سعد الغجرى ( مهداة لصديقى اللدود محمد سلطان )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    سعد الغجرى ( مهداة لصديقى اللدود محمد سلطان )

    سعد الغجري



    كسهم كان يمرق بين العطف المتعانقة الأسطح ..
    يلتوي فى سرعة كاسحة مع انحناءاتها ..
    يصطدم تارة بالمصاطب الطينية ..
    الخالية من شاغليها فى هذه الساعة ..
    وكتل الزلط ..وكمرات الحديد المغروسة
    كمفاتيح للجدران المتهالكة .
    ضاغطا على أنفاس مفاتيحه المعهودة
    بطرف جلبابه ما استطاع
    ...وإن ظل صوتها يصلصل ،
    وينحت رأسه المطارد بالفزع ..
    على كتفه الأيمن يتدلى طوقه الحديدي ،
    مزدحما بشتى أنواع
    المفاتيح لأقفال وكوالين ..وخزائن ..وسراديب ؛
    حتى أن صبيان البلدة السذج يظنون ، بهذا الطوق
    مفتاح الكنز المخبوؤ فى سرداب جامع " الشوافعية " ،
    حيث كان الشيخ رجب على وشك العثور عليه ، لولا
    خادم الشوافعية ، الذي ابتلاه بريح قوية كادت تعصف به ،
    وهو يخوض عبر بوابات السرداب ،
    فزعق خارجا ، وأقسم
    أن حية عظيمة ذات ثماني رؤوس تسكن السرداب ،
    ولابد من ردمه ......

    كان الأولاد دائمي التحرش به
    – خاصة فى الوقت الذي صدر فيه
    الأمر من كبير المنطقة بالردم –
    محاولين سرقته المرة بعد الأخرى ،
    لكنه سرعان ما ينفلت مخلفا إياهم ،
    يضربون طواقيهم وشالاتهم بالأرض ...
    من فرط الجنون الذي تركهم عليه .

    وهنت الكتف الأخرى ، وأصابها الإنهاك ..
    تحت وطأة الصندوق المدلى بها ،
    أحس بها مفككة
    .. تزحف بها جيوش من نمل ،
    والعرق يغمر جسده تماما
    ، ويحوِّل الأشياء أمام عينيه خيالات بلا معالم ،
    ورؤوسا..
    لا تجد قرارها ، وضحكات ماجنة .. ولهاثا كلقلقة القرب
    الطافحة ،
    ودقات صدره بندول ساعة تراكم عليها صدأ السنين .

    واصل جريه المؤلم حتى أصبح في الخلاء ،
    توارى خلف المبنى الممتد للمعهد الديني ،
    وترك لجسده حريته ، فاساقط على الأرض ممددا .

    كان ينهى إصلاح " الكالون " بمهارته المعهودة .
    ومن ركنها المعتاد كانت عيناها تتابعانه ،
    و" اللبانة " بين شفتيها المكتنزتين ،
    لها حركة الردفين القلقين ،
    والعينان واسعتان ،
    يظلهما شحوب له رائحة نَمِرَة ..
    الوهج المذاب فى زئبق الحدقة ،
    يشيع فى خلاياه طعم البارود المحترق .

    انحسر جلبابه ، فاشتعلت زهرة الأشواق عبر عمرها المنفلت والآتي ،
    الدماء تتدفق ...
    فى الرأس و الوجنتين ،
    تستضيق الأوردة ،
    تنفرج .. تتضخم ، فترفرف نشوة جسور..دنت منه حتى لامسته ..
    صاحت كأنها ما رأت الصندوق فى طريقها
    ..ابتعدت فى خفر مفتعل ..تداخل فى بعضه
    ..انكمش به فأر الحياء ..
    انداحت فوق رأسه أبراج من تعاويذ وحكمة والده
    .. اعتصرته حتى اختبأ كقنفذ مداهم .

    عادت السيدة متخففة من ثيابها ،
    سعت إليه ،
    ارتمت أمامه مباشرة .
    :" أنت بتبين زين ؟ ".
    :" هذا عمل النسوان .. أنا أقرأ الكف و الطالع ".
    تحاول امتصاص دوى الحمحمة
    التي أصبح لها صوت بداية الزلزال ،
    طلبت منه قراءة الطالع ،
    مدت يدها
    .. منحنية إلى الأمام .. وسر مدينة
    اللذة يبدأ من رعفة الطائرين ...
    حين انفلاتهما من وطأة الأسر ....

    قرأ بيد مرتعشة ، وعينين مسبلتين فى فراغ
    ، وهى تتلوى ..تختلج مستهينة بشأنه
    – هو الغجري الأجرب –
    نافثة فى جسده زعاف ما تتلظى ....
    وكان يحترق ،
    وتراب الأرض سخين تحت قدميه العاريتين
    ...وشعور بالدونية مازال يستنزفه ..
    ويفتك بخصيتيه المحتدمتين .

    طوى جلبابه .. مرره على وجهه ..
    أزال العرق المتجمد بالغبار ..
    قام برأسه ..
    راح يتحسس الصندوق الملقى بجانبه
    ..اعتدل ..
    قلب أشياءه التي كانت تحوى إلى جانب المفك والمنجلة والمبرد الحدادى
    قارورة المخدر ... والقطن ..وسوارين ذهبيين ..
    أخذهما بين كفيه متنهدا ...
    صاعدا بوجهه للسماء .....وهو مغمض العينين .

    :" سوف أقتلع هذه يا حمامة ، وأبنى بيتا من الطوب الأحمر ، لو أن الأمر بيدي لفعلت الآن ..لكن الصبر طبيب يداوى الجراح ..أشترى أولا قطيعا من الأغنام بما معي .........".
    :" نهرب يا سعد من هذه المرأة – أمي – التي تلهف شقاى ،
    ولا تترك لى شيئا ،
    حبا فى العجل – زوجها –
    الذي يقعد أمام الدار كبغل السرجة ،
    معطيا تصاريحه للسابلة و المراهقين ،
    ولا يكتفي .... إلا وقد ساخت روحي ، وماتت أعضائي ".
    :" هانت يا حمامة .. هانت ".
    :" لم لا أقتله يا سعد ، وآخذ صرة الفلوس المعلقة برقبته ،
    ونهرب ، بلاد الله واسعة ".
    :" بلاد الله واسعة نعم ...لكن بلاد الله تعرفنا .. ولابد من تدبير أنفسنا ".

    راحت دموعه تنحت فى طبقة التراب
    التي تغطى وجهه ،
    وصوت حمامة الحزين يطارده ،
    مدويا فى كيانه ،
    وهى تتكىء على ساقيه وبطنه شبه منومة ،
    زاحفة فوق هيكله المشدود ،
    تمرغ وجهها فى صدره وتحت إبطه .

    :" سآتي المرة القادمة .. وسوف نرحل .. تعبت يا سعد ..نتزوج ..أرمى أحزانى وأوجاعي فى أحضانك ..أشكو لك ، وأحلم معك ، وأقول هذا مهري يا سعد ..هذا تعبي الذي نهبه زوج أمي ..نهرب إلى أي مكان ...نبنى بيتنا بالطوب والأسمنت ، ونغطس بين الفلاحين ونعيش عيشتهم ..أفعل كل ما تطلبه منى ..أضرب الودع ..أشرط الجيوب ..أخدر النسوان ..أدور على الأبواب.. أرقص ..أغنى ..أبلف المحرومين ".
    ثم تنسحب مترنحة برأسها الثقيل .. وقلبها الهائم فى نشوته ..

    ومن بين دموعه راح يردد :" نعم .. الآن نرحل يا حمامة ..ما عاد لنا عيش فى هذه البلدة ..الآن كتب علينا الشتات ..
    وماذا كنت أفعل .. كثيرا ما اقتحمت البيوت ،
    وسرقت الأشياء التافهة ... عشرون سنة
    ...ما رأيت وجه سيدة أو هانم من الهوانم إلا أنت يا حمامة
    ... لكن هكذا شاء القدر".

    لملم أشياءه ، وبتراخ زحف تحت جنح الليل ،
    عيناه سهمان مدببان ، ينفذان إلى مابين الأسوار و البيوت والعتمة ..
    يرشقان بطن السماء ، قتساقط الظنون ثقيلة فوق صدره الواهن .

    كان دلها قاسيا لا حد له ....وكان صبره مميتا داميا ...
    نبش فى صندوقه بأظافره ..وبخفة التقط قطعة شاش ...
    بللها بالمخدر ، ثم بحرص شديد ورغبة محمومة
    أغمد نصل فحولته ككلب في العراء ..
    اخترق مدنا وأسوارا لبلدان لم توطأ بعد ..
    وانبرى ثعبانا همجيا مشبوب العاطفة ،
    دبت فيها الروح ، قاست مرارة الألم ،
    ورهج كيانها محاولا الفكاك من الأسر ...
    تنشب أظافرها فى وجهه ،
    مطوحة برأسها – التي كانت تحت أسر المخدر _
    وأنينها المحموم يتعالى ..يتحول لصراخ خافت ...

    عندما كان عليه أن ينطلق هاربا ....
    كانت قطرات من الدماء
    تتساقط من أسفلها .

    :" سحرتني يا سعد كما سحرت الناس ...
    أحبك بألآعيبك وأشيائك ..بطوقك وصندوقك ...
    بعدستك التي بهرت بها الناس ..
    ووقفوا كأن على رؤوسهم الطير ،
    ساعة جعلت الشمس فى حجم رأس عود الكبريت
    ، وأشعلت النار فى الحطب ،
    بسائلك الأبيض الذي يجعل للمليم الأحمر لون الفضة
    ، بورقك الملون الذي تغمسه فى مائك السحري
    فإذا الأحمر أزرق ، والأزرق أحمر ..........
    أتعرف ما قالت أمي :"إنها أفاعل يختص بها آل سعد المجانين "
    ...من يومها أحب الجنون ..واليوم الذي لا أراه فى عينيك ، أتمنى لو لم أرك فيه ".

    زيادة فى الحيطة كمن بجوار عشته الصغيرة ،
    بحيث يرى كل من يتجه إليها ، أو يحتمى بها .
    :" حالا تأتى حمامة ..ولن أكون فى حاجة لهذا الجحر القذر،
    الذي رأى معي الكثير ، وأورثني الكثير ،
    رأى معي تلك السنين التي لا أنساها،
    حين كثر الكلام عن التصنيع من الإبرة إلى الصاروخ ...
    وقتها اجتنيت أموالا طائلة من تجارة الحمير ؛
    فالحمار أجلبه هزيلا ...تلتف ساقاه إحداهما على الأخرى
    ، وبعد أسبوعين بالتمام و الكمال يركبه الشاري ،
    فإذا به يركب مهرا طائرا ...
    وبعد يومين من شرائه ...
    تكون المطاردة ..
    وأكون بعيدا عن المضارب ..
    حتى يزهق ..
    ولا يبق له إلا عض النواجز ،
    واستعواض الله فى الحمار و ثمنه ..
    وما كان الأمر ليكلفني كثيرا ،
    حفنة من الفلفل أو الشطة الحمراء ،
    أدسها فى مؤخرة الحمار ...
    وتمر الأيام ..
    ومرة تفوت ..ولا أحد يموت ...
    عاش معي عشقي لحمامة ..
    رأى دموعها ...
    وسمع صوتها ..تنهداتها ...حار أنفاسها ...
    جمال جسدها عندما تتعرى ..
    وأتـعرى ...ونتدحرج فى محيطه الضيق ".

    القلق وتر ينهك القلب والروح ،
    ويدمى ثبات العصب ،
    والخوف عند القمة كان مشنقة حول الرقبة
    ...وفى القدم سلاسل من حديد ...

    جذبته الأضواء الذهبية التي كانت تسبح فيها ...
    وراح إحساسه بالوقت يتضاعف
    ...النزيف لا ينقطع ...
    والتأوهات مشارط تدمى عقله ...
    بسرعة انبرى ..ينزع عنها حليها ..
    أقل دبة قدم فى الحارة كانت بمثابة مطرقة ...
    اكتفى بالسوارين ..وحمل أشياءه ...ومضى .

    كان فى حاجة ملحة لفنجان من القهوة ...
    وحبة من التهتورة التي ترقد فى قاع الصندوق ،
    يُذهبُ بها هذا الشعور المزدوج من الخوف والبرد و القلق
    ، والفضاء من حوله ساكن هادىء ،
    كأنه ينتظر شيئا يخرجه عن حالته ...
    يرجع صدى نباح الكلاب فى المضارب
    عن قرب ومن بعيد ،
    والثغاء والنهيق يتخللان بين لحظة وأخرى .
    تقدم بجسد أثقل من الملح ...
    كلما خطا خطوة تقهقرها ...

    وفى النهاية كان يوقد لمبة الجاز ،
    ويرخى بوابة العشة – جوال الفل –
    وبسرعة يعد فنجان القهوة ، ويحوجه بالتهتورة ...
    وما أن هم برفعه على شفتيه
    حتى كانت قبضة تحط على رأسه ...
    وأخرى على فمه ...
    وثالثة تسدد الطعنات ...
    واحدة ..
    اثنتين ...
    ثلاث ..
    أربع .

    يتقدم شريط دم حارا سخينا
    – دون توقف –
    يعبر العشة ،
    يتلوى متعرجا ،
    و البطن على الأرض تنتفض ...
    تفرغ آخر مابها ...
    بينما خطوات حمامة تدنو ...
    تدنو طائرة ترتجف بكيس الفلوس ، وتغنى هامسة
    :" سعد يا سعد .. يللا يا سعد ..سعد يا سعد ".
    ..تتوارى في فضاء العشة ...
    وحين كانت صرختها تلتحم خيوطها للعبور ...
    تكتمتها القبضة ...
    بينما الأخرى تلحم الأمعاء بالأمعاء .....
    ومن بعد تستدير للانفلات ، و بيدها ما خف حمله !!
    sigpic
  • محمد الطيب يوسف
    أديب وكاتب
    • 29-08-2008
    • 235

    #2
    هل لي بقراء أخرى بعد التقاط انفاسي فقد أتعبني هذا العدو المتتالي حتى نقطة النهاية
    صفحتي الخاصة

    http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299

    تعليق

    • مجدي السماك
      أديب وقاص
      • 23-10-2007
      • 600

      #3
      تحياتي

      المبدع الكبير ربيع عقب الباب..تحياتي
      هذا عمل كبير..عميق..يستحق الاهتمام..لان فيه ابداعا مميزا..في غاية التميز.
      مودتي
      عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد الطيب يوسف مشاهدة المشاركة
        هل لي بقراء أخرى بعد التقاط انفاسي فقد أتعبني هذا العدو المتتالي حتى نقطة النهاية

        محمد الطيب شكرا لمرورك على سعد الغجرى
        كم سيكون ممتنا و انت تشهد ما يفعل
        و لكنه لن ينسى لك ان رأيتهم يقتلونه و هى
        و لم تفعل شيئا


        محبتى رائعنا
        sigpic

        تعليق

        • دريسي مولاي عبد الرحمان
          أديب وكاتب
          • 23-08-2008
          • 1049

          #5
          ان كانت ذاكرتي تسعفني حبا فانني لا زلت استذكر لهفتي المتواترة وانا اعناق هذا النص الممير لغة وبناء.
          سعد الغجري ملحمة شعرية تنساب عبر انعطافات اللغة والتواءات الاحداث في نسق يرغمك على العيش في فضاءات زاخرة...متقاربة...ومتلهفة...
          وتستحق أن تكون هدية للزميل محمد سلطان بامتياز...
          بين بداية القصة ونهايتها درامية حميمية تسلب لب القارئ بشهوة وشوق متباينين.
          عمل كبير عانقته مرارا.
          محبتي الاكيدة.

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
            المبدع الكبير ربيع عقب الباب..تحياتي
            هذا عمل كبير..عميق..يستحق الاهتمام..لان فيه ابداعا مميزا..في غاية التميز.
            مودتي
            الشهيد الحى و الحى الشهيد
            محاولتى كانت الاقتراب من روح الانسان
            وحدود القسمة التى لا تقبل الصفر إلا فى الخانة السالبة !!

            محبتى
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة دريسي مولاي عبد الرحمان مشاهدة المشاركة
              ان كانت ذاكرتي تسعفني حبا فانني لا زلت استذكر لهفتي المتواترة وانا اعناق هذا النص الممير لغة وبناء.
              سعد الغجري ملحمة شعرية تنساب عبر انعطافات اللغة والتواءات الاحداث في نسق يرغمك على العيش في فضاءات زاخرة...متقاربة...ومتلهفة...
              وتستحق أن تكون هدية للزميل محمد سلطان بامتياز...
              بين بداية القصة ونهايتها درامية حميمية تسلب لب القارئ بشهوة وشوق متباينين.
              عمل كبير عانقته مرارا.
              محبتي الاكيدة.
              أنا لا أريد له عقل ، أريده مجنونا بالكتابة
              لذا أهديتها له .. رسالة إليه .. رسالة قاسية
              لحمله على التشظى حد الهذيان .. ليمسك بالقلم
              و يسلخ وجه الليل الجاثم فى المنزلة ، ليرى ما تحت القشرة
              من أغان المعذبين ، و الصيادين .. و الـ....................!!


              محبتى دريسى
              sigpic

              تعليق

              • محمد سلطان
                أديب وكاتب
                • 18-01-2009
                • 4442

                #8
                إهداء لما رأيته أحسست بأن هناك ما يشبعني سأجده .. و الحمد لله لم يضل حدسي

                رأيت الغجري الأجرب .. و حارة هؤلاء الذين يقطنون حول جامع الشوافعية ..

                ورحي المفعمة بهم و بالحواديت عنهم .. كانت هتفهف معه و معهم .. وأيضا داخل الخص ..

                لكن لم أستطع التخلص و لا الفرار مثلها .. و مثلما فعل هذا الغجري ..

                أثناء القراءة استوقفتني معاناة الأكتاف .. هذه و تلك .. وأحسست فعلا جحافل النمل تمر منها .. دقات قلبي كانت معه .. أعلى من صوت القادوس ..
                وهنت الكتف الأخرى ، وأصابها الإنهاك ..
                تحت وطأة الصندوق المدلى بها ،
                أحس بها مفككة
                .. تزحف بها جيوش من نمل ،
                والعرق يغمر جسده تماما
                ، ويحوِّل الأشياء أمام عينيه خيالات بلا معالم ،
                ورؤوسا..
                لا تجد قرارها ، وضحكات ماجنة .. ولهاثا كلقلقة القرب
                الطافحة ،
                ودقات صدره بندول ساعة تراكم عليها صدأ السنين .

                الجو العام كان يوحي إليّ بكل الحركات .. النبرات .. الغمزات ..

                أعجبني وصفك لها وهي تلوك في العلكة و تتلوى غير ثابتة بردفين قلقين ..

                تماما كأنني أرمقه و أرمقها ..
                كان ينهى إصلاح " الكالون " بمهارته المعهودة .
                ومن ركنها المعتاد كانت عيناها تتابعانه ،
                و" اللبانة " بين شفتيها المكتنزتين ،
                لها حركة الردفين القلقين ،
                والعينان واسعتان ،
                يظلهما شحوب له رائحة نَمِرَة ..
                الوهج المذاب فى زئبق الحدقة ،
                يشيع فى خلاياه طعم البارود المحترق .

                كما أعجبني هذا الإخراج الدقيق لما دار بينهما .. بكل حرف كنت أصفق لك لأنك أجدت إدخالي فيها .. و معايشتي لما كان من هذا السعد و تلك الحمامة .. التي ما أبقت حتى طارت في النهاية .. و أنهت معها كل شئ .. كل شئٍ ضاع مني في لحظة .. فيها كانت الصور تتلاحق .. ما أمسك بخيط واحدة حتى تطاردني الأخرى ..

                ربيعي الغالي .. إهداء لن يكتمل حتى أراك .. قريباً جداً و الحمد لله .. فهنا الأمور أوشكت على الفض .. و أنتظر موعد التذكرة .. كي أطير إليك .. و إلى العم إبراهيم ..
                لما كانت الأيام الماضية .. كنت أتلظى .. أتقلب كما السمكة على الجمر الملهلب .. و الآن .. الآن فقط تأكدت لي الأمور .. و سعيد جداً لأنني سأراك .. غداً القريب .. إن قدر الله محياي ..

                قبلاتي لك و لقاطني جوار جامع الشوافعية و لسوق الللبن .. بل قُـل قبلاتي لأهل المحلة من حبيبة الصغيرة وخُذ اللفة كاملة حتى تصل إلى الخال ربيع ..

                أشكرك على الإهداء يا خال .. يا صديقي اللدود
                صفحتي على فيس بوك
                https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
                  إهداء لما رأيته أحسست بأن هناك ما يشبعني سأجده .. و الحمد لله لم يضل حدسي

                  رأيت الغجري الأجرب .. و حارة هؤلاء الذين يقطنون حول جامع الشوافعية ..

                  ورحي المفعمة بهم و بالحواديت عنهم .. كانت هتفهف معه و معهم .. وأيضا داخل الخص ..

                  لكن لم أستطع التخلص و لا الفرار مثلها .. و مثلما فعل هذا الغجري ..

                  أثناء القراءة استوقفتني معاناة الأكتاف .. هذه و تلك .. وأحسست فعلا جحافل النمل تمر منها .. دقات قلبي كانت معه .. أعلى من صوت القادوس ..
                  وهنت الكتف الأخرى ، وأصابها الإنهاك ..
                  تحت وطأة الصندوق المدلى بها ،
                  أحس بها مفككة
                  .. تزحف بها جيوش من نمل ،
                  والعرق يغمر جسده تماما
                  ، ويحوِّل الأشياء أمام عينيه خيالات بلا معالم ،
                  ورؤوسا..
                  لا تجد قرارها ، وضحكات ماجنة .. ولهاثا كلقلقة القرب
                  الطافحة ،
                  ودقات صدره بندول ساعة تراكم عليها صدأ السنين .
                  الجو العام كان يوحي إليّ بكل الحركات .. النبرات .. الغمزات ..

                  أعجبني وصفك لها وهي تلوك في العلكة و تتلوى غير ثابتة بردفين قلقين ..

                  تماما كأنني أرمقه و أرمقها ..
                  كان ينهى إصلاح " الكالون " بمهارته المعهودة .
                  ومن ركنها المعتاد كانت عيناها تتابعانه ،
                  و" اللبانة " بين شفتيها المكتنزتين ،
                  لها حركة الردفين القلقين ،
                  والعينان واسعتان ،
                  يظلهما شحوب له رائحة نَمِرَة ..
                  الوهج المذاب فى زئبق الحدقة ،
                  يشيع فى خلاياه طعم البارود المحترق .

                  كما أعجبني هذا الإخراج الدقيق لما دار بينهما .. بكل حرف كنت أصفق لك لأنك أجدت إدخالي فيها .. و معايشتي لما كان من هذا السعد و تلك الحمامة .. التي ما أبقت حتى طارت في النهاية .. و أنهت معها كل شئ .. كل شئٍ ضاع مني في لحظة .. فيها كانت الصور تتلاحق .. ما أمسك بخيط واحدة حتى تطاردني الأخرى ..

                  ربيعي الغالي .. إهداء لن يكتمل حتى أراك .. قريباً جداً و الحمد لله .. فهنا الأمور أوشكت على الفض .. و أنتظر موعد التذكرة .. كي أطير إليك .. و إلى العم إبراهيم ..
                  لما كانت الأيام الماضية .. كنت أتلظى .. أتقلب كما السمكة على الجمر الملهلب .. و الآن .. الآن فقط تأكدت لي الأمور .. و سعيد جداً لأنني سأراك .. غداً القريب .. إن قدر الله محياي ..

                  قبلاتي لك و لقاطني جوار جامع الشوافعية و لسوق الللبن .. بل قُـل قبلاتي لأهل المحلة من حبيبة الصغيرة وخُذ اللفة كاملة حتى تصل إلى الخال ربيع ..

                  أشكرك على الإهداء يا خال .. يا صديقي اللدود
                  قل هو سعد بكل ما يحمل ، من نوازع البشر ، و غبار ، و دونية ، و أشياء لا حصر لها ، إلى جانب حمامة .. قل هو سعد ربما أوقع و أصدق من سفلة نراهم ، و نكتوى بما يفعلون ، و هم هراء ، و بلا أدنى قيمة تذكر .. قل هو سعد الغجرى ، الذى يمتهن الكثير من الحيل ، و الكثير من الكذب ، و لكنه كذب العيش ، ليجد اللقمة ، و الطريق ، عكس الكلاب الذين يكذبون كل ثانية
                  مغتالين عقول الناس ، و البشر ، و إن يفعلون إلا ضلالا لأنفسهم و ساء ما يفعلون .. لسعد أشرف ألف مرة منهم ، و من مؤخراتهم الساقطة !!

                  أخبار جميلة محمد حبيبى .. و أنا هنا أنتظر حضورك و حضورها الملكى !!


                  محبتى
                  التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 01-02-2010, 22:16.
                  sigpic

                  تعليق

                  • نزار ب. الزين
                    أديب وكاتب
                    • 14-10-2007
                    • 641

                    #10
                    [align=center][table1="width:95%;background-image:url('http://www.almolltaqa.com/vb/mwaextraedit2/backgrounds/113.gif');"][cell="filter:;"][align=right]
                    المبدع ربيع عقب الباب
                    لحسن حظي تحررت قليلا من مشاغلي لأبدأ بقراءة "سعد الغجري" ، هذا النص الذي شدني حتى الأخير ، بل جعلني أعيده أكثر من مرة
                    الخط الرئيسي للسرد اعتمد على التداعيات العقلية التي كانت تدور في دماغ هذا السعد المحترف لإصلاح الأقفال ظاهرا و اللصوصية و الإعتداء على المحصنات باطنا
                    إلى أن دارت به الدوائر آخر الأمر فكانت خاتمته غير المأسوف عليها
                    وصف بانورامي بالأبعاد الثلاثة أجدته ، كما أجدت الغوص في نفسية أضناها اللهاث وراء كل ما هو حرام
                    أهنئك ، و دمت متألقا

                    نزار
                    [/align][/cell][/table1][/align]

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة نزار ب. الزين مشاهدة المشاركة
                      [align=center][table1="width:95%;background-image:url('http://www.almolltaqa.com/vb/mwaextraedit2/backgrounds/113.gif');"][cell="filter:;"][align=right]
                      المبدع ربيع عقب الباب
                      لحسن حظي تحررت قليلا من مشاغلي لأبدأ بقراءة "سعد الغجري" ، هذا النص الذي شدني حتى الأخير ، بل جعلني أعيده أكثر من مرة
                      الخط الرئيسي للسرد اعتمد على التداعيات العقلية التي كانت تدور في دماغ هذا السعد المحترف لإصلاح الأقفال ظاهرا و اللصوصية و الإعتداء على المحصنات باطنا
                      إلى أن دارت به الدوائر آخر الأمر فكانت خاتمته غير المأسوف عليها
                      وصف بانورامي بالأبعاد الثلاثة أجدته ، كما أجدت الغوص في نفسية أضناها اللهاث وراء كل ما هو حرام
                      أهنئك ، و دمت متألقا

                      نزار
                      [/align][/cell][/table1][/align]
                      زيارتك غالية استاذى
                      كم أتمناها و أنتظرها
                      لأنها بحق تكون فى منزلة شهادة أزين بها كتاباتى

                      شكرى و احترامى لكل حروفك التى خصصتنى بها

                      محبتى
                      sigpic

                      تعليق

                      • مصطفى الصالح
                        لمسة شفق
                        • 08-12-2009
                        • 6443

                        #12
                        دسم جدا استاذ ربيع

                        انا سعيد جدا لمعانقتي هذا النص الزخم جدا

                        الشاعري جدا

                        البليغ حد الجنون

                        أنّى لي بمثل هذا النص

                        الا اذا وربما تحررت من بعض الاثقال الجاثمة هنا وهناك

                        ربما وليس اكيدا قد نبدا بالتقليد

                        كل التقدير والود
                        [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                        ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                        لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                        رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                        حديث الشمس
                        مصطفى الصالح[/align]

                        تعليق

                        • أحمد عيسى
                          أديب وكاتب
                          • 30-05-2008
                          • 1359

                          #13
                          الأديب الكبير : ربيع
                          حقاً انها ملحمة ..
                          طويلة وكنت أخاف دخولها .. فما أن فعلت حتى وجدتني لا ألتقط الأنفاس وصولاً لنهاية هذا النص الراق ..
                          ما بين سعد الحرامي ، الذي لا يتورع عن فعل أي شيء ، وبين الأنثى التي تضع رغباتها أمامه ، في صراع مجنون بين الارادات ، التمنع والرغبة ، حد الجنون ..
                          كنت معك في كل مكان ، في الخلاء ، خلف ذاك المبنى ، نظراتي تلاقي نظراتها ، تشعر بجنونها ورغباتها ، كنت معك ومعها ..
                          مبدع أنت دون مجاملة ، نصوصك تستحق دراسة مفصلة ... وقراءة معمقة ..
                          .

                          تقبل حبي
                          تلميذك .
                          أحمد
                          ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                          [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                          تعليق

                          • عائده محمد نادر
                            عضو الملتقى
                            • 18-10-2008
                            • 12843

                            #14
                            الربيع ربيع عقب الباب
                            ربما الإهداء جعلني أتخيل الكثير من أعمال الزميل محمد ابراهيم من
                            المصاطب إلى اللبانة او التبانة و الشيخ وألواح المرمرووو
                            الكثير مما كتب محمد من أعمال
                            ليتني كنت أنا من أوحيت لك ربيعي بكل هذا فقد شعرت بأنك وضعت نصب عينيك أعماله ورحت تنسج بأنامل ذهبية عملا متوجا بكل هذا السحر
                            هل فعلا ربيع أم هي مجرد تهيء هيء لي في لحظة قراءة مجنونة وربما ليست متعمقة كثيرا!!؟
                            الحقيقة ربيع النص جعلني أتوه في عالم نسجته بأحرف مرمرية
                            وكما قلت لك سابقا أعمالك تأخذني إلى حيث الدهشة وتفتح قريحتي كي أغوص في أعماق بين السطور وليس السطور نفسها وأن أبحث عن الكنز وأين خبأته
                            لك نفس طويل جدا ربيع
                            ودي ووردي لروحك الغالية
                            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                            تعليق

                            • م. زياد صيدم
                              كاتب وقاص
                              • 16-05-2007
                              • 3505

                              #15
                              ** الراقى الاديب المتميز ربيع.......

                              سرد مشوق بادب رفيع.. اسلوب هو الاجمل اخى ربيع.. كانت غجرية..وراح ضحيتها من احبها وحلم الربيع فى قيظ صيف شديد الوهج..فكان مصرعه بيد بائعة الاحلام.. غجرية اصيلة النسب والحسب..!!

                              تحايا عبقة بالزعتر..................
                              أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                              http://zsaidam.maktoobblog.com

                              تعليق

                              يعمل...
                              X