*عنتر مخيمر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    *عنتر مخيمر

    *عنتر مخيمر

    *عنتر عبد السلام مخيمر.
    *من مواليد تلا ـ بالمنوفية 1938م.
    *واحد من قصاصي الستينيات.
    *مدير عام كلية الصيدلة (سابقاً): آخر وظائفه قبل الإحالة إلى التقاعد في عام 1998م.
    *بدأ ينشر كتاباته منذ عام 1963م، في مجلة «الأدب» لأمين الخولي.
    *نشر عشرات القصص القصيرة في المجلات والصحف المصرية والعربية، ومنها: الأدب، والأهرام المسائي، وأكتوبر، ووطني، والأديب، والبلاغ، والمجلة العربية، والخفجي، والوعي الإسلامي ... وغيرها.
    *عمل فترة طويلة مديراً لتحرير مجلة «صوت الشرقية» (1968 ـ 1997م).
    *أصدر ثلاث مجموعات قصصية هي: "الناس والعيب" و"لعبة يُباركها الشيطان" "و"في الليلة الأولى قالت شهرزاد".
    *أصدر روايتين، هما "الحب شيء آخر"، و«أوراق من كراسة حب»، وكتابا في الخواطر الأدبية بعنوان "قطوف من فيض الخاطر"، وله كتاب آخر بعنوان ".. ويا أعزائي الكبار معذرة" (وهو دراسات ومقالات أدبية ورؤى ثقافية).
    *أصدر كتاباً يضم سبعة حوارات أجراها مع المفكر العربي السعودي الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع بعنوان "أزاهير الرياض".
    *له مجموعة قصصية للأطفال بعنوان «حكاية كل صباح» صدرت في سلسلة «قطر الندى» عن الثقافة الجماهيرية.
    *كُتبت عنه دراسات قليلة، بأقلام: د. حسين علي محمد، وحسن الجوخ ... وغيرهما.
    *له ستة مؤلفات تحت الطبع هي:
    1-حكايات ياسر (قصص للأطفال).
    2-أحزان (مجموعة قصص قصيرة).
    3-عندما يتحدث هؤلاء (حوارات مع باقة من كبار الكتاب).
    4-عندما يتحدث أقطاب الفكر الديني (حوارات دينية).
    5-عندما يتحدث العلماء (حوارات علمية).
    6-أنت وصحة طفلك النفسية (دراسات تربوية)..
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    «لعبة يُباركها الشيطان»
    لعنتر مخيمر(1)
    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
    عنتر مخيمر واحد من قصاصي الجيل الذين استطاعوا أن يؤصلوا ويُرسخوا تجربتهم القصصية، وأن يؤكدوا ذواتهم الخاصة في الإبداع القصصي.
    وقد نشر عنتر مخيمر إبداعاته القصصية منذ مطلع الستينيات في «الأدب» و«الأديب» و«الرسالة» و«الثقافة» و«سنابل» و«صوت الشرقية» … وغيرها من المجلات الأدبية المصرية والعربية، وقد أصدر على نفقته منذ إحدى عشرة سنة مجموعة قصصية بعنوان «الناس والعيب»، وهاهي مجموعته الثانية «لعبة يباركها الشيطان» تقدمها مجلة «صوت الشرقية» كحلقة أولى في سلسلة «مطبوعات صوت الشرقية»، التي نرجو لها أن تستمر في إثراء الحياة الأدبية، وتقديم الموهوبين في مجالات الإبداع الأدبي المختلفة.
    تضم المجموعة ثماني قصص نشرت في «الثقافة» و«الكاتب» و«صوت الشرقية» و«روز اليوسف » و«الإخاء».
    وسنتوقف أما ثلاث قصص في المجموعة، لنلاحظ من خلالها سمات الفن القصصي عند عنتر مخيمر.
    أولى هذه القصص هي «الأبناء عندما يفهمون الآباء جيداً»(2)، والملاحظة الأولية على العنوان أنه تقريري ومباشر كعناوين المقالات. وتبدأ القصة هكذا:
    «ـ يا أبي انظر ..
    أرسل الأب بصره إلى المحل التجاري الذي أشار طفله إليه، على حين استطرد الطفل قائلاً:
    ـ أريد هذه اللعبة.
    أمعن الأب النظر في الواجهة الزجاجية للمحل حتى وقعت عيناه على اللعبة. راقه منظرها.
    لعبة جميلة فعلاً، ولكن عيبها فيما يبدو أنها غالية».
    بهذه الجمل القصيرة أفصح عنتر مخيمر عما يريد أن يقدمه في هذه القصة:
    الطفل تعجبه لعبة.
    اللعبة تروق الأب أيضاً.
    لكنها غالية.
    موقف إنساني بسيط، يمكن أن يتكرر مع كل أب له أطفال يحبون أن يقتنوا اللعب!
    في الذروة نرى هذا الموقف:
    «هتفت الأم على الفور:
    ـ تريد أن تشتريها له .. أليس كذلك؟
    ـ بلى(3).
    ـ ألم أقل لك أنت الذي ستفسده؟».
    ويشتري الأب اللعبة لابنه، ويُراقبه في حنان:
    «ما أجمله حين يبتسم .. وهذه اللمعة الحلوة التي تشع من عينيه ما أروعها .. لقد أشرق وجهه بفرحة جعلته يبدو ملائكيا حقا، الأبناء زينة الحياة الدنيا. أبناؤنا ثمار قلوبنا .. رياحينها».
    ويدور الحوار بين الطفل والأم:
    « ـ مسرور يا حبيبي؟
    ـ جدا يا أبي
    ـ إذن قبلة لأبيك.
    قبله الطفل بحرارة.
    ـ وقبلة لأمك حبيبتك.
    ارتمى الطفل على صدر أمه، مرّغ شفتيه على صفحة وجهها فاحتضنته في حنان جارف، وغمرته بقبلات تلتهب حبا.
    همس الأب في سمع الأم:
    ـ ما رأيك؟ كم تُساوي فرحته الآن؟
    ارتسمت في عينها نظرة تفيض حبا
    ـ تساوي الكثير .. لا تُقدَّر بمال.
    ثم بعد أن تنهّدت بحرقة:
    ـ ولكن .. ما العمل الآن؟ ليس معنا غير قروش!
    قاطعها الأب قائلاً:
    ـ ربنا كريم .. لا تحملي هما».
    (وتنتهي القصة).
    ومن الملاحظ عليها:
    أن الجمل قصيرة مركزة، واللغة بسيطة تقترب من روح لغة الحوار المحكية رغم صياغتها الفصيحة، وهذا شيء يحسب لعنتر مخيمر، حيث إن لغته غير مقعرة.
    لكن القصة كلها ماذا أرادت أن تقول: هل أرادت أن تقول ما قالته كلمات الأب «ما رأيك؟ كم تُساوي فرحته الآن؟». وهل هي دعوة لأن نُدخل السرور على أبنائنا حتى لو أُرهِقت ميزانياتنا. هل هي دعوة لصرف ما في الجيب على فلذات أكبادنا، وسيأتينا ما في الغيب؟!
    وهذه القصة ـ في نظري ـ تبعد كثيراً عن فن القصة القصيرة بقدر ما تقترب من المقالة؛ إن فيها مناقشةً وتحليلاً وتقريرية لا تحتملها القصة القصيرة، ثم إن هذا الروح الشفاف (الفن) لا تراه يسري في أوصالها، وإن كشفت عن نفس رقيقة مرهفة في براءة، تحب الأطفال، وتُنفق كل شيء من أجلهم.
    ***
    القصة الثانية: قصة «طائر مكسور الجناح» (ص ص43 ـ 48)، وهي قصة جيدة، تحدِّثنا عن شاب مشلول، وكرسيه المتحرك هو وسيلته التي يطل من خلالها على العالم. القصة لقطة. هذا الشاب يُحاول أن يُقيم علاقة حب من خلال النافذة. ومن الافتئات والظلم لعنتر مخيمر هنا أن ننقل جزءاً دون جزء، لأن القصة كل متكامل، وصياغتها شفافة تقترب من الشعر المنثور. انظر هذا المقطع:
    «أخذ ينهل بعينه من نبع جمالها.
    لم تمهله الحسناء، والتفتت ناحيته فجأة فيا للسحر.
    ليصمد لإشعاعات عينيها هذه المرة!
    أمن العيب أن يهرب من عيني عذراء؟».
    والقصة بناؤها محكم، وتبدأ هكذا:
    «منذ أسابيع .. ومع بدء أيام الربيع درج على أن يقضي وقت ما قبل الغروب خلف نافذة حجرته (وهذه النافذة شيء هام في حياته، فعن طريقها يُعايش الحياة والناس).
    ولا نعرف أن الشاب مشلول إلا في آخر سطرين من القصة:
    «ودفع الشاب مقعده المتحرك ومضى به إلى مكان كل يوم خلف نافذة حجرته».
    ونرجع إلى بداية القصة، لنعرف أن النافذة شيء هام في حياته، لأنه عن طريقها يُعايش الحياة والناس.
    وكل كلمة في هذه القصة بحساب، وهكذا يكون العمل الفني جسماً حيا، لا يُمكنك أن تبتر شيئاً منه.
    ***
    القصة الثالثة التي نلتقي معها هي «الأمل وأحزان القلب» وهي أولى قصص المجموعة (ص ص5 ـ 16)، وهي من أعلى القصص فنية، وهي في خمسة مقاطع، وتحكي قصة رجل ماتت طفلته، ويسرد رحلة الأب معها إلى المقابر. إن هناك أملاً جديداً، إن امرأته حامل، والجنين هذه المرة أكثر حركة من الجنين السابق:
    ـ يبدو أن الجنين سيكون ولداً هذه المرة.
    ـ ولد .. بنت .. المهم أن يعيش!
    ***
    ومن القصص الثلاث التي عرضنا لها في المجموعة (والقصص الخمس الأخرى التي لم نعرض لها لضيق الحيز) نستطيع أن نؤكد:
    1-أن هذه المجموعة خطوة متقدمة على طريق عنتر مخيمر القصصي، باستثناء قصته «الأبناء عندما يفهمون الآباء جيداً».
    2-ولع عنتر مخيمر بالحديث عن الإنسان البسيط ورغباته البسيطة في الحب والدفء وحقه أن يحلم.
    3-الجمل عند عنتر مخيمر قصيرة مركزة، لكنه في تجاربه القصصية مازال واقعاً في إسار الحكي عن (وليس الحكي بـ). نفهم هذا من طغيان الفعل الماضي على جمله القصيرة. يقول في قصة «الأمل وأحزان القلب»:
    «ظلت في غيبوبتها. ترقرقت عيناه بالدموع، حول عينيه عنها سريعاً خشية أن تستيقظ فتبصر دموعه، فوقعت نظرتها على المولودة الميتة. تسمّرت عيناه للحظات. تلاحقت في عنف دقات قلبه. تخبطت أنفاسه. لقد أثار المنظر في نفسه هولاً ورعباً، بل عرته رعشة شديدة. منظر أبشع من أن يُحتمل. خرج من الحجرة مذعوراً. أسرع في الحال إلى الحجرة الأخرى. ووقف ينظر عبر النافذة المفتوحة إلى لا شيء».
    نجد في الفقرة الماضية اثني عشر فعلاً ماضياً مقابل أربعة أفعال مضارعة، وهذا يُظهر لنا أن عنتر مخيمر مازال واقعاً في أسر الماضي (الحكي عن)، ونرجو أن نجد في مجموعته القادمة الفعلَ المضارعَ وقد أخذ دوره في قصصه القصيرة.
    4-الفاعل في هذه القصص: الغائب في سبع قصص، والمتكلم في قصة واحدة (هل يعني هذا أن القاص غير منحاز إلى قضية يتبناها؟ وأنه في هذه القصص يُراقب من الخارج ويكتب كتابة السارد العليم بكل شيء.. الذي لا يُشارك في أحداث القصة .. هل يخاف هول التجربة؟ .. أكاد أشك في ذلك؛ حيث إن القصة الوحيدة التي فيها الفاعل هو المتكلم أو السارد فيها جرأة في استعمال ضمير الأنا؛ حيث إن الراوي يتحدث عن تجربة له مع زوجة البواب (قصة «في الوحل» ص ص57 ـ 66).
    5-الحوار في المجموعة فيه دقة، وفيه حس ساخر (انظر قصة «اللعبة القذرة» ص ص 75 ـ 80) مما يجعلنا نطلب من القاص أن يجرب إمكاناته في كتابة المسرحية. فهل يجرب الآن بعد أن استحصدت مواهبه؟
    إن مجموعة «لعبة يُباركها الشيطان» لعنتر مخيمر مجموعة قصصية جيدة، تجعلنا نأمل خيراً في عطائه الوارف، وفي انتظار مجموعته القصصية القادمة.
    .......................
    الهوامش:
    (1) كتبت المقالة عام 1980م، ونشرت في مجلة «الثقافة»، ونشرت في كتابنا جماليات القصة القصيرة، ط1: الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة 1996م، ص ص97 ـ 102.
    (2) عنتر مخيمر: لعبة يُباركها الشيطان، مطبوعات صوت الشرقية (1)، مطبعة عبد النبي، الزقازيق 1980م، ص ص17-26.
    (3) كتب القاص: «نعم»، والصواب ما أثبتناه.
    التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 28-01-2010, 08:10.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      «حكاية كل صباح» مجموعة للأطفال لعنتر مخيمر

      صدرت مؤخراً مجموعة للأطفال بعنوان «حكاية كل صباح» للروائي عنتر مخيمر تضم خمس قصص، هي: القطة وبائعة السمك، وحكاية قطة وولد شقي، وحكاية فوانيس الحاج بركات، وسندس وجدها والكلب المدهش، وحكاية الديك واليمامة والثعلب الشرير. مع رسوم للفنان عصام طه.
      المجموعة صدرت في سلسلة كتاب «قطر الندى»، العدد (119)، عن الثقافة الجماهيرية بمصر. رئيسة تحرير السلسلة الناقدة الدكتورة: زينب العسال.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        قراءة في كتاب «أزاهير الرياض» لعنتر مخيمر(1)

        بقلم: أ.د. حسين علي محمد


        يُعدُّ فن المُحاورة الأدبية من الفنون الأدبية المُستحدثة التي تُفرَد لها الصفحات في المجلات الأدبية والثقافية، فمجلة الفيصل" تُخصِّص عدداً من الصفحات في كل عدد لبابها "حوار مع"، ومجلة "العربي" تنشر في كل عدد حواراً بعنوان "وجهاً لوجه".
        لكن الكتب التي صدرت في المُحاورات الأدبية قليلة، منها كتاب "عشرة أدباء يتحدثون" للأديب الناقد فؤاد دوّارة الذي ظهر منذ قرابة أربعين عاماً، وكان مرجعاً لا غنى عنه لدارسي الأدب الحديث، وتكرر ورود اسمه في الرسائل الجامعية في الأدب الحديث. ومن هذه الكتب أيضاً "أدباء الجيل يتحدثون" ـ للروائي محمد الراوي ـ الذي ظهر في أوائل الثمانينيات الميلادية، ويضم حوارات مع ثلاثين قاصا وشاعراً.
        والقاص عنتر مخيمر (وهو روائي أيضا، ويكتب المقالة والخاطرة، وعضو اتحاد كتاب مصر) قد أصدر كتاباً مؤخراً بعنوان "أزاهير الرياض: حوارات في الأدب واللغة والثقافة مع فضيلة الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي والعضو المراسل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة".
        ويقع الكتاب في 130صفحة من القطع المتوسط، ويضم سبعة حوارات مع الناقد المعروف الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع، الحاصل على الدكتوراه من جامعة الأزهر (كلية اللغة العربية)، والذي أصدر أكثر من ثلاثين كتاباً منها: ابن طباطبا الناقد، ونجديات الأبيوردي، والاتجاه الإسلامي في شعر محمد العيد الخليفة، وأبو الحسن التهامي: حياته وشعره، وأدب المهجر الشرقي ... وغيرها.
        ويقول عنتر مخيمر في مقدمة كتابه:
        "يضمُّ هذا الكتاب سبعة حوارات ؟أجريتها مع مفكر سعودي لامع، يُعدُّ من صفوة قادة الفكر العربي، ومن أخلصهم في خدمة الأمة الإسلامية والعربية، وهو من النقاد السعوديين البارزين. هذا المفكر هو فضيلة الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي والعضو المراسل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
        وترسم هذه الحوارات ملامح فكر أصيل مُبدع.
        فكر تشغله كثيراً من واقع التجربة والممارسة قضية البحث العلمي، فقد لاحظ أنَّ الغالبية من الدراسات التي تناولت واقع البحث العلمي تتسم بالمثالية التي يصعُب ترجمتها إلى أشياء حقيقية على أرض الواقع، وذلك بسبب غياب التعمق في دراسة ذلك الواقع من جانب، وغياب الممارسة والتجربة من جانب آخر.
        فكر ينوء بهموم مريرة تُثيرها المشكلات والتحديات التي تُواجه اللغة العربية، ويُولي التراث العربي ـ كنوز الأجداد ـ اهتماماً يعكس وضوح رؤية صاحب هذا الفكر ونقاء ضميره".
        وبعد هذه المقدمة نرى سبعة حوارات في اللغة والأدب والثقافة، ترسم صورة الراهن الثقافي العربي من خلال رؤية الناقد، والعالم، واللغوي.
        لقد سبق أن أَكَّد أحد الشعراء والنقّاد والجامعيين البارزين (وهو الدكتور عبد العزيز المقالح) أن فن الحوار الأدبي فنٌّ من فنون الأدب العربي الحديث، وهو فن يحتاجه الناقد والدارس والمؤرِّخ الأدبي.
        وجاء كتاب الأديب عنتر مخيمر "أزاهير الرياض" ليضع أمامنا صورة كاملة ومضيئة للدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع ناقداُ ومؤرخاً أدبيا ولغويا، من خلال حوار حي يُجيب عن أسئلة الراهن الثقافي واللغوي من واقع المسؤول الذي عاش تجارب ثرية في حياته العامة والخاصة، وباعتباره وكيلاً لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي وعضواً مراسلاً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
        ...........................
        (1) أذيع في إذاعة الرياض، برنامج «خمس دقائق مع»، في 28/6/1419هـ-18/10/1998م، ونشر في التاريخ نفسه في صحيفة «الجزيرة» السعودية.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          القاص عنتر مخيمر:
          قرأت قبل أن أكتب أكثر من ألف قصة قصيرة

          حاوره: أ.د. حسين علي محمد

          عنتر مخيمر (1938ـ …) واحد من قصاصي الستينيات، بدأ ينشر كتاباته منذ عام 1963م، فنشر عشرات القصص القصيرة في الصحف المصرية والعربية، وأصدر ثلاث مجموعات قصصية هي: "الناس والعيب" و"لعبة يُباركها الشيطان" "و"في الليلة الأولى قالت شهرزاد"، وأصدر رواية بعنوان "الحب شيء آخر"، وكتابا في الخواطر الأدبية بعنوان "قطوف من فيض الخاطر"، وله كتاب آخر بعنوان ".. ويا أعزائي الكبار معذرة" (وهو دراسات ومقالات أدبية ورؤى ثقافية).
          كما أصدر كتاباً يضم سبعة حوارات أجراها مع المفكر العربي السعودي الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع بعنوان "أزاهير الرياض"، وله ستة مؤلفات تحت الطبع هي:
          1-حكايات ياسر (قصص للأطفال).
          2-أحزان (مجموعة قصص قصيرة).
          3-عندما يتحدث هؤلاء (حوارات مع باقة من كبار الكتاب).
          4-عندما يتحدث أقطاب الفكر الديني (حوارات دينية).
          5-عندما يتحدث العلماء (حوارات علمية).
          6-أنت وصحة طفلك النفسية (دراسات تربوية).
          وهذه المؤلفات نُشرت متفرقة في الصحف والمجلات المصرية والعربية.
          التقيت القاص عنتر مخيمر، وأجريت هذا الحوار معه:
          *مَن مِن كتاب القصة القصيرة الذين قرأت لهم قبل أن تكتب أنت نفسك هذا اللون الأدبي؟
          -قرأت قبل أن أكتب القصة أكثر من ألف قصة قصيرة، أما الكتاب الذين قرأت لهم فما أكثرهم! .. وكنت أحرص أشد الحرص على أن أقرأ لكتاب من جنسيات مختلفة .. كل الأدباء الأجانب الذين تُرجمت أعمالُهم في مصر قرأت لهم، ومن أشهرهم: جي دي موباسان، وأنطون تشيكوف، وأرنست همنجواي، وألبرتو مورافيا، وسومرست موم، وإدجار ألان بو، ولويجي بيراندللو .. إلخ.
          ومن مصر: قرأت أولا أعمال جيل رواد القصة القصيرة: محمود تيمور، وإبراهيم المازني، وإبراهيم الورداني، وإبراهيم المصري، ويحيى حقي، ويوسف جوهر .. إلخ، ثم قرأت للجيل الذي ازدهر إبداعه على صفحات "مسامرات الجيب"، و"قصص للجميع"، و"الكتاب الذهبي"، و"الكتاب الفضي"، بخلاف الصحف اليومية والمجلات الشهرية والأسبوعية التي كنت أقرؤها وأدفع ثمن قراءتها لبائع الصحف، فلم يكن في مقدوري أن أشتريها كلها، ومن كتاب هذا الجيل على سبيل المثال: يوسف إدريس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وعبد الرحمن الخميسي، ونجيب محفوظ، وسعد مكاوي، ومحمود البدوي، ومحمود السعدني، وإحسان عبد القدوس .. إلخ. وقائمة الأسماء طويلة.
          *ما الذي لفتك إلى الاهتمام بالقصص القصيرة؟ وكيف بدأت تجاربك الأولى في كتابتها؟
          -كانت أوقات حكايات جدتي (حواديتها) هي الأوقات الحلوة التي أسعد فيها مساء كل يوم طوال مرحلة طفولتي المبكرة. كنت أنام في حجرة جدتي .. وكانت حكاياتها هي الوسيلة التي تشغلني بها حتى يغلبني النوم، أو بمعنى آخر تهدهدني بها حتى أستسلم للنوم. كنت بعكس كل الأطفال أحب وأرحب بموعد ذهابي إلى الفراش، حيث سأجد جدتي في انتظاري بدفء حنانها وحكاياتها الشائقة.
          وفي مرحلة الدراسة الابتدائية عثرت في مدرستي على مكتبة نادرة رائعة للطفل، وكم كانت سعادتي بقصص كامل الكيلاني وغيره، بالإضافة إلى القصص المترجمة عن الأدب العالمي (قصص هانس أندرسون وغيره).
          وفي امتحان من امتحانات مادة اللغة العربية (امتحان شهر) فوجئت بأستاذ المادة يطلب منا كتابة قصة قصيرة لم يُحدد موضوعها، ترك لنا أن نكتب ما نشاء. على الفور تواثبت في خاطري حكايات جدتي .. ولم يطل تفكيري، فسرعان ما اخترت قصة يمكن أن يتسع وقت الامتحان لها.
          وكتبت القصة بتلقائية، وبلا عناء أو مشقة، بل غمرني سرور غريب وأنا أكتبها .. وبالطبع لم تخل القصة من العبارات والكلمات العامية، ففي مواقف كثيرة من القصة كانت الفصحى لا تُسعفني.
          وبعد تصحيح أوراق الإجابة ناداني أستاذ اللغة العربية في حصة تالية، وطلب مني أن أقف. وقفت حائراً قلقاً، وبسبب قصر قامتي، قال لي: تعال هنا لكي يراك زملاؤك. وفي خُطا ثقيلة ذهبت إليه، ووقفت بجانبه مرتجف الأنفاس .. ولكن لم تطل مخاوفي، فقد قال الأستاذ وهو يضع يده على كتفي: زميلكم عنتر كتب قصة جميلة، سيقرؤها لكم، مدّ لي يده بالكراسة، وقد هدأت مخاوفي قليلا.
          بدأت في قراءة القصة بصوتي القوي، وبعد سطور قليلة من بدء القراءة نسيت مخاوفي تماماً، وجعلت أقرأ القصة بصوت من يعتلي منصة خطابة. ومع نهاية القصة ارتفع صوت الأستاذ: صفقوا معي له! وكم كنت سعيداً بالتصفيق سعادة لا توصف .. وكانت هذه فيما أظن البداية!
          ثم تلاحقت الأيام، وكنت بين وقت وآخر أكتب قصة أقرؤها لزملائي، ثم أُلقي بها في درج من أدراج مكتبي، فلم تكن تخطر في بالي فكرة النشر، باستثناء ما كان يُنشر لي بمجلات الحائط!
          ومرت الأيام حتى أقبل عام 1962م، ومع بدء العام الدراسي 62/63 كنت طالباً بالفرقة الرابعة بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية، وذات يوم شاهدت مسرحية "جلفدان هانم"، وأعجبت بالمسرحية على نحو جعلني أتحدث عنها مع زملائي .. وفوجئت بواحد منهم (كانت له اهتمامات صحفية، فقد كان يعمل محررا هاويا بجريدة "السفير" بالإسكندرية) يسألني:
          ـ هل يمكنك أن تكتب مقالا عن المسرحية؟
          فأجبت في دهشة: نعم، ولكن ما السبب؟
          قال: سأنشره لك في جريدة "السفير".
          وفي اليوم نفسه ـ بعد عودتي إلى مسكني ـ جلست على الفور لأكتب المقال .. ولم أتناول غدائي إلا بعد أن فرغت منه. ونُشر المقال بعد ثلاثة أيام فقط، وأسعدني أن زميلي نقل إليَّ إعجاب رئيس التحرير بالمقال، وأنه يُرحب بكتاباتي.
          وهنا ـ ولأول مرة ـ طافت بخاطري فكرة الكتابة والنشر .. ولما كنت من قراء مجلتي "الثقافة" (كان يرأس تحريرها: محمد فريد أبو حديد) و"الرسالة" (كان يرأس تحريرها: أحمد حسن الزيات) فقد فكرت في أن أحاول معهما، وشجعني أن "الثقافة" كانت تنشر الإبداع الأدبي للأدباء الشبان في "بريد الثقافة"، مع تقديم أو تعقيب. كانت تنشر الأعمال كاملة. أما "الرسالة" فكانت تنشر في "بريدها الأدبي" أشعارا ومقالات وخواطر للأدباء الشبان، كاملة أو مقتطفات منها.
          وخلال شهر ونصف كتبت ثلاث قصص قصيرة أرسلتها بالبريد إلى مجلة "الثقافة"، وفي نفس الوقت كتبت مقالا تناولت فيه بالنقد كتابا لكاتب معروف اسمه عبد المنعم الحفني، بعنوان "الحفني وعدة مغالطات!" أرسلته إلى مجلة "الرسالة" .. وبعد عدة أيام كتبت بعض الخواطر وأرسلتها إلى مجلة "الرسالة" أيضا بعد ذلك، ومع أول عام 1963م اُخترت مع بعض زملائي لإعداد مجلة مطبوعة تصدر عن طلاب المعهد، واتفق المعهد مع فتحي الأبياري (نائب رئيس تحرير "أكتوبر" حاليا) ـ مندوب "أخبار اليوم" في الإسكندرية في ذلك الوقت ـ على أن يُشرف على طبع المجلة. وكتبت قصة بعنوان "هكذا خُلقنا" لتنشر بالمجلة، قرأها فتحي الأبياري فأعجب بها، ونصحني بأن أرسل إنتاجي الأدبي إلى صحف ومجلات القاهرة.
          ودفعتني النصيحة إلى أن أكتب قصة جديدة بعنوان "في الليل"، كتبتها في أسبوع، ثم قلت لنفسي: إلى من أرسلها؟ الكتابات التي أرسلتها إلى "الثقافة" و"الرسالة" لم تُنشر بعد. فكرت طويلا ثم قفزت إلى خاطري مجلة "الأدب" التي كنت عرفتها منذ شهر واحد؛ فذات يوم كنت أُقلِّب الصحف والمجلات عند بائع الصحف فوقع بصري على مجلة لم أقرأها من قبل، قلبت صفحاتها، ثم أخذتها معي لأقرأها .. هذه المجلة كانت "الأدب"، وأعجبني فيها مقال لرئيس تحريرها: أمين الخولي رئيس جماعة الأمناء، قال فيه: "إنه يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال" .. كلام يُمثل قيمة عظيمة في مجال الفكر والإبداع.
          وأرسلت القصة إلى مجلة "الأدب".
          ثم تتابعت الأيام .. وانتهى العام الدراسي، وعدت إلى مدينتي "الزقازيق"، وخلال أسابيع أخذت المخاوف والهواجس تُناوشني، وأخذت أقول لنفسي: يبدو أن الكتابات التي أرسلتها إلى "الثقافة" و"الرسالة" أخذت طريقها إلى سلال المهملات.
          ثم أقبل شهر أكتوبر 1963م، وفي صباح أول أيام هذا الشهر كانت المفاجأة التي اهتز لها كياني، جعلتني أكاد أطير من شدة الفرح. لقد نُشرت قصة "في الليل" بمجلة "الأدب" .. أخذت أتأمّل اسمي المطبوع، وكأنّ حروفه غير الحروف التي يتكون منها .. قرأت القصة مرات ومرات فبدت في خاطري أفضل مما كنت أظن، وتأججت في داخلي رغبة عارمة في أن أكتب وأكتب وأكتب، وبرقت في رأسي أفكار قصص ومقالات. يجب أن أبدأ فوراً، قلتها لنفسي في عزم وإصرار وتفاؤل.
          وحبست نفسي في حجرتي ثلاثة أسابيع كاملة كتبت خلالها ثلاثة أعمال قررت أن أُرسلها إلى مجلة "الأدب"، والأعمال هي:
          1-نقد لمسرحية "الطعام لكل فن" لتوفيق الحكيم.
          2-نقد لقصة "الطريق" لنجيب محفوظ.
          3-قصة بعنوان "أمام المرآة".
          كذلك رأيت أن أكتب قصة أخرى لتنشر في مجلة "صوت الشرقية"، وكنت قد عثرت عليها ـ أخيرا! ـ لأول مرة عند بائع الصحف.
          ثم توالت الأيام، وجلست أنتظر، ولم يطل انتظاري. ففي شهر ديسمبر 1963م فوجئت بنشر قصة في مجلة "الثقافة". نُشرت القصة كاملة مع تقديم طيب ولكن في "بريد الثقافة". قلت لنفسي: "خير وبركة .. وأول الغيث قطرة".
          وتتابعت في عام 1964م أعمالي المنشورة؛ كل الأعمال التي أرسلتها إلى مجلات "الثقافة" و"الرسالة" و"الأدب" و"صوت الشرقية" نُشرت كاملة، وإن كانت الأعمال التي نُشرت في مجلتي "الثقافة" و"الرسالة" كانت في باب "بريد الأدب".
          المهم: توهجت طموحاتي، حلقت بي في سماء عالية، وانطلقت أعمل، كتبت مسرحية قصيرة أرسلتها إلى مجلة "الأدب"، وأرسلت قصة إلى مجلة "القصة"، ثم بدأت أكتب قصة طويلة، ومسرحية من ثلاثة فصول.
          *ما أهم القضايا التي تؤرقك كأديب؟ وهل انعكس ذلك على إبداعاتك القصصية؟
          -بالتأكيد .. لابد أن ينعكس على إبداع الأديب ما يؤرق فكره وما يضطرم في وجدانه، والنفس البشرية هي أهم ما يشغل فكري. تستهويني خفايا النفس البشرية وأسرارها وأدغالها، أحاول أن أنفذ إلى أعماق الإنسان، أن أكشف وجهه الآخر، نعم .. حقيقة الإنسان لا تعكسها قسمات وجهه ولا الكلمات التي ينطق بها لسانه.
          ومن القضايا التي تُمثِّل هما من همومي كأديب: الإنسان بين الواقع والأمل .. الإنسان في صراعه مع الحياة ومع الآخرين ومع نفسه، الإنسان حينما يريد أن يؤكد ذاته، أن يفلت من واقع يفزع فكره ووجدانه. في إيجاز: يشغلني الإنسان في معترك الحياة، في حيرته، في يأسه وضياعه، في نشوة انتصاراته وتحقق طموحاته.
          *ما أهم سمات أبناء جيلك؟ وهل أنتم تتميزون عن الجيل السابق؟
          -نحن جيل بدأ مسيرته مع إشراقة حلوة للحياة .. نشأنا وترعرعنا والحياة من حولنا زاهية مشرقة. تملؤنا كل المشاعر والأحاسيس التي تجعلنا ننظر إلى الغد وملء الخاطر يقين حلو هو أن الغد سيكون أكثر إشراقاً، وأن الأجيال الصاعدة ستكون أسعد حالاً، وأوفر حظا من مباهج الحياة.
          نشأ جيلنا وأعلام العزة والكرامة والكبرياء تُرفرف في سماء حياته، وفجأة .. خلال أيام .. بل ساعات، انكشف المستور، انقشع الوهم الهائل الذي نعيشه .. انهار الصرح الشامخ لطموحاتنا وأحلامنا الغالية، وبسبب هول الفاجعة التي أصابتنا في 5 يونيو 1967م أصبحت الرؤية كئيبة وقاتمة، وفي الواقع الجديد واصل جيلنا مسيرته، وهو يُغالب عوامل اليأس والإحباط والضياع مثقلا بهموم طاحنة، بفكر تصدّع بُنيانه، ووجدان ممزق حائر.
          *ألاحظ انشغالك بقضايا النقد، ألا يجني ذلك على عملك كقاص؟ ثم ما مُبررات انشغالك بالنقد؟
          -بعد أن أفرغ من قراءة أي عمل أدبي تتناوشني عدة أفكار وخواطر، وأحياناً تُلح علي هذه الأفكار بشدة فلا أجد مفرا من أن أطلق سراحها حتى يهدأ خاطري.
          النقد عندي إذن انطباعات قارئ، وفي رأيي أن القارئ من حقه أن يقول رأيه .. بل إن حياتنا الثقافية في أشد الحاجة إلى اتساع دائرة الحوار والمناقشة حول أي إبداع أدبي حتى تتأكَّد الصلة بين المبدع والمتلقي، فهذا هو الطريق إلى إثراء حياتنا الأدبية فضلاً عن استنارة الطاقات المبدعة من أجل إبداع أفضل.
          *ما رأيك في مقولة "جيل بلا أساتذة" التي طرحها محمد حافظ رجب في الستينيات؟
          -في تقديري أنها مقولة خاطئة، فكل جيل لابد أن يتأثَّر بكتابات وإبداع الأجيال السابقة، فمن منا لم يتأثر بطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وأمين الخولي .. وغيرهم؟ والأديب ليس نبتاً شيطانيا، والأدباء الكبار أساتذة للأجيال الجديدة بفكرهم وإبداعهم.
          ليس شرطاً أن توجد صلة مباشرة بين الأديب اللامع والأديب الناشئ، فالكلمة هي خير صلة.
          أما سبب المقولة فهو أن أدباء الستينيات خصوصاً خارج القاهرة لم يجدوا التشجيع والاهتمام الذي يريدونه من الجيل السابق، حيث فوجئوا بالأدباء الكبار يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عنهم.
          وفي الحقيقة: المبدع خير أستاذ لنفسه، فبفضل التثقيف الذاتي وبطاقات إبداعه، وبإرادته وإصراره قادر على أن يُؤكِّد ذاته وأن يُحقق أحلامه وآماله.
          *ما رأيك في مطبوعات الماستر التي يُصدرها بعض أبناء جيلك؟
          -مطبوعات الماستر علامات مضيئة على طريق مسيرتنا، هي محاولات ناجحة لتأكيد الذات، بل إنها تعكس قيمة إنسانية غالية هي أنه لاشيء يمكن أن يوقف مسيرة مبدع موهوب قادر بعزمه وإرادته على الصمود في مواجهة التحديات التي تُواجهه.
          وفي إيجاز يمكن أن أقول إن مطبوعات الماستر كانت إشراقة نهار بدّدت ظلمة ليل كان يُمكن أن يتوه في دياجيره جيل الستينيات.
          *هل ترى أن الظروف الأدبية ملائمة لأن تقدِّم ما تريد تقديمه؟
          -خلاصة القول: الظروف الأدبية تطحن الأدباء طحناً، وما أكثر الذين تذبل مواهبهم، أو يكفُّوا عن الإبداع يأساً وقهراً .. بسبب هذه الظروف. النشر تحكمه الأهواء وألاعيب الشللية وعلاقات تبادل المنافع والمصالح والأرزاق.
          *لماذا لم تلجأ إلى المغامرة الأسلوبية كما لجأ بعض معاصريك من أبناء جيلك والعالم العربي؟ ثم ألا ترى أن مساحة القصص "الموباساني" تتقلّص؟
          -المغامرة الأسلوبية لا ينبغي أن تكون هدَفاً في حد ذاته، هنا تكون المغامرة مجرد عبث أو ترف لا فائدة منه. المهم ـ في يقيني ـ سلاسة الأسلوب وعباراته السيالة المطواعة، وأنه أداة جيدة للتواصل بين المبدع والمتلقي؛ فنجيب محفوظ مثلاً لم تشغله مسألة المغامرة الأسلوبية .. ولغته سهلة، جميلة، معبرة، شائقة. المغامرة الأسلوبية عند الكثيرين مجرد شطحات شائهة أو تلاعب بالكلمات.
          أما حكاية تقلص القصص الموباساني، ففي رأيي أن الخلود دائماُ للإبداع الأدبي القادر على التعبير عن الحياة والإنسان بصرف النظر عن الاتجاهات والأشكال الأدبية.
          قالوا مثلاً أن الرومانسية قد ولّى زمانها، ورغم ذلك فما أكثر القراء الذين يعشقون الأعمال الرومانسية في زماننا. لندع كل الزهور تتفتح، ليبدع كل أديب كما يحب ويرغب، وألا يحصر نفسه في قوالب معينة بتأثير التقليد والمُحاكاة.
          القضية أولا وأخيراً قضية العطاء: أصالته، نجاحه فنيا في التعبير عن الإنسان والحياة. وأيضاً هل هذا الإبداع يُثري الفكر الإنساني أم لا؟ هل يُشبع الوجدان؟ و أيضاً لا ينبغي مع ازدهار الأدب المرئي أن نجعل من القراءة عملية عناء وجهد ذهني شاق.
          *ما مفهومك للخيال وللحداثة في الأدب؟
          -الخيال عندي صياغة مبدعة للواقع؛ فالحياة ـ كما تعرف ـ أعظم من أي خيال .. حياتنا حافلة بأحداث ومتغيرات يعجز عن تخيلها الإنسان. الخيال إذن تعبير فني صادق عن الحياة، أو بمعنى آخر، الخيال محاولة للنفاذ إلى أعماق الأشياء .. تعمُّق الواقع، تعمُّق الإنسان، تعمُّق الحياة .. من أجل استخلاص رؤية خاصة تُثري الفكر الإنساني.
          وحينما أقول إن الخيال عندي تعبير عن الواقع أو تصوير له، فلا يعني هذا أن أُصوِّره كما تصور الكاميرا الأشياء. المبدع يصورها كما يُصور الفنان بريشته. ما يراه بعينيه من خلال تأثيرها في ذاته، وما تعكسه رؤية هذه الأشياء في داخله من مشاعر وأحاسيس وأفكار.
          أما الحداثة فهي أن ينصهر الأديب في قضايا عصره، وأن يتفهّمها وأن تعكسها تجربته الإبداعية. والحداثة تعني إذن المعاصرة، والمعاصرة لا تعني الانعزال عن التراث أو استلهام تجارب وقضايا شعوب أخرى. والحداثة أيضا لاتعني اللجوء إلى الغموض والإبهام وأشكال العبث الأسلوبي والفني كما يفعل البعض ظنا منه أن هذه هي الحداثة.
          *ما موقف النقد منك ومن جيلك؟
          -موقف غير عادل، وغير أخلاقي أحيانا. فالنقاد ـ أو معظمهم ـ لا يُبصرون إلا الأصدقاء، ولا تُثير اهتمامهم أية كتابات تُخالف اتجاهاتهم ومذاهبهم الأدبية. ولا يكتبون عن أصحاب الاتجاهات الأخرى إلا من أجل هدمهم أو التقليل من شأنهم. وبعض النقاد كرماء أشد الكرم مع من يتبادلون معهم المنافع والمصالح الخاصة. ومن النقاد أيضاً من يُفضِّلون نقد أصحاب الأسماء اللامعة لأن الكتابة عنهم تجارة رابحة.
          *كيف يُسهم الأديب عموماً والقاص خصوصاً في بناء إنسان الغد؟
          -الأديب ـ وكاتب القصة بصفة خاصة ـ يُمكن أن يُسهم بإبداعه في تشكيل فكر ووجدان الأجيال الجديدة، وقادر أيضاً على تأكيد وإثراء القيم الإنسانية البناءة. والأديب الذي يكتب ـ مبدعاً ـ بنقاء وصدق وبفهم عميق للإنسان وللحياة يُسهِم بالتأكيد في بناء إنسان الغد.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            قراءة في مجموعة «وفي الليلة الأولى قالت شهرزاد» لعنتر مخيمر(1)

            بقلم: أ. د. حسين علي محمد


            هذه هي المجموعة القصصية الجديدة للقاص عنتر مخيمر (1938- …) بعد مجموعتيه السابقتين "الناس والعيب" (1970م)، و"لعبة يُباركها الشيطان" (1982م).
            والقاص عنتر مخيمر بدأ نشر إنتاجه منذ أوائل الستينيات في مجلة "الأدب" التي كان يصدرها المرحوم أمين الخولي، ثم نشر إنتاجه في مجلات وصحف كثيرة، منها: الأهرام، والأهرام المسائي، والجمهورية، والمساء، والرسالة، والثقافة، والكاتب، والقصة، وروز اليوسف، وعلاء الدين، وقطر الندى … وغيرها.
            وفي هذه المجموعة نحس: بساطة الفكرة، والتلقائية في التناول (ونعني بها إخفاء أثر الصنعة، فتحس أنك تقرأ قصة قريبة منك، تُعالج هموماً لناس تعرفهم)، وفي هذه القصص تلمح عمق الحوار الذي يكشف عن الحدث ويعمقه، ويُلقي الضوء على شخصيات القصة، كما نرى استدعاء صور ومشاهد من الذاكرة لتحمل بنى تعبيرية شفافة، تستقطر عذوبة اللفتة الإنسانية، في رموز مفتوحة ومُتاحة للقارئ العادي الذي يستطيع أن يتجاوب مع النص، ويُعيد بناءه وتشكيله، مانحاً إياه تلميحات مومضة، براقة.
            وسنتناول هنا قصتين من قصص المجموعة، تطرحان قضايا السقوط:
            *في قصة "سهرة في بيت موسيقار لامع" يصوِّر أجواء السقوط التي شهدتها الحياة الفنية خلال عشرين عاماً؛ فبدلاً من أن يسمو الفن بالروح، ويصعد بها إلى سموات من المتعة، والتفكر والجمال، أضحى الفن ـ في بعض صوره ـ مباءة للرذيلة، كما صورها القاص بصدق، ويُظهر الحوار قدرة القاص على تصوير هذه الأجواء في مثل قوله:
            *السلام والتحية .. يا أصحاب الوجوه البهية.
            *أعتذر يا بك وبشدة .. وحياتك ، أقبل القدم وأبدي الندم على غلطتي
            *يا عيني على الحلاوة .. والنبي بزنس
            *الليلة حرام فيها النوم
            ففي المثال الأول يستخدم السجع، وهو في هذا المثال يكشف عن تودد، يزيح الفواصل المجتمعية والقيمية، وفي المثال الثاني يذكرنا بأغنية "أم كلثوم" "أبوس القدم، وأبدي الندم، على غلطتي، في حق الغنم" .. ورغم أنها جاءت في الحوار على صيغة الاعتذار، إلا أنها تشترك مع المثال السابق في التزلف وإزاحة الفواصل. والمثال الثالث يرينا التدني الخلقي في الكشف عن عاطفة الإعجاب، بما يجعل منها تزلفاً رخيصاً سوقيا. والمثال الأخير يكشف عن عالم الليل (أو قل علب الليل) الذي يحرم النوم على أصحابه، فمن يُفترض فيهم أنهم يُجمِّلون الحياة ينامون نهاراً ويسهرون ليلاً (كيف يجملونها وهم لا يحيونها كما يحيا الناس؟) وليت سهرهم فيما ينفع الناس!
            وفي قصة "الخنزير والفاجرة"، نراه يبدأها من ذروة الحدث "ويلجأ كاتب القصة القصيرة أو الرواية لاستخدام هذا التكنيك إذا أراد أن يضع تأكيداً أقل على مجرد الأحداث، وتأكيداً أكثر على قيمة الأحداث، فعليه أن يقلب فقط ترتيب البداية والنهاية، وذلك يكشف نتيجة القصة في البداية، وهذا النظام المقلوب يجبر القارئ على نقل اهتمامه عما يحدث إلى لماذا حدث؟ وكيف حدث؟"(2).
            إننا منذ العنوان "الخنزير والفاجرة" نتعرف على شخصية المرأة الخاطئة ـ التي جعلها القاص بلا اسم وكأنه يضن عليها باسم يمنحها إياه ـ ومن الفقرة الأولى نتعرف على موقف القاص الرافض لسقوط المرأة:
            رنّ في سمعه صوتها الهامس:
            ـ أتحبني حقا؟
            عدنا إلى الحكاية السقيمة. ما أسخف سؤالها، وتتحدّث عن الحب بعينين واسعتين. أتُراها لم تُدرك حتى الآن أنه فهمها جيدا؟ فهمها سريعاً وبلا عناء.
            ـ لماذا لا ترد؟
            ثم في شيء من الجفاء:
            ـ طبعاً .. لا بد أن تسكت. ماذا ستقول فأنت بلا قلب؟
            أمرهن عجيب بنات حواء. كأنها تحبه بصدق! ماذا ستقول لامرأة خلعت برقع الحياء؟! والعجيب هو قولها إنه بلا قلب! ماذا ستكون هي إذن؟ إن قصة طلاقها حديث الناس".
            إن الرجل ـ الذي بلا اسم ـ يرى في سؤال المرأة الفاجرة عن الحب حكاية سقيمة، ويتعجب من إيرادها كلمة "القلب" في حوارها معه. إنها مطلقة، وهو أرمل، وقد بدأ يُمارس معها جريمة الزنا بعد شهر من وفاة زوجته.
            لعله خدعها، أو وعدها بالزواج، ولكنه يؤجِّل تحقيق وعده بحجة أنه لم يمر وقت كاف على وفاة زوجته!:
            "صرخت بصوت ينم عن غيظ مكتوم:
            ـ أرأيت ماذا يحدث لك عندما أكلمك عن الزواج؟
            أجاب بامتعاض وفتور:
            ـ ماذا أصنع لك؟ لا فائدة من كل ما قلته لك.
            ثم في صوت مشحون بالغضب:
            ـ كيف أتزوج بعد أقل من سنة من وفاة زوجتي؟ أهذا كلام؟!
            ـ ماذا يكون الكلام إذن؟ أنا التي أريد أن أفهم. أنسيت أن حكايتنا بدأت بعد شهر من وفاة المرحومة؟"
            من الملاحظ على الفاجرة في هذه القصة أنها تقترف جريمة الزنا آملة أن يتزوّجها الرجل الذي تصفه في لحظة الصفاء بـ"الخنزير"، والذي يطلب منها أن تُحدثه بلغة راقية، بينما يصفها بينه وبين نفسه بـ"الفاجرة"! ما أقبح لسانها في لحظات الدلال والرضا!
            إن الرجل في هذه القصة سادر في فجوره، وقد أحسن المؤلف في تصوير إحساسه بالخطيئة ووعيه بها، رغم استمراره في اقترافها، وإن وصفه للمرأة بالفاجرة التي جاوز فجورها المدى، ثم رفضه أن تكون بمثابة الأم لبناته الصغيرات يُرينا عمق الفهم الديني للخطيئة والخاطئات عند الشخصية الرئيسة، لكننا للأسف لا نرى ذلك على مستوى سلوكه الفعلي، فهو يرفض فجور المرأة، ولا يقبل فكرة أن تكون زوجة له، أو أما لأولاده، لكنه يمارس الفجور معها، ويمكن القول أن اللغة، وما تحمله من معان كلها وسائل لتجسيد موقف القاص الأخلاقي والرافض لسلوك "الخنزير والفاجرة".
            ........................
            الهوامش:
            (1) نشرت في مقدمة الطبعة الأولى، سلسلة «أصوات مُعاصرة»، مطابع الفارس العربي، الزقازيق 1998م، ص ص5-14.
            (2) د. عبد الحميد القط: يوسف إدريس والفن القصصي، ط1، دار المعارف، القاهرة 1980، ص165.

            تعليق

            يعمل...
            X