السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيزوفرينيا هي مرض الفصام، وتمثل في إزدواجية الشخصية، وصراع نفسي بين شخصيتين متباينتين. وهو مرض ينتج تشريحيًا عن عدم اكتمال النمو العضوي للمخ بسبب التعرض لظروف الولادة المتعثرة، كما ينتقل بالوراثة.
ونظرًا للولادة المتعثرة ديموقراطيًا لمعظم الحكومات العربية، وتنازع توجهاتها بين المرجعيات الشرقية الأصيلة والتوجهات الغربية الدخيلة، وتوارثها إرث العداء للحريات والحقوق المدنية، فقد اجتمعت عليها مصادر الفصام كلها، فراحت تتقاذفها شخصيتان متباينتان، إحداهما نشأت تحت ضغوطٍ إنسانية سببتها موروثات حقيقية لا يمكنها الإنتزاع منها دون الوقوع في هوة الخبل، والأخرى هي ضغوطٌ خارجية مدعمة بنظريات عالمية نالت حظًا من الدعاية الإعلامية أكثر مما ينبغي لها، وتم تصويرها في إطارٍ من القدسيبة المفتعلة، مع محاولة لصقها كمعلقاتٍ على حائط المرجعيات الثقافية للشعوب، كنوعٍ من التثبيت لها وزعزعة لعوامل المقاومة التقليدية لها.
وباستمرار توافر المدّ الثقافي للشخصية التغريبية وانحسار المد الثقافي للعوامل الأصيلة، سقططت محصنات الشخصية الأصلية المدافعة عن الموروثات الثقافية للمجتمع المحكوم، وانحازت الموجهات الإنفعالية تجاه الشخصية التغريبية، رغم كمون الشخصية الأصلية، والتزامها بالعمل في حدود العقل الباطن.
ولكي توفق الشخصية الفاعلة الجديدة موقفها مع محفزات العقل الباطن، فقد استحدثت صيغة توافقية وخارطة طريق أحدثت نوعًا من الترضية الإعلامية للمجتمع المحكوم الذي يضغط بقوة نحو العودة إلى الأصول، واستبدال الحكومات المريضة بحكومات ذات توجهات مؤسسية وقراراتٍ شرعية متسقة مع المرجعية الثقافية للمجتمع. وتمثل هذا النوع في بث الدافع الوطني المرتبط بالأرض، مع تزييف توجهاته ورد متغيراته التأثيرية إلى جذور تاريخية ليست هي الجذور الحقيقية للموروث الثقافي، وإنما اكتفت بخداع الشعوب التي قد تكتفي بتنسم عبق الماضي، دون أن تدرك أنه ليس كلّ قديمٍ بنافع.
ومع وجود جماعاتٍ شبابية غير محصنةٍ ثقافيًا، تم تأهيلها في مرحلة من التخبط الفكري للأمة التي عانت من ضرباتٍ قاصمة وقاسية أصر موجهوها على تشويه الأطر الثقافية للمجتمعات العربية المسلمة، ودس نوازع الفكر الغربي تحت غطاءٍ إعلامي مضلل، وإسقاطٍ ثقافي لفضيحة الفكر الكنسي في العصور الوسطى على واقع الفكر الديني المعاصر للمسلمين بهدف تشويهه واتهامه بالرجعية والتخلف، وهو ما لاقى قبولاً لدى الجماعات الشبابية التي وقعت أسيرة لليأس من تحقيق التنمية من خلال منظومتها الثقافية التي تم تشويه صورتها لتصبح في مخيلتهم مجرد أفكارٍ من آثار الزمن الغابر لا تصلح لعصر المدنية والتطور التقني. وبالرغم من ذلك فقد بدأت تتقبل فكرة بعث روح الثقافة القديمة ما يتفق منها مع التوجهات الغربية البراقة، وتحت غطاء من تضخيم أثر هذه الثقافة القديمة فيما وصل إليه الأقدمون من تقدمٍ تقني غامضٍ لم يتمكن البحث العلمي من سبر أغواره بعد.
وتحت تأثير الولاء للوطن، والدافع الطبيعي لتمجيد الأرض والتاريخ، تمكنت الدعاية الغربية من إعادة تغريب الدافعية تجاه الماضي، واستبدال محاولاتها لتوجيه الجماهير نحو الفكر الغربي بمحاولات جديدة لتوجيه هذه الجماهير تجاه الإندفاع العاطفي إلى حقب تاريخية وثنية تضمن عدم التعارض مع المشروعات الثقافية الغربية الموجهة والتي تركب موجة العولمة. ولكي ينجح هذا الإندفاع، فإنه يجب تسريعه إلى أقصى عَجَلةٍ ممكنة، ومحاولة تأليه الوطن وترسيخ فكرة المواطنة، ودعم الفواصل الصناعية على أرض الأقليم العربي لضمان نجاح حركات التقوقع التاريخي والفصل الثقافي الذي يضمن عدم تفعيل المرحلة التاريخية ذات الأصل المشترك والتي تتعارض تمامًا مع مقررات الثقافة الغربية التي يراد لها أن تسود. وهذه المرحلة المنبوذة غريبًا هي بالطبع المتمثلة في التاريخ الإسلامي للمنطقة العربية.
ولقد جاءت هذه الهجمة الجديدة بعد نجاح الأفكار الغربية في بث نوع من القومية العربية ذات الصبغة الشوفينية (العصبية)، والتي لم تكن تعتمد على مرجعية النظام العربي التي هي تفرع أصيل عن شجرة المرجعية الإسلامية الخصبة، وتم انتزاع هذا الفرع وغرسه في أرضٍ رافضة له وفي غير موسم زراعته، ليذبل الفكر العربي الذي يقع في مركز الفكر الإسلامي، والنابع لغويًا وعضويًا عن المصدر الإسلامي المباشر. وحين تحقق ما كان مخطط له، تناقلت الإعلام دعاوى متعددة تنزع رقعاتٍ من الخرقة القومية وتصفها بالفشل الذريع، وتضع سبل المواجهة والعداء بين ألوان الأمة العربية مستعينًة في ذلك بالغبار الأيديولوجي للثقافة الغربية والذي بات يقذي الأعين ويزكم الأنوف. وحتى يظن العرب دائمًا على حافة التطرف القومي، فلاهم متفقون على التوحد، ولا هم متفقون على التنافر، مع ضمان عدم وجود عربي في المنطقة الوسطى والتي تعترف بوجود عوامل توحد أساسية (إسلامية) وعوامل تباينٍ ثقافي واجتماعي هي مصدر إثراء للمد الثقافي الدائم للأمة.
واليوم، بعد إقصاء الأطر السليمة للقومية، واستخدامها في بث عوامل الفرقة والكفر بكل ما هو مشتركٍ في الأمة، وتوجيه المستوى التنظيري للقومية المزيفة تجاه التحرك الحزبي والتكوينات السرية التي تتلقى مقررات تحركها التنظيمي من جهاتٍ مشبوهة، وإحداث انقسامٍ بين قومي حقيقي يعلم أبعاد فكرة القومية التي تستقي أفكارها من الدفق الإسلامي المتجدد، وقومي يتلقى من قنوات التغريب مصطلحاتٍ مستوردة لا تنبت في أرضه العربية سوى عوامل الشقاق والنزاع وأشجارٍ خبيثة طلعها كرؤوس الشياطين، من كتابٍ ومنظرين تم شحنهم بعناصر مختلفة من التناقص والشوفينية والحقد على موروث العرب الحقيقي والذي كانوا من قبله شرذمة قليلون تتخبطهم موجات التاريخ بالمد آنًا والجذر آنًا، دون أن يحققوا شيئًا من التوحد إلا وتلاه من عوامل الفرقة أشياءٌ وأشياء.
واليوم يسعى الغرب إلى تقسيم دائرة القومية التي فصلت العالم العربي عن جسد الأمة الإسلامية- بدءًا بافتعال الصدام بينها وبين القومية التركية، وانتهاءٍا بتقزيمها وضرب مواطن القوة فيها وتخريبها وتقطيع أوصالها- إلى دوائر أصغر يمكنها أن تحول البلدان العربية إلى أوطانٍ صغيرة تنفصل عن جسد الأمة العربية، تمهيدا لسحقها والعودة إلى الإحتلال المباشر بعد أن أثمر الإحتلال الثقافي ثماره التي لا يتلذذ بها إلا الغرب.
وفي خضم هذا التخطيط الغربي تقع النخب الحاكمة أسيرة للمقررات الغربية المباشرة وغير المباشرة، وبتغير الأسس التي استمرت عليها التوجهات السياسية والإيديولوجيات المرسومة للنخب الحاكمة، تنتقل النخب الحاكمة إلى مرحلة إعلامية جديدة على غرار المرحلة الإعلامية في الربع الثالث من القرن الماضي والتي ألَّهت من القومية العربية وجعلت منها دِينًا جديدًا للأمة، لم تستسيغه أبدًا رغم اصرار النخب الحاكمة المتتابعة عليه، حتى سقط وظهرت علته، واختفت معه كل حلقات الزوبعة الإعلامية. واليوم قام الغرب بإلقاء حصوة جديدة صنعت الكثير من الحلقات في صفحة المياة العربية الراكدة. وها هي النخب الحاكمة تؤمن بأيديولوجية جديدة، هي الوطنية، وكلمة حق ثانية أريد بها باطلٌ ثان.
النخب الحاكمة العربية.. من الشيزوفرينيا إلى الشوفينية
الشيزوفرينيا هي مرض الفصام، وتمثل في إزدواجية الشخصية، وصراع نفسي بين شخصيتين متباينتين. وهو مرض ينتج تشريحيًا عن عدم اكتمال النمو العضوي للمخ بسبب التعرض لظروف الولادة المتعثرة، كما ينتقل بالوراثة.
ونظرًا للولادة المتعثرة ديموقراطيًا لمعظم الحكومات العربية، وتنازع توجهاتها بين المرجعيات الشرقية الأصيلة والتوجهات الغربية الدخيلة، وتوارثها إرث العداء للحريات والحقوق المدنية، فقد اجتمعت عليها مصادر الفصام كلها، فراحت تتقاذفها شخصيتان متباينتان، إحداهما نشأت تحت ضغوطٍ إنسانية سببتها موروثات حقيقية لا يمكنها الإنتزاع منها دون الوقوع في هوة الخبل، والأخرى هي ضغوطٌ خارجية مدعمة بنظريات عالمية نالت حظًا من الدعاية الإعلامية أكثر مما ينبغي لها، وتم تصويرها في إطارٍ من القدسيبة المفتعلة، مع محاولة لصقها كمعلقاتٍ على حائط المرجعيات الثقافية للشعوب، كنوعٍ من التثبيت لها وزعزعة لعوامل المقاومة التقليدية لها.
وباستمرار توافر المدّ الثقافي للشخصية التغريبية وانحسار المد الثقافي للعوامل الأصيلة، سقططت محصنات الشخصية الأصلية المدافعة عن الموروثات الثقافية للمجتمع المحكوم، وانحازت الموجهات الإنفعالية تجاه الشخصية التغريبية، رغم كمون الشخصية الأصلية، والتزامها بالعمل في حدود العقل الباطن.
ولكي توفق الشخصية الفاعلة الجديدة موقفها مع محفزات العقل الباطن، فقد استحدثت صيغة توافقية وخارطة طريق أحدثت نوعًا من الترضية الإعلامية للمجتمع المحكوم الذي يضغط بقوة نحو العودة إلى الأصول، واستبدال الحكومات المريضة بحكومات ذات توجهات مؤسسية وقراراتٍ شرعية متسقة مع المرجعية الثقافية للمجتمع. وتمثل هذا النوع في بث الدافع الوطني المرتبط بالأرض، مع تزييف توجهاته ورد متغيراته التأثيرية إلى جذور تاريخية ليست هي الجذور الحقيقية للموروث الثقافي، وإنما اكتفت بخداع الشعوب التي قد تكتفي بتنسم عبق الماضي، دون أن تدرك أنه ليس كلّ قديمٍ بنافع.
ومع وجود جماعاتٍ شبابية غير محصنةٍ ثقافيًا، تم تأهيلها في مرحلة من التخبط الفكري للأمة التي عانت من ضرباتٍ قاصمة وقاسية أصر موجهوها على تشويه الأطر الثقافية للمجتمعات العربية المسلمة، ودس نوازع الفكر الغربي تحت غطاءٍ إعلامي مضلل، وإسقاطٍ ثقافي لفضيحة الفكر الكنسي في العصور الوسطى على واقع الفكر الديني المعاصر للمسلمين بهدف تشويهه واتهامه بالرجعية والتخلف، وهو ما لاقى قبولاً لدى الجماعات الشبابية التي وقعت أسيرة لليأس من تحقيق التنمية من خلال منظومتها الثقافية التي تم تشويه صورتها لتصبح في مخيلتهم مجرد أفكارٍ من آثار الزمن الغابر لا تصلح لعصر المدنية والتطور التقني. وبالرغم من ذلك فقد بدأت تتقبل فكرة بعث روح الثقافة القديمة ما يتفق منها مع التوجهات الغربية البراقة، وتحت غطاء من تضخيم أثر هذه الثقافة القديمة فيما وصل إليه الأقدمون من تقدمٍ تقني غامضٍ لم يتمكن البحث العلمي من سبر أغواره بعد.
وتحت تأثير الولاء للوطن، والدافع الطبيعي لتمجيد الأرض والتاريخ، تمكنت الدعاية الغربية من إعادة تغريب الدافعية تجاه الماضي، واستبدال محاولاتها لتوجيه الجماهير نحو الفكر الغربي بمحاولات جديدة لتوجيه هذه الجماهير تجاه الإندفاع العاطفي إلى حقب تاريخية وثنية تضمن عدم التعارض مع المشروعات الثقافية الغربية الموجهة والتي تركب موجة العولمة. ولكي ينجح هذا الإندفاع، فإنه يجب تسريعه إلى أقصى عَجَلةٍ ممكنة، ومحاولة تأليه الوطن وترسيخ فكرة المواطنة، ودعم الفواصل الصناعية على أرض الأقليم العربي لضمان نجاح حركات التقوقع التاريخي والفصل الثقافي الذي يضمن عدم تفعيل المرحلة التاريخية ذات الأصل المشترك والتي تتعارض تمامًا مع مقررات الثقافة الغربية التي يراد لها أن تسود. وهذه المرحلة المنبوذة غريبًا هي بالطبع المتمثلة في التاريخ الإسلامي للمنطقة العربية.
ولقد جاءت هذه الهجمة الجديدة بعد نجاح الأفكار الغربية في بث نوع من القومية العربية ذات الصبغة الشوفينية (العصبية)، والتي لم تكن تعتمد على مرجعية النظام العربي التي هي تفرع أصيل عن شجرة المرجعية الإسلامية الخصبة، وتم انتزاع هذا الفرع وغرسه في أرضٍ رافضة له وفي غير موسم زراعته، ليذبل الفكر العربي الذي يقع في مركز الفكر الإسلامي، والنابع لغويًا وعضويًا عن المصدر الإسلامي المباشر. وحين تحقق ما كان مخطط له، تناقلت الإعلام دعاوى متعددة تنزع رقعاتٍ من الخرقة القومية وتصفها بالفشل الذريع، وتضع سبل المواجهة والعداء بين ألوان الأمة العربية مستعينًة في ذلك بالغبار الأيديولوجي للثقافة الغربية والذي بات يقذي الأعين ويزكم الأنوف. وحتى يظن العرب دائمًا على حافة التطرف القومي، فلاهم متفقون على التوحد، ولا هم متفقون على التنافر، مع ضمان عدم وجود عربي في المنطقة الوسطى والتي تعترف بوجود عوامل توحد أساسية (إسلامية) وعوامل تباينٍ ثقافي واجتماعي هي مصدر إثراء للمد الثقافي الدائم للأمة.
واليوم، بعد إقصاء الأطر السليمة للقومية، واستخدامها في بث عوامل الفرقة والكفر بكل ما هو مشتركٍ في الأمة، وتوجيه المستوى التنظيري للقومية المزيفة تجاه التحرك الحزبي والتكوينات السرية التي تتلقى مقررات تحركها التنظيمي من جهاتٍ مشبوهة، وإحداث انقسامٍ بين قومي حقيقي يعلم أبعاد فكرة القومية التي تستقي أفكارها من الدفق الإسلامي المتجدد، وقومي يتلقى من قنوات التغريب مصطلحاتٍ مستوردة لا تنبت في أرضه العربية سوى عوامل الشقاق والنزاع وأشجارٍ خبيثة طلعها كرؤوس الشياطين، من كتابٍ ومنظرين تم شحنهم بعناصر مختلفة من التناقص والشوفينية والحقد على موروث العرب الحقيقي والذي كانوا من قبله شرذمة قليلون تتخبطهم موجات التاريخ بالمد آنًا والجذر آنًا، دون أن يحققوا شيئًا من التوحد إلا وتلاه من عوامل الفرقة أشياءٌ وأشياء.
واليوم يسعى الغرب إلى تقسيم دائرة القومية التي فصلت العالم العربي عن جسد الأمة الإسلامية- بدءًا بافتعال الصدام بينها وبين القومية التركية، وانتهاءٍا بتقزيمها وضرب مواطن القوة فيها وتخريبها وتقطيع أوصالها- إلى دوائر أصغر يمكنها أن تحول البلدان العربية إلى أوطانٍ صغيرة تنفصل عن جسد الأمة العربية، تمهيدا لسحقها والعودة إلى الإحتلال المباشر بعد أن أثمر الإحتلال الثقافي ثماره التي لا يتلذذ بها إلا الغرب.
وفي خضم هذا التخطيط الغربي تقع النخب الحاكمة أسيرة للمقررات الغربية المباشرة وغير المباشرة، وبتغير الأسس التي استمرت عليها التوجهات السياسية والإيديولوجيات المرسومة للنخب الحاكمة، تنتقل النخب الحاكمة إلى مرحلة إعلامية جديدة على غرار المرحلة الإعلامية في الربع الثالث من القرن الماضي والتي ألَّهت من القومية العربية وجعلت منها دِينًا جديدًا للأمة، لم تستسيغه أبدًا رغم اصرار النخب الحاكمة المتتابعة عليه، حتى سقط وظهرت علته، واختفت معه كل حلقات الزوبعة الإعلامية. واليوم قام الغرب بإلقاء حصوة جديدة صنعت الكثير من الحلقات في صفحة المياة العربية الراكدة. وها هي النخب الحاكمة تؤمن بأيديولوجية جديدة، هي الوطنية، وكلمة حق ثانية أريد بها باطلٌ ثان.
تعليق