أيام مُعلّقة
أخذ حفنة من الجدول و خطّ بالماء على جبينها قائلا: "أقسِمي أنك ستحبينني إلى الأبد" فقالت و عيناها في عينيه: "و لكنك لا تؤمن بالحب و لا بالأبد".
كانا يتكاتبان كل يوم و كانا يجدان كل يوم ما يُخبران به بعضهما و ما يشتركان فيه، لا يذكران من بدأ بكتابة الرسالة الأولى و لكن الخيوط اُنتسجت شيئا فشيئا حتى صار من الصعب اُنفصالهما.
تزوّجا و أنجبا أطفالا لكنه كان ينشغل أكثر فأكثر بنرجسيته الفنية التي غدت مع السنين ثمرة ناضجة جاهزة للقطف فيما لم يعودا يتبادلان الكلام كما في السابق. حين كان يذهب في جولاته الطويلة فيجد النساء الرشيقات اللواتي يلهبن خياله و يطِرْن بعواطفه، كان يتجدد معهن و يصير خلقا آخر حتى أنه كان يُكلّف سائقه الخاص بكتابة رسائل برقية لها من قبيل "كيف حال الأولاد؟" أو "ماذا أجلب معي عند عودتي؟" أو"هل تعافى فادي من توعّكِه؟" و كانت تعلم ذلك.
كانت تعرف اُلتماعة الحب الجديد في عينيه و تراقب –بِصَبْر- سَهْوَهُ طيلة ليال حتى تداخُل التجربة العاطفية بالعمل الفني فيشهد في البداية تذبذبا ثم يأخذ إشعاعه الكامل و نبرته الخاصة. إنه يهيم بحبيباته و يعشق وصالهن و لكنه يعود إليها في النهاية في حياة كلها عشق و سيطرة.
.
-لقد أقسمتُ ذات يوم على حُبّكَ للأبد و لكنك لم تُقسِم على حُبّي للأبد.
-كنتِ تعرفين قانون اللعبة و قررتِ خَوْضَها.
-هل يعني هذا أنك لا تُحِبّني؟!
-كانت فتاةٌ صغيرة تُحِبّ صائغا، كانت تعشق شبابَهُ و قدرته السحرية على تحويل معدن الذهب إلى قطعة فريدة تعطي لكل اُمرأة طابعها و أنوثتها الخاصة و إن اُفتقدت الجاذبية فأرادت الفتاة ان تمتلكه.
-ثم ماذا حدث بعد؟
-ما كان يجب أن يحدث!
-هل أحبّها الصائغ؟
-طبعا أحبّها، كما أحبّ كل اُمرأة صنع لها قطعة حُليّ، أحبّها كما يعشق جرّاح التجميل المرأة التي يُزيل الغيوم من وجهها و الشاعر المرأة التي يستهلك حضورُها ديوانا بأكمله و الموسيقي الذي يجعل منها سمفونية خالدة.
-و ماذا فَعَلتْ؟
-لم تَفْهم، لم تفهم أن الفنان كائن حرّ. ألمْ يُرِد شهريارُ اُمتلاك شهرزاد فهل اُستطاع؟ أليست شهرزادُ روحَ الفنان التي تتحرّرُ من الفنان نفسِه، من قُبْحِهِ و عجزه و مرضِهِ و تَقدّمِهِ في السِنّ؟
أخرجَ رسالة من الدرج و أخذ يقرؤها قائلا: " ألم تكتُبي لي: "حين أراكَ تدبّ الحياة في دمائي، أتوهم الخلود و الكمال و أتحرر من قيودي"؟ إن العديد من الناس يشعرون كما تشعرين و يُعانقون الوهم ليتحرروا شيئا فشيئا من قيودهم و لكني أعود إليكِ دائما و معكِ وحدكِ تنازلت عن فرديتي و أردت ان يكون لي أطفال"
-ستُكبّلكَ سلاسِل الأنانية و ستتخثر دماء عشيقاتك في طريق حياتك و لا بُدّ أن تزلّ قدماك هنالك و تموت.
-ما هذه النبوءة المشؤومة! سأضطرّ عندها لاُختيار طريق أخرى (ضاحكا).
أخذت تحزم أمتعتها.
-ماذا تفعلين؟
-أحتاج لبعض الوقت لأنفرد بنفسي و أفكّر.
-لن تذهبي إلى أيّ مكان.
-أولادُك لم يعودوا بحاجة إليّ و أنت لم تكن يوما كذلك، أحتاج لبعض الوقت لأستعيد نفسي.
-ستعودين بعد يوميْن.
-لن أعود إلا حين أجد نفسي.
أخذ يُداعب ظهرها و ينحدر قليلا قليلا، اِزدادت مُداعباتُهُ خشونة.
-اُتركني!
-(هامسا) أنا أحبّكِ أنتِ.
-(باكية)أنتَ لا تُحِبّ أحدا، و لا حتى أطفالك، و لا حتى نفسَك.
أدارها نحوهُ بقوّة.
-اِغتَصِبْني إن شِئتَ و لكن لن يكون ذلك بِرِضَايَ بعد الآن.
-سأغتصِبُكِ، بِرِضَاكِ.
-اُتركني، سيكون نادِلُ في مقهى أكثر حنانا و تَفهّما منك، أنتَ أنا مُتضَخِّمة لا ترى إلا نفسَها.
-أنتِ خائنة.
-طبعا، كلمة واحدة قلتها في حياتي جعلتني خائنة أما انتَ فتخونني على مرأى و مسمع الجميع، في البلاد البعيدة و القريبة، و حتى في حانة البلدة. اُنظروا، اِسمَعوا الرسام العظيم يخون زوجته الوفية الخانعة الراضية راهبة الفن و قربان الرسم.
-سأخرج لبعض الوقت و حين أعود تكونين قد هدأتِ.
-طبعا، يجب أن تكون الوحيد الذي يخرج و الوحيد الذي يترُك، سيخرج كِلانا، كل في طريق.
غطّى جِسمَها بالقُبل: "أنتِ معْنَايَ و أنا مَعناكِِ، هل تغارين حقا من أولئك العابرات! أنا لا أذكر حتى أسماءهُنّ"
تداخَلا في عراكٍ طويل اُستمرّ حتى اُقترب الليل ثم خرج هو إلى "البار" فيما اُنسلّت هي بحقائبها باحثة عن ذاتها التي دفنها الغُبار.
كانت تعرف أنه كان عناق الوداع، لقد كان يُودّعها قبل أن يَضَعها للمرّة الأخيرة و هكذا كانت هي تضع أيامها المُعلّقة لآخر مرّة.
19جانفي2010
كانا يتكاتبان كل يوم و كانا يجدان كل يوم ما يُخبران به بعضهما و ما يشتركان فيه، لا يذكران من بدأ بكتابة الرسالة الأولى و لكن الخيوط اُنتسجت شيئا فشيئا حتى صار من الصعب اُنفصالهما.
تزوّجا و أنجبا أطفالا لكنه كان ينشغل أكثر فأكثر بنرجسيته الفنية التي غدت مع السنين ثمرة ناضجة جاهزة للقطف فيما لم يعودا يتبادلان الكلام كما في السابق. حين كان يذهب في جولاته الطويلة فيجد النساء الرشيقات اللواتي يلهبن خياله و يطِرْن بعواطفه، كان يتجدد معهن و يصير خلقا آخر حتى أنه كان يُكلّف سائقه الخاص بكتابة رسائل برقية لها من قبيل "كيف حال الأولاد؟" أو "ماذا أجلب معي عند عودتي؟" أو"هل تعافى فادي من توعّكِه؟" و كانت تعلم ذلك.
كانت تعرف اُلتماعة الحب الجديد في عينيه و تراقب –بِصَبْر- سَهْوَهُ طيلة ليال حتى تداخُل التجربة العاطفية بالعمل الفني فيشهد في البداية تذبذبا ثم يأخذ إشعاعه الكامل و نبرته الخاصة. إنه يهيم بحبيباته و يعشق وصالهن و لكنه يعود إليها في النهاية في حياة كلها عشق و سيطرة.
.
-لقد أقسمتُ ذات يوم على حُبّكَ للأبد و لكنك لم تُقسِم على حُبّي للأبد.
-كنتِ تعرفين قانون اللعبة و قررتِ خَوْضَها.
-هل يعني هذا أنك لا تُحِبّني؟!
-كانت فتاةٌ صغيرة تُحِبّ صائغا، كانت تعشق شبابَهُ و قدرته السحرية على تحويل معدن الذهب إلى قطعة فريدة تعطي لكل اُمرأة طابعها و أنوثتها الخاصة و إن اُفتقدت الجاذبية فأرادت الفتاة ان تمتلكه.
-ثم ماذا حدث بعد؟
-ما كان يجب أن يحدث!
-هل أحبّها الصائغ؟
-طبعا أحبّها، كما أحبّ كل اُمرأة صنع لها قطعة حُليّ، أحبّها كما يعشق جرّاح التجميل المرأة التي يُزيل الغيوم من وجهها و الشاعر المرأة التي يستهلك حضورُها ديوانا بأكمله و الموسيقي الذي يجعل منها سمفونية خالدة.
-و ماذا فَعَلتْ؟
-لم تَفْهم، لم تفهم أن الفنان كائن حرّ. ألمْ يُرِد شهريارُ اُمتلاك شهرزاد فهل اُستطاع؟ أليست شهرزادُ روحَ الفنان التي تتحرّرُ من الفنان نفسِه، من قُبْحِهِ و عجزه و مرضِهِ و تَقدّمِهِ في السِنّ؟
أخرجَ رسالة من الدرج و أخذ يقرؤها قائلا: " ألم تكتُبي لي: "حين أراكَ تدبّ الحياة في دمائي، أتوهم الخلود و الكمال و أتحرر من قيودي"؟ إن العديد من الناس يشعرون كما تشعرين و يُعانقون الوهم ليتحرروا شيئا فشيئا من قيودهم و لكني أعود إليكِ دائما و معكِ وحدكِ تنازلت عن فرديتي و أردت ان يكون لي أطفال"
-ستُكبّلكَ سلاسِل الأنانية و ستتخثر دماء عشيقاتك في طريق حياتك و لا بُدّ أن تزلّ قدماك هنالك و تموت.
-ما هذه النبوءة المشؤومة! سأضطرّ عندها لاُختيار طريق أخرى (ضاحكا).
أخذت تحزم أمتعتها.
-ماذا تفعلين؟
-أحتاج لبعض الوقت لأنفرد بنفسي و أفكّر.
-لن تذهبي إلى أيّ مكان.
-أولادُك لم يعودوا بحاجة إليّ و أنت لم تكن يوما كذلك، أحتاج لبعض الوقت لأستعيد نفسي.
-ستعودين بعد يوميْن.
-لن أعود إلا حين أجد نفسي.
أخذ يُداعب ظهرها و ينحدر قليلا قليلا، اِزدادت مُداعباتُهُ خشونة.
-اُتركني!
-(هامسا) أنا أحبّكِ أنتِ.
-(باكية)أنتَ لا تُحِبّ أحدا، و لا حتى أطفالك، و لا حتى نفسَك.
أدارها نحوهُ بقوّة.
-اِغتَصِبْني إن شِئتَ و لكن لن يكون ذلك بِرِضَايَ بعد الآن.
-سأغتصِبُكِ، بِرِضَاكِ.
-اُتركني، سيكون نادِلُ في مقهى أكثر حنانا و تَفهّما منك، أنتَ أنا مُتضَخِّمة لا ترى إلا نفسَها.
-أنتِ خائنة.
-طبعا، كلمة واحدة قلتها في حياتي جعلتني خائنة أما انتَ فتخونني على مرأى و مسمع الجميع، في البلاد البعيدة و القريبة، و حتى في حانة البلدة. اُنظروا، اِسمَعوا الرسام العظيم يخون زوجته الوفية الخانعة الراضية راهبة الفن و قربان الرسم.
-سأخرج لبعض الوقت و حين أعود تكونين قد هدأتِ.
-طبعا، يجب أن تكون الوحيد الذي يخرج و الوحيد الذي يترُك، سيخرج كِلانا، كل في طريق.
غطّى جِسمَها بالقُبل: "أنتِ معْنَايَ و أنا مَعناكِِ، هل تغارين حقا من أولئك العابرات! أنا لا أذكر حتى أسماءهُنّ"
تداخَلا في عراكٍ طويل اُستمرّ حتى اُقترب الليل ثم خرج هو إلى "البار" فيما اُنسلّت هي بحقائبها باحثة عن ذاتها التي دفنها الغُبار.
كانت تعرف أنه كان عناق الوداع، لقد كان يُودّعها قبل أن يَضَعها للمرّة الأخيرة و هكذا كانت هي تضع أيامها المُعلّقة لآخر مرّة.
19جانفي2010
تعليق