الدبلوماسية والترجمة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رنا خطيب
    أديب وكاتب
    • 03-11-2008
    • 4025

    الدبلوماسية والترجمة

    الدبلوماسية واللغة:
    اللغة الدبلوماسية لغة تقوم على البلاغة والمعرفة والفصاحة والثقافة الواسعة، فللدبلوماسية لغتها الخاصة التي تتخاطب بها الدول وفقاً لما يعرف بالعرف الدبلوماسي، وتستخدم أساليباً إنشائية متميزة سواء كان في مجال المحادثات الشفهية أو في المدونات المكتوبة، و يمتاز أسلوب اللغة الدبلوماسية بمراعاته اللباقة واللياقة والدقة حتى لا يستخدم لفظ في غير قصد منه , ولا يقود عيب في التعبير إلى استخلاص نتائج تضيع حقوقاً أو تفرض التزامات لا حق فيها، وقاموس الدبلوماسية يخلو من الألفاظ الجارحة والتعبيرات السيئة.
    اللغة واحدة من أهم الركائز التي تقوم عليها الدبلوماسية، لذا فقد عنيت الأمم والدول باختيار دبلوماسييها من بين الفصحاء البلغاء العارفين بلغة من يتم إرسالهم إليهم، وبالرغم من شيوع اللغة الإنجليزية في مجال الدبلوماسية حتى أضحت هي الأكثر انتشاراً إلا أنه لا يمكننا أن نقصر اللغات المستخدمة في مجال الدبلوماسية على الإنجليزية وحدها، لذا فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نحصر لغة الدبلوماسية في اللغة الإنجليزية، ولكن يمكننا القول أن أفضل لغة يمكن استخدامها في مجال الدبلوماسية هي تلك اللغة التي يمكن للدبلوماسي التعبير من خلالها عن أفكاره ورسالته بوضوح حتى وإن لم يكن أمامه سوى استخدام لغته الأم رغم عدم شيوعها، وهنا نركز أن إتقان لغة ما ليس هو العامل الأساسي الذي يرجح استخدام اللغة عند الحديث مع من لا يتحدث لغتك الأم، فأجدر بمن لغته الأم هي التاميلية مثلاً أن يتحدث بها مع العرب لا أن يتحدث العبرية حتى وإن كان مجيداً لها إجادة تامة.
    إن من أهم ميزات اللغة الدبلوماسية -سواء كانت مكتوبة أو منطوقة- نبرة الكلام وما يتضمنه من معان غير ملفوظة لذا فإن دور المترجم لا يقتصر على ترجمة الكلام فحسب بل مغزاه ونبرته أيضاً.
    لذا فإن الدبلوماسية هي لغة الحوار والنقاش والإقناع وفن التعامل بين الأفراد أو المجموعات وحل مشكلاتها ، و لغة العقل الهادئ لا الحرب والصراع ، وتعمل على تحقيق ما تعجز آلة الحرب عن تحقيقه ، وتدخل في المجالات الاقتصادية والسياسية والإعلامية والثقافية.


    الترجمة الدبلوماسية
    هناك العديد من تخصصات الترجمة المألوفة والتي شاع الحديث عنها كالترجمة الدينية أو الأدبية أو القانونية أو العلمية، ويأتي تخصص الترجمة الدبلوماسية كفن متفرد ومتميز من فنون الترجمة فهي تختص بترجمة النصوص التي تستخدمها البعثات الدبلوماسية، والهيئات الدولية وما تفرزه أنشطتها من مواد كالمعاهدات والاتفاقيات، لذا فلا عجب أن نجد أن أهم ما يميز هذا الصنف من صنوف الترجمة أنه أكثر مجالات الترجمة اهتماماً بالسرية والخصوصية وذلك نابع من طبيعة المعلومات التي يطلع عليها المترجم.
    إن الترجمة الدبلوماسية ليست تخصصاً حديث العهد بل هو من أقدم فنون الترجمة التي أوجدها التعامل الاجتماعي بين الكيانات المختلفة لكنها ازدهرت وتبلورت قواعدها متزامنة مع تطور ونهضة علوم الدبلوماسية وفنونها في القرن التاسع عشر ، وأصبحت السفارات أو البعثات الدبلوماسية تهتم بتواجد مترجمين محترفين على دراية بالشؤون الدولية ضمن طاقم عملها.
    المترجم الدبلوماسي:
    من الأخطاء الشائعة في فهم طبيعة عمل المترجم الدبلوماسي -خاصة حين يعمل ضمن طاقم البعثة الدبلوماسية- أن نحسب دوره قاصراً على القيام بترجمة المواد والنصوص فقط، فواجبات ومهام المترجم الدبلوماسي تتخطى الترجمة لتضم إلى جوار أعمال الترجمة التحريرية أعمال الترجمة الفورية والتي تتطلب مهارات خاصة في هذا الفرع من الترجمة إضافة إلى مهام التنظيم والتصنيف، والبحث، والاستشارة فالمترجم الدبلوماسي جزء من طاقم العمل ويتفاعل معه وفق المتطلبات والاحتياجات المطلوبة. ولأن الدبلوماسية تقوم على التواصل مع الآخر بما يحمله من مكونات ثقافية ومعرفية ولغوية فالمترجم الدبلوماسي الحصيف لابد وأن يكون مدركاً للخصائص الثقافية والاجتماعية لمجتمع اللغة التي يترجم إليها، ويظهر دور المترجم واضحاً حين المفاوضات فالتفاوض في أصله ممارسة عميقة للغة والتواصل والسعي إلى إيجاد قواسم فكرية مشتركة يمكن من خلالها تجاوز هوة الفوارق اللغوية ، وكلما تعمقت معرفة المترجم بثقافة أهل اللغات التي يترجم منها وإليها كلما كان أقدر على توصيل رسالة واضحة المحتوى والمغزى، كذلك فمن يتخصص في الترجمة الدبلوماسية ينتقل إلى دائرة أخرى أعمق هي ضرورة إلمامه بكثير من العلوم المتخصصة، ففي ميدان المفاوضات مثلاً قد يقتضي الأمر تناول أمور مهنية متخصصة كما الاتفاقيات في مجال التعاون العلمي أو التقني ويكون دوره ساعتها أن يترجم هذا الصنف من النصوص المتخصصة إلى ما يكافئه باللغة الهدف، وأن يفسر ما ترجمه بلغة سهلة يسيرة يتفهمها المتلقي خاصة في حال عدم تخصصه.


    مهما كان ما يعرض المترجم الدبلوماسي إلى ترجمته بداية من تلك المحادثات العادية حتى الخطابات الرسمية فإن أهم أمر يتعين على المترجم الانتباه إليه هو إيجاد الكلمة الدقيقة المكافئة للفظ، وهذا لا يعني إيجاد المكافئ اللفظي فقط بل أن يحمل هذا المكافئ نفس الدلالة التعبيرية والشعورية التي حواها اللفظ الأصلي وذلك بأن ينتقي المترجم تعبيرات لا تعطي أكثر من الإيحاء الذي أراده المتحدث فلا تظهر عباراته لينة متهاونة أو غليظة مهينة.
    ربما نعجب إذا قلنا أن عملية ترجمة الكلام الدبلوماسي تبدأ من دراسة مصدر الكلام وشخصيته ثم يتم الانتقال بعد ذلك إلى المحتوى اللفظي، فالمترجم الذي يتخصص في هذا النوع من الترجمة لابد وأن يمتلك سمات ذهنية وثقافية وشخصية خاصة ذلك لأنه ينقل الدلالات ولا يقتصر على استبدال الألفاظ ، وهذا يتضمن حتى نبرة الكلام ونغمة الصوت وما تحمله الإشارات الجسدية كتعبيرات الوجه وحركة اليدين وهيئة الجلسة -إذا ما كانت الترجمة تتم في نفس وقت الحديث-، وعليه أن يراعي النبرة العامة فيما يترجمه من نصوص مكتوبة، لذا فعند ترجمة النص ذي الصبغة الدبلوماسية لابد من قراءته جيداً، وأما إذا كان النص يتناول اتفاقاً فلابد من مراجعة معنى ومفاهيم الكلمات المفتاحية الأساسية في النص والوقوف على ما تتضمنه من أحكام جيداً.


    الترجمة الدبلوماسية والتباين الثقافي:
    على المترجم أن يراعي اختلافات المحتويات الثقافية في لغتي الهدف والمصدر وما قد ينشأ من تضاد في المعنى ناتج عن اختلاف المدلول الثقافي، ومن طريف ذلك ما يتندر به من اختلاف مفهوم ودلالة "البومة" في اللغتين العربية والانجليزية، فمفهوم البومة في الثقافة الغربية يجعل منها رمزاً للحكمة والدهاء والذكاء والتحليق الهادئ بينما هي نذير الشؤم والفأل السيئ في الثقافة العربية.
    ولنأخذ على ذلك مثالاً لو أن وزير خارجية الدولة المضيفة قام باستدعاء سفير دولة ضيف وأبلغه " إن حكومة دولته مستاءة من أنشطة معارضيها في دولة السفير الضيف" والخطر في ترجمة هذه الجملة أنه يمكن ترجمة مضمونها إلى معاني عديدة منها أن حكومة الدولة المضيفة مستاءة من الدعم الذي تقدمه حكومة الدولة الضيف للمعارضين، أو أن الحكومة المضيفة ترغب في تدخل حكومة الدولة الضيف لاحتواء الأنشطة المعارضة على أراضيها، أو أن حكومة الدولة المضيفة تهدد ضمناً حكومة الدولة الضيف … وقد نستغرب أنه يمكن تحديد مضمون الكلام من خلال الطريقة التي تم بها استدعاء السفير الضيف ووقت استدعائه وهذا من الأمور التي ينبغي على المترجم أن يلتفت إليها.


    الكلمة لها وزنها...
    المترجم الحصيف هو من ينتبه لقيمة الكلمة حتى فيما يتعلق بعدد الكلمات التي سيستخدمها في صياغة عباراته، والمترجم الدبلوماسي عليه أن يتحرى استخدام أعمق الكلمات تعبيراً وأكثرها تطابقاً مع اللفظ المترجم، وأن يسعى إلى استخدام نفس التركيبة العددية للألفاظ كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فلا يصح أن يقوم المترجم بترجمة حوار مدته ربع الساعة في بضع جمل لا تستغرق خمس دقائق، وفي الترجمة الدبلوماسية لا يوجد ما يسميه البعض "ترجمة المحتوى" بل إن كل كلمة لها قيمتها في السياق ولا يجوز إسقاطها مهما بدت غير ذات قيمة، فكل حرف منطوق أو مكتوب لابد من ترجمته...
    المترجم شخص مبدع يجيد التعامل مع إيقاع النص، ومصطلحات وألفاظ اللغة الدبلوماسية لها من الخصوصية والتميز ما يجعلها قليلة في حصرها ويمكن التعامل معها معجمياً بكل يسر، إلا أنه يتعين على المترجم الدبلوماسي أن يكون ملماً بالكثير من أساليب الصياغة وقوالبها بما يمكنه من نقل ما وراء الكلمات ، وأن تكون لديه من المرونة ما يجعله قادراً على مجاراة التطورات والتغيرات التي تطرأ في النص المترجم فقد يبدأ النص بقالب تغلب عليه الجزالة وفخامة الكلمات ، ثم نراه يميل إلى الأريحية والبساطة ، ثم ينتفض غاضباً أو يذهب ساخراً وهذا ما نسميه "إيقاع النص" والمترجم الدبلوماسي عليه أن يكون مستعداً للتناغم مع هذا الإيقاع خاصة عند ترجمة الأحاديث المسموعة لا أن يحفظ خطوات بعينها وكلمات محددة فتجد ترجمته جامدة هامدة منفصلة عن النص الأصلي..

    مشكلات الترجمة الدبلوماسية
    تقتضي الترجمة إتقان اللغة المنقول عنها والمنقول إليها، و من أهم الإشكاليات التي تواجهها الترجمة الدبلوماسية ما يتعلق بإيجاد المكافئ اللفظي ، أو المصطلح التطبيقي لمحتويات الوثيقة الدولية خاصة ما يتعلق بالمعاهدات والاتفاقيات متعددة الأطراف، وتتفاقم الإشكالية عندما يكون هناك اختلاف في النظم القانونية المطبقة في الدول، فنجد أن هناك اتفاقيات تطرح مصطلحات وصيغ تختلف عن التعبيرات الدارجة في الأنظمة القضائية المطبقة لدى الدول الموقعة عليها، وفي معظم الأحيان ما يتم تخطي هذه الصعوبة بتحديد لغة مرجعية تكون هي السائدة في حالات الخلاف الدلالي. كذا فعملية الترجمة ليست استبدال لفظي لكلمات مع الحفاظ على النسق البنائي للجملة، لذا فقد يتصرف المترجم ساعياً لإيجاد المكافئ الدلالي، وقد يلجأ في ما نسميه " الاقتراض اللغوي" بأن يتم استخدام اللفظ السائد ويتم ضمه للغة المترجم إليها ، ومثال على ذلك لفظ "الدبلوماسية" ذاته أو مصطلح "البروتوكول".. بينما لا ينطبق ذلك على ألفاظ مثل "السياسة" أو "التفاوض" أو " السفارة"..


    مهام المترجم الدبلوماسي

    نادراً ما يتوقف دور المترجم الدبلوماسي عند الأمور المتعلقة بالترجمة، وفي كثير من الأحيان تغيب فواصل التوصيف الوظيفي فيكون المترجم الدبلوماسي مسئولاً عن أمور تتخطى التعامل اللغوي والترجمي وهذا يتطلب مهارات ومؤهلات خاصة، ولكن الواجبات الأساسية للمترجم الدبلوماسي قد يمكن حصرها فيما يلي:
    الترجمة: معظم الواجبات المنوطة بالمترجم الدبلوماسي تتمثل في ترجمة النصوص بأنواعها المختلفة، والتفسير ، وذلك بتوضيح ما يتعلق بأوجه ومجالات أخرى يقتضيها التعامل ضمن عالم الدبلوماسية، والمعلومات والتوثيق بوصفهما نشاطين مكملين لأنشطة الترجمة وإن كانا يندرجان تحت قائمة الأعمال الإدارية، إضافة إلى المهام البحثية والاستشارية ففي معظم الأحيان يعهد إلى المترجم الدبلوماسي –خاصة إذا كان برفقة بعثة دبلوماسية- كتابة تقارير اقتصادية أو سياسية أو غيرها عن البلد المضيف.


    أخطاء الترجمة ... رصاص الكلمات
    من أشهر النماذج التي تدل على خطورة الخطأ في الترجمة ما عرف عن معاهدة فرساي التاريخية عام 1919 والتي أدت إلى عدم موافقة الدول عليها في ذلك الوقت ودفع اليابان إلى ردها الذي يرى البعض أنه كان السبب وراء الهجوم النووي الذي شنته الولايات المتحدة على هيروشيما ونجازاكي، ومما يدلنا أيضاً على أهمية الترجمة ودورها أن بولندا قد امتنعت عام 2005 عن إقرار دستور الاتحاد الأوربي نظراً لأخطاء وردت بترجمته، وكم من موقف تأزم ببب خطأ في ترجمة خطاب أو وثيقة ولعل أقرب هذه الحوادث .
    أما أحدث الأمثلة حول أثر الخطأ في الترجمة ومغبة التسرع فيها ما عانت منه وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" خلال لقائها مع نظيرها الروسي سيرجي لافروف حيث أخطأ المترجم في تعبير أرادت أن تقول من خلاله أن " الولايات المتحدة تريد أن تعيد تنضيد علاقتها مع روسيا" بينما جاءت الترجمة أن "الولايات المتحدة تريد أن تهيمن على العلاقة مع روسيا"، ولولا أن تلك الترجمة الساذجة أثارت عاصفة من الضحك لدى جميع الدبلوماسيين الموجودين ورئيس الوزراء الروسي لتسبب ذلك في أزمة دبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.


    وكذلك ما تعرضت له من موقف محرج إبان أحد المؤتمرات الصحفية نتيجة لخطأ في الترجمة إذ ظنت أن المتحدث يسألها عن رأي "زوجها" بيل كلينتون بدلا من رأي "رئيسها" أوباما حول علاقات الصين مع الكونغو، مما دفعها للانفجار غاضبة لترد بقولها " إنني أنا وزيرة الخارجية وليس زوجي!!"
    وإذا كانت المواقف التي تعرضت لها كلينتون هي الأحدث إلا أن هناك مواقف أخرى مر بها قادة الولايات المتحدة نتيجة لخطأ في الترجمات منها ما حدث مع الرئيس الأسبق كيندي سنة 1963 حين زار ألمانيا فتحدث إلى شعبه قائلاً "إنني أشعر وكأنني قطعة من السكاكر" في حين أنه كان يقصد "أنه يشعر بنفسه كمواطن ألماني" وظل الألمان يتندرون على هذه المقولة حتى جاء الرئيس كارتر عام 1977 بحادثة أخرى حين زار بولندا وسأل قادتها عن "آمالهم" المستقبلية فأخطأ المترجم وترجم سؤاله أنه يسألهم عن "رغباتهم" الحسية.

    وليست دبلوماسية الولايات المتحدة الأمريكية وحدها هي التي عانت من هذه المواقف المحرجة التي نتجت عن خطأ الترجمة، فهناك أيضا الحادثة الشهيرة للرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك والتي جعلته يبدو كمن يسب دول أوربا الشرقية حين استخدم تعبيرا تمت ترجمته خطأ بمعنى أنه يتعين على هذه الدول " أن تخرس" بدلاً من المعنى الذي كان يقصده وهو أن هذه الدول " بقيت صامتة".


    المصدر: جمعية المترجمين و اللغويين المصريين
    بقلم الأستاذ حسام الدين مصطفى

يعمل...
X