون زفير، من حينما وجدَ خريطة الكنز المفقود والكوابيس ما انفكت تزوره في المنام. في الليلة الواحدة سبع مرات أو أكثر يصحو من النوم جاف الريق مُرتعش الجسد، ويفتح عينيه قبل أن يجتث كبيرهم رأسه من بين كتفيه ليجد أن كل الأشياء مرتبة كما كل شيء مرتب.. ولَمّاَ ينام يِئوَد أصحاب النظارات السوداء بعضلاتهم المفتولة مادين أيديهم إلى عنقه، وحين يحاول الركض لكي يهرب بعيداً عنهم، لا تحمله قدميه، وأذما حاول الصراخ، لا تنساب الحروف عبر تجاويف الفم، بفعل الريق متيبس. ورغم خوفه من أن يمسكوه، فهو أيضاً خائف من أن يهرب عنهم. فهو مقتنع بعدم جدوى الهروب فإذا هرب إلى أين سيؤول مصيره؟ سؤال جدير أن يطرحه على نفسه (فإلى أين؟) وهو السؤال ذاته في وقت ما حريٌ به عدم معرفة الإجابة (فإلى أين؟).. ولكنه يِفترض أن يكون لكل ظلام ضوء يقدّه، وليس لكل ضوء ظلام يسربله. (فإلى أين؟) كل الدروب تُفضي إلى التل والتل يُشرف على القرية والقرية ضائعة في زحمة القرى والقرى مكتظة بالسكان والسكان منهكون من تزايد الجوع والجائع لا ينام، فاستحال الجوع ضيفاً، لا يرضى إلا أن يحل عند بيوت الفقراء، لأجل ذلك فهم يقومون بواجب الضيافة ولا ينامون!


    فمنذ زمان قديم تقريباً، يرى صباحاً؛ حين كان طفلاً ذاهب إلى المدرسة، حراس بيت مختار القرية واقفين عند الباب الخارجي الكبير وموزعين حول السور الخارجي لبيته.. ليس ليروا سير أمور القرية ويطمئنوه أن كل شيء على ما يرام، بل ليمنعوا الأطفال من أن يغترفوا حفنة ماء من السواقي التي يسري بها من البئر، وبالحقيقة يعتبر هذا البئر ملكهم، لكن الميراث قُسم على أساس المستوى وليس بالتساوي!، فكانت عيون الأطفال، المشابه لعيون القطط المتضورة من شدة الجوع، تحوم حول الدلو الكبير المطلي بلون أصفر يشبه لون الذهب، وهو ليس ذهب بالحقيقة، وكان أشتد ما يجذب انتباههم أنه يلمع تحت خيوط الشمس الذهبية كانعكاس أشعتها في مياه البحر.. فهي عيون الأطفال لا تحوم حول ماء السواقي!، لأنه لا يلتمع في السواد شيء، بسبب كونها حزمة الضوء لا يتخللها ظلام، باستثناء ما يلقنوه صباحاً في المدارس، حين رفع علم المدرسة ويبدؤوا بترديد النشيد الصباحي، والأطفال واقفين صفوفاً وراء المعلم مرددين لَمَا يقول: "الأسدُ الغاضبُ آتٍ" وكان هو من بين زملاءه يغلط في لجة النشيد، دون قصد، ويقول: "الجوعُ الفاتكُ قادم". فيسمعهُ المعلم، وبعد أن يقوم بضربه، يقول: "ما بك؟ آلا تسمع يا ملعون؟!". فيقول: "بلى أسمع، لي أذنان وأسمع. لكنني لا أرى أي أسد!"، فيضربه أكثر.. ويقول: "حمداً لله أنه لا يوجد من مخبري المختار أحد وإلا لمتت جوعاً" ، فهو مختار القرية لا يقتل أحد!، ويكرر المعلم الصدح بالنشيد، مرات عديدة، ودائماً يغلط دون قصد. فيقول له: "لا تكن عنيداً مثل أبيك الذي مات جوعاً"، فيبقى صدى هذه الكلمة يدور في رأسه "لا تكن عنيداً مثل أبيك"، فيقول في نفسه: "هل يا ترى كان أبي يغلط بترديد النشيد أيضاً؟ أ أنا يتيم لأن أبي كان يغلط في ترديد النشيد أم يتيم لأن أبي مات من الجوع؟" وحينما يعود ليسأل أمه.. التي يجدها دائمة التحرك بين قن الدجاج، لتقاسم أفراخها حبوب الشعير!، وبين إسطبل الحصان الأسود، الذي لم يمتطيه أحد من حينما "خرجَ أبوه ولم يعد"، كما تقول أمه في كل مرة؛ حينما تكون دائمة الحركة بين الاقنان والإسطبل.. وتزداد حيرته أكثر "لماذا لم يعد أبي؟ هل غاص في سواقي الماء وغرق؟! أم مات تِعباً بسبب عدم أيجاد اللقمة التي تناسب معدتي؟!" ولا يجد إجابة، فيخيم الوجوم على وجهه.. ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، حينما يستفيق، يقول لنفسه: "هل خرج الإباء ليبحثوا عن اللقمة وغرقوا؟! أم لأنهم يغلطوا بترديدِ النشيد ماتوا؟" ولا يجد إجابة، فيخيم الوجوم على وجهه...


    أبوه؛ الذي لم يراه، تقول الحكاية المتوارثة للسرد كلما أتت سيرته: "إنه مات جوعاً بسبب عدم حفظة الجيد للنشيد القروي!". وهناك حكاية أخرى تروى: "إنّ المغص الحاد أصابه.. بسبب كثرة أوراق الرمان، وليس ثمار الرمان، التي يُصر على تناولها، رغم نصح أحد الأطباء المحايدين بعدم الإفراط في تناولها". كان حري به الإقلاع عنها، لأن أشجار الرمان غالباً ما ترش بالسموم القاتلة لبعض الحشرات الضارة بثمار الرمان، والإكثار من تناولها يسبب المرض المؤدي إلى الموت.. وبعض أشجار الرمان، أوراقها تحوي من السم القليل، لأنها تغسل بالماء بعد رشها بالسموم، وذلك لغباء صاحب الشجيرات المثمرة، ولا يضير الأكل منها سوى إن تلازم المرض لسنوات ليست كثيرة! بشرط أن تقلل من تناولها في المرات اللاحقة! وبعضها كشجرة الميلاد الفارغة، لا تُمد يدك إلا أن يُعلق المختار أو زبانيته الشجرة، بالمصابيح المضاءة وبالثمار الاصطناعية، ومن ثم كُلّ بشراهة حينئذ!


    يمقت أباه؛ إلى جانب الآخرين الكثيرين من الأموات، الذين حينما جافت جثثهم وتفسخت لم تبقى سوى رائحة نتنهم في الأجواء، رغم أن بموتهم فائدة، كما يُفشي بذلك مفهوم (علم الأحياء)، بدءاً بدورة النتروجين الهوائية وتحوله إلى آمونيا ومرورهم بدورة النتروجين اللاهوائية التي بدورها تمتصها النباتات ومن ثم بعملية النتح يخرج الأوكسجين الذي يتنفسه الأحياء لكي يبقوا على قيد الحياة، وهكذا دواليك هي الدورة أي لا بداية ولا نهاية محددة.. فالموت مرحلة ليست ضد الحياة بقدر ما هو حلقه لإكمال سلسلة الوجود، وتبقى الكروموسومات اللعينة ذاتها عند الأجيال المتولدة من الذين يرقدون تحت التراب.. لتنقل لهم الصفات الوراثية المحملة على الحمض النووي، دون أن تُخلِق مسار جديد للحياة.. فالفقر أحد الجينات المتوارثة عن طريق الحمض النووي ولن تتمكن من الخلاص منه قبل أن تستأصل على الأقل صبغة واحدة من الكروموسومات!


    ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، حالما يستفيق، تهاجمه اللحظة الكريهة المؤلمة في آن: "ماذا استطعت؟" حينما يجد أن هناك الكثير من الأزمنة الضائعة في تعرجات الأمكنة تحفر، دون لحظه وهَن واحدة، وبعد أن يقنط، يتدلى عن طريق حبال جوعه إلى هاوية موجودة تحت الحصير، الملتاع لحياكة خيوط الوبر، فيقول للهاوية: "عمتِ صباحاً أيتها الهاوية!"، فيسود الصمت لبرهة حتى يكاد أن يمد فمه لِيتَّهُ يسمع! ولا يسمع شيء.. فهل تسمعُ من فمك؟! لذلك لا تستطيع أن تأكل من أذنيك! رغم أنهما كلتاهما حاستين وبمجموعهما أفعال حواس! فيسأل نفسه: "لماذا الجوع مرادف للفقر؟" فيجيبه صوت أجش ممتزجة به جميع أصوات الكائنات المنقرضة ونابع من الهاوية"لأن الذي يفتق الفقر بفمهِ هنا.. هنالك من تتشدق أذُنَّيه بالذهب هناك!" فذاوية هي الاستنتاجات مُنذ زمن سحيق، زمان قديم كقِدَم الأرض، ويلعن نفسه مراراً: "لماذا وجدتُ الخريطة للكنز المفقود؟" فيطلق العنان لحاسة البصر ويغور بها إلى الهاوية أو القعر، يوجد فرق، لأنه ليس هنالك ثمة قعر للهاوية، بل هو انتهاء النظر أو انقراضه، حتى يُرهِق تفكيره لأنه يقرأ بما يوازي الأفق، أفق القعر، الذي يُفترض وجودة، لكون الأرض عميقة حتى اللانهاية، "إن كل بئران متساويان بحجم الدلو يكفيان لإرواء قرية بأكملها، وحجم الدلو يساوي مجموع ضعفي الدلوين الصغيرين"، ومذيلة بما يشابه خربشة التوقيع بـ"بديهية".. فيِفترض أنها يجب أن تُضاف إلى بديهيات هندسة ريمان الكروية وليس بديهيات هندسة إقليدس المستوية، فليست كل الأشياء، حينما تستفيق من كابوس مرعب، تكون مرتبة بالتساوي! والكثير الممل من بديهيات الحياة يِفترض أن تضاف.. حتى يمقت فكره؛ وأين مَفره من ترهات عقله؟ وكيف ضميره يركن إلى جذع السكينة؟ وهو الذي كلما رأى قطاً يموء جوعاً تلوى به.. حتى كعب الحذاء حينما ينتعله امرئ سمين يتألم، يتألم بسبب السمين وليس لأجل كعب الحذاء!، فهناك فيروسات تقتات على الجلد الميت، الساقط دون دراية، وهذه يِفترض، أيضاً، بوجوب آخذ العلاج لأجلها كي تموت، فاستحالة أن تمنع جلدك الميت من أن يتساقط كاستحالة خوف الشتاء من الخريف!، أو لربما ينفع أن تستعمل الكيّ من أجل القضاء على الفيروسات، فقد قيل: (أن أخر علاج الكيّ)، وذلك عن طريق النار، من خلال حمَّي أسياخ الحديد، أم تراها تُكتب (أصياخ)؟! على اعتبار أن حرفي (س ، ص) لا يختلفان في تأدية الهدف المنشود من تواجدهما، منذ أن نطقت بهما قبيلة جُرهِم حتى يوم القيامة، وذلك لكونها يرمزان للمحورين السيني الأفقي والصادي الساقط عمودياً عليه.. دون أن يشترك المحور المائل؛ والذي يرمز له بالرمز (ز)، فلا يصحُ بتاتاً أن تُكتب (أزياخ)، لأن مياه السواقي لا يتم جريانها سوى عن مصدرين، أحدهما أجداث الموتى، من الماضي السحيق، والثاني أشجار الرمان! الممتدة على طول السور الفولاذي الذي يحيط ببيتِ المختار.. لذلك وليس لأجل ذلك، اتفق الطعام على أن يُهضم بقاع المعدة المحشوة بالحصى الأسود فقط. أو ربما يرمزان، أحدهما دون كلاهما، سيف صدأ وصاروخ استراتيجي. مَنْ يدري؟! فما لنهاية الاحتمالات من برزخ.. لأنها ليست أبداً مشكلة المحور السيني أو المحور الصادي ولكن بينهما، من هلاك البيوت الضعيفة حتى تخمة البيوت الشديدة، ما يوجد؟ فوضى كثيرة.. بعضها مُفرح وبعضها مُخزي وبعضها لا معنى له تقريباً، بل تواجد من أجل (لِمَّ).. لأنها (لِمَّ) أهم مفردة استخدمها القوم لتفسير الكثير من إيحاءات أهلها، بدءاً من اختراع الصفر المقدس وانتهاءً بصاروخ الحُسيِن الفاسد!. فالخوف من مواجه الحق.. باطل؛ حتماً، والخوف من مواجه الباطل.. حق. شريطة أن تتمكن من الوصول إلى مُرادك دون سقوط لخلايا الجلد الميتة.. فالفيروسات لم تزل تقتات وستقتات دون أن تتشبع، وكيف تشبع وهي المتضورة جوعاً مذ بدء الخليقة؟ والبعوض يمص ويمتص، على السواء، من دماء البشر الضعفاء، وذلك لتواجدهم قرب حاويات القذارة، المكتنزة بفضل مُخلفات الأغنياء.. فهي، جميعها، مجموعة احتمالات متدفقة مذ سنون معوقة...


    فشعت عينيه داخل بركة أرجوانية من الدمع الأحمر معلنةً، بهذا الوميض، تحنَّط الحلم البعيد، فقد يتحنَّط حلم ما تحت خرقة لحاف دون أن يشعر بك أحد، ويميل بجسده إلى الجهة المعاكسة، في محاولة يائسة؛ وليست أخيرة، لتلقيح حلم آخر.. فيجد بخط أحمر عريض، ليس عريض تماماً، مكتوب على الحائط الأبيض، المثقوب بفعل مسامير صور الجد الأكبر، حينما كان جالس تحت ظلال أشجار الرمان بجانب البئر، التي كانت معلقة قبل أن يسلبهم إياها المختار، كي لا تؤيد فرصتهم بآخذ حصتهم من الميراث، ويقرأ "من في البدء صار؟ أ الجوع يُدل على الفقر؟ أم الفقر يُؤدي إلى الجوع؟!"، أسئلة تائهة وإجابات ضائعة.. تسألُ مَن؟ ومَن يُجيب؟.















    أ انتهت؟!


    الرياض
    أغسطس 2009
    [poem=font="Traditional Arabic,6,blue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=1 line=0 align=center use=ex num="0,black""]

    هذي السجائرُ قد أوقدتُ شعلتها = دخن معي، فغداً يزهو لنا القدَرُ [/poem]
يعمل...
X