محمد مهران السيد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    محمد مهران السيد

    محمد مهران السيد
    -------------

    محمد مهران السيد
    (1927 ـ 2000م)
    *محمد مهران السيد (مصر).
    *ولد عام 1927 في سوهاج.
    *حصل على دبلوم المعلمين 1947.
    *عمل في الصحافة بمجلة الثقافة (القديمة) ومجلة الشعر, والملحق الأدبي والفني لمجلة الموقف العربي, ومجلة الشرق السعودية, ومجلة الإذاعة والتلفزيون, إلى أن أحيل إلى التقاعد 1987.
    *نشر شعره في الكثير من الصحف والمجلات العربية.
    *دواوينه الشعرية : بدلاً من الكذب 1967 ـ الدم في الحدائق (مشترك) 1971 ـ ثرثرة لا اعتذار عنها 1979 ـ زمن الرطانات 1980 ـ طائر الشمس 1991 , وله مسرحيتان شعريتان هما: الحرية والسهم 1971 ـ حكاية من وادي الملح 1975.
    *حصل على جائزة الدولة التشجيعية للشعر 1993.
    *توفي عام 2000
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    شاعران مسرحيان .. وصورة من الذاكرة!

    بقلم: سمير الفيل
    .............

    سأنتزع من مخزن الذاكرة صورتين لا أكثر عن شاعرين مسرحيين عرفتهما:
    * محمد مهران السيد :
    أول مرة رأيت الشاعر المسرحي محمد مهران السيد صاحب " حكاية من وادي الملح " كان في الدمام ، حينما كنت في زيارة لصديقي القاص والمخرج الصحافي محمد عز الدين ، بعمارة " سيكو " فوجدت رجلا أسمرا محني الظهر يلقي علينا بتحية المساء بينما يمسك بيده " كنكة " القهوة .
    سألت محمد : من ذلك الرجل ؟
    همس في أذني : محمد مهران السيد .
    وجمت للحظة . كان الرجل قد جاء ليعمل مصححا لمجلة " الشرق ". استأذنت صديقي أن يستسمحه أن نجلس إليه قليلا .
    رحب الشاعر الكبير ، وبدا سعيدا أننا نتذكره ، وكنت أعرف قيمته ، ولكن " أكل العيش " دفعه إلى هذا العمل البعيد عن مجال اهتمامه .
    كنت أطلب منه أن يلقي علينا شعره الجميل فيمانع ، لكنه حين ينطلق تشعر أن شلالا هادرا يصب ماءه ، فلا تقدر أن توقف اندفاعه .
    محمد مهران السيد سجن في عهد الثورة ، كأغلب المثقفين ممن كانوا على قائمة اليسار ، توثقت صلتي بمهران إلى أن عاد للوطن ، وجاء محله روائي كبير جدا وموهوب لا يقل عنه سمرة هو الروائي الجميل عبد الوهاب الأسواني ، لكن هذه حكاية أخرى .
    ـــــــــــــــــــــــــــــ
    * د. أنس داود :
    في إحدى دورات مؤتمر أعلام دمياط تقدم مني رجل مهذب ، ومعه حزمة من الكتب ذات القطع الصغير ، وهمس لي : سألت عنك ، وهذه مجموعة مسرحياتي الشعرية . أكتب نقدا عنها .
    كانت دراستي حول المسرحية الشعرية " حصار القلعة " قد نشرت بإبداع ولاقت قبولا ، وكان الناقد العظيم الدكتور عبد القادر القط ينشر لي دون معرفة سابقة وبطابع البريد .
    لذلك لم أتعجب كثيرا وأنا أقلب الكتب ، وكانت كلها مطبوعة في الكويت ، وعليها اسم الدكتور أنس داود .
    قرأت أعماله ، وكتبت عنها بالفعل مقالا أظن أنه بحث عن خيط البطولة والصراع بين السلطة والشاعر في أعمال الدكتور أنس . في العام التالي كانت دورة جديدة من المؤتمر ، فزارني في منزلي ، ومعه ثلاث فتيات صينيات كن يدرسن الأدب العربي في معهد شنغهاي للترجمة ، وكن يتلقبن بأسماء عربية ، مثل درية ، وهدى وحورية .
    كن خفيفات الحركة جدا ، وهن يساعدن "الست حرمنا " في إعداد المائدة . وأذكر أن صلاة العصر أذنت ، فهمس لي الدكتور أنه يريد الوضوء ، وكان حديث ممتع وجميل عن الأدب العربي ، حيث لم يكن للفتيات مجرد علم بالأجيال الجديدة ، فكل ما يدرسوه عن جيل توفيق الحكيم ، ونجيب محفوظ ، ويوسف السباعي ، لا أكثر .
    في أثناء فترة عملي بالسعودية جاءني خبر رحيل الدكتور أنس داود ، فأحزنني ذلك جدا ، وكتبت عنه مقالا أرثيه .
    كنت أعمل في جريدة " اليوم " ،ونزلت إلى الأرشيف : صورة للدكتور أنس داود يا عم عشماوي .
    زغر لي الرجل : أظنه غير موجود .
    فعلا لم نعثر له على صورة ، لجأت إلى أرشيفي الخاص ، وجدت صورة من مؤتمر المنيا 1984 ، كانت تجمعه بالقاص حلمي ياسين والقاصة ابتهال سالم . انتزعتها ، ونشر المقال .
    * عن منتدى أزاهير ـ
    وقد نشر الأستاذ الدكتور حسين علي محمد ..
    .. هذه المادة في قسم ( حكايات ) بمنتدى القصة العربية .
    وأنقله هنا لعموم الاستفادة.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *الرابط: http://www.asmarna.org/al_moltqa/sho...C7%E1%D3%ED%CF

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      محمد مهران السيد..والدم في الحدائق

      بقلم: أ.د. حسين علي محمد
      .......................

      محمد مهران السيد (1927 ـ 2000) أحد شعراء جيل الستينيات الذين لم يلتفت إليهم النقد بما فيه الكفاية، فقد كُتبت عنه دراسات قليلة بأقلام نقاد وشعراء يعرفون قدره، (منهم صاحب هذه السطور الذي نشر عنه دراستين من قبل) لكنني لم أر كتاباً يدرس شعره كلَّه، أو يتحدث عن تجربته الشعرية الطويلة التي اقتربت من نصف قرن!
      ولد عام 1927 في سوهاج وتوفي في القاهرة عام 2000م.. حصل على دبلوم المعلمين 1947. عمل في الصحافة بمجلة الثقافة (القديمة) ومجلة الشعر، والملحق الأدبي والفني لمجلة الموقف العربي، ومجلة الشرق السعودية، ومجلة الإذاعة والتلفزيون، إلى أن أحيل إلى التقاعد 1987. نشر شعره في الكثير من الصحف والمجلات العربية.
      دواوينه الشعرية: بدلاً من الكذب 1967- الدم في الحدائق (مشترك) 1971- ثرثرة لا اعتذار لها 1979- زمن الرطانات 1980- طائر الشمس 1991 وله مسرحيتان شعريتان هما: الحرية والسهم 1971- حكاية من وادي الملح 1975. حصل على جائزة الدولة التشجيعية للشعر 1993
      لقد فقد محمد مهران السيد كل أشعاره الأولى "من عام 1950م إلى عام 1959م نتيجة لظروفه الخاصة"، ثم أصدر في نهاية الستينيات مجموعة مشتركة بعنوان "الدم في الحدائق" مع الشاعرين حسن توفيق وعز الدين المناصرة، ومن قبلها أصدر ديوانه "بدلاً من الكذب"، لكن البداية الحقيقية كانت في مجموعته المشتركة "الدم في الحدائق".
      لقد بدأ في مجموعته هذه مراجعاً لمواقفه الفكرية والجمالية، منتقداً تجربة الحكم الشمولي التي أوصلتنا للهزيمة عام 1967م. يقول في قصيدته الأولى التي بعنوان "توطئة":
      جميعُ ما قالوهُ في الهوى كذِبْ
      ألحانُ هذا العودِ تجلبُ الصُّداعْ
      والدُّفُّ يزرعُ الأرَقْ
      وكلُّ ما سمعتُ.. كانَ واضحَ النَّشَازْ
      من أجلِ ذلكْ
      جرَّبْتُ ما جرَّبْتُ منْ مُسكِّناتْ
      وأثقلَتْ جيبي فواتيرُ الدواءْ
      فجرعةً مع الصباحِ .. حبَّتَيْنِ في المساءْ
      وكانَ دائيَ .. النَّزّقْ
      إنه في هذه القطعة ـ في خاتمة القصيدة ـ يُدين عصره الذي خُدِع به، ويتكلم في لغة تستخدم مفردات الحياة النثرية: قالوه، كذب، العود، الصداع، الدف، الأرق، سمعت، واضح النشاز، مسكنات، فواتير الدواء، جرعة، حبتين..
      استخدامه نثرية مفردات الحياة، داخل سياق شاعرية القصيدة كانت صدمة جديدة للقصيدة العربية، تُشبه تلك الصدمة التي أحدثها الأديب محمد حافظ رجب ـ قبل ذلك بعدة سنوات ـ في عالم القصة القصيرة، حينما نشر قصته المدوية "الكرة ورأس الرجل" (مجلة "القصة"، العدد السابع، يوليو 1964م).
      وبتشعير هذه النثرية في قصائد محمد مهران السيد أبرز تجربته مع الآخر، الذي خُدِع به كثيراً.. لقد وجد أن كل كلامه كذب، ودعايته التي يظن من خلالها انه يُغني كلاماً عذباً يُحبه المستمعون (عبر عن ذلك بـ "العود" هذه الآلة المُطربة)، إن هذه الدعاية ليست أكثر من كلام أجوف مكرّر (يُشبه الدف) الذي يجعل الإنسان مؤرَّقاً، ويُبعده عن ناصية الأحلام المشروعة!
      إن مرض شاعرنا الذي أثقل جيبه بفواتير الدواء ليس مرضاً عضويا، وإنما مرض من الآخر الذي خدعَهُ وغرَّر به، وجعل الأعداء يقتحمون الدارَ، ويقفون على مرمى حجر منه!
      ويُصبح الآخر نائياً وقصِيًّا عن الشاعر، ونراه في قصيدته "ولكلٍّ وجهته" يتحدث عن محبوبته الأنثى / الوطن، ويرى انه بعيد وقصي، ولا مجال للقاء مع المحبوبة:
      مرَّ الوقتُ ولمْ نقطعْ شبراً في الدَّربْ
      لم نتقدَّمْ أوْ نتأخَّرْ
      رغمَ نضالِ الكلماتْ
      واستبدلْنا الألفاظَ بأُخرى
      وبدأنا أكثرَ منْ مرَّهْ
      ولجأنا لإشاراتِ الأيْدي
      وأخذْنا نتذكَّرُ ألفَ علاجٍ للأزْماتْ
      لكنْ لا جدوى..
      فهناك.. مسافاتٌ.. ومسافاتٌ.. ومسافاتْ
      إن جمالية لغة النص هنا تنبع من تجربة الشاعر التي استوعبت تجربة شعب، إنها تبغي ما يريده النص الشعري الذي يتكئ على الدِّراما من محاولة تحقيق: نحن / هنا / الآن، وهي تُشير إلى ذلك في براعة، مستخدمةً ألفاظاً يستخدمها العامة (أو قريبة من استعمال العامة)، لتُعبِّر عن أزمة مجتمع أسلم قياده إلى من ناضل بالكلمات، وإشارات الأيدي، وتذكّر ألف علاج للأزمات ! إنها مأساة من يستبدل القول بالفعل، والخداع والزيف بالصراحة والأمانة وتحمل المسؤولية.
      لكن الشاعر في النهاية بدا يائساً وهو يُكرِّر لفظة "مسافات"، وكأن السواد أحاط بأركان الدنيا حوله، فلم يعد يُبصر عندها بصيصاً من أمل.
      كان محمد مهران السيد رحمه الله أحد شعراء القصيدة الجديدة، وهو شاعر جدير بالقراءة والدرس والاهتمام النقدي.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        رسالة إلى الشاعر محمد مهران السيد(1)

        بقلم: أ. د. حسين علي محمد
        ........................

        كانت كلماتك بعد هزيمة يونيو 1967م أصدق كلمات قيلت في المأساة التي هزّتنا حتى النخاع، ومازلت أذكر كلماتك في قصيدة "يا وطني"، التي كتبتها عقب المأساة:
        وطني ..
        هلْ تسمعُني الآنْ؟
        أنا مازلتُ أُغنِّيكَ كما كنت
        لمْ أتخلَّفْ يوْماً .. شأْنَ الناسِ البسطاءْ
        منْ أكلوا خُبزَكَ .. لكنْ ذُرةً صفْراءْ
        منْ شربوا ماءَكَ عكِراً في التُّرَعِ السمراءْ
        منْ سقَطَتْ أسماؤهمو منْ قائمةِ الأسماءْ
        لكنْ لمْ يتخلّفْ أحدٌ منهمْ في الضَّرَّاءْ
        همْ منذ البدءِ على خطِّ النارْ
        وحينما بدأت بعد الهزيمة "موضة" التحدث عن أدب المقاومة من خلال شعراء فلسطين المحتلة، بدأها رجاء النقاش بالحديث عن محمود درويش، وأخذت المقالات تتتابع حتى صرخ محمود درويش نفسه في عدد سبتمبر 1979م من مجلة "الطليعة" المصرية قائلاً: "أنقذونا من هذا الحب القاسي"، كنت أتعجب كيف لا يكتب النقاش وغيره من النقاد عن محمد مهران السيد أصفى أصوات المقاومة في الشعر العربي المعاصر؟
        وحينما صدر ديوانك "ثرثرة لا أعتذر عنها" اعتبرته وثيقة إدانة لعصرنا:
        لمْ تُبقِ أيامُ الخنا
        للحرِّ في هذي الدُّنا
        نخلاً .. ولا
        ظلا .. ولا
        ماءً .. ولا
        فالرملُ غطّى كلَّ واحاتِ المنى!
        وما أكثر ما وقفت أمام كلماتك التي كنت أحس أنني أريد أن أقولها، لولا أنك سبقتني:
        نخلتْنا أيدي الأيامِ العفِنَهْ
        فتساقطْنا .. الواحدَ بعدَ الواحدْ
        والحفنةُ تتلوها الحفنهْ
        وتفرّقنا نلتزمُ زوايا التبريرْ
        وتجادلْنا
        من منا المحتالُ ، ومنْ فينا الغرِّيرْ ؟!
        من باعَ الطفلَ الفاقدَ أبويْهِ بكرسيٍّ مشبوهْ
        ورفعنا أيدينا في وقتٍ واحدْ
        يتحسسُ كلٌّ منا رأسَ أخيهْ
        وتقاذفْنا ثوبَ التهمِ الشوكيّهْ
        في ذُعرٍ ، يُقصَدُ منهُ التمويه
        وتبجّحنا حتى جفَّ الريقُ المرُّ ، فآثرْنا
        الغوصَ بقيعانِ المدنِ الصحراويّهْ
        وطفوْنا فإذا بي وحدي المشبوهْ
        هل أنقل كل هذه القصائد الرائعة في حب مصر، وأبناء مصر، وتراب مصر، وعطر مصر؟
        إن قصيدة "عفواً أنا لا أعطيك الحكمة" يعدها صديقي الشاعر جميل محمود عبد الرحمن واحدة من أفضل عشر قصائد في الشعر المصري الحديث، وأزيد فأقول: إنها تعدل ديواناً.
        لكن ـ وآه من لكن هذه ـ أين أنت يا صديقي الكبير؟
        إنك لم تصدر غير مسرحيتين شعريتين رائدتين، وعدة مجموعات شعرية، يتكرر بعض قصائدها في أكثر من مجموعة.
        طبعاً أنا أعرف أن بعض الشعراء في تاريخ الشعر العالمي خلّدتهم مجموعة، كبودلير صاحب "أزهار الشر"، فالمهم الكيف وليس الكم. إن الملاحظ عليك ـ يا صديقي ـ أنك في السنوات الأخيرة تهتم بنشر إبداع أبناء الجيل من خلال "الموقف العربي"، ثم "الشعر"، ثم "الشرق" السعودية، ثم "الوطن" الكويتية حيث تعمل بمكتبها في القاهرة الآن.
        لقد جاء فوزك بجائزة الدولة التشجيعية في الشعر العام الحالي متأخراً عن موعده خمس عشرة سنة على الأقل أيها الشاعر الكبير، يا صاحب الوجه الحقيقي لشعر التفعيلة المصري، المنتمي، الذي يقول شيئاً .. ولا يغيب في ضباب الهلوسة والجنون والغموض، كما يفعل الحداثيون الذين يهرفون بما لا يشعرون!
        أين أشعارك يا أصدق وجه في حياتنا الأدبية التي تمتلئ بصنوف الكذب؟ وأين مسرحيتك "ثورة القاهرة" التي وعدتنا بها منذ خمسة عشر عاماً؟
        ...................................
        (1) نشر في صحيفة "المسائية"، في 9/11/1993م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          غربتي والموت

          شعر: محمد مهران السيد
          ....................

          كأنَّكِ القدر
          كأنكِ الظلالُ.. لا تفارقُ البشر
          وذلك النَّاقوسُ.. في المساء
          إن دقَّ.. غرّد القمر!!
          فكلَّما ابتعدتُ عنكِ..ساعةً.. رجعتُ
          رجعتُ أستظلُّ، أرتوي.. ولائِذاً بِصُحْبتِكْ
          وحين يَرْتَخي على أريكتك
          جسْمي الذي أَتْلفهُ الضَّياعُ، والحنين للمطر
          أحسنُّ بالأمان، والرِّضا، ومنعة الثراء
          حولي بغرفتِكْ
          أحيا ولا أعيشُ أيَّامي.. وأنتظر
          وحينما أكونُ بينهمْ.. أغوصُ في الضَّجرْ
          ويَسْمُـكُ الجدارُ بيننا، ويَرْتَفعْ
          وكلما رأيتُ خيطاً من خيوطِ الحَبْلِ.. ينقطعْ
          أدركتُ من فَوري لمَ الإنسانُ - أيّاً كان - ينتحر !
          في سالفِ الأيامِ كم صنعتُ قارباً وراء قاربٍ..
          من الورقْ
          وكم نقشتُ أَوَّلَ الحروف من إسمي عليه
          وكنت كلّما رأيتُ واحداً منها.. مع التَّيارِ ينزلق
          فرِحْت !
          سيَّان عامَ.. أو غَرق
          ولم أكنْ أسألُ.. أيَّ واحدٍ على الطَّريق
          لِمَ الزوارقُ الصِّغار
          والجارياتُ في البحارْ
          تدورُ دورتَينِ.. حَوْل نَفسها.. وفجأةً تغوصُ
          ولم تزلْ جديدةَ الطِّلاءْ !
          وقبل أن تُغادِرَ الميناءْ !
          وها أنا على مَشارفِ الخريفِ.. قَدْ وقفت
          ولم يَزَلْ عمري - برغْمِ الشيب - ساعه
          ولم أَسِرْ في الأرضِ.. إلاَّ خُطْوتيْن !
          ولم أَذُقْ بعد حلاوة الهَوى.. برغِم ما أصَبْت
          ولم أعِ الحروفَ كلَّها
          ولم تزل نفْسي غريبةً - كهذا البحر - عنِّي
          وكل ما جمعت
          ذراتُ رملٍ، أفلتت.. في اللَّيْل منِّي
          وعارياً أعودُ مثلما.. وُلِدْت
          قُدِّرَ لي.. في الأربعين.. أن أُحِسَّهُ بجانبي
          وأن أراهُ في عيونِ من أحبْ
          وينزع القناع عن.. عُريي
          وأن تقولَ لحظةُ انْتصارِه.. بأنني جبنت
          .. وأنَّني هُزِمْت.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            استراحة داخل صومعة الفكر

            بقلم: سعد البواردي
            .................

            ثرثرة لا أعتذر عنها
            محمد مهران السيد
            141 صفحة من القطع الصغير
            كلنا نثرثر.. فالكلام لا يحوجنا إلى استئذان.. إنه سلعة رخيصة لا تستنزف الجيب.. ولا تحتاج إلى روشتة طبيب.. داء.. دواؤه الحكمة التي قال عنها الحكيم (من كثر هذره قل قدرته..) ولكن الثرثرة اليوم في المجالس وعبر الهواتف.. وعلى صفحات الصحف.. وعبر المذياع وقنوات التلفزة أخذ طريقه دون رابط ولا ضابط، إنه يصفع أسماعنا.. ويثير أوجاعنا دون أن نمتلك زمام الحكمة.. ولا صمام التحمل..
            شاعرنا اعترف بثرثرته.. واعترف أكثر أنها ليست ذنباً ليست ذنباً يعتذر عنه.. في أي تجاه جاءت ثرثرته؟!
            بدأها بكلمات عتاب مختصرة:
            لا أستطيع أن أزور الوثيقة القديمة
            وأرفع العقوق راية
            وأنكر الذي أظلنا معاً أنا وأنت
            جملة أن أزور (تحمل معنيين..) أن أقوم بزيارة.. أو أن أزور ولكي ينتزع اللبس لابد من وضع الحركات عليها.. أن أزور)..
            هذا الذي ظننته يحصل الهوى..
            يعطيك إذا سقطت مرة صلابة البشر
            وقدرة على النهوض.. لا أستطيع أن أقول
            بأنني ظننت لحظة بأن رحلتي برغم شكي..
            ولا أنت مرة.. وقلت أنها تقودني إلى الحقيقة..
            هذه ليست ثرثرة.. دائماً رصد موقع وتسجيله كوثيقة لا تقبل التزوير.. ومن الكلمات إلى الملاحظات.. وكلمته هما أدوات طرح..
            وتمضي سقف لياليك المثخن بالطعنات
            فتساقطت الأمطار العفنة واللعنات
            وامتلأت قنواتك بالوحل الليلي..
            ثرثرة مطلوبة لتقويم ما أعوج في الصيف الطالح من شرنقة النار
            المتفحم من قلب توابيت العهد
            تشتمل الغرفة من حولي بطنين ذباب الحارة
            أتذكر تلك الغارة..
            وتملقني الأشباح على بوابات العجز الممتد
            وهذه أيضاً ليست ثرثرة دائماً البحث عن جو تقي نقي لا ذبابة فيه.. ولا أشباح متراقصة من حوله.. حسناً ترك المكان وانزوى في زاوية لا مكان فيها لغيره سوى واحدة..
            وأشارت لي: كانت في الأفق كبرج في قلعة
            عالية كسحابة صيف..
            وإن كنت على بعد شهور عشرة
            في الطرف الموغل في البعد.. ولكن!
            لا أكتمكِ القول.. فرحت لا بل طرت
            لا يثنيني عنها الموت..
            أخالها فرحة لا تتم.. ففي وجهه غيوم.. وهموم تنتظره..:
            ولأن الأفق صقور سوداء.. وأنا مسكين
            جسدي لم يبدأ بعد من الأدواء لم أخبر أحد
            فالقمر على البعد يشد الأعناق
            دائماً لم تيأس في صدري الأشواق..
            ومضيت لا يثنيني عنها الموت..
            وأنا بدوري لم أتعرف على النهاية.. الحب حين يرقى إلى درجة الموت يقتل.. ربما يراه البعض موتاً لذيذاً.. أي أن موت شاعرنا بإرادة حبه المتحدية بدأ يتنازل عن كبريائه.. بدأ يخاف الغد وما قد يحمله من غدر لا يستطيع عليه صبرا..
            أضاف من غدي.. تصوري هذا
            أنا الذي عشت أجمل السنين - أعشق الغدا -
            غنيته قصائدا قصائدا
            حملته وقلت للعذاب والعدا..
            هذا غدي هذا غدي وإنني له الفدا
            يتحفز كالفارس الذي يمتشق سيفه في مواجهة عدو مجهول قد يغافله ويغدر به..
            قد كان في تصوري ابتسامة تزفه لا يجدها مدى..
            مفردة ترف تحمل معنيين تَرَف بمعنى الثراء و(نِزف) بمعنى تستبين) ليته أعطى لها حركاتها اللازمة.. وقوف بها صحبي كوقفة امرئ القيس أمام مشهد رحالهم..
            سيدتي أميرة الغناء والغرام والفصول
            سفيرة الهوى الذي تعيش في كهوفه المخدرة
            معذرة.. مليكة الزمان والعواطف المسافرة
            بل ألف مقدرة..
            على ماذا الاعتذار..
            سننفض الأكف من عويلنا الطويل
            صدقتِ.. يا بعيدة النظر
            سيان أن يهلك رحلنا أسى أو نحتمي
            من حرقة البكاء والتجلد.. ما دامت الحلول
            قد امحت ولم تعد تلوح المطي في المدى البعيد
            رمزية موحية بصور تتجاذفها أطراف الخوف واليأس والرفض.. والنهاية التي لا تأثير معها ولا أثر فيها، شاعرنا السيد يقترب من حافة القبر حيث ذكرى الموت..
            في ذكرى الموت.. ما زلت أراني
            ملقى فوق طراز مهجور
            يتجنبه المارة وتغطيني صحف ببيت
            تحمل تاريخ الموت الأول
            القبور لا ينبشها الأحياء.. إنهم يتباعدون عنها خشية أن تدعوهم إلى لحودها.. لا أحد يحب ما يكره.. حتى الموت نخشاه لأنها يد لا تعيد لها الحياة صحف طويت.. ولا صحف نشرت.. الباقي بقايا من تاريخ موت ورّثة الزمن في أجساد العفن.. حين لا يأتي للتاريخ مذاق حياة فإن حلولا تندب أسفاره وآثاره حتى ولو كان لها بهرجة نضاره الرابي.
            العائد دون أبواب تفتح له يظل غائباً حتى ولو لامست كفاه شرَّاعه الباب
            ما أقسى أن تغلق في وجهي الأبواب
            يا شيخي العارف بالله وأنا منذ التكوين أريدك
            أعطيتك ما لم أعط السلطان
            وتلذذت بكل صنوف الحرمان
            لكن الدنيا سامحها الله ألقت بي خارج دائرة الضوء
            سلبتني نعمة أن أجلس بين يديك
            أتملى ألف هلال في عينيك
            لكني والحق أقول.. لم أفتح صدري طيلة أعوام المنفى
            لتعشعش فيها الأهواء..
            شاعرنا له عذره لأنه خارج دائرة النسيان.. دواخله تفتش عن أمس ضائع رغم الإجهاد.. لا يهمه ما يكابد.. إنه يعاند التآكل في ذاكرته.. يطمع أن يكون ضيف تاريخ.. لا ضيف مؤانسة..
            هل سمعتم بالطيور الذهبية شاعرنا وجدها وجداً ووجعاً بعد أن خدعتها الريح.. وراحت وراح يستعيدها أملاً جديداً
            ومضت ليلات الروض القمرية
            تفرخ أعداداً.. كثمار الليمون
            شربت كل مياه الأمطار
            وابتلعت أجران الحنطة.. لم تبق على الأزهار
            كانت تكبر.. تكبر.. تكبر..
            حتى حجبت عين الشمس عن الأنظار
            شاعرنا شاهدها.. ونحن مجرد شهود ما شاهدنا حاجة لأنها أغلقت مفاتيح فمها عن الشدو.. لم تنطق إلا لغواً.. من صفتها الذهبية
            تحولت إلى طيور ذاهبة بكل أحلام الربيع.. تقزَّمت بعد كبر..
            ووسادة من خشب أشبه باللغة من الخشب انها رفيق المحرومين والتعساء الذين فاتهم قطار الحظ بوساداته الحريرية وملاعقه الذهبية.. هكذا جاء نصيبهم من الحياة.. منهم من ارتضى به قسراً.. ومنهم من ضاق به شعراً.. وتمرد عليه.. أو سخر منه..
            لا شيء عنده اسمه الثبات والنبات
            عطارنا العجوز لا يبيع غير الكحل واللبان والمخدرات
            يقول كل ليلة بمجلس السمر
            أنفقت عمري الكسيح لم أصادق الكتب
            فضَّ نخاعها الكذب ولم أثق
            بألف صف قام وانكسر
            إلا بصاحبي أبي نواس..
            الوسادة الخشبية مكتوب عليها بقلم الحرمان.. والمسخرية ألف صف وصف يقرؤها أبو نواس.. وأولئك الذين يعزفون في دخان الخدر العقلي..
            حملت شاهدي.. وكان من خشب
            فقد وجدته يقوم فوق قطعة الحصير
            مذ ولدت.. وعندما كبرت
            جعلته وسادتي التي يموت فوقها التعب
            ما دام شاعرنا اختارها.. فعليه تحمل نصبها وقساوتها.. إن ثرثرة لا اعتذار عنها (أم قصيدة).. وعنوان شعره هي طويلة أكتفي منها بمقاطع.. وقواطع ترسم بعض ظلالها:
            هذي الأدواء لم يكشف جرثومتها مجهر
            لكن كشفت عجز العلماء
            وكذلك سموها عشرات الأسماء
            لا يرفع أي منكم حاجبيه في استنكار أو يضحك في كمه
            هذا عصر سخاء التكنولوجيا أعطينا كي نسترق السمع. الأقمار
            وهمتنا الذرة والليزر والغازات
            كخبث للصفوة مرسوماً.. أن تضهد المخلوقات..
            فلماذا تحرمنا نعمة هذه الأقراص..
            وجهان ساخران لعصر اصطدم فيه العقل بوظيفة ما أنجزه العقل.. تملك أدوات البناء فهدم.. وصنع أدوات القوة فأنهكهه ضيقه.. عطل صوت الحكمة في زمن هو أحوج ما فيه إلى الحكمة أودعها ثلاجات التبريد كي تتجمد حتى توحده مع نفسه ومع الآخرين تحول إلى صورة للرؤيا خادعة يحسبها المرائي تؤخذ رغم أنها دليل فرقة.. شاعرنا أخيراً يعتذر عن ثرثرته الطويلة والجوفا بعد أن استدرجه الشعر فعرى نفسه وعرى غيره وبات مكشوفا تحت الأضواء.. ترقبه عيون الفضول وتدب على وجهه الأحداق.. وتغوص كأحذية خضراء.. محمد مهران السيد ينزع في شعره نحو الرمزية المقروءة، يضع الحروف ويترك لغيره وضع النقاط عليها.. يرسم الصورة ويبقي بعض الألوان التي لا تنتقص من شكلها..
            وقال الشاعر الجوال حدوته وصفية أو حكاية من الماضي..
            عجيب أمر قريتنا وقصة بئرها والسور
            حفرناها حفرناها.. وكدسنا بها الأعمار والآمال والموتى
            وأعطيناه.. أعطيناه حتى جاوز المطلوب وكنا نؤثر الصمت
            فكم تبنا على شعب وكم أخذت وكم أدمى
            عجيب أمر هذا البئر المسعور.. أن يبتلع كل شيء ولا يعطي بعض شيء.. مهمته أن يعطي.. وإذا به يُعطى.. تفضح أمره مقولة الشاعر..
            كالعير في البيداء يقتلها الظمأ
            والماء فوق ظهورها محمول
            أو مقولة شاعر آخر يصف حالة الجانب الآخر الذي يكفيه ما بقي من كدر ماء وطين
            ونشرب إن وردنا الماء صفواً
            ويشرب غيرنا كدراً وطيناً
            شاعرنا يرسم هزال الحالة والضعف في جانبها الإنساني المحزن كيف يلتقي جمعان على غير لقاء.. ويتفقان على غير اتفاق.. شكلهما واحد.. وحقهما واحد.. وحقلهما واحد.. ومع هذا احتجا بعقلين.. واحد معقول بعقاله يتصرف بتضخم الذات وآخر لا يلقى مكاناً لعقله إلا مع الأموات.. والساغبين والبؤساء.. والباحثين عن رغيف عيش.. وعن قطرة ماء نقية لا كدر ولا طين فيها..
            شاعرنا ينشد للوطن يستحثه ألا يكون أعزل من سلاحه كما كان.. ولا أن يكون مهزوماً كما سبق..
            لا يا وطني.. إن سقط سلاحك مرة
            وانكفأ المصباح على غرة فستنهض من كبوتك المُرَّة..
            لا.. يا وطني.. فلتكسر بيض الأحزان..
            ولتنزع هذا الليل من القلب
            فأنا والأجداد عرفنا معدنك الصلب..
            ودماهم تاريخك تحفر مجراها في الدرب
            مقاطع وطنية تستنهض الهمم.. محاولاً أن تنفض عن ردائهما هم الهزيمة.. وغم النكسة.. ووجع التاريخ
            أم شاعرنا تمنحه دروس حياة وتجربة عمر..
            يا ولدي.. لم أتعلم حرفاً منذ قطع الجبل جوار الفرن.ز
            لكن العمر العاطل من أسباب الأمن..
            علمني أن السور الواطي تقفزه حتى القطط العمياء
            علمني أن الضحكة اقصر عمراً من كل الأشياء
            علمني الألف إلى الياء ولذا وهن القلب ولاكته الأدواء
            ونزلت البيت مساء يتوكأ نصفي المشلول على الحي..
            أغلقت الباب عن أشيائي.. وتركت الحي قبل مجيئك من أرض الغربة
            جانب إنساني مشحون بالمأساة والموجع في حياة أم تمنح ابنها بعضاً من عظاتها
            معذرة لا تغضب لا تحسب أمك جامدة القلب
            أسأل عني زاوية الحجرة فنجان القهوة..
            لكن فمنت وها قد صدق الظن
            أو لم أجهر!؟ أن العمر العاطل من أسباب الأمن
            أغفر لي ضعفي.. أو هذا الحين
            إن كان الزبد الأسود قد غطاك إلى الرأس
            لا تعتب واشرب خلف جدار الصمت
            وتجشأ حتى لو أورق في داخلك المر
            فهذا الماضي والحاضر سيدهم سيجندهم
            ويمزق أجفان الأعضاء ويأمرهم فتشبث
            لا تفلت من يدك الشعر
            وأخيراً.. مع خاتمة القطاف والمطاف.. مع تداعيات الموت المختلفة..
            من لم يذد عن حوض بالدم يسقط
            ولا يمحو الجريمة ألف قربان يقدم
            ويفر من موت إلى موت محتم
            قيلت لكم من ألف عام لكنكم.. لكنكم
            يا أمة تصحوا الأنام يوماً وبعض اليوم
            وتعود تلتقط التمني من زوايا الحلم
            واختتم الديوان بهذا المقطع المؤثر من متنوعيات أي من تنوعيات صوته الحي..
            الموت يقبع في التعلل والأحاديث العجاف
            فأسرح خصالك يا فتى.. لا تنتظر إلا وسوف
            ونحن نبني ألف برج للحمام فأركبه إذن
            إن كنت مجنوناً بليلي واعبر على ضوء القمر
            أو في الظهيرة لا تسل أحداً متى؟!
            أو كيف خاتمة المطاف؟ ليلي هناك
            يدي في أوصالها وقع النعال
            تمضي الليالي وهي تنتظر الرجال
            تقتات صبار الصحاري
            وهي تنزع كل يوم من نتيجتها هلال
            الشمس تحرق شعرها..
            وتجف في لهب النهار على الرمال
            مسكينة ليلى.. وكل ليلى أطبق عليها الليل بظلمه وظلامه..
            ..................................
            *الجزيرة الثقافية ـ العدد (159) ـ في 26/6/2006م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              'كابوسية' الحلم المجهض والقصيدة التي 'وراء الشمس'
              رحيل الشاعر مهران السيد

              بقلم: محمد يوسف

              - 1 -
              كان عقد الستينات من القرن الماضي في مصر المحروسة متاهة لـ " القمع " بـ " حلزونية " و " جحيمية " دولة المخابرات التي تسرطنت من وراء ظهر كاريزما عبد الناصر . . وألقي " الحلم القومي " الذي كان غصن الشجرة الناصرية ، في عقر جحيم هزيمة يونيو / حزيران 1967 . . يومها كان " أمل دنقل " يبكي بين " يدي زرقاء اليمامة " وكنتُ أتربص بـ " دمعة إيزيس المقدسة " في عيون " النيل " . . ثم ألقي بـ " جثة الحلم القومي في دلتا اليتم الأندلسي . . " !
              كان " الحلم القومي " المجهض واسعا بحجم اليوتوبيا . . ضيقا كمساحة الزنزانة في سجن " القلعة " أو سجن " أبو زعبل " أو سجن " ليمان طرة " حيث كان يُساق أصحاب " الألسنة الطويلة " من الشعراء والمراهنين على النشيد الأخضر .
              كان صديقي الشاعر " محمد مهران السيد " الذي رحل عن كابوسية الحلم المجهض منذ أيام عدة ، واحدا من هؤلاء . . المتيم الملتزم بـ " رؤية كونية إنسانية " ترتكز على محور النضال والجمال والتوضؤ بـ " حرف الحاء " . . الإنسان المتمنع العزوف الزاهد " الهارب " من أفعوانية " الأضواء " الملتبسة . . ! ، لا يعرف المهادنة أو المداهنة أو اللعب بالبيضة والحجر . . قلبه أبيض . . وقصيدته بيضاء . . !
              - 2 -
              حين طغت تفكيكية " وتفسيخية " الحداثة . . وطغى " كوكتيل " البعد الأيروتيكي الشهواني على القصيدة وأصبح الشعر " الحداثي " أو " الحداثاني " عند البعض تنفيسا " ساديا " وخروجا " أحمق " على نص الرؤية الكونية الإنسانية العميقة الشفافة المتوهجة . . خبت " خضرة " القصيدة . . وآثر محمد مهران السيد التشرنق في محارة الأسئلة البيضاء :
              - لمن يكتب الشاعر . . ؟
              - لذاته المريضة أم ذاته السوية ؟
              - أم أنه يعكس الآخرين على مرآة ذاته ؟
              - وهل " المرآة " البيضاء لها علاقة بـ " المرآة السوداء " . . ؟
              - وأي " أرض " هذه التي تتشظى فيها المرايا و " تنشرخ " فيها الشظايا والذرات داخل جسد القصيدة . . وجسد الشاعر ، فالإثنان كائنان متشظيان : القصيدة والشاعر
              كانت أسئلة مهران السيد البيضاء مطعمة بـ ( لوعة اليتم والبحث عن " نطفة " الضوء المستقبلي ) . . ! ، لكن جحيم هزيمة يونيو عصف بـ " بياض القصيدة " فتهمش البياض ثم تهشم . . ولم يبق منه إلا " النزيز " الفيزيو – كيميائي لـ ( نار الشعر الخضراء )
              - 3 -
              في صيف العام 1999 . . قابلتُ الشاعر مهران السيد للمرة الأخيرة . بادرته قائلا : آخ . . كيف مر 23 خريفا منذ لقائنا الأخير عام 1976 ؟!! ، " أطلق " ابتسامته الواهنة . . وعدل من نظارته الطبية " الداكنة " وشد نفسا من سيجارته . . و . . هز رأسه . كانت هزة رأسه رمزا . . وكان الرمز توغلا في غابة الصمت . . وكان الصمت سؤالا له نكهة الإيقاع البرتقالي .
              - كيف حالك في " الغربة " ؟
              - حالي " حال " : غربة المكان نزيف ، يرسم " ملامح " الكائن الذي يحمل صخرة " سيزيف " وحدة .
              تحدثنا عن الغربة داخل الوطن . . والغربة خارجه . . و " غربة " التصادم مع الذات والآخرين داخل الكبسولة الإلكترونية التي تفح في تضاريسها المنداحة خارج الجغرافيا الكلاسيكية ، تفاحة العولمة .
              * : العولمة هي الأمركة . . أو فرض الصيغة والصبغة الأمريكية على " أمنا الأرض "
              - : صحيح .
              * : واتساع الفجوة بين دول الشمال الغنية ، ودول " الفك الإلكتروني المفترس " ودول الجنوب الفقيرة المهددة بالجوع والجفاف والتصحر والوقوع من قعر " القفة " التكنولوجية .
              * : مأساة .
              هل " السياسة " تفسد الحلم المراهن على " اليوتوبيا " التي تنتظر " جودو " .
              " جودو " الذي لا يجيء . . . !
              " جودو " الذي لن يجيء . . . !
              - 4 -
              من يقرع الجرس في برية " التفاحة " التي تتلوى بداخلها دودة العولمة ؟
              * : الكل ...!
              - : أو . . لا أحد ...!
              كان صديقي الشاعر مهران السيد يسترجع " المشاهد " القوسقزحية :
              - حقبة الناصرية المرصعة بـ ( النشع العاطفي ) الذي يمغنط الجماهير .
              - حقبة الساداتية حيث " الانفتاح " على إيقاع " تكنيك " . . " السداح مداح " . . وألعبانية القطط السمان .
              من " كاريزما " الصوت الواحد . . و " أوركسترا " : سَمَعْ هووو . . س ؟! إلى " تفاحة الكون " الإلكتروني الفاسد ... مسافة من " الحاء " الملتاعة :
              حاء حزن ... حاء حرية ..!
              في متاهة المسافة " النازفة " انحشر مهران السيد ... وانحشرت خضرة ...! القصيدة البيضاء ...!
              نزف قصيدته ... وصمت ...!
              وكان الصمت تمكينا لـ ( رمز البياض ) .
              وكان " البياض " سفراً إلى يوتوبيا المستحيل .
              وكانت اليوتوبيا " المستحيلة " رحيلا إلى ملكوت " الحاء " ...؟!!
              .....................................
              * عن موقع: أفق : الأربعاء 01 نوفمبر 2000م.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                بدَلاً من الكذِب

                شعر: محمد مهران السيد
                ....................

                لو أنها قالت سنلتقي غداً أو بعدَ غد
                و اعتذرَتْ عن المجىءِ بعدَها...بلا سبب
                لو أنها
                لقلتُ في نفسي...لِمَ الضلالُ و السؤالُ و الكمد؟
                و أنَّ للغيابِ ما يبرِّرُه
                و ما استطاعَ أن يدينَني أحد
                لكنَّنا لن نلتقي و لو للحظةٍ قصيرةِ الأمد
                كنا كسائلينِ أعرجينِ في مدينةٍ
                تعجُّ بالصَخَب
                نُحسُّ مثلما يُحسُّ أهلُها بذلك الذي يحومُ فوقَنا
                و أنَّ شيئاً ما يقومُ بيننا
                كما يقومُ بينهم
                و كان عجزُنا القديمُ_كالحياةِ لحظةَ الفراقِ_عجزَهم
                و أنَّنا و أنَّهم
                ننوءُ بالرؤى الحزينة
                لكنهم كانوا على الدوامِ...يحتمونَ من شقائِهم بنا
                و يهربونَ في جلودِنا
                و يدفنونَ عُريَهم000كما النعامِ000في صقيع عرينا
                و كلَّما مرَّتْ بنا الأيامُ في طريقِها
                تُضيفُ للمخزونِ في عروقِنا
                ففي الصباحِ لا نودُّ أنْ نعيشَ للظهيرة
                و ساعةَ الغروبِ نحسدُ النهارَ إذ يموتُ قبلَنا
                و عندما تسيلُ رعشةُ النجومِ في عيونِنا الضريرة
                نقولُ من صميمِنا...يا ليتَها الأخيرة
                لكي نغوصَ في سكينةِ الأبد
                و ذاتَ يومٍ فُوجىءَ الصباحُ...أنَّها مضَت
                تحجَّرَتْ بجانبي ظلالُها
                و أنَّني أغمضْتُ عيني إذْ مضَتْ, و خنتُها
                و بالسنينِ في مساربِ الخداعِ...بعتُها
                و لن أراها مرةً أخرى لأعتذر
                بأنني بشر
                و منذُ أن فقدتُها
                أموتُ في النَّهارِ مرَّتين...لو نسيتُها

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  قراءة في مسرحية «حكاية من وادي الملح» لمحمد مهران السيد (1 ـ 4)

                  بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                  ......................

                  (1)
                  مسرحية الدعوة إلى التمرد Agit - Prop تُطلق على نوع من المسرحيات التي ظهرت في أوربا وأمريكا في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن، وتدعو إلى التمرد والثورة الاجتماعية على أساس ماركسي"(1).
                  والمصطلح الإنجليزي أصلا مشتق من كلمتي هياج أو إثارة Agitation ودعاية Proganda "(2). و"المسرحية الدعاوية Proganda-Play هي المسرحية التي تهدف إلى التأثير على جمهور مشاهديها لصالح فكرة معينة غالباً ما تكون سياسية، ولا شك أن النهاية والحاصل التأثيري في المسرحية الدعاوية يؤكد الفكرة المُبشَّر بها"(3).
                  وقد يهتم المسرح الدعاوي ببعض الأمور الأخرى الدينية والاجتماعية، فالدكتور عبد العزيز حمودة يرى أن مسرح الدعاية "هو نوع من الكتابة يدعو فيه المؤلف إلى آراء وفلسفات بعينها سواء أكانت هذه الآراء سياسية أو كانت اجتماعية أو دينية، وهو وسيلة من وسائل تنوير الأذهان وتوعية القارئ وإثارة اهتمامه بمشكلة أو فكرة معينة"(4).
                  والمسرح السياسي التحريضي هو الذي يطرح حالة يُراد توصيلها للمتلقي (القارئ أو المشاهد) ليتخذ موقفاً مع أو ضد هذه الحالة. وهذه الدراما التحريضية موجهة إلى مجموع الشعب ككل، ليتخذ موقفاً موحداً من قضية يرى المؤلف أنها تمس المجموع، فمسرح الدعاية والتحريض "يمثل ذلك الشكل من الدعاية الذي يقود إلى الفعل"(5).
                  والمسرح التحريضي ينجح حينما يمس موقفاً أو فكرة تهم عامة الشعب الذي تتوجه لـه المسرحية، والمسرح التحريضي "يستطيع بتعرضه لصالح المتفرج اليومية إيقاظه من سُباته"(6)، والمؤلف الذي يكتب مسرحية تحريضية ينحاز إلى قوى التحرير، والثورة على ما هو مألوف، والتبشير بعالم جديد غير العالم الذي نعيشه، "فكلما كان الأديب أديبا حقيقيا جاء إنتاجه تحريضيا، لأن العالم الذي يقدمه أعمق خلافاً وتغايُراً مع عالمنا"(7).
                  ولقد بدأ المسرح الشعري بعد سنة 1967م مرحلة جديدة، إذ أخذ يُشارك في الحوار الدائم حول الأزمة التي حدثت بصورة بدأت مفاجئة وهي هزيمة الأمة العربية ذات المئة مليون ـ في ذلك الوقت ـ أمام مليوني إسرائيلي، وتعددت الطروحات التي يُقدمها المسرح الشعري في ذلك الوقت، ولعل أجرأ هذه المحاولات كانت مسرحية "حكاية من وادي الملح" للشاعر محمد مهران السيد، لأنها حاولت بشجاعة أن تُعيد النظر فيما حدث، وتكشف أسبابه التي مازالت قائمة حتى وقت كتابة المسرحية وتُحاول الإسهام في تغيير الواقع، بفضحه وإظهاره بكل تناقضاته ونقائصه من خلال قناع تاريخي.
                  (2)
                  كتب محمد مهران السيد هذه المسرحية عام 1969م(8)، وهي التجربة الثانية له في المسرح الشعري(9)، وتستوحي إحدى القصص الفرعونية الشائعة وهي قصة "الفلاح الفصيح" التي سبق أن تناولها بعض المعاصرين، واستوحوها في أعمال مسرحية، منهم الشاعر الراحل علي أحمد باكثير الذي كتب مسرحية نثرية طويلة بعنوان "الفلاح الفصيح"، والشاعر فتحي سعيد الذي كتب مسرحية شعرية طويلة تحت العنوان نفسه.
                  و"قصة "الفلاح الفصيح" وشكاواه تُعتبر من أهم النصوص التي وصلتنا من التراث المصري القديم، وتعتبر في الوقت نفسه تعبيراً عن عهد شهد ثورة اجتماعية طاحنة وفتنا واضطرابات سياسية عنيفة وقعت أحداثها في عهد الأسرة العاشرة بعد فترة حرجة انقسمت فيها البلاد ثلاثة أقسام، وتشكك ناس في كثير من الأمور ولا سيما في يتعلق بالملك الإله صاحب مصر، وصاروا بعدها يؤمنون بأن أساس الحياة هو العمل الصالح لا خدمة الملك"(10).
                  وتحكي قصة الفلاح الفصيح "أن فلاحا يُدعى أخنوم … من أبناء واحة وادي النطرون شمال غربي مملكة أهناسيا، خرج بحميره ذات يوم محملة بالغاب والنطرون والملح والأخشاب والجلود والنباتات والطيور والحبوب وغيرها من خيرات الواحة، كي يستبدل بها محاصيل الوادي، وبالقرب من العاصمة، وعلى شاطئ النيل، تطورت أحداث القصة، حين قضم حماره حفنة شعير لأحد الأشراف، فكانت النتيجة أن استولى الشريف على حميره وخيراته، وأقام "أخنوم" على باب قصر الشريف يستعطفه تارة، ويتلقى سياطه تارة أخرى، ولما يئس ذهب إلى كبير الأمناء في أهناسيا، ولكنه لم يجرؤ على الشكوى إليه مباشرة، واكتفى بإبلاغ الشكوى تلو الشكوى إلى أحد رجاله، ولما يئس مرة أخرى اقتحم معقل كبير الأمناء نفسه، وشكا إليه مباشرة، وهكذا إلى أن تم إنصافه، ورد إليه حقه، وهو في تلك الأثناء صابر على البلوى والعذاب، قادر على السخرية مسيطر على زمام نفسه إلى أبعد حد، وكأنه يؤكد بذلك تلك الحكمة الشعبية القديمة القائلة: "ما مات حق وراءه مُطالب"(11).
                  ورغم أن بطل محمد مهران السيد يُعاني مأساته الخاصة، طوال المسرحية، فقد أفلح أن يُثير من خلالها دلالات إنسانية عامة، حتى لا يُصبح أثرها محدوداً، أو وقتيا أو مسطحاً.
                  (3)
                  "أخنوم" فلاح بسيط، نقي، يقتسم مع الفقراء رغيف عيشه، يعول أولاده الصغار وأمه وزوجته. يصفه أحد الأصوات بأنه:
                  نقيٌّ كالماءِ المُترقْرقْ
                  ووديعٌ كالبقرةْ
                  لمْ يرتكبِ الإثْمَ طوالَ حياتِهْ
                  يقتسمُ معَ المُحتاجِ رغيفَ العيْشْ
                  ويساعدُ أيَّ عجوزٍ في حملِ العيدانِ أوِ القشّْ(12)
                  وأصوات متناثرة، تُعبِّر عن رأي المجموع فيه، تصفه بأنه:
                  جارٌ وصديقْ
                  يسري حبُّ الأهلِ بقلْبِهْ
                  أفنى العُمْرَ يُدلِّلُ أعوادَ القَمْحْ
                  يمسحُ فوقَ سنابلِهِ بالكفَّيْنْ(13)
                  لقد خرج "أخنوم" بحميره محمّلة بخيرات وادي الملح، ليستبدل بها محاصيل أخرى، وكان مليئاً بالسرور يُغنِّي لحميره:
                  سيري ففي غدٍ نعودُ بالطَّعامْ
                  سيري إلى الأمامْ
                  فهذه بلاد نيكا روعْ
                  وحكْمُهُ يعني الأمانْ
                  والعدْلَ في هذه الربوعْ
                  فلا اللصوصُ يجرؤونْ
                  ولا تشيلُ كِفَّةُ الميزانْ
                  وقدْ تساوى تحتَ حُكْمِهِ الإلهيِّ الجميعْ(14)
                  وبينما يسير وراء حميره في الطريق بحذاء النيل أبصر قطعة نسيج ضخمة تسدُّ الطريق، فمال جانباً بدوابه حتى لا تدوسها، وإذا بحمار لـه يأخذ قبضتين من الشعير، فكانت النتيجة أن استولى "جحوتي" على حميره، وأقام "أخنوم" على باب "جحوتي" يستعطفه، فيرد عليه الأخير بأن حميره تقضي عقوبة السرقة:
                  جحوتي: إنَّ دوابَّكَ تقضي الحكمَ عليها بالأشغالْ
                  ما بيْنَ مخازنَ قمحي والحقْلْ
                  الراوي: يا لوجيه القومِ المُحْتالْ !
                  جحوتي: (في خُبث)
                  أتخافُ عليها
                  لنْ نُرْهقَها بالأحْمالْ
                  وسنُطْعِمُها
                  وسنسْقيها
                  وستُصبحُ في أحْسَنِ حالْ
                  الفلاح: (يتلفّت حواليه كمن يتعجّب أو يستنجد بشيء، ويقول في سخرية مستترة)
                  يا سيدُ عفواً
                  فأنا أضْأَلُ منْ أنْ تشملَني رقَّةُ قلبِكْ
                  أوْ هذي الأفضالْ
                  دعْها لي
                  دعْها لي
                  هيَ بَعْضٌ منْ بيْتي المُتَرنِّحِ
                  المسقوفِ بسعَفِ النَّخْلْ
                  تأكلُ معَنا ، وتجوعُ إذا جاعَ الأطْفالْ
                  جحوتي: (بَرِما)
                  لا بلْ طوّقناكَ بما نملكُ منْ نُعْمى بالفِعْل
                  أوني: اذهبْ واحْملْ قربانَ الشُّكْرِ إلى الكاهِنْ(15)
                  وهكذا يسلبون منه حميره، ويطلبون منه أن يُقدِّم قربان الشكر للكاهن! ولكن الفلاح يُقاوم، ويشكو الظلم، فيُطرد وهو يقول إنه لا يجد العدل، وأعوان "جحوتي" يهددونه بقطع لسانه، ويصبون عليه العذاب.
                  (يتبع)

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #10
                    قراءة في مسرحية «حكاية من وادي الملح» لمحمد مهران السيد (2ـ 4)

                    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                    .......................

                    ولا يجد الفلاح مفرا من الذهاب إلى "رنسي" سمير الفرعون، ويشكوه إلى نفسه في لغة لم يألفها السمير:
                    (صوت الفلاح أخنوم يأتي عبر النافِذة)
                    الفلاح: موْلايَ سميرَ الفرعوْنْ
                    فلاحٌ منْ أهْناسْيا
                    يقفُ اليومَ ببابِكْ
                    عُذِّبَ ، لكنْ أَطْبَقَ بيديْهِ على الرُّوحْ
                    قدْ زَحَفَ على أطرافِ الجسدِ الميِّتْ
                    وتشبَّثَ في إصْرارٍ بلهاثِ الأنفاسِ ، وبالصَّوتِ المبْحوحْ
                    مولايْ
                    الحقُّ بأرْضِكَ تمثالٌ منْحوتْ
                    نصبوهُ كناطورِ الحقْلْ
                    لا يفعلُ إلاّ تضليلَ الطَّيْرِ أو التَّمْويهْ
                    (يظهر الارتباك على الحاضرين)
                    رنسي: (إلى أحد أتباعه)
                    ما هذي الضَّجَّةْ ؟
                    التابع الأول: لا تُشغِلْ بالَكَ يا مولايْ
                    هو فلاَّحٌ منهوبُ اللُّبْ
                    الفلاح: (مواصلا)
                    أعرفُ أنَّكَ يا موْلايَ كبيرُ القلْبْ
                    أنتَ النيلُ المُتدفِّقْ
                    والرُّوحُ لهذي الأرْضْ
                    وإدامُ الفقراءْ
                    وشعيرُ الأيتامِ ، وخبزُ المرضى والفقراءْ
                    وملاذُ الفلاحينْ
                    لكنْ يا مولايَ .. تحوَّلْتْ
                    لتفيضَ بأرْضٍ .. لا تحْتاجُ الماءْ
                    هلْ تسمعُني ؟
                    لا تحتاجُ الماءْ(16)
                    إن المقطع الأخير يكشف عن صفات الحاكم كما يفهمها ابن الشعب أو رجل الشارع: أن يكون الحاكم كبير القلب، ويملأ دنيا محكوميه بمحبته وبره وعطفه على الفقراء، ويكون ملاذاً لهم، لكن "أخنوم" يجد حاكمه "يفيض بأرض لا تحتاج الماء"، فهو يُعطي برّه وعطفه وحنانه للأشراف، والتجار، والأصهار، وأصحاب المناصب.
                    وينزعج "رنسي" لأنه لم يخدش سمعَه طوالَ عمره كلامُ كهذا، ويخشى أن يُلقي الفلاح الخبيث بذرة التمرد، فتنبت أشجار الثورة والغضب، فتُحاصر ضياعه وقصوره. ويُسجن "أخنوم"، ويستدعي "رنسي" ـ سميرُ الفرعون ـ "جحوتي" وكيلَ أملاكه وسيد المنطقة، ويسأله عن الفلاح وجنايته، فيجيبه "جحوتي" بأنه لم يظلم الفلاح، ولكن الفلاح هو الذي ظلم نفسه، فقد سبَّ الفرعون ووزيره "رنسي" ذا المقام الرفيع، فطبّق عليه القانون، وضاعف عقوبته ليستل الحقد الأسود من قلبه ويُطهِّره من الإلحاد، ثم يعود إلى بلده بعد التطهير نقيا شفّاف الروح. فيقول له "رنسي" إنه محق في تصرفه، وأنه لا يُحاكمه، بل يسأله فحسب.
                    ويظل صوت الفلاح يصرخ طالباً العدالة التي لا تجيء، ويدفعه الحراس ـ وهم يُشهرون الحراب ـ وقد صار أشعث أغبر، وزاد هزاله.
                    ويحاكم "رنسي" الفلاح مدعيا العدالة، مضمراً له السوء، فيشكو له "أخنوم" سوء حاله وافتقاده العدل، ويقول له في جرأة وفي ثبات:
                    أخنوم: سلَّةُ فاكهةٍ طيبةُ الريحْ
                    تنحرِفُ بقاضيكَ العادلْ
                    مكْيالُ شعيرٍ واحدْ
                    يُفْسِدُ ذِمَّةَ جابي المالْ
                    الرشوةُ تحكمُ كلَّ دوائرِ أعمالِكْ

                    نتقشَّفُ بيْنا يُثْري الحاوي والدَّجَّالْ
                    ورواةُ مآثركَ المنثالةِ كالفيْضْ(17)
                    ويقول له إن هذه الشكوى هي السابعة ولم يتم إنصافه، وبعد استماع "رنسي" إلى الشكوى يقول أحد أفراد الحاشية المشاركين في المحاكمة "فلاح وادي الملح يا قومُ مدان"، فيُعيدها أحد الحراس، ويُكررها ثان "ويظل يتناقلها الحراس حتى تُسمع أصداؤها خارج القاعة، بينما تشتد الضربات النحاسية تسقط لوحة من أعلى بعرض المسرح، في سُرعة ملحوظة تُمثِّل الفلاح مصلوباً إلى جذع نخلة وحوله الجنود ينهالون عليه بالسياط"(18).
                    لكن ثورة "أخنوم" تؤتي ثمارها، بعد أن رفع أمره إلى الفرعون واستبقاه الفرعون كي ينعم بفصاحته وجميل قوله! إن صوته قد وصل إلى كل أرجاء مصر، وكما يقول "توت"
                    مع إشراقةِ رَعْ
                    كلَّ صباحٍ ، تنْهالُ على القصْرِ مظالمُ ورقاعْ
                    تحملُ سُخْطَ الفلاّحينْ
                    والباعةِ في الأسواقْ
                    والسقّائينْ
                    وتُشيرُ إلى ما يحْدثُ في كلِّ نواحي هذا البلدِ المغلوبِ على أَمْرِهْ
                    وتُطالبُ برجوعِ الفلاّحِ إلى أهلِهْ
                    يُدفَعُ فوقَ طريقِ العودةِ بحميرِهْ
                    ويُنادي في الطرقاتْ :
                    أخنومُ الفلاّحُ برئْ
                    ليسَ بلصٍّ أوْ مارِقْ
                    وبأن تُعقدَ محكمةٌ للسّارقْ (19)
                    إن الفلاح مازال مظلوماً، لكننا نرى بوادر الإنصاف حينما نرى لوحة "تسقط من أعلى بعرْض المسرح، تمثل "جحوتي" أمام محكمة يحضرها حشد كبير من الناس".
                    ولأن المسرحية تحريضية فهي في مشهدها الأخير (المشهد الخامس من الفصل الثالث) تعقد محاكمة يكون الجمهور هو القاضي والشاهد والمتهم، وتُسمع أصوات من الصالة تُعبِّر عن الواقع المرَّ بعد هزيمة 1967م، مُعلِّلة ما حدث، راسمة الطريق للخروج من المأزق:
                    ـ نحنُ وقودُ الخطرِ المُحدقِ والأزماتْ
                    ـ لا شيء أمامَ الإنسانِ سوى القبرِ أو الموتْ

                    ـ أسمعُ عنْ هذا الخطرِ ولا أجِدُهْ
                    الدُّنيا يا إخوانُ بخيْرْ
                    ـ لنْ نبخلَ يا (نفرو) بالدَّمْ
                    ـ لنْ يُنجينا منْ خطرِ الطوفانْ
                    غيْرُ الإيمانِ المُطْلَقْ

                    ـ لا يُجدي غيْرُ السيْفْ
                    ـ لمْ يُطْلبْ منا شيْءٌ منْ هذا أوْ ذاكْ
                    ما نحْنُ سوى نظّارهْ
                    نجلسُ فوقَ كراسينا المرْقومهْ
                    ونُتابعُ ما يجْري
                    ونُطيلُ التَّحديقْ
                    نتملْملُ أوْ نضْحكُ في الظُّلْمَهْ
                    أوْ يهدرُ منْ بيْنِ أصابعنا التصفيقْ
                    نبْكي في صمتٍ موتَ البَطَلِ أو البطلهْ
                    لكنْ لمْ يُطلّبْ منَّا التعليقْ(20)
                    ولعل هذه أسباب هزيمة 1967م كما يراها المتفرجون، لكن الراوي قبل أن يُسدل الستار يطلب من أحفاد "أخنوم" أن يتحرّكوا حتى يقضوا على "الخوف والصمت"(21).
                    (4)
                    كان "أخنوم" قبل مأساته مجرد فلاح طيب، لا أكثر، من فلاحي وادي الملح الذين يصفهم "تنن":
                    تنن: فلاّحو وادي الملْحْ
                    لا يُضمِرُ أحدٌ منهمْ سوءاً
                    لعشيرتِهِ وولاةِ الأمْرْ
                    أصْحابِ الأرْضْ
                    وجُباةِ المالْ
                    والكتبةِ ، والأمناءِ على المخْزنْ
                    يحترمُ الرؤساءَ .. ومنْ في حاشيةِ الفرعونْ
                    حتى خدمَ القصْرِ المتلألئ بالقوةِ والمجْدْ
                    القائمِ في حضنِ الأربابِ وآلهةِ الأجدادْ
                    ترْعاهُ وتحفظُهُ
                    وتؤيِّدُ قدرتَهُ حتى يبقى السلطانُ ، ويمتد(22)
                    لكن مأساته استطاعت أن تكسر قشرة هذا المجتمع الأجوف الذي ينخر سوس الفساد في أعماقه. إن "أخنوم" يُدافع عن حميره التي أكلت قبضة من الشعير فسلبوها منه، لأنهم يُعاقبون اللص بالسجن، فيرد عليهم "أخنوم" بأن اللص غير الحمير، وهو بهذا يكشف عن التطبيق الأصم للقانون الذي يُوظِّقه كبار اللصوص كما يريدون. يقول "أخنوم" مخاطباً "جحوتي" وكيل أملاك الوزير، وسيد المنطقة، وصانع المؤامرة:
                    الفلاح: يا سيد هذي الآفاق
                    لا يسرقُ إلا من يعرفُ كيفَ يُدَبِّرْ
                    لكنْ كيْفَ لهذي الدابةِ أنْ تتآمرَ ، وتُفكِّرْ ؟
                    لا ينهبُ مالَ الغيْرِ سوى إنسانْ
                    (يصمت)
                    إنسانٌ معْوجُّ الدَّرْبْ
                    دجّالٌ أوْ أَفَّاقْ
                    غلَّتْهُ الدنيا عنْ كلماتِ الربْ
                    أو فئةٌ تتحصَّنُ خلفَ مناصبها، وتمدُّ مخالبها في عينَ الشعبْ(23)
                    وهنا تثور ثورة الأعيان والسادة، لأن الشعب الصامت بدأ يتكلّم، ويفتح شدقيه، وأصبح "يحيلُ الكلماتِ إلى أسياخٍ حُمِيَتْ في النار"(24).
                    وثورة الأعيان هنا لها مبررها، لأن مأساة الحاكم ـ كما تُبرزها المسرحية ـ أنه هو وأعوانه ومساعدوه لا يتقبلون النقد، يقول "جحوتي":
                    منْ هذا الأخنومْ ؟
                    حتى يتحدَّاني
                    وأنا الرجلُ الأوّلْ
                    في حاشيةِ الرجلِ الأولْ
                    أعظمِ عظماءِ القصْرْ
                    وسميرِ الفرعونِْ الأكبر
                    (يصمت، ثم يُواصل)
                    ما يُقلقُني ليسَ الموقفَ في ذاتِهْ
                    لكنْ أخشى أن يتكرَّرْ
                    (يصمت لحظة)
                    لمْ أسمعْ طيلةَ عمري
                    أنَّ حقيراً رفعَ الوجهَ بحضرةِ أسيادهْ
                    لا في أهناسيا ، أوْ في إقْليمٍ آخرْ
                    (ثم محدثا نفسه)
                    هل هذا إرهاصٌ ونذيرْ ؟(25)
                    إن الحاكم وأعوانه غير مستعدين لتقبل النقد، ويروْن أن في النقد والشكوى فتحاً للعيون المغلقة، ورفعاً للأوجه التي تعوّدت الانحناء أمام السادة، وإرهاصاً بالثورة المقبلة التي يسترد فيها الشعب مكانته في أرضه، وتحت الشمس. ونظرة الحاكم وأعوانه لأفراد الشعب نظرة خاطئة فهم لا يرون في الشعب أكثر من غوغاء، وكلاب جرباء وحشرات(26).
                    (يتبع)

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #11
                      قراءة في مسرحية «حكاية من وادي الملح» لمحمد مهران السيد (3 ـ 4)

                      بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                      ..........................

                      لقد كان من الواجب أن يثور الشعب(27) حتى تُرَدَّ لأخنوم حقوقه، ولكن ذلك لم يحدث، لقد وقفوا يتفرّجون على الراوي وهو يقص مأساة "أخنوم"، ويتعجبون كيف وقف فلاح في وجه وزير الفرعون!
                      وتراوحت المواقف العملية بين السلبية التي تتعلّل بالفقر وهموم المعيشة، ويمثلها قول أحدهم:
                      صوت: أصحابَ عيالٍ كنا ، وهمومْ
                      هلْ راقَ البالُ لنشغلَ أنفسَنا بالغيْر ؟
                      منْ دارِكَ للحقْلْ
                      أوْ منْ حقلِكَ للدَّارْ
                      في هذا الزمنِ الحادِّ الأَبْصارْ !(28)
                      فأصحاب هذا الصوت يتعللون بانشغالهم بأمور العيش التي تُثقل الظهور، وخصوصاً أن أية كلمة مرصودة من البصاصين. فالحكمة تتطلّب منهم أن يكونوا من بيوتهم إلى حقولهم، أو من حقولهم إلى بيوتهم، حتى يأمنوا على نفوسهم وأسرهم وحياتهم.
                      والبعض من هؤلاء السلبيين يُرجعون المأساة إلى انشغال الناس بأمور الدنيا، وسخط الآلهة عليهم، كقول الفلاح "بنت":
                      بنت: ما يجْري الآنْ
                      أحسبُهُ منْ سَخَطِ الآلهةِ عليْنا
                      فالناسُ انشغلوا بأمورِ الدُّنْيا
                      وتناسوْا آلهةَ الأجْدادْ
                      تتثاقلُ يا صاحبُ خطواتُ الساعينَ إلى المعْبدْ
                      وكأنَّهمو يمشونَ إلى الموْتِ ووادي الظُّلُماتْ
                      نبْخلُ إنْ ذكَّرَنا الكاهنُ بالقربانْ
                      نحتجُّ بضيقِ الرزقِ ، وشُحِّ الأيامْ(29)
                      والبعض منهم ـ وهؤلاء أشدهم سوءاً ـ يرون أن "أخنوم" قد كفر، لمجرّد رفع الصوت في وجه الحاكم، ومنهم الفلاح "بتاح" الذي يقول:
                      بتاح: إنِّي أرى أخنومَ قدْ ضَلَّ السبيلْ
                      ولقدْ كَفَرْ
                      إذْ كيف يجرؤ فلاَّحٌ تساوى بالرقيقْ
                      أنْ يرفَعَ الصوتَ الذَّليلْ
                      في وجْهِ هذا السيِّدِ المحفوفِ بالإجلالِ والمجْدِ العريقْ(30)
                      إن رفع الصوت ـ عند "بتاح" ـ خطيئة كبيرة، لن تمر بسهولة، فمن يقف أمام الفرعون يُدان في محكمة الموتى، وينهش جسده الوحش الرابض تحت الميزان، فلا ينبغي أن يدافع أحد عنه، وإلا فمصيره سيكون كمصير "أخنوم"، ولذا يهيج متهماً "بيبي" بالجنون لدفاعه عن "أخنوم":
                      بتاح: (.. في هياج)
                      لكنْ بيبي يا إخوهْ
                      قدْ سلكَ الدَّرْبَ الملعونْ
                      وتقودُ خطاهُ الأرواحُ الشرِّيرهْ
                      مأفونٌ يتبجَّحُ ليُدافعَ عنْ مأفونْ
                      سيُدانُ بمحْكمةِ الموْتى
                      إذْ يتخلَّى عنْهُ القلبُ ويشهدُ ضدَّهْ
                      وسينْهشُهُ الوحشُ الرّابضُ تحت الميزانْ(31)
                      أما الموقف الثاني فقد كان موقف الأقلية، الذين تحرّكوا لمساندة الزوجة والأم في هذه المحنة بتقديم الطعام لهما، وبث وعي التمرد لأنه البديل للفناء أو للحياة التي تُشبه الموت:
                      بيبي: يتعجّبُ إخوتُنا إذْ أسألُ ما موْقفُنا منْهْ ؟
                      فيقولُ بتاحْ:
                      هلْ نبعثُ جيشاً ليفُكَّ إسارَ الفلاحْ ؟
                      توت: (إلى بتاح)
                      هلْ تسخرُ منهْ ؟
                      بيبي لمْ يُخْطئْ
                      بلْ يأنفُ أنْ نرْضَخَ ونُطأْطِئْ
                      بيبي: (في صوت عميق)
                      ضيْعةُ رنسي في منصفِ الدربِ إلى أهناسْيا
                      فإذا انكمشَ الواحِدُ منا كالقنفذْ
                      وتداخلتِ الأعضاءْ
                      ورأى أنَّ الأمرَ قضاءْ
                      .. لابدَّ وأن ينفَذْ
                      أوْ كوَّمَنا الخوْفُ ، وآثرْنا الإغْضاءْ
                      وتهامسْنا في الحَلَقاتْ
                      ووراءَ الأبوابِ الموصدةِ عليْنا في الأكْواخْ
                      كنّا ، وسيمضي الدهرُ ، ونحن نرى الأشياءْ
                      تتبدَّلُ أوْ تتحوَّلُ أو تتلاشى
                      بأوامرَ يُصدرُها الكَهَنهْ
                      وسليلو الآلهةِ المعصومونَ من الأخْطاءْ
                      أوْ ذاكَ الجيْشُ من الأتْباعْ(32)
                      إن محمد مهران السيد ينتقد من خلال ذلك القناع التاريخي مواقف الشعب من هزيمة 1967م التي تراوحت بين السلبية، أو إرجاع الهزيمة إلى بعدنا عن الله، أو إلى عدم نقدنا الزعماء المخلصين .. هذا من جهة ومن جهة أخرى رأينا بعض الآراء التي تُنادي بمراجعة كل شيء، ومحاسبة المتسببين عن الهزيمة، حتى يمكننا إعادة البناء على أسس سليمة.
                      وكما انتقد محمد مهران السيد موقف الشعب انتقد موقف الثوار (الحكام) المستفيدين من الثورة، والذين أوصلوا البلاد إلى الهزيمة المرة في 1967م. فما هذه الصورة التي قدّمها من خلال القناع التاريخي؟
                      إنه يُصور فزع الحكّام من أي صوتٍ ناقدٍ، إنهم يرون في أي صوت منتقد صوتاً بغيضاً خافتاً مثل صوت صرصور، وقد يتركونه يتكلّم حتى يموت يأساً!
                      أوتي: هذا الصرصور
                      عبْدٌ منْ آلافِ عبيدِكَ لا أكثرْ
                      فاصرفْ ذهْنَكْ عنهُ ، ولا تحْفلْ
                      دعْهُ بجوْفِ السردابِ المُظْلِمْ
                      يصْرُخُ ملْءَ الشِّدقيْنِ ، ويمضي كالمحْمومْ
                      فغداً ييْأَسُ ، أوْ يسقطُ إعْياءً أو يغلبُهُ النَّوْمْ(33)
                      لكن مثل هذه النظرة قاصرة، فالتمرُّد يعني أن الشعب حي، وأن نبض الحياة لم يخمد فيه، وأنه يُقاوم، ويحلم بغد أفضل.
                      لقد كان الحكام يفزعون من أي نقد يوجّه إلى مكاسبهم، نفهم ذلك من بوح "ياي" أحد الأعيان:
                      ياي: أفنيْتُ حياتي حتى تمتدَّ جذورُ الشَّجَرهْ
                      وسندْتُ الجذْعَ الليِّنَ حتى لا تحملَهُ الريحْ
                      أوْ تتقصَّفُ تلكَ الأغصانُ اللدْنهْ
                      لوْ هزَّتْهُ يدْ
                      وزجرْتُ الطَّيْرَ عن الثمرِ الناضجِ ، لمْ أبْخلْ بالجُهْدْ
                      ولكمْ مارسْتُ البطْشَ ، وكُدْتْ
                      ولكمْ رغَّبْتُ ، ومنَّيْتْ
                      (يصمت برهة)
                      نحنُ العشراتْ
                      منْ أبناءِ الجيلِ الأوّلْ
                      ممّنْ أرسيْنا عرشَ الأُسْرهْ
                      أوْرثْناكمْ هذا المجْدْ
                      بالعرقِ وبالكدّْ
                      وأقمْنا بالتضحيةِ المُرَّهْ
                      أُسَراً تنتشِرُ على جنباتِ الوادي
                      هيَ خيْرُ مُعينْ
                      لسليلِ الآلهةِ الفرْعونْ
                      بلْ هيَ قلْبُ الحكْمِ النابضُ ، ويداهْ
                      تخفضُ أوْ ترفعْ
                      تُعطي أو تمْنعْ
                      ولهذا ما للقدرِ النَّافذِ منْ سُلطانْ
                      بلْ هي صانعةُ الأقْدارْ(34)
                      إنه يُمثِّل "أصحاب المصالح" الذين يفزعون من النقد، ويقلقون، وتدهمهم الأحزان لأنهم يخافون أن يفقدوا مكاسبهم، ولهذا يقول بعد المقطع السابق:
                      فلماذا لا أفزعُ أو أقلقً أوْ …
                      تدهمُني الأحزانْ ؟(35)
                      ولا يختلف موقف الأعيان الآخرين من موقف "ياي"، فحوار "تاتا" و"أوني" يُشير إلى الواقع الذي عاشته مصر قبل سنة 1967م، وأوصلنا إلى الهزيمة. إن الحوار يُعرِّي الطبقة الحاكمة، ويُظهر على لسانها نظرتها إلى نفسها، ونظرتها للشعب:
                      تاتا: لسنا عطلاً من ومضاتِ الفكْرِ الثَّاقِبِ
                      أوْ إحكامِ التَّدبيرْ
                      بلْ نحنُ أخيراً فرسانُ الكلمةِ والمضْمارْ
                      يعرفُنا الناسُ بوجْهيْنا: الليِّنِ والجامدْ
                      نلبسُ ألفَ قِناعٍ في اليومِ الواحدْ
                      ولنا ما شِئنا، لا ما شاءتْ هذي الغوْغاءْ
                      (يصمت لحظة)
                      ولنا في ذلك باعْ
                      وتمرَّسْنا .. حتى صرنا خبراءْ
                      أوني: (يفرك يديه متملقا)
                      أنتمْ صفوةُ هذا المجتمعِ الزَّاهرْ
                      وبكمْ تتكاثرُ أشجارُ الجميزِ وتخضرّْ
                      .. يتزايدُ طمْيُ النيلْ
                      وتفيضُ الأجرانُ بما تُطْلِعُهُ التربةُ منْ خيْرْ
                      تمتلئُ صوامعُ كلِّ الناسِ بما تهبونْ
                      (صمت)
                      بلْ أنتمْ روحُ الأربابِ الساهرةِ على مصْرْ
                      منْ يدخلُ في رحمتكمْ يسْعَدْ
                      أما المتمرِّدُ ، والجاحدُ ، والمُلْحدْ
                      فهناكَ الأقبيةُ الرَّطْبهْ
                      وهناك سياطُ الخفراءِ المتشعّبةِ الأطْرافْ(36)
                      ويتفق أعوان النظام وأعداؤه على فضحه، فها هو أحد أعوان النظام في المقطع السابق يصف الحكم بأنه سبب الرخاء وصانعه في مصر، ويُهدِّد المتمرد بالسجن والعذاب البدني، وهاهو "تاتا" يُرينا وجهاً آخر للنظام، وهو قيامه بالكذب، وعدم مصارحة الشعب بالحقيقة، واعتماد النظام على الدعاية، وند أي بادرة تمرد يُقام على المتمرد الحدُّ:
                      تاتا: فلنُغرقْهمْ في أخبارٍ متلاحقةٍ وأقاويلْ
                      هذا ما يسْتهوي الناسْ
                      ولنسْتلم الآذانَ المفْتوحةَ ليْلَ نهارْ
                      نزْرعُ فيها ما شِئْنا منْ إغْراءْ
                      ومآثرَ ، أوْ إصْلاحاتْ
                      نخدعُهْم بتسرُّبِ بعْضِ الأنباءْ
                      ولدى الشيءِ التّافِهْ
                      نحلفُ ، ونسوقُ الأعْذارْ
                      ونُمجِّدُ روحَ النَّقْدْ
                      ولدى الأزماتِ نُريهمْ كيْفَ يقومُ الحدْ
                      (ثم في تمهل الواثق)
                      فلديْنا الأتْباعُ ، وجيشُ المنتفعينَ من الأبْواقْ(37)
                      (يتبع)

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #12
                        قراءة في مسرحية «حكاية من وادي الملح» لمحمد مهران السيد (4 ـ 4)

                        بقلم: أ.د. حسين علي محمد

                        أما موقف المعارضين فيمثله الحوار الذي دار بين طائفة من الفلاحين في وادي الملح بعد مأساة "أخنوم"، والذي يكشف عن مأساة "أخنوم" وهو أنه يعيش في بلد يفتقر إلى العدل ـ رغم الادعاءات الطنانة التي تنطلق في كل مكان عن عدالة الفرعون وحكّام الأقاليم ـ:
                        بتاح: وعصرُنا الذي نعيشُهُ
                        يقالُ إنَّهُ بلا شبيهْ
                        (يقبل في هذه الأثناء تنن، ويحمل حزمة خضراء ، وينصت إلى ما يقول بتاح):
                        بيبي: من ذا الذي يقولْ ؟
                        تنن: الكتبهْ
                        والمتعلِّمونَ منْ رجالنا
                        والكَهَنهْ
                        وهؤلاءِ هلْ يُنافقونْ
                        ويكذبونْ ؟‍‍!
                        توت: (مقاطعاً في سخرية)
                        لماذا نسيتَ جُباةَ الضرائبْ
                        ومنْ يفدونَ من العاصِمهْ
                        بشتّى المصائبْ(38)
                        ويكشف كلام "بتاح" و"تنن" عن عدم تصديقهم لما يُقال، رغم أنهما يُدافعان عن النظام، فقول "بتاح": "يُقال"ببناء الفعل للمجهول وعدم إسناد القول إلى صاحبه دليل على شك فيه، واستعمال "تنن" لكلمة "الكتبة" دون "الكتاب أو الكاتبين" يُبيِّن لنا أن دفاعه عن الحكم أو النظام كان خوفاً من العيون التي تترصّد من ينبس بحرف لا عن عقيدة أو اقتناع.
                        ويرد "بيبي" موجها كلامه إلى "بتاح":
                        هلْ تعلمُ كيفَ تسيرُ أمورُ الناسِ بهذا البلدِ العُريانِ من الأمنْ
                        المزدحمِ الجدرانْ
                        بنقوشِ الحريةِ والعدْلْ
                        ولماذا تنشقُّ الأرْضُ عن المخْفرِ .. تلوَ المخْفَرْ ؟
                        ولماذا نُتْبَعُ أوْ نُسْتَجْوَبْ ؟
                        ولماذا يُشتَمُ متَّهَمٌ أوْ يُضْرَبْ ؟
                        ولماذا يؤخذُ أغلبُ منْ يؤخذُ بالظنِّ ؟
                        ولماذا ؟ ولماذا ؟ ولماذا ؟(39)
                        وحينما يُدافع "تنن" عن الفرعون، وحكمه الراسخ، وعدله المتين، تنفجر ثورة "بيبي":
                        بيبي: العدلْ ؟
                        أتقولُ العدْلْ ؟
                        فرعوْنُكَ لا يحكُمُ بالعدْلْ
                        إلاّ بيْنَ ذويهْ
                        ورجالِهْ
                        وصنائعِهِ المُتولِّينَ زمامَ أقاليمِ الوادي الممتدّْ
                        أو تلكَ الفئةِ المدعوَّةِ مجلسِ فتْواهْ
                        أمّا العامّةْ
                        فلها أربابٌ تحْميها منْ حدِّ السَّيْفْ
                        ولها آلهةٌ تشفيها
                        منْ هذي الأمراضِ المنتشرةِ في الأبدانِ ، وأوّلُها الخوْفْ(40)
                        (5)
                        قد تعلو نبرة الخطاب في هذه المسرحية، ولكنها تنطلق من الأحداث والصراع، وتُعبِّر عن الموقف والشخصية، منها قول الفلاح حين قُبِضَ عليه:
                        الفلاح: خذوني .. خذوني
                        فلستُ أُبالي ظلامَ السّراديبِ والأقبيهْ
                        فلنْ يخنقَ الليلُ هوجَ الرياحْ
                        وما في فؤادي من العافيهْ
                        وحيداً وقفْتُ أمامَ الظَّلامْ
                        ولكنَّ فوقي نجوماً .. تُضيءُ التخومْ
                        وتصرخُ في كلِّ يومٍ جديدْ
                        يُعشِّشُ في الغابِ وفي القمْحِ في قرْيتي
                        ويكبرُ يوماً فيوْماً ، فتشتدُّ يا سادتي قبْضَتي
                        ويُصبِحُ كلُّ بعيدٍ .. فريبْ
                        أجلْ .. سوفَ يُصبحُ كلُّ بعيدٍ .. قريبْ(41)
                        فالخطاب هنا مُبرَّر، لأن الفلاح يُحسُّ بظلمه، ويحس أنه سينتصر مهما طال الليل والعذاب، وينتظر الإنصاف مقاوماً غير مستكين.
                        ومثل قول رنسي ـ سمير الفرعون ـ :
                        لمْ أتعوَّدْ غيرَ الإطْراءْ
                        أوْ تسبيحَ الفلاّحينَ صباحاً ومساءْ
                        والحمدَ على النُّعْمى .. وأيادينا البيضاءْ(42)
                        وهذا الكلام قد يقوله أي حاكم، لكن قول "رنسي" هنا مبرر، فقد فاجأه الفلاح بالنقد والثورة عليه(43). حتى قال "رنسي" قبل ذلك:
                        لمْ يخدشْ سمْعي طيلةَ أيَّامِ العمرْ
                        شيْءٌ ممّا أسمعُهُ اليوْمْ(44)
                        إن الخطاب يُساق في بساطة دون أن يُعنى المؤلف بتوجيه الخطاب لنا كمشاهدين، وقد وُفِّق الشاعر المسرحي في اختيار شخصياته الواقعية البسيطة، وأنطقها بما يتوافق مع مواقفها ورؤاها، فجاء الحوار مُحكماً بلا زيادة ولا نقصان "لأنه على قدر واقعية الشخصيات يكون إحكام الحوار، دون توجه إلى مشاهدين، كما لو كانت الشخصيات تحيا حياتها في الواقع لا في المسرح"(45).
                        ومن ثم فقد نجح الشاعر المسرحي محمد مهران السيد في تقديم شخصية متمردة من شخصيات مسرحنا الشعري المعاصر، ستبقى قادرة على التأثير ببساطتها وصدقها وشجاعتها على الوقوف في وجه التيار.
                        ................
                        الهوامش:
                        (1) د. أحمد العشري: المسرح التحريضي، عالم الفكر (الكويت)، السنة 17، العدد 1، أبريل 1987م، ص103.
                        (2) د. إبراهيم حمادة: معجم المصطلحات المسرحية، دار الشعب، القاهرة 1971م، ص226.
                        (3) السابق، ص265.
                        (4) د. عبد العزيز حمودة: أمريكا البيضاء، مجلة "المسرح"، س1، ع7، يوليو 1964م، ص73. (بتصرف).
                        (5) هنري ليسنك: مسرح الشارع في أمريكا، ترجمة: عبد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رضوان، دار الفكر المعاصر، القاهرة 1977م، ص23.
                        (6) أريك بنتلي: المسرح الحديث، ترجمة: محمد عزيز رفعت، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة 1965م، 2/419.
                        (7) د. محيي الدين صبحي: دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1980م، ص20.
                        (8) محمد مهران السيد: حكاية من وادي الملح، كتاب الإذاعة والتليفزيون، القاهرة 1975م، ص4.
                        (9) كانت التجربة الأولى له بعنوان "الحربة والسهم"، وقد صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1971م، وكان فيها يعالج قصة إيزيس وأزوريس برؤية جديدة.
                        (10) د. علي شلش: حكاية من وادي الملح، مرجع سابق، المقدمة ، ص13.
                        (11) السابق، ص12، 13.
                        (12) السابق، ص44.
                        (13) السابق، ص49.
                        (14) السابق، ص54.
                        (15) السابق، ص56 ،57.
                        (16) السابق، ص61 ،62.
                        (17) السابق، ص76.
                        (18) السابق، ص77.
                        (19) السابق، ص 84.
                        (20) السابق، ص93 ،94.
                        (21) السابق، ص95.
                        (22) السابق، ص31.
                        (23) السابق، ص55.
                        (24) السابق، ص55.
                        (25) السابق، ص33، 34.
                        (26) السابق، ص35، 36.
                        (27) في مسرحية «الحربة والسهم» لمحمد مهران السيد يرى أن الثورة لا تتحقق إلا بالشعب، يقول حوتب:
                        أولى الخطواتِ على الدربْ ..
                        والدّربُ طويلْ
                        أن يضعَ الثوارُ شعارَ الثورةِ في أيدي الشعبْ
                        يُمسكُهُ العاملُ كالإزميلْ
                        والفلاحُ كما تُطبقُ كفاهُ على الفأسْ (ص24).
                        (28) السابق، ص45.
                        (29) السابق، ص24.
                        (30) السابق، ص28.
                        (31) السابق، ص31.
                        (32) السابق، ص26 ، 27.
                        (33) السابق، ص34.
                        (34) السابق، ص36، 37.
                        (35) السابق، ص37.
                        (36) السابق، ص40.
                        (37) السابق، ص40 ،41.
                        (38) السابق، ص28.
                        (39) السابق، ص29.
                        (40) السابق، ص30.
                        (41) السابق، ص60.
                        (42) السابق، ص64.
                        (43) تُنظر أقوال الفلاح المتمردة قبل هذا، السابق ص ص61-63.
                        (44) السابق، ص63.
                        (45) د. محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث، ص613.
                        التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 06-03-2010, 14:05.

                        تعليق

                        يعمل...
                        X