من تحب أكثر.. أمك أم أباك؟!
لم أتخيل يوما أني سأقع في اختبار عويص ومنهك لقوى عقلي مثل ذلك اليوم.. لن أنساه أبدا.. هو ليس اختبارا في المدرسة.. فاختبارات المدرسة مقدور عليها وأخرج منها دائما بامتياز. اختباري كان في البيت.. والمشرفان عليه أبي وأمي.. وكان في مادة الحب..
ـ من تحب أكثر أمك أم أباك ؟؟
هذا هو السؤال الذي دوخني عشر دوخات ولم أرس على الجواب حتى آخر لحظة.
أبواي عادة طيبان جدا.. يسامحان كثيرا أخطائي ويتغاضيان أكثر عن شقاوتي.. ويحبان بعضهما حبا جما.. تطرطق مرارا قبلاتهما في أذني فأحني رأسي خجلا وأتظاهر بعدم سماعها رغم أني أتمنى أن يفعلا يوما أمامي وأصورهما وهما يقبلان بعضهما.. هما يخجلان من تقبيل بعضهما أمامي ولست أدري لماذا؟!.. كما أني لم أفهم اليوم ماذا جرى بينهما؟.. كنت ألعب في حديقة بيتنا حينما ناداني بصوت جهور قارص لم أألفه منهما.. فارتبكت لحظات قبل أن أنطلق لأجيب صراخهما.
وقفت في باب الصالة الكبيرة ذاهلا مرتبكا. أحدق إليهما مندهشا ولم أجرؤ على سؤالهما.. فهما مقطبان عبوسان متشنجان ويكادان ينفجران.
كان أبي في أقصى الصالة وأمي في مقدمتها وعيونهما جاحظة في كأني عصفور الجنة أحمل لهما على جناحي حلا فوريا. في حين لم أكن أحمل إلا قلبا وجلا. شعرت أثناءه أن ذكائي طار من رأسي.. وأن رأسي مجرد حجرة ثقيلة تعلو جسدي. ابتلعت ريقي وهممت بسؤالهما عما جرى بينهما في لحيظات ابتعادي عنهما. أشارا علي بصوت حاد ومخيف بأن أقف في وسط الصالة الكبيرة.. فمضيت كإنسان آلي وتسمرت حيث أشارا علي..
قال أبي غاضبا متشنجا:
ـ التفت إلي واسمع ما أقوله لك..
قبل أن أسمع شيئا منه قالت أمي غاضبة متشنجة:
ـ التفت إلي واسمع ما أقوله لك
نظرت إلى يميني حيث أبي ثم نظرت إلى يساري حيث أمي .. يعيد أبي ذات الكلام وتعيد أمي ذات الكلام وكل مرة بصوت أعلى من الأول.. ورأسي بينهما يدور يمين شمال، شمال يمين .. أحسست بالدوار فأطرقت رأسي ولم أنظر يمينا ولا يسارا. حمدت ربي الذي وهبني أذنين إثنين.. فمنحت لأمي أذني اليسرى ولأبي أذني اليمنى.
من الجهة اليمنى جاءني صوت أبي رقيقا مفعما بالحنية:
ـ أنا أبوك الذي كبرك والذي يشتري لك كل شيء ترغب فيه ويرافقك في سيارته صباح مساء إلى المدرسة..
وكنت أهز رأسي أؤكد على قوله وأنتظر حتى ينهي كلامه لأعترف لأبي بكبير معروفه علي لكن قبل أن أنطق بكلمة داهمني صوت أمي الرقيق والمفعم بالحنية من الجهة اليسرى يقول:
ـ أنا أمك حملتك تسعة أشهر وأرضعتك سنتين وأطعمتك وحممت لك وأحبك أكثر من أي شيء في الوجود ولن أستطيع الحياة من دونك
أدمعت عيناي ولم أستطع الرد عليها لكني سرعان ما ابتلعت دموعي فأبي يقول لي أن الرجال لا يبكون.. فتمنيت لحظته فقط ، لو وهبني ربي أيضا لسانين مثلما وهبني أذنين.. فأرد بأحدهما على أمي وبالآخر على أبي في آن واحد..
سأقول لأبي أنك أجمل أب وأنك البطل.. وأقول لأمي أنك أجمل أم وأنك حياتي ونور عيني.. وأنشد لأبي نشيد عيد الأب وأنشد لأمي نشيد عيد الأم.. ولكني الآن ليس لي غير لسان واحد الأجدر أن أغلق عليه في فمي حتى يستقران على أمر أو أجد لهما حلا.. حتى عيناي تخونان فراستي.. أنظر إلى أمي من تحت الأهداب بعيني اليسرى تميل معها عيني اليمنى فيغضب أبي.. أنظر إلى أبي يعيني اليمنى تسير في ذات المسار عيني اليسرى فتغضب أمي.. حككتهما جيدا وأطرقت رأسي أسمع إليهما وفي ذات الوقت أفكر في حل ينقذني من هذا الامتحان العويص..
أفزعني صوت أبي الجهور وذبذب أفكاري وهو يلقي في أذني اليمنى ما لم أتوقعه أبدا:
ـ لك أن تختار اللحظة أمك أم أباك..
ذات الكلام صبته أمي في أذني اليسرى:
ـ لك أن تختار أمك أم أباك.. واللحظة
وحينما أغاظهما صمتي صرخا في بصوت حاد:
ـ من تحب أكثر أباك أم أمك؟؟ هيا قرر الآن
حركت إصبعيَّ في إشارة إلى إثنيهما وأنا جد حريص أن تظل عيناي في اتجاه مستقيم..
أصرا أكثر بصوت موحد أيضا كأنهما اتفقا ضدي:
ـ عليك أن تختار أباك أم أمك؟؟
أفردت يدي ورجلي وقلت بصوت خافت وعيناي في الخط المستقيم دائما:
ـ ليأخذ كل واحد منكما شطرا من جسدي
ردا كل واحد منهما بصوت مخيف:
ـ أنا أريدك كاملا
ـ وأنا أيضا أريدكما مجتمعان..
رددت بصوت واثق ومرتفع شيئا ما وبصوت أخف ردا دفعة واحدة:
ـ نحن نقبل القسمة وأنت لا تقبلها.. ستموت لو انفرد كل واحد منا بشطر من جسدك
ظللت برهة أفكر في إيجاد حل لهذه المعضلة والمعادلة الصعبة.. استقررت على فكرة أدهشتني وأعادت إلي بعض الهدوء والثقة في قدراتي.. فقلت لهما ورأسي في خط مستقيم كأني إذا حرفته يمينا أو يسارا سيفصل عن جسدي أو سأخسر في الامتحان بنتيجة سيئة للغاية وهذا لا أريده لنفسي أبدا:
ـ انتظرا حتى يأتي لي أخ أو أخت واعرضا علينا عرضكما.. فيكون لكل واحد منكما طفل ويكون لكلينا أبوان
ـ نحن نريد الحل اللحظة وعليك أن تعلن اختيارك فورا
أشرت في آن واحد إلى أبي باليد اليمنى أن يقترب وإلى أمي باليد اليسرى أن تقترب مني أيضا..
في رمشة العين كانا بجانبي صادحين بصوت مزمجر:
ـ أمك أم أبوك؟
لا أذكر جيدا لعله بلغني في الأول
ـ أبوك أم أمك؟؟
ـ اقتربا أكثر..
اقتربا مني أفردت ذراعي وحضنت إلي أمي باليد اليسرى وحضنت أبي باليد اليمنى وقلت لهما بصوت جهور أقرب إلى الصراخ الذي يكرهانه مني:
ـ أنا لا أستطيع العيش إلا بينكما هكذا..
قبلت أمي خدي الأيسر وقد خمدت تماما وقبل أبي خدي الأيمن وقد خمد تماما.. شعرت بأني حصلت على المعدل في الاختبار بل وأني رجل القرارات في البيت..
ـ الله ، ما أجمله شعور أن تكون صغيرا ورجل القرارات في نفس الوقت!!
وكوني الطفل المجد الذي لا يرضى إلا بنتيجة جيدة وتقدير ممتاز فكرت قليلا وابتسمت دون أن أنظر يمينا أو يسارا وأشرت عليهما في آن واحد وعيناي في الأمام دائما أن يبصما قبلتين على خديَّ حيث أضع بنصريّ... انحنيا ليفعلا.. ترجيتهما ألا يفعلا حتى أنهي العد وأفصحت لهما أن من كان الأسبق كان الأحب إلي...
عددت بصوت هادئ وبطيء أعلن عن انطلاق السباق:
ـ واحد..... إثنــــــان.... ثلا
فطبعا قبلتين على خديّ ولم أعرف من الأسبق فأشرت عليهما أن يستعدا وينتظرا حتى أنهي العد ثم بصوت عال أعدت:
ـ واحد..... إثنــــــان.... ثلاثـــ
فانسحبت من وسطهما فخور بنفسي ومبتهجا بقبلتهما التي أراها لأول مرة. ولم ينغص علي لحظتي غير أن آلة التصوير كانت بعيدة عني...
***
سمية البوغافرية
أواخر 2009
تعليق