لسعة ضمير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    لسعة ضمير

    لسعة ضمير


    1

    قالت روح فاطمة للجنرال وهو يطلق رصاصاته الأخيرة على جسدها الميّت:
    --ألم تشبع قتلا !؟
    قال الجنرال :
    - شهوتي لا تشبع إلا بعد خمسين قتيلا ونيّف !
    - لكن كل رصاصك الذي تطلقه لن يميتني ولن يجديك نفعا !
    - يكفيني أنني أتمتع .
    - هذه ليست الحقيقة .
    - وما هي الحقيقة ؟
    - ألحقيقة كأنك تطلق الرصاص على نفسك فتقتلها !
    - لم أفهم .
    - إن متعة القتل تعرّيك وتسقط عنك أقنعة الإنسان المصطنعة وتقتل فيك الجمال والحب والحق والله.
    - لكنها ترفعني درجة.
    - بل تهبط بك درجات !
    - والرتبة على كتفي ؟
    - ستتحول إلى قيد تحبس الإنسان فيك وتشلّ إرادتك وتطلق يديك فيما يريدون وكيفما يريدون!
    - لا أفهم.
    - أنظر في عيون الأطفال الصغار واليتامى والأمهات فترى الحقيقة فيما أقول .

    2

    أخذت روح فاطمة تطارد الجنرال وتلاحقه في أحلامه، تطرد النوم من بين أجفانه وتزرع بدلا منه ألأرق وتعب الأعصاب، وكان يكابر، لا يظهر شيئا، إلى أن حاصرته ذات ليلة قائلة:
    - جئت أعتذر عمّا سببت لك من إحراج.
    - أكاد لا أصدق ! أبعد كل ما جرى ..وتعتذرين!؟
    - إني أشفق عليك بعد أن تعرّيت.
    - ظننتك جئت تشمتين.
    - لا تنس أ ن قلوب الأموات ورود بيضاء، نقية من الحقد لا تعرف الشماتة.

    3

    عادت روح فاطمة تلاحق الجنرال وتطرد النوم من عينيه ، فخرج ذات ليلة من مكتبه يتفقد المعسكر، ووصل إلى موقع جندي خلال نوبة حراسته، يضع رأسه على حذائه، فوقف الجنرال يتأمل الجندي، وسرح بأفكاره ، وحين أدركه الوقت استفاق وتنهد وقال مخاطبا الجندي :
    "أعطني راحة الضمير لأنام كما تنام، وخذ رتبي على........ القديمة ".

    4

    لم يمر أكثر من أسبوع، وفيما كان الجنرال يغط بنوم عميق، بعد يوم احتفاله بترقيته، ظهر له طيف فاطمة بمر يولها الأزرق وحقيبتها المدرسية، فذعر الجنرال كمن لسعته عقرب، ناداه الطيف، قائلا:
    ما بك ذعرت ....! أهي لسعة ضمير؟
    صمت الجنرال ولم يجب.
    رصاصكم يحييني ويرسِّخ وجودي وتمسكي بقضيتي !
    استمرا لجنرال بصمته، لكن وجهه تلطخ بشيء من الغضب.
    فقال طيف فاطمة:
    " لا تغضب، إن الكراهية عند الأموات لا تنمو كما هي عند الأحياء.

    5

    بعد يوم شاق من مطاردة الأطفال وهدم البيوت وقلع الأشجار، عاد الجنرال إلى المعسكر منهكا، وما أن ألقى بجسمه على السرير حتى استرخى وغاص بنوم عميق لم يمنع طيف فاطمة، من اقتحامه، فرأى نفسه يقف عند أحد الحواجز، يحاول منع فاطمة وأمها من العبور، والذهاب إلى المدرسة، فقال له طيف فاطمة:
    - دعني أمرّ !
    - ممنوع
    - سأمر .
    -سأقتلك
    - ألا تذكر أنكم قتلتموني !
    سنقتلك مرة أخرى!
    ومع ذلك لن تستفيدوا من قتلي، ولن تستطيع منعي من العودة، لأني باقية بقاء الأرض مهما قتلتموني !

    6
    انقطع طيف فاطمة عن ملاحقة الجنرال في أحلامه لفترة طويلة فارتاحت أعصاب الجنرال واطمأنت نفسه وقل صداعه وغاب ضميره ، لكنه ما أن جاء ينقل عظام صديقه بعد الإخلاء من الأرض التي شهدت أبشع جرائم من أبشع احتلال حتى ظهر له طيف فاطمة يقف بينه وبين قبر صديقه.
    أحسّ الجنرال كمن دلقت عليه جرة ماء بارد، فبهت وخاف وكاد أن ينهار أمام كابوس جديد، نظر إلى طيف فاطمة فرآه يبتسم ابتسامة نصر ثم قال له :
    حان وقت الرحيل الأبدي !
    فسأله الجنرال :
    "أما زلت حيّة !؟
    فأجاب الطيف:
    "مثلي لا يموت،" الشهداء أحياء وإن لم ترهم " !
    - كيف وأنا بيدي هذه قتلتك ؟
    - "كل قتيل عندنا يموت آلافا من المرات"ويظل أمسُ هذا الوطن ويومُه وغدُه.
    - ونحن ؟؟
    - أنتم إعصار عابر، تدمرون وتذهبون.
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • محمد محضار
    أديب وكاتب
    • 19-01-2010
    • 1270

    #2
    نص سردي جميل . يركز على الحوار في تطوير الاحداث وتناميها .الفكرة التي يطرحها عميقة , لانها ترتبط بالقضية وضرورة الاستمرار في النضال مهما كان الثمن ...الجنرال القاتل يعيش حرب ضمير لانه يعرف مسبقا .أنه يخوض حربا ظالمة , ضد الابرياء العزل.......
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد محضار; الساعة 24-01-2010, 09:18.
    sigpicلك المجد أيها الفرح المشرق في ذاتي، لك السؤدد أيها الوهج المومض في جوانحي...

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      كل قتيل عندنا يموت آلافا من المرات"ويظل أمسُ هذا الوطن ويومُه وغدُه.


      نتكيء على زمن ضائع قد لا يعود
      ونبكي على وطن ضائع قد يعود
      قصة جميلة باسلوب عميق وجذاب
      تحية اكبار واتقدير استاذ امين خير الدين
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • العربي الثابت
        أديب وكاتب
        • 19-09-2009
        • 815

        #4
        هو وحش أدمي لا ضمير له كي يلسعه..أو أنه فقد تواصله مع ضميره فلم يعد يحسه او يسمع نداءه...
        وأما الشهداء فهم مصابيح الوطن حين يغرق في حلكة الإحتلال،
        قلم جاد وصادق...
        محبتي وتقديري
        العربي الثابت
        المغرب
        اذا كان العبور الزاميا ....
        فمن الاجمل ان تعبر باسما....

        تعليق

        • أمين خيرالدين
          عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
          • 04-04-2008
          • 554

          #5
          [quote=محمد محضار;398087]نص سردي جميل . يركز على الحوار في تطوير الاحداث وتناميها .الفكرة التي يطرحها عميقة , لانها ترتبط بالقضية وضرورة الاستمرار في النضال مهما كان الثمن ...الجنرال القاتل يعيش حرب ضمير لانه يعرف مسبقا .أنه يخوض حربا ظالمة , ضد الابرياء العزل.......[/quote

          [align=center]
          الكاتب القاص محمد محضار
          أعتذر عن التأخر في الرد وذلك لضغط في العمل والزمن
          أشكرك على قراءتك العميقة، قرأتني بقراءتك
          إننا نحتاج إلى جيوش من الضمائر لتلاحق القتلة
          تحياتي ودمت بود
          [/align]
          [frame="11 98"]
          لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

          لكني لم أستطع أن أحب ظالما
          [/frame]

          تعليق

          • أمين خيرالدين
            عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
            • 04-04-2008
            • 554

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
            كل قتيل عندنا يموت آلافا من المرات"ويظل أمسُ هذا الوطن ويومُه وغدُه.


            نتكيء على زمن ضائع قد لا يعود
            ونبكي على وطن ضائع قد يعود
            قصة جميلة باسلوب عميق وجذاب
            تحية اكبار واتقدير استاذ امين خير الدين
            ألأخت مها راجح
            أعتذر عن التأخر في الرد وذلك لضغط في العمل والزمن
            نتكئ على زمن يهرب من بين أصابعنا المشغولة بقتال أخواتها
            وعلى أمة تحتاج على عكازة تتكئ عليها، وعلى وطن ما بقي منه ألا الأمل
            تحياتي وشكري
            التعديل الأخير تم بواسطة أمين خيرالدين; الساعة 26-01-2010, 09:28.
            [frame="11 98"]
            لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

            لكني لم أستطع أن أحب ظالما
            [/frame]

            تعليق

            • أمين خيرالدين
              عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
              • 04-04-2008
              • 554

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة العربي الثابت مشاهدة المشاركة
              هو وحش أدمي لا ضمير له كي يلسعه..أو أنه فقد تواصله مع ضميره فلم يعد يحسه او يسمع نداءه...
              وأما الشهداء فهم مصابيح الوطن حين يغرق في حلكة الإحتلال،
              قلم جاد وصادق...
              محبتي وتقديري
              العربي الثابت
              المغرب
              أخي العربي الثابت
              أعتذر لتأخري في الرد وذلك لضغط في العمل والزمن
              ما أكثر الوحوش الدامية
              وما أقل الضمائر الحية في هذا الزمن الرخيص
              وما أكثر الشهداء في هذا الوطن إنهم لبنات بنائه
              شكرا لقراءتك وود ومحبة
              من عربي صامد لعربي ثابت
              [frame="11 98"]
              لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

              لكني لم أستطع أن أحب ظالما
              [/frame]

              تعليق

              يعمل...
              X