لا أعرفُ لي وطناً سواكِ../قصة/نور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    لا أعرفُ لي وطناً سواكِ../قصة/نور

    لا أعرفُ لي وطنًا سواكِ...
    خرجتُ من باب البناية الكبيرة..وقفتُ برهةً مطرقا أحاول أن أستجمع ذاتي..أشعلتُ سيجارة..الأخيرة في العلبة.. أخذتُ نفسا عميقا ..أعمق من أي مرّة ثم نفثتُ الدخان من فمي عاليا و معه زفرة حملت كل الثورة التي تضطرم في داخلي .و كل القهر الجاثم على صدري... نظرت حولي ..تردّدت ..هل أسيرُ يمينا أم أنعطف شمالا ؟....جررتُ ساقيّ جراً و اتّجهت إلى البيت.." حسبي الله و نعم الوكيل..حسبي الله و نعم الوكيل ".
    لا أدري كيف استطعتُ أن أمسك أعصابي..كان يمكن أن أقلبَ به الطاولة أو أرميَه بالكرسي..أو أصرخ في وجهه بأنني إنسان..ألا يشفع لي كوني إنسانا ؟..مالذي ألجم لساني فابتلعت الإهانة و خرجت مطأطئ الرأس كأنما أنا المذنب لا الضحيه ؟.. لكني وعدتها بأن أتصرّف بحكمة و تعقّل من أجلها و من أجل ' كريم ' .توسلات عينيها لا تفارقني " أرجوك..لا تتهوّر..لو حصل لك مكروه ..من لنا بعدك ؟" .
    رئيس البلدية كان واضحا.." لا يمكنني أن أفعل أي شيء من أجلك.. أنا لست وزير التضامن ." .هكذا ..ليس بمقدوره أن يساعدني في أمر الوثائق و لا أن يوفّر لي مسكنا يليق بآدميّتي.. أحمي فيه عائلتي من عواصف الطبيعة و عصف البشر..
    رئيس البلدية ليس وزيرا للتضامن ..و لو أقابل وزير التضامن فسوف يقول " لست رئيسا للدولة ! "..ترى ماذا سيقول لي رئيس الدولة و أنا 'إبن الدولة '؟..ها قد بدأت أهذي !... مقابلة الموت أسهل من مقابلة الوزير أو الرئيس..طبعا.. يكفي أن أتقدم الأن معصوب العقل و أجتاز ذلك الشارع المزدحم بسياراته المجنونة ..فتكون نهايتي ..و لكن ربما سيرفضون دفني ..فأنا لا أملك شهادة ميلاد و لا شهادة إقامة..أنا نكرة ..لا..لا..القبور للجميع..لكي تحصل على قبر لست بحاجة إلى ملف أو إثبات هوية...لك الحق في الموت و ليس لك الحق في الحياة ..-الكريمة- .و لكني لن أنتحر..لست جبانا – أو شجاعا ؟ - بما يكفي ..فعَلها ثلاثتهم ..أحمد و رائد و زكريا ..قفزوا السور إلى الجانب الأخر. ...اختاروا الموت على التشرّد و الضياع ..في صباح يوم بائس من أيام الشتاء و جدناهم جثثا هامدة ..كان ذلك منذ خمس سنوات ..حين أُجبرنا على مغادرة مركز الطفولة المسعفة الذي أمضينا فيه ثمانية عشرة سنة..
    أنا لن أفعلها..حياتي ليست ملك لي ..هناك غير بعيد عن أحياء المدينة الراقية ..حيث المنازل بحدائقها المعبّقة بشذى الورد.. يقبع بيت قصديري حقير..-كوصمة في جبين الكرامة الوطنية- ..تنتظرني فيه زوجة حامل و ابن يحلم بالذهاب إلى الروضة...لا ..لستِ مجرد زوجة..أنت الرفيقة و الحبيبة ..و الوطن و السكن ..أنت التي صالحتُ بك الأيام...و غفرتُ بك لامرأة تُسمّى والدتي.. إمرأة أهدتني صرخة البداية ..ثم تلاشت .أما التي تبنّتني-الدولة-جازاها الله –فقد منحتني الحليب و الوسادة و الكتاب..ثم انسحبت ..لا يمكنها أن تمنحني أكثر!..و في انتظار شهقة النهاية كان عليّ أن أمشي الطريق الطويل المعبّد بالحرمان...وحدي. لولا أنك كنتِ معي ..رفيقة ..ثم حبيبة.. ثم زوجة... في ليلة عرسنا البسيط في الميتم وعدتك أن أكون لك أبا و أنتِ لي أما..
    أنت و أنا.. يجمعنا نفس الإسم : الألم .و نفس اللقب : أبناء الدولة ..
    من كان يُفترض بهم حمايتنا لفظونا إلى الدنيا و اختفوا كما تفعل السلحفاة....غير صحيح....السلحفاة أكثر رحمة...على الأقل تدفن بيضها في رمل الشاطئ قريبا من الماء لتضمن لأبناءها بصيصا من العيش ..
    ما لي أفكر في هذا الأمر الأن..؟ لم يعد يهمّني أن أعرف أصلي و لا من أكون ..ما عدت أسأل أي ذنب اقترفت..اقترفنا.. و لا أي جريمة ارتكبت ..وجودك في حياتي ألغى كل الأسئلة ..
    أنا الأن أمام"البيت ''..سوف أدخل ..ألقي بثقل خيبتي على كتفيك ..فتجلسين إلى جانبي ..تمسكين بذراعي ..و تهمسين لي " هناك ربٌّ كريم..غدا يكون أفضل...فقط لا تيأس.." ..تجلبين لي القهوة ..أرتشفها في صمت و أنا أراقب 'كريم ..' و هو يلعب و يقفز و يسألني بين الفينة و الأخرى " بابا..متى أذهب إلى الروضة ؟ "..
    كم أحب أن أنظر إليه ليلا و هو نائم ..تهدهده أحلام بريئة طفولية ..أقسمتُ أن لا أسمح لأيّ كان أن يغتصبها منه..و حين تندسّين في الفراش إلى جانبي و أحتضن جسدك ..أحس بانتمائي الحقيقي ..و أطبق أجفاني على حقيقة واحدة ..هي أنت و إبني ..
    أنتما أهلي ....هويّتي..و أنتِ..أنتِ وطني الذي لا أعرف لي وطنا سواه.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميلة القديرة
    نور بنت محمد
    أحسنت سيدتي
    نص جميل
    سرد سلس وشجي
    فكرة رائعة تمتلأ بأوجاع فئة من الناس تعاني الويلات
    وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة
    تركت النجوم بعدي لأني أرى الإبداع هنا
    تحياتي ومودتي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • إيهاب فاروق حسني
      أديب ومفكر
      عضو اتحاد كتاب مصر
      • 23-06-2009
      • 946

      #3
      الرائعة
      نور بنت محمد
      للأسف أن تلك هي المرة الأولى
      التي أغرق نفسي فيها في بحر كلماتك الدافقة
      حقاً قديرة أنتِ
      وأحسنتِ اختيار الوطن
      الزوجة حين تتسع ذراعاها لتحيط بهما الدنيا
      تصبح وطناً لزوجٍ تقتله الصراعات مراراً
      تحية لك على هذا النص الجميل
      إيهاب فاروق حسني

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
        الزميلة القديرة
        نور بنت محمد
        أحسنت سيدتي
        نص جميل
        سرد سلس وشجي
        فكرة رائعة تمتلأ بأوجاع فئة من الناس تعاني الويلات
        وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة
        تركت النجوم بعدي لأني أرى الإبداع هنا
        تحياتي ومودتي
        الأخت الرائعة عائدة..
        ألف شكر لك..كلماتك الرقيقة و إطلالتك المشرقة أروع من كل النجوم.
        مودّتي .
        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة إيهاب فاروق حسني مشاهدة المشاركة
          الرائعة
          نور بنت محمد
          للأسف أن تلك هي المرة الأولى
          التي أغرق نفسي فيها في بحر كلماتك الدافقة
          حقاً قديرة أنتِ
          وأحسنتِ اختيار الوطن
          الزوجة حين تتسع ذراعاها لتحيط بهما الدنيا
          تصبح وطناً لزوجٍ تقتله الصراعات مراراً
          تحية لك على هذا النص الجميل
          الأخ الفاضل إيهاب فاروق حسني..
          أنا أكثر منك أسفا..لأني حُرمت من تواجدك المشرّف..
          إن كانت الأولى..فأتمنى أن لا تكون الأخيرة..
          شكرا لك.
          تحيّتي و احترامي.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • مصطفى الصالح
            لمسة شفق
            • 08-12-2009
            • 6443

            #6
            اختي نور

            يعطيك الف عافية

            ما شاء الله

            اذا حضر الماء بطل التيمم

            ابدعت

            كل التقدير

            مصطفى الصالح
            [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

            ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
            لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

            رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

            حديث الشمس
            مصطفى الصالح[/align]

            تعليق

            • مها راجح
              حرف عميق من فم الصمت
              • 22-10-2008
              • 10970

              #7
              بوح جميل استاذة نور
              أن يبقى الوطن داخلنا وان كان رمزا
              تحيتي ومودتي
              رحمك الله يا أمي الغالية

              تعليق

              • آسيا رحاحليه
                أديب وكاتب
                • 08-09-2009
                • 7182

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة
                اختي نور

                يعطيك الف عافية

                ما شاء الله

                اذا حضر الماء بطل التيمم

                ابدعت

                كل التقدير

                مصطفى الصالح
                العفو أخي مصطفى..
                كل الشكر لك..
                منتهى سعادتي أن يكون النص لاقى إعجابك.
                مودّتي دائما.
                التعديل الأخير تم بواسطة آسيا رحاحليه; الساعة 23-01-2010, 08:56.
                يظن الناس بي خيرا و إنّي
                لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                تعليق

                • آسيا رحاحليه
                  أديب وكاتب
                  • 08-09-2009
                  • 7182

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
                  بوح جميل استاذة نور
                  أن يبقى الوطن داخلنا وان كان رمزا
                  تحيتي ومودتي
                  شكرا أختي مها..
                  ربّ وطن هو الحبيب..و ربّ حبيب هو كل الأوطان.
                  مودّتي.
                  يظن الناس بي خيرا و إنّي
                  لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                  تعليق

                  • محمد محضار
                    أديب وكاتب
                    • 19-01-2010
                    • 1270

                    #10
                    ماراقني في نصك , هو تلك الإنسيابية الجميلة , والتدفق السردي الحميمي الذي يجعل القارئ قريبا من شخوص النص , الذي يحفر اخاديد في الحياة الموغلة في الظلم.. إنسان ضعيف يبحث لنفسه عن موضع قدم من أجل أسرته المرتبطة به..لكنه يتحول إلى مجرد رقم بالنسبة للدولة , ولعل دفء اسرته سيشكل حتما القوة التي تدفعه من اجل المقاومة....
                    التعديل الأخير تم بواسطة محمد محضار; الساعة 23-01-2010, 09:07.
                    sigpicلك المجد أيها الفرح المشرق في ذاتي، لك السؤدد أيها الوهج المومض في جوانحي...

                    تعليق

                    • آسيا رحاحليه
                      أديب وكاتب
                      • 08-09-2009
                      • 7182

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد محضار مشاهدة المشاركة
                      ماراقني في نصك , هو تلك الإنسيابية الجميلة , والتدفق السردي الحميمي الذي يجعل القارئ قريبا من شخوص النص , الذي يحفر اخاديد في الحياة الموغلة في الظلم.. إنسان ضعيف يبحث لنفسه عن موضع قدم من أجل أسرته المرتبطة به..لكنه يتحول إلى مجرد رقم بالنسبة للدولة , ولعل دفء اسرته سيشكل حتما القوة التي تدفعه من اجل المقاومة....
                      أخي محمد محضار..
                      شرّفتَ صفحتي..
                      صدقتَ فالدفء و الحب الذي يربطه بأسرته الصغيرة هما قوّة الدفع التي تجعله يقاوم و يصمد و يتحدّى.
                      تحيّتي و شكرا على المرور و القراءة و الإضافة الثرية.
                      يظن الناس بي خيرا و إنّي
                      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                      تعليق

                      • حماد الحسن
                        سيد الأحلام
                        • 02-10-2009
                        • 186

                        #12
                        مساؤك سعيد سيدتي المبدعه آسيا رحاحلية
                        مرة ضحكت من عبارتي المبدعه الرقيقة سمية البوغافرية,عندما قلت لها في الرد هذه هي سمية التي أعرفها.
                        فهل ستضحكين انت أيضاً من العبارة:
                        هذه آسيا التي أعرفها, والتي عرفتها وأتابعها من مدة وجيزة.
                        كما توقعت عندما وضعت رداً على قصتك (لماذا اللوحة مقلوبة).
                        هذه آسيا تضع تعريفاً للوطن,تعريفاً واحداً من تعاريف كثيرة ستفاجؤني بها,وأقصد أديبة متألقة بحجم آسيا رحاحلية,وهل سأجد للوطن في قصصك القادمة تعاريف أخرى؟! ولكن شكراً لوطن آسيا رحاحلية,وطن بطل قصتها,ووطني الأكثر قرباً من الوريد.
                        وانتظري ردودي المتعبة على باقي النصوص التي مهرتها بتوقيعك الكريم , فلقد تعبت اليوم من الجلوس وراء الجهاز البارد,والمزدان بربيع عباراتك التي أسرتني طوال هذه الفترة
                        ودمتم بمودة واحترام بالغين

                        تعليق

                        • آسيا رحاحليه
                          أديب وكاتب
                          • 08-09-2009
                          • 7182

                          #13
                          سيدي الفاضل..
                          لا . لم أضحك على تلك العبارة .أنا سعيدة بها . عائدة أيضا قالت لي ذلك مرّة فابتهجت و قرّرت أن أفعل ما بوسعي حتى أبقى آسيا التي يعرفها الإخوة هنا .أعتقد أننا في هذا العالم الإفتراضي الإبداعي الجميل نستطيع أن نعرف الآخر إلى حد ما من خلال تعبيراته و أفكاره و أسلوبه .
                          الوطن موجود دائما في معظم النصوص التي كتبتها ..بأي صفة كانت..قد يكون المرأة ,الحبيبة ,أو الأم أو القضية ..و مهما تعدّدت التعريفات يبقى الوطن هو الوطن .. ربما نحبه و نكرهه في آن .
                          آسفة لأني جعلتك تتعب في الرد على نصوصي و اتمنى ان أكون عند حسن ظنّك في كتاباتي القادمة.
                          تحيّتي و احترامي.
                          يظن الناس بي خيرا و إنّي
                          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                          تعليق

                          يعمل...
                          X