هذه نافذة يقدمها لنا الأستاذ دريسى مولاى عبد الرحمن
على القصة فى العالم ، من خلال نصوص ، سوف يطرحها أمامكم للقراءة ،
و لكم أن تشاركوا بالقراءة ، و أيضا المساهمة ، فى طرح ما أعجبكم من نصوص .. لنقل هى نافذة لجمع أجمل القصص العالمية ، عربية كانت أم غربية !!
شكرا لك أستاذ دريسى مولاى
وأهلا بكم أيها الأعزة
امرأة ذائعة الصيت لألبرتو مورافيا
....ترجمة أسماء بركات
النظام يغلف كل شيء، في المطار توقفت على مقربة من الطائرة، حشد من الجمهور تدفق نحوي، وهج من النور ينبعث من أفريقيا ويجعلني غير قادرة على الرؤية بوضوح، ومن خلال النور بدا الافريقيون وكأنهم أشكال معتمة اللون في الجهة السالبة من الصور، أما الأوروبيون فمن المؤكد أنهم قد تواروا عن الأنظار في سنا ضوء الشمس.
على أي حال استطعت أن أميز الوزير الذي رحب بي باسم الجمهورية التي زرتها في رحلة سياحية منذ مدة قصيرة مضت، هنالك ثلاثة أو أربعة مصورين وقد وقفوا أو جثوا على ركبهم وهم يصورون بحماس، بهوس، وهنا وقف إثنان أو ثلاثة محررين مع أقلام تدون ردي على الوزير في دفتر الملاحظات الخاص بهم، فتاة أفريقية صغيرة ترتدي رداء أبيض قدمت لي وهي تنحني بباقة من الزهور الذابلة، ثم تسلقت سلم الطائرة ببطء وتأن كي أمنح المصورين الفرصة لأن يلتقطوا بسمتي الشهيرة، ولكن ما أن وطئت قدماي مدخل الطائرة حتى أسدلت الستارة فجأة على بسمتي، حتى المضيفة التي ينبغي أن تعرف هي نفسها جيدا معنى تلك البسمات المزيفة، خشيت من أنه ربما ألم بي مكروه.
هززت رأسي وجلست وأنا أجد صعوبة في مقاومة الدمع الذي تدفق من عيني ليبلل خدي، أحس خطرا رهيبا مروعا، أحسه الآن، إنه يلازمني دائما ، على الأقل لعامين طويلين، إنه خطر يدفعني إلى عرض مرتبك خجول، وعندما أبصرت بنطلونا أبيض لرجل يجلس بجانبي كان هذا كافيا لأن ألفت انتباهه وأنا أربط حزام المقعد هنالك افتراض واحد من مليون بأن هذا الرجل لا يعرف من أكون،افتراض واحد من ألف مليون بأن هذا الرجل لم يكن من المعجبين بي، لا، لا، أنا لاأريد أن أغامر بضياعه، لكن ماذا لو اتضح لي أنه أحد أولئك المعجبين المألوفين؟ معجب يثير النفور والاشمئزاز، سيكون من السهل لدي أن اجعله يقف في حدوده بواحدة من تلك الأجوبة الملأى بالاهانة، بالتهكم، والازدراء، الأجوبة التي أنا مشهورة بها.
وبعد أن بدأت الطائرة سيرها حول ساحة الطيران توقفت محركاتها لتدور بأقصى سرعة، لم أتمالك نفسي ووجدتني أنظر إلى يد جاري وقد تركها على مسند الكرسي، يد شاب ضخمة، قوية لها نوع مميز من اللون الأحمر القاتم، لون دم لم تكن عيناي قد وقعتا عليه أبدا من قبل، ألمي ـ على أي حال ـ كان أقوى من فضولي، أخذت بالبكاء ثانية و أنا أنظر إلى التنبيه المضاء في النهاية البعيدة من الطائرة، 'اربط حزام المقعد، امتنع عن التدخين' وفجأة أخذت الطائرة تشمخ نحو السماء في خط عمودي تقريبا، وضعت يدي فوق يد جاري كما لو كنت خائفة، الطائرة تهتز بعنف وتتيح لي فرصة أن اضغط بها على يده بانفعال، ثم أدرت رأسي ونظرت إليه.
لم أكن مخطئة، ها هو ذا، شاب أنيق كلي ثقة بأنه يجهل من أكون، شيئان تغلغلا في أعماقي، لون رصاصي يميل إلى الخضرة ونوع مادة سائل في عينيه اللتين بدتا وكأنهما جردتا من النظر و أعميتا بالسائل ذاته، والاختلاف الظاهر بين لون الوجه الأشقر ولون يديه القاتمتين، تبادلنا النظرات، انحدرت دمعتان فوق خدي فقلت وأنا ألهث، 'أحس بالوحدة لدرجة القسوةِِ'، أجابني بابتسامة عريضة تكشف عن أسنان بيضاء حادة كالتي يمتلكها الثعلب، 'امرأة جميلة مثلك، وحيدة ؟".
'وحيدة تماما لأنني جميلة'.
'إنه لأمر غريب، كم ظننت أن الجمال يخلق الصداقات والمودة والعلاقات الغرامية بسهولة'.
'أجل، لكن بشرط أن يقف خلف السوق'.
'أي سوق هذا؟!'
'السوق الذي يعرض فيه الجمال، مثله مثل أي سلعة أخرى ".
'ثم ماذا بعد ذلك؟".
'ثم تتوقف المعرفة، الصداقة، العلاقة الغرامية التي تتطلب أدنى درجة من الاختبار، من الحرية، من الاستقلال، لن يكون هناك سوى سعر السوق العالي أو الواطئ'.
'وجمالك، هل يقف خارج السوق؟!'
وجاء السؤال في نغمة صريحة لا مجال للشك فيها، لا ليس هناك أي تكليف فيها، إنه حقا لا يعرف من أكون، قلت مع تنهيدة 'كلا، جمالي ولسنوات في السوق، أنا نجمة سينمائية، في الحقيقة مشهورة جدا، أما أسعاري فهي ضمن الأعلى ".
'آوه، حقا؟!".
كنت في شك من أمره، ترى هو يهزأ بي ؟ بسمة الثعلب التي تطل من شفتيه، الغموض الذي يحتوي نظرته، كلها تغمرني بالقلق، قلت بحزم 'ادعىِِ' أعطيته اسمي كاملا، لم تحركه كلماتي، أضفت 'ربما، لم تسمع باسمي أبدا".
أجاب مع شيء من الارتباك 'كنت ولسنوات عدة في منطقة بعيدة عن أفريقيا ، أنا مستكشف عشت ولست سنوات في جزء مقفر مليء بالمستنقعات والغابات والنباتات المتسلقة والحيوانات المتوحشة، لا أخبار تصلني من العالم الخارجي، غير أنني سأرى أفلامك عندما أكون في أوروبا، ولكن لم تبكين؟".
هززت رأسي و أنا عاجزة عن الكلام، وبشدة ظلت يدي تضغط على يده، ثم هدأت وقلت، 'تستطيع أن تحكم بنفسك، ولدت في قرية ريفية صغيرة سكانها حوالي خمسة آلاف نسمة، لاحظ كلمة خمسة آلاف، خمسة آلاف شخص يكون عددا لا بأس به لكن خمسة آلاف ساكن يكون موقعا محليا صغيرا، إنه واحد من تلك الأماكن المحلية حيث يوجد فيها نموذج واحد من الأشياء، صيدلية واحدة، كنيسة واحدة،مكتبة واحدة، مقهى واحد، سينما واحدة وهكذا، وفي سن الخامسة عشرة عرفت الخمسة آلاف ساكن في قريتي الصغيرة جميعا وهم عرفوني، إذا خرجت عند الغروب لنزهة على قدمي يسارعون لتحيتي التي أردها لهم، إذا ذهبت الى السوق فأصحاب المخازن ينادونني باسمي و أنا أناديهم باسمائهم، لو قمت بجولة على قدمي خارج المدينة وعلى امتداد الطريق الرئيسي فأنا أعرف الفلاحين الذين يعملون في الحقول وهم يعرفون جيدا من أكون، في الحقيقة أنا عرفت الخمسة آلاف شخص وكنت معروفة لهم جميعا بصورة مباشرة، ودودة وبوضع ينم عن المادة، وعندما أقول مادة أعني هؤلاء الناس كلهم يمتلكون عيونا تركزت لا على صورتي فقط بل عليّ شخصيا لحما ودما، وأنا بدوري أمعنت النظر إليهم، والآن دعنا نقفزعشر سنوات إلى الأمام، أنا في الخامسة والعشرين، مشهورة، وكما أخبرتك أحس بالوحدة أكثر فأكثر، أنا لست امرأة حمقاء، فأنا أعرف ماذا تعني ماذا، لا أتوقف أبدا عن التفكير بالعزلة التي أنا فيها، و أخيرا، تبدو لي أنها من الممكن أن توضح بهذاالشكل، الوحدة التي أحسها ناتجة عن خطأ بي، أوه كيف أستطيع أن أشرح ذلك؟ عن خطأ في الحساب، إنها كما لو تكون في بداية مراحل نجاحي المهني، كم قلت لنفسي يومها وأنا شابة مغمورة في مدينة ريفية كنت معروفة ومحبوبة وبشكل مادي إلى خمسة آلاف ساكن،ولأسباب أكثر لماذا وأنا معروفة إلى العالم أجمع وسأعرف وبشكل ودي ومادي ملايين وملايين من الناس، إن هذا الود المتكاتف سيدفئ قلبي ولن يجعلني أحس بالوحدة مرة أخرى أبدا أبدا".
'بدلا من ماذا؟".
'كانت غلطة كما قلت، أن تشتهر يعني أن تكون وحيدا، الشهرة هي كالزجاج في شباك مخزن، أنت توضع للعرض الكل ينظر اليك وهم ماضون على الرصيف، لكن لا يستطيع أحد أن يلمسك وأنت أنت نفسك لا تستطيع أن تلمس أحدا، أنا أعني فعلا تلمس، كما ألمس أنا يدك هذه اللحظة".
نظر إلي بعطف وحنو،ربما، لكنه قال 'هذا لا يهم، إنك مشهورة".
'هل تظن إنه لشيء جميل أن تكون مشهورا؟!".
'انه أروع شيء في الوجود، أنا نفسي أقوم بعمل أي شيء، أي شيء لأصبح مشهورا، حتى لو ارتكبت جريكة".
'سوف تصبح مشهوار لمساء واحد فقط ومع الطبعة الثانية من الجرائد تكون قد اختفيت في اللاشيء مرة أخرى".
'وما الذي يجعلك تعتقدين بأنني سوف أقتل شخصا عاديا، أنا سوف أقتل شخصا مشهورا، إن شهرة ذلك الشخص سوف تصبح لي، تماما كما هي الحال هنا في أفريقيا، لقد اعتقد الناس يوما بأن من يأكل كبد العدو يرث شجاعته".
قطع حديثنا بدء الطائرة بالهبوط، وفي الوقت نفسه، وبينما الطائرة تلمس الأرض وهي تفاخر بأزيز محركاتها إذا بجاري ينهض من مقعده ويتقدمني نحوالباب، رأيته على رأس صف من المسافرين يتهيأ للنزول، عشرون شخصا بيني وبينه مما جعلني أقتنع بأنه سوف يتوه عني، لقد كنت وحيدة قبل أن التقيه، كنت واياه أكثر من ساعة واحدة، ها آنذا سأكون وحيدة، مرة أخرى.
في فندق الدرجة الأولى وفي عاصمة الجمهورية الأفريقية الجديدة اعدوا لي جناحا خاصا، غرفة نوم مع غرفة استراحة وحمام،على المنضدة وضعت سلة كبيرة ملأى بفاكهة المنطقة الاستوائية ورسالة مختصرة لم أفتحها لأنني أعرف مقدما ماذا تحوي - تحية مجاملة من الإدارة - ارتديت قميص نوم واتجهت نحو الشباك، نظرت إلى الخارج، الشباك يطل على البحر الذي بدا هائجا ذا لون أبيض تقريبا، إنه يغلي في ضوء يثير الضيق ويملأ السماء المظلمة بالضباب، وفي الجهة المقابلة للفندق تماما وعلى الجانب البعيد من المتنزه المهجور كان إعلان كبير له حجم شاشة السينما وتحت العنوان وفي أحرف بارزة حمراء بدا اسمي ، ثم ظهرت مع البطل.
هنالك طرق على الباب، ناديت ادخل، لم أفاجأ و أنا أرى جاري في الطائرة، اقفل الباب، تقدم نحوي ثم ابتعد قليلا وقال 'تظاهرت بأنني لا أعرف من تكونين لكنني كنت أعرف ذلك طول الوقت، عرفت ذلك تماما، كثير من المجلات اعتادت أن تصل إلى العيادة الطبية كم قطعت صورك وعلقتها على جدران غرفتي".
- لماذا، أي عيادة طبيةهذه؟! ألست مستكشفا؟! ألم تسكن لسنوات ست في منطقة ملأى بالمستنقعات والغابات؟
- أجل، تماما، هذا ما قاله الطبيب لي أيضا، أنت مستكشف، كنت مختفيا بعيدا بين المستنقعات والغابات، يجب أن تخرج.
فجأة أدركت ما الذي كان يحدث لي، ثم وعلى الفور، ما حدث لي في الماضي القريب، وما الذي سوف يحدث، هل كنت خائفة؟! حقا لا، ولكنني تظاهرت أن أكون، أطلقت نفسي منه مع صرخة من الرعب الهادئ، ركضت نحو الباب،أادركت أنه أغلق الباب ووضع المفتاح في جيبه بيد أنني تظاهرت بضرب الباب بقوة بقبضة يدي، كنت ممثلة فضلا عن كل شيء وكممثلة سوف أموت.
أطلق الرصاصة الأولى وأنا أقف قرب الباب ثم أنزل اثنتين أو ثلاثا أو أربع رصاصات أخرى بي، تركت الباب لأتمدد فوق السرير كي أموت الميتة اللائقة، أدركت أنني قد فقدت الكثير من الدم و أغلقت عيني ، فتحتهما ثانية، ربما على الفور، رأيته وقد انحنى علي وهو يتفحصني، أحسست بحاجة إلى أن أقول له شيئا مؤثرا، شيئا يهز الأحاسيس، قبل أن أفارق الحياة همست و أنا ألهث 'هل أنت مسرور يا ولدي العزيز؟! سوف تصبح مشهورا، اجل مشهورا في كل أنحاء العالم."
ألبرتو مورافيا
ألبيرتو مورافيا (اسمه الاصليّ:ألبيرتو بنكيرلي) كاتب إيطالي ولد في روما سنة 1907 م وتوفى في 26 سبتمبر سنة 1990 في مدينة روما التي عاش فيها جل حياته. يعتبر من أشهر كتاب إيطاليا في القرن العشرين, وهو يكتب بالإيطالية ويتكلم اللغتين الإنجليزية والفرنسية ولد في عائلة ثريّة من الطّبقة الوسطى. أبوه اليهوديّ كارلو كان رساما ومهندسا وامّه الكاثوليكيّة كانت تدعى تيريزا ليجيانا. لم ينه ألبيرتو دراسته لانّه اصيب بالسلّ الذي أقعده في الفراش لخمس سنوات ممّا جعله يحب المطالعة. في سنة 1929 كتب مورافيا أوّل مؤلفاته Gli Indifferenti ثمّ بدأ حياته المهنيّة ككاتب في مجلّة 900 حيث كتب أوّل قصصه القصيرة.
من رواياته
على القصة فى العالم ، من خلال نصوص ، سوف يطرحها أمامكم للقراءة ،
و لكم أن تشاركوا بالقراءة ، و أيضا المساهمة ، فى طرح ما أعجبكم من نصوص .. لنقل هى نافذة لجمع أجمل القصص العالمية ، عربية كانت أم غربية !!
شكرا لك أستاذ دريسى مولاى
وأهلا بكم أيها الأعزة
امرأة ذائعة الصيت لألبرتو مورافيا
....ترجمة أسماء بركات
النظام يغلف كل شيء، في المطار توقفت على مقربة من الطائرة، حشد من الجمهور تدفق نحوي، وهج من النور ينبعث من أفريقيا ويجعلني غير قادرة على الرؤية بوضوح، ومن خلال النور بدا الافريقيون وكأنهم أشكال معتمة اللون في الجهة السالبة من الصور، أما الأوروبيون فمن المؤكد أنهم قد تواروا عن الأنظار في سنا ضوء الشمس.
على أي حال استطعت أن أميز الوزير الذي رحب بي باسم الجمهورية التي زرتها في رحلة سياحية منذ مدة قصيرة مضت، هنالك ثلاثة أو أربعة مصورين وقد وقفوا أو جثوا على ركبهم وهم يصورون بحماس، بهوس، وهنا وقف إثنان أو ثلاثة محررين مع أقلام تدون ردي على الوزير في دفتر الملاحظات الخاص بهم، فتاة أفريقية صغيرة ترتدي رداء أبيض قدمت لي وهي تنحني بباقة من الزهور الذابلة، ثم تسلقت سلم الطائرة ببطء وتأن كي أمنح المصورين الفرصة لأن يلتقطوا بسمتي الشهيرة، ولكن ما أن وطئت قدماي مدخل الطائرة حتى أسدلت الستارة فجأة على بسمتي، حتى المضيفة التي ينبغي أن تعرف هي نفسها جيدا معنى تلك البسمات المزيفة، خشيت من أنه ربما ألم بي مكروه.
هززت رأسي وجلست وأنا أجد صعوبة في مقاومة الدمع الذي تدفق من عيني ليبلل خدي، أحس خطرا رهيبا مروعا، أحسه الآن، إنه يلازمني دائما ، على الأقل لعامين طويلين، إنه خطر يدفعني إلى عرض مرتبك خجول، وعندما أبصرت بنطلونا أبيض لرجل يجلس بجانبي كان هذا كافيا لأن ألفت انتباهه وأنا أربط حزام المقعد هنالك افتراض واحد من مليون بأن هذا الرجل لا يعرف من أكون،افتراض واحد من ألف مليون بأن هذا الرجل لم يكن من المعجبين بي، لا، لا، أنا لاأريد أن أغامر بضياعه، لكن ماذا لو اتضح لي أنه أحد أولئك المعجبين المألوفين؟ معجب يثير النفور والاشمئزاز، سيكون من السهل لدي أن اجعله يقف في حدوده بواحدة من تلك الأجوبة الملأى بالاهانة، بالتهكم، والازدراء، الأجوبة التي أنا مشهورة بها.
وبعد أن بدأت الطائرة سيرها حول ساحة الطيران توقفت محركاتها لتدور بأقصى سرعة، لم أتمالك نفسي ووجدتني أنظر إلى يد جاري وقد تركها على مسند الكرسي، يد شاب ضخمة، قوية لها نوع مميز من اللون الأحمر القاتم، لون دم لم تكن عيناي قد وقعتا عليه أبدا من قبل، ألمي ـ على أي حال ـ كان أقوى من فضولي، أخذت بالبكاء ثانية و أنا أنظر إلى التنبيه المضاء في النهاية البعيدة من الطائرة، 'اربط حزام المقعد، امتنع عن التدخين' وفجأة أخذت الطائرة تشمخ نحو السماء في خط عمودي تقريبا، وضعت يدي فوق يد جاري كما لو كنت خائفة، الطائرة تهتز بعنف وتتيح لي فرصة أن اضغط بها على يده بانفعال، ثم أدرت رأسي ونظرت إليه.
لم أكن مخطئة، ها هو ذا، شاب أنيق كلي ثقة بأنه يجهل من أكون، شيئان تغلغلا في أعماقي، لون رصاصي يميل إلى الخضرة ونوع مادة سائل في عينيه اللتين بدتا وكأنهما جردتا من النظر و أعميتا بالسائل ذاته، والاختلاف الظاهر بين لون الوجه الأشقر ولون يديه القاتمتين، تبادلنا النظرات، انحدرت دمعتان فوق خدي فقلت وأنا ألهث، 'أحس بالوحدة لدرجة القسوةِِ'، أجابني بابتسامة عريضة تكشف عن أسنان بيضاء حادة كالتي يمتلكها الثعلب، 'امرأة جميلة مثلك، وحيدة ؟".
'وحيدة تماما لأنني جميلة'.
'إنه لأمر غريب، كم ظننت أن الجمال يخلق الصداقات والمودة والعلاقات الغرامية بسهولة'.
'أجل، لكن بشرط أن يقف خلف السوق'.
'أي سوق هذا؟!'
'السوق الذي يعرض فيه الجمال، مثله مثل أي سلعة أخرى ".
'ثم ماذا بعد ذلك؟".
'ثم تتوقف المعرفة، الصداقة، العلاقة الغرامية التي تتطلب أدنى درجة من الاختبار، من الحرية، من الاستقلال، لن يكون هناك سوى سعر السوق العالي أو الواطئ'.
'وجمالك، هل يقف خارج السوق؟!'
وجاء السؤال في نغمة صريحة لا مجال للشك فيها، لا ليس هناك أي تكليف فيها، إنه حقا لا يعرف من أكون، قلت مع تنهيدة 'كلا، جمالي ولسنوات في السوق، أنا نجمة سينمائية، في الحقيقة مشهورة جدا، أما أسعاري فهي ضمن الأعلى ".
'آوه، حقا؟!".
كنت في شك من أمره، ترى هو يهزأ بي ؟ بسمة الثعلب التي تطل من شفتيه، الغموض الذي يحتوي نظرته، كلها تغمرني بالقلق، قلت بحزم 'ادعىِِ' أعطيته اسمي كاملا، لم تحركه كلماتي، أضفت 'ربما، لم تسمع باسمي أبدا".
أجاب مع شيء من الارتباك 'كنت ولسنوات عدة في منطقة بعيدة عن أفريقيا ، أنا مستكشف عشت ولست سنوات في جزء مقفر مليء بالمستنقعات والغابات والنباتات المتسلقة والحيوانات المتوحشة، لا أخبار تصلني من العالم الخارجي، غير أنني سأرى أفلامك عندما أكون في أوروبا، ولكن لم تبكين؟".
هززت رأسي و أنا عاجزة عن الكلام، وبشدة ظلت يدي تضغط على يده، ثم هدأت وقلت، 'تستطيع أن تحكم بنفسك، ولدت في قرية ريفية صغيرة سكانها حوالي خمسة آلاف نسمة، لاحظ كلمة خمسة آلاف، خمسة آلاف شخص يكون عددا لا بأس به لكن خمسة آلاف ساكن يكون موقعا محليا صغيرا، إنه واحد من تلك الأماكن المحلية حيث يوجد فيها نموذج واحد من الأشياء، صيدلية واحدة، كنيسة واحدة،مكتبة واحدة، مقهى واحد، سينما واحدة وهكذا، وفي سن الخامسة عشرة عرفت الخمسة آلاف ساكن في قريتي الصغيرة جميعا وهم عرفوني، إذا خرجت عند الغروب لنزهة على قدمي يسارعون لتحيتي التي أردها لهم، إذا ذهبت الى السوق فأصحاب المخازن ينادونني باسمي و أنا أناديهم باسمائهم، لو قمت بجولة على قدمي خارج المدينة وعلى امتداد الطريق الرئيسي فأنا أعرف الفلاحين الذين يعملون في الحقول وهم يعرفون جيدا من أكون، في الحقيقة أنا عرفت الخمسة آلاف شخص وكنت معروفة لهم جميعا بصورة مباشرة، ودودة وبوضع ينم عن المادة، وعندما أقول مادة أعني هؤلاء الناس كلهم يمتلكون عيونا تركزت لا على صورتي فقط بل عليّ شخصيا لحما ودما، وأنا بدوري أمعنت النظر إليهم، والآن دعنا نقفزعشر سنوات إلى الأمام، أنا في الخامسة والعشرين، مشهورة، وكما أخبرتك أحس بالوحدة أكثر فأكثر، أنا لست امرأة حمقاء، فأنا أعرف ماذا تعني ماذا، لا أتوقف أبدا عن التفكير بالعزلة التي أنا فيها، و أخيرا، تبدو لي أنها من الممكن أن توضح بهذاالشكل، الوحدة التي أحسها ناتجة عن خطأ بي، أوه كيف أستطيع أن أشرح ذلك؟ عن خطأ في الحساب، إنها كما لو تكون في بداية مراحل نجاحي المهني، كم قلت لنفسي يومها وأنا شابة مغمورة في مدينة ريفية كنت معروفة ومحبوبة وبشكل مادي إلى خمسة آلاف ساكن،ولأسباب أكثر لماذا وأنا معروفة إلى العالم أجمع وسأعرف وبشكل ودي ومادي ملايين وملايين من الناس، إن هذا الود المتكاتف سيدفئ قلبي ولن يجعلني أحس بالوحدة مرة أخرى أبدا أبدا".
'بدلا من ماذا؟".
'كانت غلطة كما قلت، أن تشتهر يعني أن تكون وحيدا، الشهرة هي كالزجاج في شباك مخزن، أنت توضع للعرض الكل ينظر اليك وهم ماضون على الرصيف، لكن لا يستطيع أحد أن يلمسك وأنت أنت نفسك لا تستطيع أن تلمس أحدا، أنا أعني فعلا تلمس، كما ألمس أنا يدك هذه اللحظة".
نظر إلي بعطف وحنو،ربما، لكنه قال 'هذا لا يهم، إنك مشهورة".
'هل تظن إنه لشيء جميل أن تكون مشهورا؟!".
'انه أروع شيء في الوجود، أنا نفسي أقوم بعمل أي شيء، أي شيء لأصبح مشهورا، حتى لو ارتكبت جريكة".
'سوف تصبح مشهوار لمساء واحد فقط ومع الطبعة الثانية من الجرائد تكون قد اختفيت في اللاشيء مرة أخرى".
'وما الذي يجعلك تعتقدين بأنني سوف أقتل شخصا عاديا، أنا سوف أقتل شخصا مشهورا، إن شهرة ذلك الشخص سوف تصبح لي، تماما كما هي الحال هنا في أفريقيا، لقد اعتقد الناس يوما بأن من يأكل كبد العدو يرث شجاعته".
قطع حديثنا بدء الطائرة بالهبوط، وفي الوقت نفسه، وبينما الطائرة تلمس الأرض وهي تفاخر بأزيز محركاتها إذا بجاري ينهض من مقعده ويتقدمني نحوالباب، رأيته على رأس صف من المسافرين يتهيأ للنزول، عشرون شخصا بيني وبينه مما جعلني أقتنع بأنه سوف يتوه عني، لقد كنت وحيدة قبل أن التقيه، كنت واياه أكثر من ساعة واحدة، ها آنذا سأكون وحيدة، مرة أخرى.
في فندق الدرجة الأولى وفي عاصمة الجمهورية الأفريقية الجديدة اعدوا لي جناحا خاصا، غرفة نوم مع غرفة استراحة وحمام،على المنضدة وضعت سلة كبيرة ملأى بفاكهة المنطقة الاستوائية ورسالة مختصرة لم أفتحها لأنني أعرف مقدما ماذا تحوي - تحية مجاملة من الإدارة - ارتديت قميص نوم واتجهت نحو الشباك، نظرت إلى الخارج، الشباك يطل على البحر الذي بدا هائجا ذا لون أبيض تقريبا، إنه يغلي في ضوء يثير الضيق ويملأ السماء المظلمة بالضباب، وفي الجهة المقابلة للفندق تماما وعلى الجانب البعيد من المتنزه المهجور كان إعلان كبير له حجم شاشة السينما وتحت العنوان وفي أحرف بارزة حمراء بدا اسمي ، ثم ظهرت مع البطل.
هنالك طرق على الباب، ناديت ادخل، لم أفاجأ و أنا أرى جاري في الطائرة، اقفل الباب، تقدم نحوي ثم ابتعد قليلا وقال 'تظاهرت بأنني لا أعرف من تكونين لكنني كنت أعرف ذلك طول الوقت، عرفت ذلك تماما، كثير من المجلات اعتادت أن تصل إلى العيادة الطبية كم قطعت صورك وعلقتها على جدران غرفتي".
- لماذا، أي عيادة طبيةهذه؟! ألست مستكشفا؟! ألم تسكن لسنوات ست في منطقة ملأى بالمستنقعات والغابات؟
- أجل، تماما، هذا ما قاله الطبيب لي أيضا، أنت مستكشف، كنت مختفيا بعيدا بين المستنقعات والغابات، يجب أن تخرج.
فجأة أدركت ما الذي كان يحدث لي، ثم وعلى الفور، ما حدث لي في الماضي القريب، وما الذي سوف يحدث، هل كنت خائفة؟! حقا لا، ولكنني تظاهرت أن أكون، أطلقت نفسي منه مع صرخة من الرعب الهادئ، ركضت نحو الباب،أادركت أنه أغلق الباب ووضع المفتاح في جيبه بيد أنني تظاهرت بضرب الباب بقوة بقبضة يدي، كنت ممثلة فضلا عن كل شيء وكممثلة سوف أموت.
أطلق الرصاصة الأولى وأنا أقف قرب الباب ثم أنزل اثنتين أو ثلاثا أو أربع رصاصات أخرى بي، تركت الباب لأتمدد فوق السرير كي أموت الميتة اللائقة، أدركت أنني قد فقدت الكثير من الدم و أغلقت عيني ، فتحتهما ثانية، ربما على الفور، رأيته وقد انحنى علي وهو يتفحصني، أحسست بحاجة إلى أن أقول له شيئا مؤثرا، شيئا يهز الأحاسيس، قبل أن أفارق الحياة همست و أنا ألهث 'هل أنت مسرور يا ولدي العزيز؟! سوف تصبح مشهورا، اجل مشهورا في كل أنحاء العالم."
ألبرتو مورافيا
ألبيرتو مورافيا (اسمه الاصليّ:ألبيرتو بنكيرلي) كاتب إيطالي ولد في روما سنة 1907 م وتوفى في 26 سبتمبر سنة 1990 في مدينة روما التي عاش فيها جل حياته. يعتبر من أشهر كتاب إيطاليا في القرن العشرين, وهو يكتب بالإيطالية ويتكلم اللغتين الإنجليزية والفرنسية ولد في عائلة ثريّة من الطّبقة الوسطى. أبوه اليهوديّ كارلو كان رساما ومهندسا وامّه الكاثوليكيّة كانت تدعى تيريزا ليجيانا. لم ينه ألبيرتو دراسته لانّه اصيب بالسلّ الذي أقعده في الفراش لخمس سنوات ممّا جعله يحب المطالعة. في سنة 1929 كتب مورافيا أوّل مؤلفاته Gli Indifferenti ثمّ بدأ حياته المهنيّة ككاتب في مجلّة 900 حيث كتب أوّل قصصه القصيرة.
- سنة 1967 سافر ألبيرتو مورافيا إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية وفي سنة 1972 زار إفريقيا حيث كتب (A quale tribù appartieni) "إلى ايّ قبيلة تنتمي؟" ونشرت في نفس السّنة ثم في سنة 1982 زار هيروشيما في اليابان.
- سنة1990 وجد ألبيرتو مورافيا ميتاً في حمام بيته في روما في نفس السنة نشرت سيرته الذاتية (Vita di Moravia) (حياة مورافيا).
من رواياته
- زمن اللامبالاة (Time of Indifference): وهي روايته الأولى التي كتبها ونشرت سنة 1929 م ويناول فيها الفلسفة الوجودية حيث تحدث فيها عن أسرة من الطبقة المتوسطة دب فيها الفساد الأخلاقي وصورها وهي تمد يد المساعدة إلى الفاشية الايطالية.
- السأم: وهي رواية حازت على أكبر جائزة أدبية في إيطاليا (جائزة فيارجيو).
- دولاب الحظ: نشرت سنة 1939 م.
- امرأة من روما: نشرت سنة 1947 م، وهاجم فيها قيم الطبقة المتوسطة.
- امرأتان: نشرت سنة 1947 م.
- العصيان: نشرت سنة 1948 م.
- حكايات من روما: نشرت سنة 1954 م.
- الفردوس: نشرت سنة 1970 م.
- الاحتقار: رواية تصور حياة اجتماعية جرت وقائعها في إيطاليا بين زوجين تفاوتت ثقافتهما فأدت إلى تحطم حياتهما العاطفية.
- مراهقون... ولكن: تصور تجربة طفل من الطبقة الثرية مع مجموعة من الأطفال الفقراء الذين يفتحون عينيه على أسرار عالم الكبار.
تعليق