رواية ( رهان مع الشيطان / زياد صيدم ) 2

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • م. زياد صيدم
    كاتب وقاص
    • 16-05-2007
    • 3505

    رواية ( رهان مع الشيطان / زياد صيدم ) 2

    انتصبت واقفة كشاهد لتاريخ ممتد عبر أزمان الماضي الغابر، إلى الحاضر بفجوره وعبثيته وضغائنه المتجسدة عبر هذا الغريب، برقصاته البهلوانية أمامها، بدوران وقفزات في الهواء يرتعب من هولها صناديد الرجال.. مما ولد في جسدها الهزيل طاقة، وقوة في قلبها غريبتين على التحدي فاقت توقعاته، وزاد من فضوله لمعرفة واكتشاف ما جاءت تحمل إليه من أنباء وأحداث.. فلم تمهله كثيرا في الغرق في تحليلاته فبادرته القول:
    - أيها الغريب، أنت شيطان، لن تكون آدمي تنتمي لجنس بني البشر.. عرفتك منذ وطأت أقدامك القرية، لنبرم رهانا إن كنت قادرا على رهان امرأة عجوز مثلى، جاءت تتحداك في عقر دارك!
    - ماذا ؟ أيتها الشمطاء الخرفة، كيف تنعتيني بالشيطان؟ وكيف تتحدين رجلا فرض احترامه ومهابته على الجميع؟ أيتها الوقحة .
    - لا داعي للإنكار، والاختباء وراء كلمات لن تسعفك بعد الآن، لتقر بحقيقتك.. فقناعاتي ويقيني أنك تعلم باني أملك الدليل على كونك لا تنتمي لنا كبشر، وإنما إلى عالم الشياطين من جنسك.. فهل كشفت ذيلك في مؤخرتك القذرة ؟ الذي تخفيه داخل طيات سروالك، وعن قرنيك أسفل قبعتك؟
    استشاط غضبا، وراح يفرغ شحنات قهره بحركات دائرية متواصلة حول نفسه، تناغمت سرعتها في الدوران، حتى شكلت زوبعة أشبه بقمع مقلوب، قاعدته في علياء السماء، وبدايته تخرج من منتصف رأسه.
    تراجعت أم فاطمة إلى الخلف قليلا، مدت عكازها أمامها، تمسكه بقوة بيدها اليمنى، بينما أيسرها يقبض على منديلها الذي كاد أن يطير في الهواء.. تماسكت بصعوبة وهى تردد على مسمعه آيات مختارة من القران الكريم، وكثيرا من التعويذات التي أخذتها عن أمها الحاجة فاطمة منذ عقود مضت، تلك الحاجة التي كانت مزارا للناس من جميع القرى والبلدات، لقدراتها الخارقة ومعجزاتها المباركة. فجأة، أخرجت من جيبها زجاجة ماء، لوحت بها أمام عينيه اللتين كانتا تقدحان شررا مستطيرا، ما أن رآها حتى امتثل لرغبتها في التوقف وعدم المس بها ..وهنا كشف عن حقيقته فأبرز ذيله، وأظهر قرنيه بشكل سافر قائلا:
    - ليكن اللعب بيننا على المكشوف أيتها الشمطاء بعد الآن .
    - ليكن لديك علم، باني هنا من اجل عقد صفقة ورهان !
    قهقه طويلا، بزئير ممتد زلزل الأرض، ورج الهواء، فتطايرت الطيور من على الأشجار فزعه، وتزاحمت الخراف من حول البيت في جلبة وفزع واضطراب، وصهل حصان بالجوار، ونبحت الكلاب المرافقة لقطيع الأغنام،ثم صمت فجأة..و بنظرات حارقة وصوت الواثق أجابها:
    - قولي رهانك أيتها الشمطاء، وأنا موافق عليه قبل سماعه؟ فقد تعودت النصر على بني ادم دوما، انه مسكين ضعيف، موسوس متوجس، بالرغم من امتلاكه عقل لم يمنحه الخالق لأحد من خلائقه، ومع ذلك يقف مستسلما أمام همساتي في أذنيه.. منقادا مسلوب الإرادة، ينصاع لغوايتي له صاغرا بلا تفكير أو منطق، وهو نفسه من اخترع المنطق! يقهقه من جديد.. بضحكات الغرور واليقين بالنصر المظفر، كانت ضحكات تشبه صهيل الخيل وزئير السباع، ثم تحولت إلى عواء كالذئاب الجائعة.. صمت فجأة .. رمقها بعينين كالجمر وقال: أسمعك أيتها الخرفة الشقية.. أفصحى عن رهانك أيتها الخاسرة.
    - اعلم قدرتك الفائقة على زرع بذور الشر بين الناس، وتفريقك بين الزوج وزوجته، بين الأخ وأخيه، وانك أحلت القرية إلى ظلال وأشباح و ضغائن وأحقاد، لم تكتف ولم تقنع، بل ما زلت تنشرها إلى باقي القرى والبلدات، لكن قدراتك محددة ؟ ذات طابع واحد هو الشر، و رهاني معك باختصار عكس هذا تماما ؟
    - كيف؟ أوضحى كلامك، واختصري حديثك معي، ولا تراوغي كثيرا فقد ضاق صدري، ويكاد ينفذ، وحينها سأصب حمم لعناتي عليك إن لم تقنعيني بما جئت من اجله.
    -اسمعنى للنهاية ولا يضق صدرك، فمعي من القول ما يسرك !
    - يسرني أيتها الشمطاء! يقهقه، ثم يصمت : أكملي، لن أقاطعك حتى تنتهي، وإياك أن تتلاعبي فلا تقنعينني.. فالويل والثبور.
    - تعلم جيدا الشيخ حسان تاجر الأقمشة، تعرفه جيدا وتشترى منه أفخم القماش.. وقد فشلت معه أنت في الإيقاع بينه وبين زوجته، وخابت قدراتك وانهزمت أمامه، ولذت بأذيال الخيبة والقهر، وحزنت كثيرا، وما زلت تتألم من فشلك الذريع.
    - هذا صحيح أيتها الخرقاء، أكملي ..
    - كيف تكرر صفة الخرقاء على مسامعي إذا! وأنا من أوقع الخلاف بينهما، وقد طلق زوجته وهى الآن في بيت أهلها، بعد عشرين سنة من زواجهما،كانا يعيشان بسعادة وهناء، وأولاد ونعيم، في عيشة رغده، يملؤها الحب والوئام، والعفة والشرف .
    - اللعنة ..أأنت فعلتي هذا ؟ ونجحتى حيث فشلت أنا! ثم انفجر كالبركان يزمجر ويهذى بكلمات غير مفهومة، لكنه طرب لخبر طالما أرق منامه وما يزال.. وكم مرة حاول دون فائدة، ليعود إلى بيته في كل مرة يجر ذيل الخيبة والفشل، مقهورا ذليلا لكنه استدرك قائلا:
    - ما الفرق بيني وبينك إذا أيتها الداهية؟ فلنعمل معا، فنحن على طريق واحده، وأهداف مشتركة، يقهقه عاليا من جديد، يزعج الطير والحيوان، يلوث الهواء برائحته الكريهة المنبعثة كلما ضحك.
    - صحيح ما تقوله يا سيد الشياطين، فقد برهنت لك على قدراتي الشريرة، والتي عجزت أنت على فعلها.
    يحس بضعف أمامها، وانحسار ومحدودية لقدراته الخبيثة، وعدم تميزه أمام بني ادم. ابتسمت أم فاطمة فقد استطاعت استفزازه، وقد نجحت في ضمان قبوله للرهان وتبعاته، نتيجة لشعوره بعدم التميز عن بني البشر.. فها هم يفعلون الشر وينجحون، حيث فشل هو بذاته وعظمته.

    لقد اهتدت أم فاطمة، تلك المرأة الحكيمة المجربة والخبيرة، بذكائها وقدرتها على استفزاز الشيطان للرضوخ لرهانها عن قناعة، بل وعن زرع التحدي لها في عقله.. فهي تعلم بان شرط الرهان هو أصل التحدي ؟ وسبب مجيئها إليه بأقدامها، وهى تعلم أنها في حالة فشلها في إقناعه سيكون حتفها لا محالة، وستوقع نهايتها المحزنة بيدها.. فالخاسر من الرهان، سيترتب عليه أمور عظيمة، وعواقب فادحة على سكان القرى جميعهم، وعلى قريتها على وجه الخصوص، سواء بالنفع أو الضرر.
    - اتفقنا إذا أيتها الداهية، ولكن ما هدفك من هذا؟ وماذا تريدين؟
    - اعلم أنك ذكى وماكر، و أدركت لا شك بان ما وراء الرهان أمر محدد، انه شرط وحيد لا غير، يسرى علينا الاثنين معا على السواء.
    - انطقى رهانك أيتها الداهية الماكرة في الحال، والشرط الذي يتبعه وإلا...
    - لا لا تستشط غضبا، إليك الرهان وشرطه: من يستطع الإصلاح والتوفيق بين الشيخ حسان وزوجته المصون، الشريفة بنقاء الشاش الأبيض، ويجعله يعيدها إلى ذمته، والى بيتها وأولادها يكون قد كسب الرهان.. وأما شرطه الوحيد: يتمثل في أن المهزوم يغادر فورا القرية، وعليه أن لا يسكن في أي قرية أخرى، ولا يجاور الناس، بل يذهب إلى الجبال حتى آخر عمره، يبقى وحيدا هناك حتى يموت.
    صمت برهة.. ثم راح يطلق ضحكاته المتتالية المزلزلة والمغرورة، موافقا على الرهان وشرطه....
    - يتبع –

    إلى اللقاء.
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 02-02-2010, 05:45.
    أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
    http://zsaidam.maktoobblog.com
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    نص غرائبي وسردية جميلة
    نتابع استاذ زياد
    تحيتي
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      م. زياد صيدم
      أمس قرأتها
      كانت الرياح تعصف بشدة غير اعتيادية وأنا أتابع سرد ك المخيف قلت بصوت مسموع دون أن أعي (( اليوم مناسبا للشياطين )) سمعتني ابنتي الصغيرة وارتعدت خوفا وضحت كثيرا لأن نصك أوحى لي بهذا
      رائعة بداية القصة زياد
      استمر على هذا النحو زميلي
      تحياتي ومودتي لك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • العربي الثابت
        أديب وكاتب
        • 19-09-2009
        • 815

        #4
        أجل هو الغريب حين يحل بالديار مدججا بكل أنواع الشر والفتك والدمار،يخلخل بعربدته الزمان والمكان...
        راقني هذا الحكي الجميل ...جملتك الروائية ذات نفس طويل ،أخذتني بعيدا عن المعتاد..
        لك صادق المحبة وعابق التحايا...
        العربي الثابت
        اذا كان العبور الزاميا ....
        فمن الاجمل ان تعبر باسما....

        تعليق

        • م. زياد صيدم
          كاتب وقاص
          • 16-05-2007
          • 3505

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
          نص غرائبي وسردية جميلة
          نتابع استاذ زياد
          تحيتي
          ====================

          ** الراقية الاديبة مها.........

          نعم. فيه الخيال وفيه العبرة.. شاكر لك متابعتك الراقية..

          تحايا عبقة بالرياحين...........
          أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
          http://zsaidam.maktoobblog.com

          تعليق

          • م. زياد صيدم
            كاتب وقاص
            • 16-05-2007
            • 3505

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
            الزميل القدير
            م. زياد صيدم
            أمس قرأتها
            كانت الرياح تعصف بشدة غير اعتيادية وأنا أتابع سرد ك المخيف قلت بصوت مسموع دون أن أعي (( اليوم مناسبا للشياطين )) سمعتني ابنتي الصغيرة وارتعدت خوفا وضحت كثيرا لأن نصك أوحى لي بهذا
            رائعة بداية القصة زياد
            استمر على هذا النحو زميلي
            تحياتي ومودتي لك
            =====================

            ** الراقية الاديبة عائدة.........

            قلم جميل عندما تروق له قصة فهذا مكسب كبير يا راقية..
            كويس انك لم تقولى للصغيرة عن شىء والا لما كانت نامت تلك الليلة ...

            شاكر لك متابعتك وقراءتك عائده.

            تحايا بعبق الرياحين.............
            أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
            http://zsaidam.maktoobblog.com

            تعليق

            • م. زياد صيدم
              كاتب وقاص
              • 16-05-2007
              • 3505

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة العربي الثابت مشاهدة المشاركة
              أجل هو الغريب حين يحل بالديار مدججا بكل أنواع الشر والفتك والدمار،يخلخل بعربدته الزمان والمكان...
              راقني هذا الحكي الجميل ...جملتك الروائية ذات نفس طويل ،أخذتني بعيدا عن المعتاد..
              لك صادق المحبة وعابق التحايا...
              العربي الثابت
              ======================

              ** اخى الكريم العربى الثابت.........

              بداية ارحب بك اجمل ترحيب.

              شاكر لك الابعاد المستترة التى ذهبت اليها.. وهى احد اهم اهداف السرد.

              تحايا عطرة.........................
              أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
              http://zsaidam.maktoobblog.com

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25791

                #8
                لنصقل الحوار أكثر ،
                و نبتعد عن الكلمات التوصيفية
                مثل خبيث أو خبيثة أو ..... ما شابه
                دعنى استمتع بالحوار أكثر ، وغص فى عمق المعنى
                أى تعامل مع عقلين كبيرين قادرين على الاقناع دون
                أن تخفف الأمر أو تنزل به حد العادية !!


                محبتى

                أتابع
                sigpic

                تعليق

                • م. زياد صيدم
                  كاتب وقاص
                  • 16-05-2007
                  • 3505

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                  لنصقل الحوار أكثر ،
                  و نبتعد عن الكلمات التوصيفية
                  مثل خبيث أو خبيثة أو ..... ما شابه
                  دعنى استمتع بالحوار أكثر ، وغص فى عمق المعنى
                  أى تعامل مع عقلين كبيرين قادرين على الاقناع دون
                  أن تخفف الأمر أو تنزل به حد العادية !!


                  محبتى

                  أتابع
                  =====================

                  ** الراقى المتألق الاديب ربيع............

                  شاكر لك توجيهك الجميل.. وقراءتك الراقية..

                  تحايا عبقة بالزعتر.......................
                  أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                  http://zsaidam.maktoobblog.com

                  تعليق

                  • إيهاب فاروق حسني
                    أديب ومفكر
                    عضو اتحاد كتاب مصر
                    • 23-06-2009
                    • 946

                    #10
                    أرى أنك تعجلت الكشف عن شخصية الزائر
                    وكشفت عن الصراع والمواجهة منذ اللحظة الأولى
                    للقاء الزائر بالعجوز
                    فماذا سيبقى فيما يلي ذلك؟
                    لنتابع معك
                    إيهاب فاروق حسني

                    تعليق

                    • م. زياد صيدم
                      كاتب وقاص
                      • 16-05-2007
                      • 3505

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة إيهاب فاروق حسني مشاهدة المشاركة
                      أرى أنك تعجلت الكشف عن شخصية الزائر
                      وكشفت عن الصراع والمواجهة منذ اللحظة الأولى
                      للقاء الزائر بالعجوز
                      فماذا سيبقى فيما يلي ذلك؟
                      لنتابع معك
                      =========================

                      ** الراقى الاديب ايهاب...........

                      القص رهان.. والشخصيات ليست المحور اخى الراقى.. وانما طبيعة الرهان وكيفية ادارة الصراع ونتائجة المذهله هى عقدة القص..
                      شاكر لك هذه القراءة والملاحظة القيمة..

                      تحايا عبقة بالزعتر..................
                      أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                      http://zsaidam.maktoobblog.com

                      تعليق

                      • محمد الحلو
                        محظور
                        • 26-06-2015
                        • 89

                        #12
                        انتصبت واقفة كشاهد لتاريخ ممتد عبر أزمان الماضي الغابر، إلى الحاضر بفجوره وعبثيته وضغائنه المتجسدة عبر هذا الغريب، برقصاته البهلوانية أمامها، )))) إلى هنا قرأت وتوقفت ! اعتراضا على كلمة ( الحاضر بفجوره) !! تحيتي لك

                        تعليق

                        يعمل...
                        X