قصص حول العالم ( نافذة على القصة فى العالم )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دريسي مولاي عبد الرحمان
    أديب وكاتب
    • 23-08-2008
    • 1049

    قصص حول العالم ( نافذة على القصة فى العالم )

    هذه نافذة يقدمها لنا الأستاذ دريسى مولاى عبد الرحمن
    على القصة فى العالم ، من خلال نصوص ، سوف يطرحها أمامكم للقراءة ،
    و لكم أن تشاركوا بالقراءة ، و أيضا المساهمة ، فى طرح ما أعجبكم من نصوص .. لنقل هى نافذة لجمع أجمل القصص العالمية ، عربية كانت أم غربية !!

    شكرا لك أستاذ دريسى مولاى
    وأهلا بكم أيها الأعزة



    امرأة ذائعة الصيت لألبرتو مورافيا
    ....ترجمة أسماء بركات

    النظام يغلف كل شيء، في المطار توقفت على مقربة من الطائرة، حشد من الجمهور تدفق نحوي، وهج من النور ينبعث من أفريقيا ويجعلني غير قادرة على الرؤية بوضوح، ومن خلال النور بدا الافريقيون وكأنهم أشكال معتمة اللون في الجهة السالبة من الصور، أما الأوروبيون فمن المؤكد أنهم قد تواروا عن الأنظار في سنا ضوء الشمس.
    على أي حال استطعت أن أميز الوزير الذي رحب بي باسم الجمهورية التي زرتها في رحلة سياحية منذ مدة قصيرة مضت، هنالك ثلاثة أو أربعة مصورين وقد وقفوا أو جثوا على ركبهم وهم يصورون بحماس، بهوس، وهنا وقف إثنان أو ثلاثة محررين مع أقلام تدون ردي على الوزير في دفتر الملاحظات الخاص بهم، فتاة أفريقية صغيرة ترتدي رداء أبيض قدمت لي وهي تنحني بباقة من الزهور الذابلة، ثم تسلقت سلم الطائرة ببطء وتأن كي أمنح المصورين الفرصة لأن يلتقطوا بسمتي الشهيرة، ولكن ما أن وطئت قدماي مدخل الطائرة حتى أسدلت الستارة فجأة على بسمتي، حتى المضيفة التي ينبغي أن تعرف هي نفسها جيدا معنى تلك البسمات المزيفة، خشيت من أنه ربما ألم بي مكروه.
    هززت رأسي وجلست وأنا أجد صعوبة في مقاومة الدمع الذي تدفق من عيني ليبلل خدي، أحس خطرا رهيبا مروعا، أحسه الآن، إنه يلازمني دائما ، على الأقل لعامين طويلين، إنه خطر يدفعني إلى عرض مرتبك خجول، وعندما أبصرت بنطلونا أبيض لرجل يجلس بجانبي كان هذا كافيا لأن ألفت انتباهه وأنا أربط حزام المقعد هنالك افتراض واحد من مليون بأن هذا الرجل لا يعرف من أكون،افتراض واحد من ألف مليون بأن هذا الرجل لم يكن من المعجبين بي، لا، لا، أنا لاأريد أن أغامر بضياعه، لكن ماذا لو اتضح لي أنه أحد أولئك المعجبين المألوفين؟ معجب يثير النفور والاشمئزاز، سيكون من السهل لدي أن اجعله يقف في حدوده بواحدة من تلك الأجوبة الملأى بالاهانة، بالتهكم، والازدراء، الأجوبة التي أنا مشهورة بها.
    وبعد أن بدأت الطائرة سيرها حول ساحة الطيران توقفت محركاتها لتدور بأقصى سرعة، لم أتمالك نفسي ووجدتني أنظر إلى يد جاري وقد تركها على مسند الكرسي، يد شاب ضخمة، قوية لها نوع مميز من اللون الأحمر القاتم، لون دم لم تكن عيناي قد وقعتا عليه أبدا من قبل، ألمي ـ على أي حال ـ كان أقوى من فضولي، أخذت بالبكاء ثانية و أنا أنظر إلى التنبيه المضاء في النهاية البعيدة من الطائرة، 'اربط حزام المقعد، امتنع عن التدخين' وفجأة أخذت الطائرة تشمخ نحو السماء في خط عمودي تقريبا، وضعت يدي فوق يد جاري كما لو كنت خائفة، الطائرة تهتز بعنف وتتيح لي فرصة أن اضغط بها على يده بانفعال، ثم أدرت رأسي ونظرت إليه.
    لم أكن مخطئة، ها هو ذا، شاب أنيق كلي ثقة بأنه يجهل من أكون، شيئان تغلغلا في أعماقي، لون رصاصي يميل إلى الخضرة ونوع مادة سائل في عينيه اللتين بدتا وكأنهما جردتا من النظر و أعميتا بالسائل ذاته، والاختلاف الظاهر بين لون الوجه الأشقر ولون يديه القاتمتين، تبادلنا النظرات، انحدرت دمعتان فوق خدي فقلت وأنا ألهث، 'أحس بالوحدة لدرجة القسوةِِ'، أجابني بابتسامة عريضة تكشف عن أسنان بيضاء حادة كالتي يمتلكها الثعلب، 'امرأة جميلة مثلك، وحيدة ؟".
    'وحيدة تماما لأنني جميلة'.
    'إنه لأمر غريب، كم ظننت أن الجمال يخلق الصداقات والمودة والعلاقات الغرامية بسهولة'.
    'أجل، لكن بشرط أن يقف خلف السوق'.
    'أي سوق هذا؟!'
    'السوق الذي يعرض فيه الجمال، مثله مثل أي سلعة أخرى ".
    'ثم ماذا بعد ذلك؟".
    'ثم تتوقف المعرفة، الصداقة، العلاقة الغرامية التي تتطلب أدنى درجة من الاختبار، من الحرية، من الاستقلال، لن يكون هناك سوى سعر السوق العالي أو الواطئ'.
    'وجمالك، هل يقف خارج السوق؟!'
    وجاء السؤال في نغمة صريحة لا مجال للشك فيها، لا ليس هناك أي تكليف فيها، إنه حقا لا يعرف من أكون، قلت مع تنهيدة 'كلا، جمالي ولسنوات في السوق، أنا نجمة سينمائية، في الحقيقة مشهورة جدا، أما أسعاري فهي ضمن الأعلى ".
    'آوه، حقا؟!".
    كنت في شك من أمره، ترى هو يهزأ بي ؟ بسمة الثعلب التي تطل من شفتيه، الغموض الذي يحتوي نظرته، كلها تغمرني بالقلق، قلت بحزم 'ادعىِِ' أعطيته اسمي كاملا، لم تحركه كلماتي، أضفت 'ربما، لم تسمع باسمي أبدا".
    أجاب مع شيء من الارتباك 'كنت ولسنوات عدة في منطقة بعيدة عن أفريقيا ، أنا مستكشف عشت ولست سنوات في جزء مقفر مليء بالمستنقعات والغابات والنباتات المتسلقة والحيوانات المتوحشة، لا أخبار تصلني من العالم الخارجي، غير أنني سأرى أفلامك عندما أكون في أوروبا، ولكن لم تبكين؟".
    هززت رأسي و أنا عاجزة عن الكلام، وبشدة ظلت يدي تضغط على يده، ثم هدأت وقلت، 'تستطيع أن تحكم بنفسك، ولدت في قرية ريفية صغيرة سكانها حوالي خمسة آلاف نسمة، لاحظ كلمة خمسة آلاف، خمسة آلاف شخص يكون عددا لا بأس به لكن خمسة آلاف ساكن يكون موقعا محليا صغيرا، إنه واحد من تلك الأماكن المحلية حيث يوجد فيها نموذج واحد من الأشياء، صيدلية واحدة، كنيسة واحدة،مكتبة واحدة، مقهى واحد، سينما واحدة وهكذا، وفي سن الخامسة عشرة عرفت الخمسة آلاف ساكن في قريتي الصغيرة جميعا وهم عرفوني، إذا خرجت عند الغروب لنزهة على قدمي يسارعون لتحيتي التي أردها لهم، إذا ذهبت الى السوق فأصحاب المخازن ينادونني باسمي و أنا أناديهم باسمائهم، لو قمت بجولة على قدمي خارج المدينة وعلى امتداد الطريق الرئيسي فأنا أعرف الفلاحين الذين يعملون في الحقول وهم يعرفون جيدا من أكون، في الحقيقة أنا عرفت الخمسة آلاف شخص وكنت معروفة لهم جميعا بصورة مباشرة، ودودة وبوضع ينم عن المادة، وعندما أقول مادة أعني هؤلاء الناس كلهم يمتلكون عيونا تركزت لا على صورتي فقط بل عليّ شخصيا لحما ودما، وأنا بدوري أمعنت النظر إليهم، والآن دعنا نقفزعشر سنوات إلى الأمام، أنا في الخامسة والعشرين، مشهورة، وكما أخبرتك أحس بالوحدة أكثر فأكثر، أنا لست امرأة حمقاء، فأنا أعرف ماذا تعني ماذا، لا أتوقف أبدا عن التفكير بالعزلة التي أنا فيها، و أخيرا، تبدو لي أنها من الممكن أن توضح بهذاالشكل، الوحدة التي أحسها ناتجة عن خطأ بي، أوه كيف أستطيع أن أشرح ذلك؟ عن خطأ في الحساب، إنها كما لو تكون في بداية مراحل نجاحي المهني، كم قلت لنفسي يومها وأنا شابة مغمورة في مدينة ريفية كنت معروفة ومحبوبة وبشكل مادي إلى خمسة آلاف ساكن،ولأسباب أكثر لماذا وأنا معروفة إلى العالم أجمع وسأعرف وبشكل ودي ومادي ملايين وملايين من الناس، إن هذا الود المتكاتف سيدفئ قلبي ولن يجعلني أحس بالوحدة مرة أخرى أبدا أبدا".
    'بدلا من ماذا؟".
    'كانت غلطة كما قلت، أن تشتهر يعني أن تكون وحيدا، الشهرة هي كالزجاج في شباك مخزن، أنت توضع للعرض الكل ينظر اليك وهم ماضون على الرصيف، لكن لا يستطيع أحد أن يلمسك وأنت أنت نفسك لا تستطيع أن تلمس أحدا، أنا أعني فعلا تلمس، كما ألمس أنا يدك هذه اللحظة".
    نظر إلي بعطف وحنو،ربما، لكنه قال 'هذا لا يهم، إنك مشهورة".
    'هل تظن إنه لشيء جميل أن تكون مشهورا؟!".
    'انه أروع شيء في الوجود، أنا نفسي أقوم بعمل أي شيء، أي شيء لأصبح مشهورا، حتى لو ارتكبت جريكة".
    'سوف تصبح مشهوار لمساء واحد فقط ومع الطبعة الثانية من الجرائد تكون قد اختفيت في اللاشيء مرة أخرى".
    'وما الذي يجعلك تعتقدين بأنني سوف أقتل شخصا عاديا، أنا سوف أقتل شخصا مشهورا، إن شهرة ذلك الشخص سوف تصبح لي، تماما كما هي الحال هنا في أفريقيا، لقد اعتقد الناس يوما بأن من يأكل كبد العدو يرث شجاعته".
    قطع حديثنا بدء الطائرة بالهبوط، وفي الوقت نفسه، وبينما الطائرة تلمس الأرض وهي تفاخر بأزيز محركاتها إذا بجاري ينهض من مقعده ويتقدمني نحوالباب، رأيته على رأس صف من المسافرين يتهيأ للنزول، عشرون شخصا بيني وبينه مما جعلني أقتنع بأنه سوف يتوه عني، لقد كنت وحيدة قبل أن التقيه، كنت واياه أكثر من ساعة واحدة، ها آنذا سأكون وحيدة، مرة أخرى.
    في فندق الدرجة الأولى وفي عاصمة الجمهورية الأفريقية الجديدة اعدوا لي جناحا خاصا، غرفة نوم مع غرفة استراحة وحمام،على المنضدة وضعت سلة كبيرة ملأى بفاكهة المنطقة الاستوائية ورسالة مختصرة لم أفتحها لأنني أعرف مقدما ماذا تحوي - تحية مجاملة من الإدارة - ارتديت قميص نوم واتجهت نحو الشباك، نظرت إلى الخارج، الشباك يطل على البحر الذي بدا هائجا ذا لون أبيض تقريبا، إنه يغلي في ضوء يثير الضيق ويملأ السماء المظلمة بالضباب، وفي الجهة المقابلة للفندق تماما وعلى الجانب البعيد من المتنزه المهجور كان إعلان كبير له حجم شاشة السينما وتحت العنوان وفي أحرف بارزة حمراء بدا اسمي ، ثم ظهرت مع البطل.
    هنالك طرق على الباب، ناديت ادخل، لم أفاجأ و أنا أرى جاري في الطائرة، اقفل الباب، تقدم نحوي ثم ابتعد قليلا وقال 'تظاهرت بأنني لا أعرف من تكونين لكنني كنت أعرف ذلك طول الوقت، عرفت ذلك تماما، كثير من المجلات اعتادت أن تصل إلى العيادة الطبية كم قطعت صورك وعلقتها على جدران غرفتي".
    - لماذا، أي عيادة طبيةهذه؟! ألست مستكشفا؟! ألم تسكن لسنوات ست في منطقة ملأى بالمستنقعات والغابات؟
    - أجل، تماما، هذا ما قاله الطبيب لي أيضا، أنت مستكشف، كنت مختفيا بعيدا بين المستنقعات والغابات، يجب أن تخرج.
    فجأة أدركت ما الذي كان يحدث لي، ثم وعلى الفور، ما حدث لي في الماضي القريب، وما الذي سوف يحدث، هل كنت خائفة؟! حقا لا، ولكنني تظاهرت أن أكون، أطلقت نفسي منه مع صرخة من الرعب الهادئ، ركضت نحو الباب،أادركت أنه أغلق الباب ووضع المفتاح في جيبه بيد أنني تظاهرت بضرب الباب بقوة بقبضة يدي، كنت ممثلة فضلا عن كل شيء وكممثلة سوف أموت.
    أطلق الرصاصة الأولى وأنا أقف قرب الباب ثم أنزل اثنتين أو ثلاثا أو أربع رصاصات أخرى بي، تركت الباب لأتمدد فوق السرير كي أموت الميتة اللائقة، أدركت أنني قد فقدت الكثير من الدم و أغلقت عيني ، فتحتهما ثانية، ربما على الفور، رأيته وقد انحنى علي وهو يتفحصني، أحسست بحاجة إلى أن أقول له شيئا مؤثرا، شيئا يهز الأحاسيس، قبل أن أفارق الحياة همست و أنا ألهث 'هل أنت مسرور يا ولدي العزيز؟! سوف تصبح مشهورا، اجل مشهورا في كل أنحاء العالم."



    ألبرتو مورافيا

    ألبيرتو مورافيا (اسمه الاصليّ:ألبيرتو بنكيرلي) كاتب إيطالي ولد في روما سنة 1907 م وتوفى في 26 سبتمبر سنة 1990 في مدينة روما التي عاش فيها جل حياته. يعتبر من أشهر كتاب إيطاليا في القرن العشرين, وهو يكتب بالإيطالية ويتكلم اللغتين الإنجليزية والفرنسية ولد في عائلة ثريّة من الطّبقة الوسطى. أبوه اليهوديّ كارلو كان رساما ومهندسا وامّه الكاثوليكيّة كانت تدعى تيريزا ليجيانا. لم ينه ألبيرتو دراسته لانّه اصيب بالسلّ الذي أقعده في الفراش لخمس سنوات ممّا جعله يحب المطالعة. في سنة 1929 كتب مورافيا أوّل مؤلفاته Gli Indifferenti ثمّ بدأ حياته المهنيّة ككاتب في مجلّة 900 حيث كتب أوّل قصصه القصيرة.تميزت أعمال مورافيا الأدبية بالبراعة والواقعية لنفاذه إلى أعماق النفس البشرية, فقد هاجم مورافيا الفساد الأخلاقي في إيطاليا. ترجمت معظم أعماله إلى عدة لغات عالمية, كما تم تحويل العديد من رواياته إلى أفلام سينمائية. يتسم أدب مورافيا بتبسطه في سرد مشاعر الجنس لدى أبطال رواياته والتداخلات في الأحداث التي تنشأ عبر تلبية تلك المشاعر والرغبات، حيث أنه يتسم بالتركيز على التحليل النفسي لنوع العلاقة بين الجنسين أو الزوجين وهذا واضح في روايته (الاحتقار).

    من رواياته
    • زمن اللامبالاة (Time of Indifference): وهي روايته الأولى التي كتبها ونشرت سنة 1929 م ويناول فيها الفلسفة الوجودية حيث تحدث فيها عن أسرة من الطبقة المتوسطة دب فيها الفساد الأخلاقي وصورها وهي تمد يد المساعدة إلى الفاشية الايطالية.
    • السأم: وهي رواية حازت على أكبر جائزة أدبية في إيطاليا (جائزة فيارجيو).
    • دولاب الحظ: نشرت سنة 1939 م.
    • امرأة من روما: نشرت سنة 1947 م، وهاجم فيها قيم الطبقة المتوسطة.
    • امرأتان: نشرت سنة 1947 م.
    • العصيان: نشرت سنة 1948 م.
    • حكايات من روما: نشرت سنة 1954 م.
    • الفردوس: نشرت سنة 1970 م.
    • الاحتقار: رواية تصور حياة اجتماعية جرت وقائعها في إيطاليا بين زوجين تفاوتت ثقافتهما فأدت إلى تحطم حياتهما العاطفية.
    • مراهقون... ولكن: تصور تجربة طفل من الطبقة الثرية مع مجموعة من الأطفال الفقراء الذين يفتحون عينيه على أسرار عالم الكبار.
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 29-01-2010, 23:16.
  • العربي الثابت
    أديب وكاتب
    • 19-09-2009
    • 815

    #2
    الأخ الجميل م.عبدالرحمان..
    نص بديع متميزعن كل ما قرأت لك...مررت به على عجل على أن أعود إليه لاحقا.
    إشارة بسيطة إلى أخطاء مطبعية تخللته هنا وهناك...حبذا لو راجعته قليلا..
    تحاياي العابقة...
    العربي الثابت
    اذا كان العبور الزاميا ....
    فمن الاجمل ان تعبر باسما....

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة العربي الثابت مشاهدة المشاركة
      الأخ الجميل م.عبدالرحمان..
      نص بديع متميزعن كل ما قرأت لك...مررت به على عجل على أن أعود إليه لاحقا.
      إشارة بسيطة إلى أخطاء مطبعية تخللته هنا وهناك...حبذا لو راجعته قليلا..
      تحاياي العابقة...
      العربي الثابت

      العمل ليس للاستاذ دريسى يا عربى
      العمل لألبرتو مورافيا

      مساء جميل لعينيك
      sigpic

      تعليق

      • العربي الثابت
        أديب وكاتب
        • 19-09-2009
        • 815

        #4
        أستاذي الجليل ربيع
        من عادتي كلما سجلت دخولي للملتقى أن أقف عند أي نص لم يزره أحد قبلي
        لأبعث الحياة فيه،ولإشعار صاحبه بأن أحدا ما قد قرأمشاركته بشكل فوري
        ولأني أيضا أكره الصفر المنفرد...
        ماحدث هو أنني صادفت هذا النص وكان لم يتم أخراجه بعد على شكل مثبت،طالعته بعجالة،وسجلت مروري...
        خفة قلم أعتذر عنها ولو كانت محمودة هنا...
        أقترح التعريف بصاحب النص في سطور قليلة ،خدمة للقاريءالزائر والأعضاء على حد سواء
        قبلاتي على جبينك العالي أخي ربيع

        العربي
        اذا كان العبور الزاميا ....
        فمن الاجمل ان تعبر باسما....

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          الـــوردة ـــ بقلم : البرتو مورافيا
          ترجمة: وفاء شوكت
          فيشهر أيار، كانت توجد في حديقة هذا البيت الصغير في الضاحية، بالقرب من أشجار الورد،صفوف من الملفوف. كان المالك، وهو عجوز متقاعد، يعيش وحيداً مع طاهيته، يخلع سترتهعند الغسق، ويلبس مئزراً من القماش المخطّط وينكش الأرض بالمعول، ويشذِّبها،ويسقيها ساعة، في انتظار وجبة العشاء. وكانت نساء الحيّ تستطيع رؤيته، وهن عائداتمساءً من الحدائق العامَّة مع أطفالهن، من خلال قضبان الشبكة المعدنية، فيما هويوجِّه الفوارة على المساكب حاملاً خرطوم الماء بيده. وكان الرجل المتقاعد يقطف، منحينٍ لآخر، ملفوفةً، ويعطيها لطاهيته؛ أو يقص بالمقراض بعضاً من تلك الورود، ويضعهافي زهرية في منتصف الطاولة، في قاعة الطعام. وعندما يجد وردة جميلة جمالاً خاصاً،كان الرجل المتقاعد يحملها إلى غرفته، ويضعها في كأس بعد ملئها بالماء، ويضعها علىمنضدةٍ قرب سريره. وكانت الوردة تبقى في الماء تنظر إلى رأس سرير العجوز، حتى تسقطأوراقها، وتتفتَّح كل بتلاتها مثل الأصابع، وتكشف عن قلبها الأشقر والوَبِر. لكنالمتقاعد لم يكن يرمي الوردة إلا عندما يجد بتلاتها منثورةً على رخام المنضدة، ولايوجد في الماء الذي فتر والمليء بالفقاعات سوى الساق المليئة بالأشواك.‏
          وفيصباح أحد أيام شهر أيار، انقضَّت سيتونية(1) مذهَّبة كبيرة، تتبعها ابنتها التي لاتزال شابة، بعد أن حلَّقتا سدىً في حدائق المنطقة، ولم تجدا أية زهرة وقد شاهدتا،من بعيد، مساكب المتقاعد، انقضتا على ورقة شجرة زعرور جرماني، عريضة وقاسية؛ وهناقالت الأم لابنتها بعد أن استردَّت أنفاسها: "ها قد وصلنا إلى نهاية تجوالنا. فإذاما انحنيتِ ونظرت إلى الأسفل، سترين زهرات عدة لا تنتظر سوى مجيئك. فنظراً لصغرسنِّك، أردت حتى الآن مرافقتك ونصحك في اختيار الورود وعلاقاتك معها... كنت أخشى أنتتعرض صحتُكِ الجسدية والنفسية للخطر بفعل حداثة الأحاسيس وعنفها إضافة إلى النهمالخاص بشبابك، لكنني وجدت أنكِ سيتونية عاقلة، مثل باقي سيتونيات عائلتنا، وقرَّرتأن الوقت قد حان، من الآن فصاعداً، لكي تعتمدي على نفسك وتحلِّقي بأجنحتك نحوالورود التي تفضلين؛ فمن الأوفق إذاً أن نفترق نهاراً كاملاً؛ وسنعود ونلتقي علىورقة شجرة الزعرور هذه. لكنني سأعطيكِ قبل أن نفترق، بعض التوصيات. تذكّري أنالسيتونية خلقت لتلتهم الورود. أو، على العكس، خلق الله الورود كي تتغذّىالسيتونيات عليها. وبخلاف ذلك، فلسنا نجد لماذا تصلح هذه الورود. وإذا لم تجديورداً، أمسكي وامتنعي عن الطعام، فمن الأفضل تحمّل الجوع على مسّ غذاءٍ غير جديربعِرقنا. ولا تصدِّقي مغالطات دود الأرض والرعاع الآخرين، الذين يدَّعون أن جميعالورود جيدة. هذا ما يبدو، في أول الأمر لكن بعد ذلك تنكشف بعض الأمور. وبعد أنينقضي زمن الشباب، تكشف السيتونية التي انحطت، النقاب عن جميع نقائص انحطاطهاالمخجلة؛ وعليها، بعد أن يتم إبعادها عن قومها أن تقاوم صحبة الخنافس والزنابيروالطفيليات، وقائمة طويلة أخرى من الهَنات(2). لأن الوردة، يا صغيرتي، هي غذاءإلهي، قبل أن تكون غذاءً مادياً. ومن جمالها، تنهل السيتونية جمالها هي. إنها أشياءغامضة، ولن أعرف أن أقول لكِ أكثر من ذلك. وأعرف ببساطة، أن بعض القوانين، التيتدعى، بدقةٍ، إلهية، لم تُنْتَهك أبداً دون عقاب. لكنكِ لست بحاجة لمثل هذهالتحذيرات، فأنتِ سيتونية سويَّة ونزيهة، وتحكمين بالفطرة على بعض الأشياء. فإلىاللقاء، يا صغيرتي، إلى اللقاء هذا المساء." وبعد أن عبَّرت عن أفكارها على هذاالنحو، طارت الأم الشجاعة، لأن وردة قرمزية ضخمة، تفتَّحت أوراقها قبل هنيهة، كانتالآن تستهويها، وتخشى أن تسبقها إليها سيتونية أخرى، أو أن تستميل صراحة، ابنتها.‏
          وبقيتالسيتونية الفتيَّة بضع دقائق أخرى على ورقة شجرة الزعرور تتملَّى حديث أمها. ثمطارت بدورها.‏
          إنأحداً آخر غير السيتونية، لا يمكنه أن يتصوَّر ما هي الوردة لسيتونية. فتخيَّلواالزرقة في شهر أيار، تجتازها موجات شمسية بطيئة، في حديقة مزهرة. وها هو سطح منتفخوأبيض يظهر أمام عيني السيتونية المحلِّقة والتي يداعب ظلّها بتضاريسه المُهيبة،ويتوِّج الضوء حوافه المتألِّقة؛ سطح واسع وناعم، مماثلٍ لسطح ثدي مثقل بالحليب. إنها الورقة الخارجية لوردة بيضاء، لا تزال منغلقة، لكنها عريضة عند الأطراف، وتكشفعن أوراق أخرى متراصَّة وملتوية بعضها على بعض. وقد أثار هذا البياض الشاسع والبكر،الذي اكتسح فجأةً سماء عينيّ السيتونية، هيجاناً شرهاً، فاتناً ولاهثاً. وكان أولاندفاع شعرت به، هي أن تنقضَّ برأسها أولاً، على هذا اللحم الرائع غير المحمي،وتنهشه، وتمزِّقه لتدمغه بندبة استحواذها المسبق عليه. لكن حدسها أوحى لها بطريقةأكثر نعومة لولوج الوردة؛ وها هي تتشبَّث بحوافي ورقةٍ مفرطة وتتسلل إلى داخلالوردة. كان في الإمكان رؤية جسم السيتونية الأخضر- الذهبي برهة، مماثلاً ليد تندسبين أغطية سرائر من الكتَّان الأبيض، يتخبَّط بيأس، محاولاً شق طريقٍ لنفسه؛ ثماختفى تقريباً، واستعادت الوردة، المنتصبة على ساقها، مظهرها المألوف، شبيهةً بفتاةشابة، تحتفظ تحت مظهر البراءة العذرية، بالسر الحارق لأول عناقٍ غراميّ لها. لكن،فلنتبع السيتونية في قرارة الوردة. كل شيء حولها ظلام؛ لكنه ظلام نديّ، ذكيّالرائحة وناعم؛ ظلام يحيا ويخفق في ثناياها الخفيَّة، مثل ثنايا فمٍ مُشْتَهى؛والسيتونية ذاهلة بعطر الوردة، مبهورة ببياضها الذي تسبره بين البتلات التي تنطبقثانيةً، وقد اهتاجت بليونة هذا اللحم. وهي ليست سوى رغبة، كما أن الوردة ليست سوىغرام؛ وبحبٍّ جنوني فطري، بدأت تلتهم الأوراق. ليس الجوع، كما قد يُظن خطأ، مايدفعها إلى تمزيق البتلات وخرقها، لكنها الرغبة المجنونة في الوصول إلى قلب الوردةبأسرع وقتٍ ممكن. إنها تعصر بين براثنها، وتمزِّق، وتقطِّع، وتخزق، وتجزِّئ. وفيالخارج، لا يشك أحد بأمر هذا الولوج المجنون؛ وتحتفظ الوردة المنتصبة والبِكْر تحتضوء الشمس، بدون خجلٍ، بسرِّها. لقد كسرت السيتونية، في أثناء ذلك الوقت، بهيجانٍمتزايد، غلاف الوردة الأول، والثاني والثالث. وبمقدار ما كانت تلج، كانت الأوراقتصبح أكثر نعومة، وأزكى رائحة، وأكثر بياضاً. وشعرت السيتونية بأنه سيغشى عليها منالمباهج، وأن قواها ستخور تقريباً، وتضرب ضربةً أخيرة ببراثنها، وتفتح في متراسالبتلات القاتم، فتحة نهائية، وتُدْخِل رأسها أخيراً في الفرو الأبيض والمُسْكِرلغبار الطلع. وستبقى هنا، دائخة، ضائعة، منهكة وكأنها ميتة، في هذه الظلمات النديةوالمعطّرة؛ لن تتحرَّك، وستبقى جامدة، ساعات، وأياماً كاملة. أما، في الخارج، فلميُفْشِ أدنى ارتعاش للأوراق، تحت براءة أشعة شهر أيار، سرَّ الوردة المثير.‏
          هذاهو قدَر السيتونية. لقد كانت هذه الشابَّة التي أعطتها أمها نصائحها التي تظنُّهاغير ضرورية، تشعر في الواقع بأنها مختلفة، اختلافاً لا يُحدّ نهائياً، عن رفيقاتهامن جنسها. شيء لا يصدَّق، لكنه صحيح: كانت الورود لا تعني لها شيئاً. وكانتسيتونيتنا تشعر، شعوراً عارماً، بأنها مدفوعة لتغيير هذه المشاعر الوراثيةوالحارَّة، التي تشعر بها السيتونيات نحو أجمل الورود المعطَّرة، منذ الأزمنةالسحيقة، إلى اختيارات باردة وخشنة. كانت السيتونية قد اكتشفت باكراً جداً ميولها،ورأت، في مبادرةٍ أولية، أن تكاشف أمها بالأمر. لكنها فيما بعد، ومثلما يحدث دائماًفي هذه الحالة، شعرت بالذعر من صعوبة اعترافٍ كهذا، وفي الوقت ذاته ومع شكِّهابالعلاج الأمومي، عدلت عن ذلك. وحاولت جاهدة ولثقتها بقدراتها الشخصية، إصلاح نفسهابنفسها. وهكذا حاولت متنقِّلة من وردةٍ إلى وردة، تحت عيني أمها العطوف، الحصول معالرضى على هذه الرغبات التي كانت فطرتها ترفض إعطاءها لها. جهد ضائع. فما أن كانتتدخل بين الأوراق حتى تتوقَّف سريعاً، وكأنها مشلولة، وليس فقط غير مبالية، بلصراحةً، عرضة لنفورٍ لا يقاوم. وكان هذا اللَّحم الناعم يبدو لها مغموساً بشهوةٍلزجة وعسليَّة، والروائح كعفونات مختلطة، والبياض كظلٍّ نجسٍ وفاحش. وكانت تحلم،وهي لا تزال جامدة ومشمئزَّة، بالملفوف الأخضر الطازج والشهي. فالملفوف لا يتزيَّنبألوان البطاقات البريدية المزيَّفة، ولا يتعطَّر بعطر البتشولي(3) المقزِّزوالمريب، ولا يعرض بمحاباة هذه العذوبة المغثية. وقلب الملفوف مثير للشهية، يلتويوهو يتعرَّج بين التِلَع(4)، ورائحته رائحة العشب والندى الصحيِّ، ولونه أخضر زاهٍ. كانت السيتونية تلعن في قلبها، الطبيعة التي جعلتها مختلفة عن ممثِّلات جنسهاالأخريات؛ أو بالأحرى ما جعل جميع السيتونيات الأخريات مختلفات عنها. أخيراً،وعندما وجدت أن إرادتها لا تساعدها على النجاح في شيء، وأنها حاولت جاهدة إرغامنفسها كثيراً ولم تستطع حب الورود، قررت ألا تقاوم ميولها أبداً، بل أن تستسلم لهاصراحةً. كانت تفكر أحياناً، محاولة تبرئة نفسها بطريقة مغالطة، وإنامة ضميرها تقول: "وفضلاً عن ذلك، ما هو الملفوف؟ إنه وردة خضراء... إذاً، لماذا لا أحبُّالملفوف...؟"‏
          بعدكل ما قيل، من السَّهل تصوُّر ملاحظات السيتونية الشابة، حول ورقة شجرة الزعرور،حيث تركتها الأم لتطير نحو وردة شهواتها. ولكي نسلّط الضوء على مأساة هذه النّفْس،سنروي بعضاً منها: "شيء حزين أن نُخْلق مختلفين عن الجمهور. لا نعرف لماذا، ولانعرف كيف يصبح الفرق، فجأة، دونيةً، خطيئةً، وجريمة. ومع ذلك، لا يوجد بين الجمهوروبيني سوى علاقة عدد. مصادفة كون السيتونيات، في غالبيتهن العظمى يحببن الورود؛ منالجيد إذاً، أن نحب الورود. نهج جميل في التفكير. أنا، مثلاً، أحب الملفوف ولا شيءآخر سوى الملفوف. إنني مكونَّة على هذا النحو، ولا أستطيع أن أتغيّر."‏
          ومنغير المجدي، من جهةٍ أخرى، نقل أفكار السيتونية التعيسة كاملةً. يكفي القول، كينبتّ في أمر تفكيرها الطويل إنها طارت نحو شجرة الزعرور، وبعد عدة جولات استكشافية،ذهبت لتحط على ورقة أكبر ملفوفة موجودة، لونها أخضر-مزرق، منتفخة، ومليئة بالضلوعوالتجاعيد. وكي لا تلفت الأنظار إليها، تظاهرت بأنها حطّت على الخضرة لترتاح. وبالتالي، اتخذت وضعاً متراخياً؛ فجلست على جنبها وأسندت رأسها على قائمتها. وكاننعم الرأي، لأن سيتونيتين طائشتين مفعمتين بالحيوية، ظهرتا بعد برهة، وأخذتاترفرفان حولها. ثم صاحتا ثملتين: "ألن تأتي؟ إننا ذاهبتان إلى الورود." ولحسن الحظأنهما لم تهتَّما في عجلتهما بمراقبة رد السيتونية على دعوتهما. ................وبعد أن ألقت السيتونية نظرة خاطفة حولها، ولحظت عدم ظهور أيسيتونية في الأفق، تظاهرت بأنها تعثَّرت بضلعٍ من أضلع ورقة الملفوف، وتركت نفسهاتتدحرج باتجاه قلب الخضرة. وخلال ثانية واحدة، وبعد أن أحدثت فتحةً بضرباتٍتشنُّجية في الورقة السمينة والغشائية، اختفت داخل قلبها المجعَّد.‏
          وماذانقول أكثر من ذلك؟ هل علينا أن نتوقَّف عند وصف الهيجان الذي فتحت به السيتونيةطريقاً لها داخل الملفوفة، وقد أصبحت حرة أخيراً في إطلاق غرائزها المكبوتة، وقدانتشت بالنتانة النباتية التي كانت تفوح من قلب النبتة الشحيم، وكيف وصلت إلى قلبالأوراق البارد واللَّزج؟ وكيف بقيت طوال النهار في الداخل، خائرة القوى، وأمضت فيهنهار سكرٍ وعربدةٍ حقيقيين؟ ....... وعند المساء، انسحبت السيتونية، على مضض،بالممر الذي حفرته في قلب الملفوفة، كما هو مقرَّر، وطارت نحو شجرة الزعرور، إلىالمكان الذي حدَّدته أمها لموعدهما. فوجدتها منحنية، تنظر حولها، قلقة لأنها لمترها تظهر. سألت الأم الشجاعة ابنتها سريعاً كيف سارت الأمور خلال النهار؛ فردتالسيتونية صراحة، بأن كل شيء تمَّ على أحسن ما يرام: فالورود متوفِّرة بكثرة. وتفحَّصت الأم وجه ابنتها؛ لكنها اطمأنّت تماماً لملاحظتها بأنه صافٍ وبريء مثلماهو دائماً. قالت لها عندئذٍ: "تصوَّري بأن فضيحة قد تفجّرت... لقد شوهدت سيتونيةتدخل تحت أوراق، أكاد لا أجرؤ على أن أكرِّر الكلمة، ملفوفة." وزايدت الابنة قائلة: "يا للهول"؛ لكن سرعة دقات قلبها بدأت تشتد، وأضافت: "ومن كانت؟" أجابت الأم: "لميستطيعوا تبيُّنها. شاهدوها تدخل تحت الأوراق، وهي تخبِّئ رأسها فيها... لكن، تبعاًلأغمدتها يُظَنُّ أنها فتيّة. شقيّة هي الأم التي جعلها حظها العاثر تلد بنتاًكتلك. وأعترف لكِ بأنني لو كنت أعلم أن لابنتي ميولاً مماثلة، لمتُّ من الألم." وردّت البنت قائلة: "إنكِ على حق. إنها أشياء يرفض العقل حتى تصوّرها." فقالت الأم: "هيا بنا." وطارت السيتونيتان في فتور الغسق، نحو حدائق أخرى، وهما تثرثران.‏
          " عنالفرنسية"‏
          (1)- سيتونيه (حشرة تشبه الزيز، من مغمدات الأجنحة).‏
          (2)- هَنَة (ما يرميه الصيادون من صغار السمك).‏
          (3)- بتشولي (عشب عَطِر).‏
          (4)- تلعة ج تِلَع (ما علا من الأرض).‏
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            الرضيع ـــ ألبرتو مورافيا ـ
            ت.حصة منيف
            " عنالإنكليزية "‏
            حينأتت السيدة المحسنة التي تنتمي لجمعية رعاية الأطفال لزيارتنا سألتنا، كما يفعلالجميع، لماذا ننجب كل هذا العدد من الأطفال، فانبرت زوجتي التي كانت تشعر بانقباضفي ذلك اليوم لتعلن صراحة ودونما مواربة: "لو كانت لدينا الإمكانيات لذهبنا إلىالسينما في المساء. وبما أننا لا نملك النقود فإننا نأوي إلى الفراش، وهكذا يولدالأطفال". بدا الانزعاج على السيدة عندما سمعت هذه الملاحظة ومضت دون أن تضيف كلمةواحدة. أما أنا فقد عنّفت زوجتي قائلاً بأنه لا يصح الإعلان عن الحقيقة دائماً،وعلى المرء كذلك أن يعرف مع من يتعامل قبل أن يعلن الحقيقة.‏
            في سنالشباب قبل أن أتزوج كنت أتسلى في كثير من الأحيان بقراءة الأخبار المحلية فيالجريدة حيث يصفون كل المصائب التي يمكن أن تحدث للناس مثل حوادث السرقة، والقتل،والانتحار، وحوادث الطرق. من بين كل تلك المصائب واحدة لم أكن أتصور على الإطلاق أنأواجهها وهي أن أصبح "حالة تثير الشفقة"، أي حين يثير شخص ما مشاعر العطف بسبب حظهالعاثر دون أن يعزى ذلك لمصيبة محددة أصابته، أي أن حالته تعود لمجرد كونه على قيدالحياة، ليس إلا. كنت شاباً حينذاك كما ذكرت، ولم أكن أعرف معنى إعالة أسرة كبيرة. غير أنني أرى الآن أنني تحولت تدريجياً إلى ما يعني بالضبط تعبير "حالة تثيرالشفقة" وهذا ما يثير دهشتي. كنت أقرأ مثلاً: "إنهم يعيشون في حالة فقر مدقع". حسناً، ها نحن نعيش في حالة فقر مدقع. أو يقولون: "وهم يعيشون في بيت ليس له منمقومات البيت غير الاسم". وها أنا الآن أعيش في "تورمارانشيو"، مع زوجتي وأطفاليالستة في غرفة خالية إلا من مراتب كثيرة مفروشة على الأرض. وحين تمطر السماء يتدفقالماء فوق رؤوسنا كما يتدفق على المقاعد الموجودة في شارع "ربيتا". أو قد أقرأ: "وما أن اكتشفت المرأة المسكينة أنها حامل حتى قررت أن تتخلص من ثمرة عاطفتها تلك". حسناً، لقد اتخذت وزوجتي هذا القرار بناءً على اتفاق مشترك حين اكتشفنا أنها حاملللمرة السابعة. قررنا في الواقع أن نترك الطفل في إحدى الكنائس بعد أن يعتدل الطقسويصبح أكثر دفئاً، أي أن نتركه لرعاية وإحسان أول من يصادفه العثور عليه.‏
            بالمساعي الحميدة لمثل أولئك السيدات المحسنات دخلت زوجتي المستشفىلتضع مولودها. وما أن تحسنت حالتها حتى عادت مع المولود إلى "تورمارانشيو". قالتحين دخلت الغرفة: "أتدري؟ على الرغم من أن المستشفى يظل مستشفى إلا أنني كنت أود أنأبقى هناك بمحض إرادتي بدلاً من العودة إلى هنا". وما أن تفوهت بهذه الكلمات حتىأطلق الوليد صرخة لا تصدق، وكأنما فهم معنى كلماتها. كان طفلاً لذيذاً يانعاً لهصوت قوي بحيث أخذ يمنع النوم عنّا جميعاً حين يستيقظ ليلاً ويبدأ في البكاء.‏
            عندماحلّ شهر أيار وغدا الهواء دافئاً بحيث يسمح بالخروج دون ارتداء معطف انطلقنا أناوزوجتي من "تورمارانشيو" إلى روما. كانت زوجتي تحتضن الطفل وتضمه إلى صدرها وقدلفته بكمية كبيرة من الخرق وكأنما ستتركه في حقل من الجليد دون أن يصيبه أذى. ما أنبلغنا المدينة، وكأنها تريد أن تخفي حقيقة أنها تمقت ما هي مقدمة عليه، فقد أخذتتتحدث دونما انقطاع وهي مبهورة الأنفاس وعلائم الإجهاد تبدو عليها وقد تناثر شعرهافي كل اتجاه وبرزت عيناها من مآقيهما. تتحدث حيناً عن الكنائس المختلفة التي يمكنلنا أن نترك الطفل فيها، مؤكدة بأن من الواجب أن تكون كنيسة يرتادها الأغنياء. فمنالأفضل أن يتربى الطفل بيننا إن كان من سيلتقطونه فقراء مثلنا. وما تلبث بعد قليلأن تتحول لتقول بأنها تصرّ على أن تكون الكنيسة منذورة للسيدة العذراء لأنه كان لهاابن أيضاً وبذا يمكنها أن تتفهم أموراً معينة، وبذا ستمنحه ما يستحق من عطف. هذهالطريقة في الكلام أرهقتني وهيجت أعصابي- خصوصاً وأنني كنت أشعر بالإذلال أيضاًوأمقت ما أنا مقدم عليه. غير أنني كنت أحاول إقناع نفسي بأن علي أن أتمالك مشاعريوأبدو هادئاً لكي أساعدها على التماسك. تفوهت ببعض الاعتراضات مستهدفاً قطع هديركلامها ثم قلت لها: "عندي فكرة... لم لا نتركه في كنيسة القديس بطرس؟" ترددت للحظةثم أجابت: "لا، فهي كبيرة جداً وقد لا يرونه هناك... أفضّل تلك الكنيسة الصغيرة فيشارع "كوندوقي" حيث توجد كل تلك المحلات الجميلة التي يرتادها الكثيرون منالأغنياء- إنها المكان المناسب!"‏
            ركبناالحافلة حيث جلست صامتة بين الآخرين، وكانت تعيد ترتيب الحرام الصوفي وتحكمه حولالطفل بين حين وآخر، أو تكشف عن وجهه بحرص وتتأمل وجهه. كان الطفل نائماً ووجههمحمرّ ومتورد في وسط كل تلك اللفائف. ثيابه رثة شأن ثيابنا، والشيء الجميل الوحيدالذي يرتديه هما القفازان المصنوعان من الصوف الأزرق، وكان في الحقيقة يفرد يديهعلى اتساعهما وكأنما يتباهى بقفازيه. نزلنا في "لارجو جولدوني" وعادت زوجتي تثرثرمن جديد، ثم توقفت أمام واجهة أحد بائعي المجوهرات وقالت لي وهي تشير إلى المجوهراتالمعروضة على رفوف مغطاة بالمخمل الأحمر: "هل ترى ما أجملها! الناس يأتون إلى هذاالشارع ليشتروا المجوهرات والأشياء الجميلة الأخرى. أما الفقراء فليس لهم شأن بهذاالمكان. وفيما هم ينتقلون من محل إلى آخر يدخلون الكنيسة ليصلّوا للحظة من الزمن،وبعد ذلك، وبينما هم في مزاج رائق يجدون الطفل ويأخذونه..." قالت كل ذلك وهي تقفوتحدق بالمجوهرات وتشد الطفل إلى صدرها وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، وهي تتكلموكأنما تحادث نفسها. أما أنا فلم أكن أجرؤ على مجادلتها. توجهنا إلى الكنيسة، كانتصغيرة وقد دهنت بكاملها بحيث بدت وكأنها من المرمر الأصفر؟ وبها عدد من المحاريبومنبر كبير. قالت زوجتي بأنها تتذكرها على نحو آخر، وأما وهي كما تراها الآن فإنهالا تحبها على الإطلاق. ومع ذلك فقد غمرت أصابعها في الماء المقدس، وصلّت ثم تابعتسيرها بخطى بطيئة حول المكان وهي تتفحصه بعينين مرتابتين وبعدم ارتياع وتضم الطفلإلى صدرها.‏
            كانهنالك نور بارد ساطع ينبعث من قنديل يتدلى من قبة الكنيسة، وأخذت زوجتي تطوف منمحراب إلى آخر وهي تتفحص كل شيء: المقاعد، والمحاريب والصور لتحكم فيما إن كانتمكاناً مناسباً تودع فيه الطفل.. أما أنا فقد كنت أتبعها وأسير على مسافة منهاوأراقب الباب بحذر طوال الوقت.‏
            دخلتفجأة فتاة شابة ممشوقة القوام ترتدي ثوباً أحمر، يزين رأسها شعر أشقر ينسدل كالذهب،ركعت الفتاة والتصقت حينذاك تنورتها بجسمها، وصلّت لفترة دقيقة واحدة فحسب ثم خرجتثانية دون أن تنظر إلينا. أما زوجتي التي كانت تراقبها فقد قالت فجأة: "ليس هذابالمكان المناسب، فالناس الذين يرتادونه هم، شأن هذه الفتاة، على عجلة من أمرهم كييمضوا ليتسلوا ويتفرجوا على المحلات.. لنذهب! ثم خرجت على الفور.‏
            عدناأدراجنا إلى الشارع وسرنا مسافة ما عائدين بخطى مسرعة على طول شارع "كورسو"، زوجتيتتقدمني وأنا أسير وراءها. ما لبثنا أن دخلنا كنيسة أخرى قرب "بيازيا فينيسيا". كانت هذه أكثر اتساعاً وبدت شبه مظلمة، تمتلئ بالصور واللوحات المذهبة والخزائنالزجاجية المزدحمة بقلوب فضية تتلامع في وسط النور المائل للعتمة. كان هنالك عددكبير نسبياً من الناس داخل الكنيسة، وبنظرة عابرة تبين لي أنهم ممن يعيشون عيشةرخية، فالنساء جميعاً يرتدين القبعات في حين يرتدي الرجال ملابس مرتبة. كان هنالكواعظ يلوح بذراعيه يمنة ويسرة وهو يلقي موعظة من فوق المنبر والجميع يوجهون أنظارهمإليه. بدا لي الوضع حسناً إذ أن أحداً لن يلحظنا ضمن ذلك الجو. همست لزوجتي: "هلنحاول أن نتركه هنا؟" طأطأت رأسها موافقة فاتجهنا إلى إحدى الزوايا الجانبية التييعمّها الظلام بحيث يصعب عليك أن ترى ما حولك. لم يكن هناك أحد، ولذا غطّت زوجتيوجه الطفل بزاوية الحرام الذي تلفه به ثم وضعته على أحد المقاعد، كما لو كانت تتخلصمن لفة تعوق حرية حركة يديها، ثم ركعت وصلت لفترة طويلة وهي تضع كفيها على وجهها. أما أنا، ولأنني لم أجد ما أفعله فقد أخذت أتفحص مئات القلوب الفضية مختلفة الأحجاموالتي تغطي جدران المصلى. وقفت في النهاية وقد علت وجهها إمارات الإصرار وسارتمبتعدة ببطء، وسرت وراءها على مسافة قليلة منها. وفي تلك اللحظة صرخ الواعظ قائلاً: "وقال المسيح: إلى أين تمضي يا بطرس؟" أجفلت عند ذلك وكأنما كان يوجه السؤال إليّ،وبينما كانت زوجتي تهم برفع ستارة الباب كي تخرج أفزعنا صوت انطلق من ورائنا يقول: "سيدتي! لقد تركت لفة على المقعد هناك."‏
            كانتتلك امرأة ترتدي السواد، من ذلك النمط من النساء المتدينات اللاتي يقضين نهارهنمتنقلات بين الكنيسة وغرفة المقدسات. أجابتها زوجتي: "أجل، يا إلهي، شكراً لك فقدنسيتها". ولذا حملت اللفة ثانية وخرجنا ونحن نشعر بأننا أقرب إلى الموت منا إلىالحياة.‏
            قالتزوجتي بعد أن خرجنا: "يبدو أن أحداً لا يريد صغيري هذا." قالت تلك الجملة وكأنهاشخص حمل بضاعة إلى السوق متوقعاً أن يبيعها بسرعة ولكنه يفاجأ عندما لا يجد من يرغببها، أخذت تسرع الخطى من جديد وتنهب الأرض بقدميها وهي تلهث بحيث بدت أقدامهاوكأنها لا تكاد تمس الأرض. وصلنا إلى كنيسة "بيازا سانتي أبوستولي"، وكانت هذهمفتوحة. وما أن دخلت زوجتي ورأتها واسعة فسيحة ظليلة حتى همسة قائلة: "هذا مانريده". مشت تغمرها علائم التصميم واتجهت إلى إحدى الزوايا الجانبية، ووضعت الطفلعلى مقعد وأسرعت عائدة باتجاه المدخل دون أن تتمتم حتى بصلاة قصيرة أو تقبل جبينالطفل، وكأنما الأرض تلتهب تحت أقدامها. ولكنها، وما أن قطعت عدة خطوات حتى اهتزتالكنيسة بصوت بكاء يائس، فقد حان وقت رضاعة الطفل فيما يبدو، وحيث أنه دقيق غايةالدقة في مواعيده فقد أخذ يبكي من شدة الجوع. بدا على زوجتي وكأنها فقدت رشدهاحينذاك إذ هرولت أولاً باتجاه الباب، ثم التفتت وهي ما تزال تهرول وجلست على أحدالمقاعد دون تفكير وفتحت أزرار قميصها لتعطيه ثديها، وما أن أخرجته حتى التهمهالطفل وكأنه ذئب مفترس وأخذ يرضع بشراهة ويقبض على الثدي بكلتي يديه وقد توقف عنالبكاء. ولكننا ما لبثنا أن سمعنا صوتاً يصيح بها: "لا يمكنك أن تفعلي ذلك في هذاالمكان. اذهبي من هنا، اخرجي إلى الشارع!" كان هذا صوت قيّم غرفة المقدسات، وهو رجلعجوز ضئيل الجسم ذو لحية بيضاء، ضئيلة تمتد تحت ذقنه وصوت أكبر من جسمه. نهضت زوجتيوهي تغطي صدرها ورأس الطفل ما استطاعت ثم قالت: "ولكن العذراء تحمل طفلها بين يديهاكما نراها في الصور كما تعلم." أجاب بحدة: "هل تشبّهين نفسك بالعذراء أيتها المرأةالدعية؟"‏
            حسناً، غادرنا تلك الكنيسة أيضاً ومضينا لنجلس في حديقة "بيازيافينيسيا" حيث أعطت زوجتي ثديها للطفل ثانية إلى أن ارتوى وعاد إلى النوم من جديد.‏
            كانالمساء قد حل والكنائس تغلق أبوابها وقد حل بنا التعب والارتباك، ولم تعد في جعبتناأية أفكار قابلة للتنفيذ. شعرت باليأس وأنا أفكر بكل ما حل بنا ونحن نقدم على أمرلا يجدر بنا أن نفعله، ولذا قلت لزوجتي: "اسمعي، لقد تأخرنا ولست أستطيع الاستمرارعلى هذا الحال.. علينا أن نقرر." أجابت ببعض المرارة: "ولكنه لحمك ودمك! هل تريد أنتتركه كيفما اتفق، في أي زاوية كما قد يترك الناس لفة من الأحشاء لكي تأكلهاالقطط؟" قلت: "لا، لم أقل ذلك، غير أن هنالك أموراً على المرء أن يفعلها على الفورودون تفكير، وإلا فإنه لن يقدم عليها على الإطلاق." أجابت: "حقيقة الأمر هي أنكتخشى أن أغير رأيي وأعيده إلى البيت ثانية. أجل، أنتم الرجال جميعكم جبناء! أدركتبأن علي ألا أجادلها في تلك اللحظة، ولذا قلت لها بلهجة تتسم بالاعتدال: "لا تغضبي! إنني أدرك مشاعرك، ولكن تذكري بأنه مهما حل به فسيكون أفضل له من أن يشب في "تورمارانشيو" في غرفة دون مرحاض أو مطبخ، غرفة تمتلئ بالحشرات شتاء وبالذبابصيفاً. صمتت ولم تجب.‏
            بدأنانسير ثانية دون أن ندري إلى أي اتجاه نحن ماضيان. شاهدت شارعاً ضيقاً صغيراً دوننا،كان مهجوراً تماماً وينحدر من الشارع الذي كنا نسير فيه، ورأيت سيارة رمادية مغلقةتقف عند أحد المداخل. طرأت لي فكرة فتوجهت إلى السيارة وعالجت بابها فانفتح. قلتلزوجتي: "أسرعي! هذه هي فرصتنا... ضعيه في المقعد الخلفي." فعلت ما قلت ووضعت الطفلفي المقعد الخلفي وأغلقت الباب. فعلنا ذلك في لمح البصر ودون أن يرانا أحد، ثمتأبطت ذراعها وأسرعنا في طريقنا إلى "بيازا ديل كورينالي".‏
            كانتالساحة خالية وشبه مظلمة إذ لم تكن فيها إلا بضعة مصابيح مضيئة في أسفل البنايات،أما المصابيح الأخرى فكانت مطفأة. روما كانت تلتمع تحتنا أسفل السياج. توجهت زوجتيإلى النافورة تحت المسلة وجلست على أحد المقاعد وبدأت تبكي على الفور وهي تديرظهرها لي. قلت لها: "ماذا بك الآن؟" أجابت: "أحسّ بأنني أفتقده بعد أن تركته! أشعرأن هناك شيئاً مفقوداً هنا حيث كان يمسك بصدري." قلت في محاولة لتهدئتها: "أجل، لاشك بذلك، ولكنك ستتعودين على هذا الأمر." هزت كتفيها وتابعت البكاء، وفجأة جفتدموعها كما يجف ماء المطر عن أرض الشارع مع هبوب الريح. قفزت ثانية من مكانها وقدتملكها الغضب وأشارت إلى إحدى البنايات المطلة على الساحة وهي تقول: "سأذهب إلىهناك فوراً وسأطلب رؤية الملك لأخبره بكل شيء." صرخت فيها وأنا أقبض على ذراعها: "قفي، هل جننت؟ ألست تعرفين أنه لم يعد هنالك ملك بعد؟" قالت: "وماذا يهمني في ذلك؟سأكلم من أخذ مكانه!" واندفعت راكضة نحو بوابة القصر، ولا يعلم إلا الله وحده ماذاكانت ستفعل لو أنني لم أقل لها في لحظة يأس: "حسناً! اسمعي، لقد فكرت في الأمرثانية. لنذهب إلى تلك السيارة ونستعيد الطفل، أعني سنربيه بأنفسنا. ما الفارق؟ طفلآخر ليس إلا!" كانت تلك هي النقطة الحاسمة في القضية كلها حيث تغلبت تلك الفكرة علىفكرة مخاطبة الملك. وقالت وهي تهرول باتجاه الشارع الصغير الذي كانت تقف فيهالسيارة الرمادية: "هل تظن أنه ما زال هناك؟" أجبتها: "بالتأكيد! لم يكن ذلك إلامنذ خمس دقائق فقط."‏
            كانتالسيارة ما تزال هناك بالفعل، غير أنه في اللحظة التي كانت تهم فيها زوجتي بفتحالباب برز من المدخل رجل قصير القامة في أواسط عمره تبدو عليه سيماء الأهمية فصاحبها: "توقفي.. توقفي.. ماذا تفعلين بسيارتي؟" أجابته زوجتي دون أن تلتفت وهي تنحنيلتلتقط اللفة من فوق المقعد: "أريد ما هو لي!" ولكن الرجل قال بإصرار: "ولكن ماذالديك هناك؟ إنها سيارتي، هل تفهمين؟ سيارتي!"‏
            ليتكرأيت زوجتي حينذاك، فقد شدت قامتها واتجهت نحوه وهي تصيح: "ومن أخذ منك أي شيء؟ لاتخف! ليس هناك من سيأخذ منك أي شيء، أما سيارتك فإنني أبصق عليها.. انظر!"‏
            وبصقتبالفعل على باب السيارة. قال الرجل بحيرة: "ولكن تلك اللفة؟" أجابته بانفعال: ليستلفة، بل هي طفلي. يمكنك أن تراه إن أردت!"‏
            كشفتعن وجه الطفل كي يراه ثم تابعت تقول: "لن تنجب أنت وزوجتك طفلاً في مثل جماله حتىولو ولدتما من جديد! لا تقترب مني وإلا فإنني سأصرخ وأطلب الشرطة لأقول لهم بأنككنت تحاول أن تسرق طفلي!" ثم أخذت تشتمه وتهدده حتى أن الرجل المسكين كاد يسقطمغشياً عليه وهو يقف فاغر الفم أحمر الوجه. وفي النهاية سارت بخطى متهادية حتى وصلتإلى جانبي عند زاوية الشارع.‏
            *البرتو مورافيا - 1907-1990‏
            يمكناعتبار ألبرتو مورافيا واحداً من أكثر كتاب القرن العشرين شهرة، ليس على مستوى بلدهإيطاليا فحسب بل على مستوى العالم أيضاً. فلقد أنتج خلال حياته ما يزيد على ثلاثينكتاباً بين رواية ومجموعات للقصص القصيرة والمسرحية والمقالة وأدب الأطفال، إضافةإلى الشعر.‏
            أقعدالمرض مورافيا منذ سن مبكرة مما حال دون تلقيه تعليماً رسمياً. غير أن ذلك لم يقطعهعن عالم الأدب والإبداع. في سن الثامنة عشرة صدرت له رواية كانت أولى أعمالهالأدبية ولاقت على الفور نجاحاً كبيراً بحيث أصبح يعتبر أحد الشخصيات الأدبيةالقيادية في إيطاليا. وما أن أصبحت صحته تمكنه من التجوال حتى عمل مراسلاً صحفياًلصحيفتين إيطاليتين مرموقتين في الولايات المتحدة أولاً ثم في الصين.‏
            عندماعاد إلى إيطاليا عام 1936، وجد أن حكومة موسوليني الفاشستية قد منعت تداول أعمالهووضعتها على القائمة السوداء وما لبث جهاز الاستخبارات الفاشستي (الجستابو) أن بدأبملاحقته بسبب كتاباته المناوئة للنظام الفاشستي بحيث كادت هذه السلطات تتهمهبمعاداة الدولة. ولهذا اضطر إلى التنقل من مكان إلى مكان في داخل إيطاليا. ولقد لجأإلى جنوب إيطاليا حيث عاش لفترة من الزمن مع الفلاحين الفقراء والرعاة مما عمق منتعاطفه مع تلك الفئات ومن تركيزه في كتاباته على حياة البؤس التي تعيش في ظلها تلكالطبقات المعدمة. وعلى الرغم من منعه من الكتابة خلال تلك الفترة ظل يواصل الكتابةتحت اسم مستعار.‏
            اتسمتنظرة مورافيا الأدبية بسمات تراجيدية لأنه كان يشعر بأن الإنسان قد تحول إلى آلة. وهو يعلن بأن النظر إلى الإنسان على أنه وسيلة وليس غاية هو أساس الشر في العالم.‏
            قصصمورافيا القصيرة بشكل خاص أكسبته شهرة عالمية حيث تكشف عن انسلاخ الطبقةالبورجوازية في إيطاليا وتخليها عن هويتها الوطنية حيث أنها لم تعد تهتم إلابمصالحها ومتعها الخاصة.‏
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              شجرةالمنزل "ألبرتو مورافيا*"
              ـــ ت.وفاء شوكت
              كانتالخلافات بين أوديناتو وزوجته كارينا، تتواصل حول ملاءمة العيش وسط الطبيعة، أو وسطالأبنية التي يشيِّدها الإنسان. كان أوديناتو، وهو رجل نظام ودراسة، يميل إلى حياةمتحضِّرة، بيتية، مدنيَّة، بعيدة عن عنف الطبيعة وألغازها. أما كارينا، فكانت تحبممارسة التمرينات الرياضية في الهواء الطلق، والسباحة، والشمس، والغابات، وتحبالسير عاريةً على الشاطئ، ومثل ذلك من الأمور. وإذا ما كنا نريد سحب النزاع الذييبقيانه دائماً في حدود العواطف الزوجية، أمكننا القول، إن الزوج يمثِّل حضارةًعقلانية، وإنسانية، مدنية، الخ؛ وإن الزوجة تمثَّل العكس تماماً. وتحدث أحياناً فيهذه العائلات البرجوازية مجابهات صغيرة جداً مماثلة تخفي وراءها مجابهاتٍ أكبربكثير.‏
              وبالمقابل، كما سبقت أن قلنا، كان النزاع ينحصر دائماً في حدودالحميمية الزوجية. صحيح أنهما لم يكونا متفقين حول هذا التفصيل، لكن الوفاق كانتاماً تقريباً بينهما،‏
              حولباقي الأمور. وكان كل شيء يسير دائماً على ما يرام، لو لم تبرز فجأةً مشكلة الشجرةالمزعجة.‏
              كانالزوجان ميسورَيْن بل ثريَّان، يسكنان في مبنى قديم وسط المدينة. وكان في الشقة، منبين غرفٍ أخرى، قاعة استقبال فسيحة. والحال أن كارينا وجدت أن زوجها، وقد عادت إلىالمنزل بعد ظهر يومٍ من الأيام، يستعدّ، وهو مسلَّح بسطام (1)، لقطع جُنْبَة (2)،أو بالأحرى، شجيرة لا تزال ليِّنة، نمت، فجأةً، في زاوية قاعة الاستقبال، بينالمدفأة ذات الطراز الإمبراطوري، وصِوان المائدة، طراز لويس الخامس عشر، المملوءبالتماثيل الصغيرة الثقيلة الزخرف، وأواني "سيفر" (3) الخزفية؛ كان طول النبتة أوالشجيرة الآن متراً. وهي نبتة لم ترها زوجة أدويناتو أبداً من قبل هي طويلةومستقيمة، أوراقها كبيرة وخضراء، لامعة وذات وبرٍ قليل من جهة، ومائلة إلى البياضمن الجهة الأخرى. باختصار، أوراق شبيهة جداً بأوراق الدلب. لكن بدلاً من رأس ورقةالدلب الذي يجعلها تشبه غالباً يداً أصابعها متباعدة، كانت هذه الأوراق على شكلقلب، لـه رأسان، أو بالأحرى قلبان ذائبان في واحد، يشبهان بالضبط القلبين الذينيحفرهما العشاق في قشر الشجر ويجمعانهما بسهمٍ واحد يخترقهما. كانت هذه الشجيرةتنبثق من الأرض المبرقشة. وبالإمكان رؤية الجذور الليِّنة وقد غمست لحاها بينلوحتين صغيرتين منها، بوضوح.‏
              أطلقتالمرأة صرخةً وهي ترى أوديناتو يُشْهِر السطام، بطريقةٍ عدوانية، ضد النبتة الصغيرةالناعمة؛ فتدخَّلت في الوقت المناسب، لتحوِّل اتجاه الضربة، التي وقعت أخيراً علىصِوان المائدة طراز لويس الخامس عشر، محطَّمة واجهته الزجاجية. وتبع ذلك مشادةًحاميةً بينهما: ومثلما يحدث دائماً في مثل تلك الحالات، أعطت الشجرة، التي كانت غيرذات معنى بذاتها، الفرصة لإطلاق العديد من الأحقاد المكبوتة؛ كان أوديناتو يصرّ علىأنه يجب اقتلاع النبتة، التي، برأيه، لا تنسجم مع طراز الديكور في القاعة. وكاريناتلومه على كراهيته المعتادة للطبيعة، وتصرخ قائلة: "هذه هي حقيقتك، حين ترى شجرةًفإن أول فكرة تخطر ببالك هي قطعها.. لكن، ألا تعرف أن الأشجار مقدَّسة؟" ويجيبأوديناتو على ذلك بأنه لا يملك شيئاً ضد الأشجار؛ إلا أن وجود شجرةٍ في المنزليشكِّل عائقاً كبيراً. هذا دون الأخذ بالحسبان وجود فرق بين شجرةٍ وأخرى: فليتهاكانت شجرة سنديان، وهي شجرة نبيلة، كانت أوراقها تتوِّج رؤوس المحاربين القدامى، أوشجرة الغار المقدَّسة (وهي شجرة ربَّات الفن)، أو شجرة الزيتون الورعة والمسالمة،أو شجرة سرو جنائزية لكن حالمة، أو حتى، ولمَ لا، شجرة صنوبر، نستطيع تزيينها فينهاية العام بالشموع وأكاليل الزهر. أما هذه الشجرة، فالله وحده يعلم من أين خرجت،وأي شجرةٍ قذرةٍ هي. وترد زوجته قائلة:‏
              "لكن،أخيراً، لمَ تزعجك؟ إنها لا تعوي مثل الكلب، ولا توسِّخ المكان مثل الطير... إنهاصامتة، محتشمة.. لا، لا، إنه حقاً رأي قَبْلي (4)." وبدأ أوديناتو، بعد أن عادالسطام إلى المدفأة، وهو يعترض على وجود الشجرة في منزلـه، بالتراجع شيئاً فشيئاً،تحت شتائم زوجته، باتجاه مكتبه. كان يستسلم دائماً تقريباً أمام كارينا، التي كانتتزداد تسلُّطاً، بشرط، كما كان من عادته أن يقول، ألا تحشر أنفها في كتبه، وفي ماعدا ذلك، تستطيع فعل ما تريده. وهكذا، فتح أوديناتو باب مكتبه في ذلك اليوم، بعد أنردَّد بصرامةٍ شديدة، أنه لا يحبِّذ إطلاقاً قصة الشجرة هذه، واختفى بداخله.‏
              أمضتكارينا طوال بعد ظهر اليوم ذاته وهي تقرأ مؤلَّفات في علم النبات، وتبحث في مسألةالنوع الذي يمكن أن تنتمي إليه هذه الشجرة الغامضة؛ ليس ثمة شك في كونها شجرة، لأنلون الجذع وقوامه خشبيَّان. ويسمح شكل الورقة، من جهةٍ أخرى، بتصنيفها بالتأكيد بينالأوراق العريضة ذات الورقية النافضة. حتى الآن، كانت كارينا في وضعٍ حسن؛ أماتسمية الشجرة باسمٍ فأمر مستحيل البتَّ فيه. ولابد أن تكون، على الرغم من ذلك،شجرةً سريعة النمو، لأن كارينا لم تذكر رؤيتها ليلة البارحة خلال استقبالٍ صغيرتمَّ في قاعة الاستقبال وقد نمت، في ليلةٍ واحدةٍ فقط، ما يقارب نصف المتر. وحسبتكارينا أنه في معدَّل كهذا سيصل طول الشجرة إلى ثلاثة أو أربعة أمتار، في أسبوع. وكانت تقف، من وقتٍ إلى آخر، وهي تقوم بأبحاثها، لتداعب أوراق الشجرة. وفي ذلكالمساء، رفض أوديناتو المتذمِّر أن يتكلَّم مع زوجته، عمداً. لكن كارينا كانتتفكِّر في شجرتها، وتشعر بأنها سعيدة.‏
              وفيالأيام التالية، تأكْدت تكُّهنات كارينا بدقة. كانت الشجرة تنمو، وتقتضي الحال قولذلك، بسرعةٍ كبيرة. وأصبحت نبتة المنزل بالأمس، شجيرة في صباح اليوم التالي. وأصبحالجذع خشبياً عند الأسفل، قائماً نحو الأعلى، وأخذ لون القشرة البنيِّ يطرد اللونالأخضر النباتي بشكلٍ جليّ. حتى الأغصان اكتسبت شكلاً: الأكبر منها تثخن، والأصغرتحوَّل اللُّب الطري فيه إلى ليفٍ لدن مغطى بالقشر. ووصل غصن من أغصانها إلىالصوان، وكان بالأمس لا يمسَّه. كانت كارينا في أوج سعادتها، وأخطر أوديناتو نفسه،مع أنه ردَّد أن هذا الشيء سوف لن يتأخَّر في خلق المشاكل، التي أهمُّها إدخال نوتةخاطئة في ديكور قاعة الاستقبال، أخطر للاعتراف، وهو يصرف بأسنانه، بأنها كانت شجيرةجميلة.‏
              وفيذلك اليوم، لم تهتم كارينا، وقد أثارتها الحماسة، إلا بالشجرة. فطوت سجادة "البخارى" التي كانت ترسل رأسها في الزاوية، وانتزعت ورقتين عفنتين، بالطبع، ثمذهبت لتحضر مرشَّة، وضعت مستنقعاً حقيقياً على الأرض. صغرت البركة شيئاً فشيئاًواختفت، وهي إشارة صريحة إلى أن الشجرة شرٌ كامل.‏
              بعدهذه البدايات السعيدة، لم تفعل الشجرة سوى النمو. كان الجذع، الذي هو بحجم ساق،ينتصب تقريباً حتى منتصف الجدار، بَميَلان قليل نحو مركز الغرفة. واتخَّذت القشرةهيئتها النهائية، قشرة ناعمة، عسليَّة، فاتحة، بيضاء هنا، صفراء هناك، وأعلى بزرقةالسماء، قريبة جداً من قشرة الأوكاليبتوس. كان للشجرة أربعة أغصان رئيسية. يميلأحدها إلى جهة الصِوان، مُخْفياً بخطٍ غير متوقَّع، الزجاج الذي كسره أوديناتو. والثاني يميل لجهة المدفأة، حيث كانت المرآة المتحرِّكة، التي تزيِّن الساعة ذاتالطراز "الإمبراطوري"، إنها تختفي الآن، في الخضرة؛ والثالث، الأكبر ربما، لأنه كانأكثر حرية في التمدُّد على راحته، تتقدَّم أوراقه تقريباً إلى وسط قاعة الاستقبال،والرابع أخيراً، يقف عمودياً، وينسحق على زاوية السقف. باختصار، كانت الشجرةتتنامى.‏
              ودعتكارينا، وهي في قمة سعادتها صديقاتها الحميمات جداً، لتأتين لتأمُّل الشجرة. وأتتالنساء يملؤهن الفضول، لأنهن سمعن الحديث عن الشجرة بغموض، ويعتقدن حقيقةً أن الأمريتعلَّق بنبتة "فوشية" (5) أو "أزالية" (6)، وباختصار بذاك النوع من النباتاتالعادية التي تضعها السيدات في أصيص، في زوايا قاعة الاستقبال. لكنهن تجمَّدن عندماوجدن أنها شجرة حقيقية، لها جذور، وجذع، وأغصان، وكل شيء، ابتكار فريد في نوعه، حتىفي زمن الحداثات الغريبة هذا. لذا، سكتن بضع ثوانٍ، من الذهول والحسد، وليس فقطكلامياً، بل عقلياً أيضاً. وأخيراً، لم تعد تلك الثرثارات يعرفن ماذا يَقُلْنَ أوبماذا يُفَكِّرن. بعد خروجهن من منزل كارينا، استعدن شجاعتهن وقُلْنَ في أنفسهن إنالشجرة لم تكن هذا الشيء الخارق، بالدرجة التي تصوَّرتها صاحبة المنزل. وقالتإحداهن: "حسناً، كانت شجرة، وإذاً؟ كان من الأطرف لو وجد في قاعة الاستقبال، ماأدراني أنا؟ مِطْيَرَة (7) أو شبل داجن". وأضافت امرأة أخرى: "بماذا تفيد الشجرة؟إنها ثابتة مثل صخرة، صامتة مثل سمك الشبوط (8)، وليس باستطاعتنا القول إن بإمكانكارينا استخدامها للوقاية من الشمس. فجدران المنزل تقوم بتلك المهمة. وختمتالشريرات قائلات: "كلا، إنها شذوذ حقيقي، بل أكثر من ذلك: ذوقها مريب.‏
              بعدأسبوع، بلغ قطر الشجرة البالغة الآن متراً ونصف المتر عند القاعدة. وازداد ميلانالجذع نحو وسط الغرفة، حتى ليقال إن الشجرة كانت تمد ليس أغصانها، بل ذراعيها،لتستحوذ على الغرفة، ولون القشرة الفاتح واللَّحمي يؤكِّد هذا الشعور الحيوانيالمجسِّي (9). وتنغرز جذورها الضخمة والملتوية، مثل المخالب بين لويحات الأرضية،رافعةً وقالبةً إياها. كانت كارينا، وهي فريسة لهوى شجرتها، قد أخلت قاعة الاستقبالبأكملها.‏
              كانمن الغريب حقاً الدخول إلى هذه القاعة الكبيرة، ولا نجد بين جدرانها الأربعةالعارية، المغطاة بالورق الموشى، سوى شجرةٍ ضخمة، وحيدة ومنفيَّة في زاوية، مماثلةلأخطبوط نباتي، بأذرعها الكثيرة الورق، الممدودة لتعجَّ في هذا الحيِّز أو المنتصبةلاكتشاف السقف. كان هذا الكائن الضخم المهيب، يدهش بأنه لا ينطق، ولا ينادي بصوتٍكئيبٍ وحانق. والحال أن أوديناتو، شرط تركه وشأنه، لم يعد يزعج زوجته أبداً. لكنهكان يطلق مكبوتاته خفيةً جالساً مع أحد أصدقائه في مكتبه، ويقول:‏
              "ليسلأني أعترض على الشجرة بحد ذاتها، لكن لكل شيء مكانه... الأشجار في الغابة،والإنسان في منزله.. ماذا تعني شجرة في قاعة الاستقبال؟ هذه الطريقة في رزِّالطبيعة داخل‏
              المنازل، هي حداثة شمالية... إن الشماليين يملؤون منازلهمبالنباتات، ربما لأنهم لا يزالون يذكرون الزمن، القريب العهد، الذي كانوا يختبئونفيه، في تجويف شجرة البلوط.. أما نحن، فإننا ننتمي إلى حضارة أقدم... ولا نحتملالغموض أو العدوى... مدننا مصنوعة من الحجارة.. يبدأ الريف خارج الأسوار، وليس ضمنالجدران!..." هكذا كان يوضِّح فكرته، بوقار. لكن أصدقاءه كانوا يقولون فيما بينهمإنه رجل ضعيف، وإن زوجته، كما يقال، هي التي ترتدي البنطال في منزله.‏
              أخيراً، وفي ليلة جميلة من ليالي ذاك الصيف، أيقظت فرقعة رهيبةالزوجين، تبعتها فرقعة كمية كبيرة من الأنقاض. ركضا نحو قاعة الاستقبال، وأول شيءرأياه من خلال فتحةٍ كبيرة في السقف، هو النجوم والهلال. هتفت كارينا وهي تركضلتقبلّ جذع شجرتها العزيزة شجرتي العزيزة تريد تنسُّم الهواء العليل!" فكرَّأوديناتو: "هاكم كيف هنَّ النساء". لكنه، هنا أيضاً، لم يستطع الاحتجاج.‏
              بعدشهر، كانت الشجرة تملأ قاعة الاستقبال بأكملها بأوراقها المضغوطة والمتشابكة. كانوايفتحون الباب ويجدون أنفسهم وجهاً لوجه، كما يقال، مع غابة. أوراق، وأوراق، وأوراق. في مثل هذه الظروف، لم يكن مدهشا ًأن يجد أوديناتو ذات ليلةٍ الشجرة، صراحةً، فيسريره. لا أكثر ولا أقل. كان غضن قد دخل الباب المحطَّم وتقدَّم نحو السرير الزوجيللرجل المثقَّف. ووجد الزوجان نفسيهما مفصولين نهائياً، بحاجز من الأوراق والأغصان. وكان أوديناتو يتذمَّر، من ذلك، قائلاً إن الشجرة تنمو، صراحةً، فوقه، وتضايقه،لأنها تضرب ظهره وساقيه. وكارينا تجيبه بأنه متعصِّب حقيقةً، وجهله مطبق. أما هي،فكانت تشعر بتنميل الأوراق على طول جسمها، الشيء الذي يؤثِّر فيها تأثيراً آخرمختلفاً تماماً. وتقول إنه حمَّام الطبيعة.‏
              وفيفصل الخريف، سقطت الأوراق، وملأت قاعة الاستقبال بأكوامٍ حفرٍ تصدر حفيفاً. أحضرتكارينا مُشَدِّباً قَلَّم الشجرة. وتشوَّشت قراءات أوديناتو بضعة أيام بسبب ضرباتالفأس. وأخيراً، قدَّمت كارينا الشجرة لزوجها، فخورة مثل أمٍ تعرض ابنها بشعرهالمقصوص للمرة الأولى، وقد اقتصرت على أغصانها الأكبر دون أوراقٍ أو فروع، قوية ذاتعضلات، أكثر من أي وقتٍ مضى، جاهزة لمواجهة قسوة الشتاء. تظاهر أوديناتو المذعن،بالإعجاب بها. لكنه، في نفسه، كان يعتقد أن الطبيعة هي كارثة جميلة، وأن علىالحضارة التي تحترم نفسها أن تبقيها أبعد ما يمكن عنها.‏
              * ألبرتو مورافيا‏
              ولدألبرتوا مورافيا في روما عام 1907، وتوفيّ فيها عام 1990. ألَّف كتابه الأول وهو فيالثانية والعشرين من عمره: "اللامبالون"، الذي ضمن لـه الشهرة الفورية. ونشرتروايته "المرأة الفهد" بعد وفاته، عام 1991. من أعماله: "الاحتقار"، "السأم"، "رحلةإلى روما"، وأخيراً "نزهات إفريقية". ظهر كتابه "جدل الأخطبوطات" في إيطاليا عام 1956، وهو مجموعة نصوص متهوِّرة، يبدو فيها مورافيا غير متوقَّع، ينهل منالميثولوجيا والأساطير الوثنية.‏
              (1) سطام (حديدة تحرَّك بها النار)‏
              (2) جُنْبَة (كل شجرة علوها متران إلى أربعة أمتار، تظل صغيرة، وإن شاخت).‏
              (3) سيفر (خزف فاخر من صنع مدينة سيفر بفرنسا).‏
              (4) رأي قَبْلي (رأي مكوَّن من قبل لا رجوع فيه).‏
              (5) فوشية (جُنْبَة مشهورة بزهرها تعرف باسم نباتي ألماني).‏
              (6) أزالية (جنبة للتزيين من فصيلة الخلنجيات).‏
              (7) المِطْيرَة (بناء كبير مخصَّص لتربية الطيور).‏
              (8) الشَّبوط (سمك يعيش في المياه الحلوة).‏
              (9) المجس (زائدة لا مفصليَّة قابلة للانمغاط والانكماش، توجد عند بعض الحيوانات،تمكنها من القبض على فريستها).‏
              sigpic

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                الأفعى قصة لشتاينبك


                كان الوقت ظلاما تقريبا عندما قام الطبيب الشاب فيليبس بوضع كيسه على كتفه وغادر البركة في جزرها، تسلق أعلى الصخور وخاض على طول الشارع في حذائه المطاطي. أضواء الشارع كانت مضاءة وقت وصوله إلى مختبره التجاري الصغير في شارع مونتيري التعليبي. كان بناء ضيقا صغيرا يقف جزئيا على أرصفة مياه الخليج وجزئيا على الأرض، في الجانبين تزاحمت معامل تعليب السردين.

                الدكتور فيليبس تسلق الدرجات الخشبية وفتح الباب، الجرذان البيضاء في أقفاصها ركضت أعلى وأسفل السلك والقطط الأسيرة في سجنها ماءت تطلب الحليب. أشعل الضوء فوق طاولة التشريح ووضع كيسه الرطب على الأرض، مشى تجاه الأقفاص الزجاجية بجانب النافذة حيث تعيش الأفاعي المجلجلة، انحنى ونظر إلى الداخل. الأفاعي كانت متكومة على نفسها ترتاح في زوايا القفص ولكن كل رأس بدا واضحا، العيون المغبرة بدت وكأنها تنظر إلى لا شيء، ولكن حالما انحنى الشاب فوق القفص، بدأت الألسنة المتشعبة السوداء في الأطراف والوردية في الخلف ترتعش خارجا وتتحرك ببطء أعلى وأسفل إلى أن ميزت الأفاعي الرجل وسحبت ألسنتها داخلا.

                خلع الدكتور فيليبس معطفه الجلدي وأضرم نارا في الموقد الضيق، وضع قدرا من الماء على الموقد وأسقط علبة فاصولياء في الماء ثم وقف محدقا في الكيس على الأرض. كان رجلا شابا مهملا بعينين لطيفتين مشغولتين كعيني من اعتاد النظر خلال المجهر لفترة طويلة، كان لديه لحية شقراء خفيفة.

                التيار الهوائي ركض يتنفس عبر المدخنة ولمحة من الدفء قدمت منالموقد، الموجات الصغيرة غسلت الأرصفة تحت البناية. مرتبة في رفوف في الغرفة، كانت هناك طبقة فوق أخرى من جرار المتحف التي تحوي العينات البحرية المحمولة التي يتعامل بها المختبر.

                فتح الدكتور فيليبس بابا جانبيا ودخل إلى غرفة نومه، خلية تحتوي على سرير عسكري، ضوء قراءة وكرسي خشبي غير مريح. سحب حذائه المطاطي وارتدى خفين مصنوعين من جلد الغنم وعندما قفل عائدا إلى الغرفة الثانية كان الماء في الإبريق قد بدأ يهمهم.

                رفع كيسه إلى الطاولة تحت الضوء الأبيض وأفرغ دزينتين من نجوم البحراستلقت بجانب بعضها البعض على الطاولة. عيناه المشغولتان استدارتا تجاه الجرذان المشغولة في الأقفاص السلكية. أخذ حبوبا من كيس ورقي و صبها في معالف الطعام و حالا انزلقت الفئران عن الأسلاك ونزلت على الطعام. زجاجة حليب على رف زجاجي بين إخطبوط صغير محنط وسمكة هلامية، رفعها الدكتور فيليبس وسار باتجاه قفص القطة ولكنه قبل أن يملأ الآنية وصل القفص وبلطف التقط قطة صغيرة ممشوقة مبقعة،شد عليها للحظة ثم أسقطها في صندوق صغير مطلي بالأسود، أحكم الغطاء وأغلق المزلاج ثم أشعل المشعل الذي نفث الغاز في غرفة القتل، و بينما الكفاح الناعم القصير مستمرداخل الصندوق الأسود، ملأ الصحون بالحليب، إحدى القطط تسلقت يده فابتسم وداعب عنقها. الصندوق كان هادئا الآن فأطفأ المشعل لأن الصندوق امتلأ بالغاز.

                على الموقد، كان قدر الماء يغلي باهتياج حول علبة الفاصوليا، رفع الدكتور فيليبس العلبة بواسطة زوج من الكلابات، فتحها وأفرغ الفاصوليا في صحن زجاجي. راقب نجم البحر على الطاولة بينما كان يأكل. من بين أشعته، قطرات قليلة من سائل حليبي كانت تنتشر في كل اتجاه.

                عندما فرغ من تناول الفاصوليا وضع الصحن في الحوض وخطا إلى خزانة المعدات، تناول منها مجهرا ومجموعة من أطباق العدسات الصغيرة، ملأ الأطباق واحدا تلو الآخر من أنبوب نزع سدادته يحتوي على ماء البحر ثم رتبها في صف بجانب نجم البحر، أخذ ساعته وألقاها على الطاولة تحت الضوء الأبيض المنسكب. الأمواج تحركت بتنهدات صغيرة تجاه الدعائم تحت الأرضية.

                تناول قطارة من أحد الأدراجوانحنى على نجم البحر، في تلك اللحظة كان هناك خطوات ناعمة على الدرجات الخشبية وطرق قوي على الباب. تجهم وانطباع من الضيق عبر وجه الشاب وهو ذاهب ليفتح. امرأة طويلة منحنية كانت تقف في طريق الباب، كانت ترتدي بدلة معتمة جدا، شعرها المسترسلالطويل المتدلي على جبهة منبسطة تعمّه الفوضى ذاك أن الريح كانت تهب عليه وتعبث به،عيناها السوداوان لمعت في الضوء القوي.
                تكلمت بصوت ناعم حلقي : "هل يمكنني الدخول؟، أريد أن أتحدث معك".
                "إني مشغول تماما الآن" – قال بنصف قلب ـ "علي أن أقوم بأشياء في موعدها"، ولكنه وقف بعيدا عن الباب، فدلفت المرأة الطويلة إلى الداخل.

                - "سأظل هادئة إلى أن تستطيع الحديث معي".

                أغلق الباب وأحضرالكرسي غير المريح من غرفة النوم، وقال معتذرا :"كما ترين، العملية قد بدأت وعلي أن أنهيها"، كان قد اعتاد أن يأتيه كثير من الناس يدخلون يسألون. فيلجأ للقليل من روتين الشروحات للعمليات الجارية. كان يمكنه قولها دون تفكير: "اجلسي هنا، خلال دقائق سأكون قادرا على الإصغاء لك".

                انحنت المرأة الطويلة على الطاولة،بواسطة القطارة جمع الشاب السائل من بين أذرع نجم البحر لتبخ في وعاء من الماء وحركالماء بلطف بواسطة القطارة و بدأ يتمتم في شروحاته:
                "عندما تكون نجوم البحرناضجة جنسيا فإنها تفرز المني والبويضات في حالة الجزر، باختيار عينات ناضجة وأخذها خارج الماء أهيأ لها ظرفا من المد المنخفض والآن خلطت المني بالبويضات ووضعت بعضا من المزيج في كل واحدة من زجاجات الساعة العشرة هذه. في غضون عشرة دقائق سأقتل تلك التي في الزجاجة الأولى بالمنثول، وبعد ذلك بعشرين دقيقة سأقتل المجموعة الثانية،ومجموعة أخرى كل عشرين دقيقة. ثم سأسيطرعلى العملية في مراحل وسأعرض السلسلة على شرائح المجهر للدراسة البيولوجية"، توقف قليلا وأضاف: "هل تحبين أن تتفرجي على المجموعة الأولى تحت المجهر؟".

                - "لا ، شكرا لك".

                استدار بسرعة تجاهها، الناس عادة يحبون النظر خلال الزجاج، ولكن هي لم تكن تنظر إلى الطاولة نهائيا بل إليه هو. عيناها السوداوان كانتا عليه ولكنهما بدتا و كأنهما لا تريانه. لقد أدرك لم، فالقزحية كانت غامقة مثل البؤبؤ، وما من فاصل لوني بينهما، الدكتورفيليبس جرحت كبرياؤه من جوابها، فرغم أن إجابة الأسئلة تسبب له الشعور بالضجر، إلاأن قلة الاهتمام بما يفعل تستفزه، ورغبة في إثارتها كانت تتنامى بداخله.

                "بينما أنتظر الدقائق العشرة الأولى لدي ما أفعله، بعض الناس لايحبون رؤيته وربما من الأفضل لك أن تدخلي تلك الغرفة ريثما أنتهي".
                - "لا"، قالت بنغمتها الناعمة المنبسطة، "افعل ما شئت، سأنتظر إلى أن تستطيع الحديث معي"

                يداها استراحت بجانب بعضها البعض على حجرها، كانت مسترخية تماما. عيناها كانتا لامعتين ولكن باقي جسدها كان في حالة حركة مؤجلة. فكّر:" معدل أيضمتدن كذلك الذي لدى الضفدع، من النظرات!"، الرغبة في هزها خارج جمودها تملكته ثانية.

                أحضر إناء خشبيا هزازا إلى الطاولة، وضع المشارط والمقصّات وركب إبرةكبيرة مجوفة على أنبوب ضغط ، ثم من غرفة القتل أحضر القطة المترهلة الميتة ووضعها في الإناء وربط أقدامها إلى خطافات في الجوانب، ألقى نظرة جانبية تجاه المرأة، لم تتحرك، ولم تزل في راحتها.

                القطة كشخت في الضوء و لسانها الوردي كان عالقا بين أسنانها المدببة كالإبر. قص الدكتور فيلبس الجلد حول حلقها برشاقة، بواسطة مشرط أحدث شقا طوليا ووجد شريانا بواسطة تقنية لا تتطلب الصدع، وضع الإبرة في الوريد وربطها بالأحشاء.

                "سائل تحنيط" ، و شرح :"لاحقا سأحقن كتلة صفراء في النظامالوريدي وأخرى حمراء في النظام الشرياني من أجل تحليل الدورة الدموية – دروسبيولوجيا".
                نظر جانبا تجاهها، عيناها بدت مملوءة غبارا، نظرت بدون أي تعبير على وجهها إلى حلق القطة المفتوح، ولا قطرة من الدم فرت والشق كان نظيفا. قال الدكتورفيليبس ناظرا إلى ساعة يده: "وقت المجموعة الأولى"، وهز مجموعة من كريستالات المنثول في زجاج الساعة الأولى. المرأة كانت تجعله عصبيا، الجرذان تسلقت أسلاك أقفاصها ثانية وصرت بصوت خافت، الأمواج تحت البناية ضربت الدعائم ضربات خفيفة،ارتعش الشاب، وضع قطعا من الفحم في الموقد وجلس، "الآن، ليس لدي ما أفعله لمدة عشرين دقيقة"،

                لاحظ كم كانت المسافة قصيرة بين شفتها السفلى وطرف ذقنها،بدت كمن يستيقظ على مهل ليأتي من بركة عميقة من الوعي. حركت رأسها وعينيهاالغبراوين خلال الغرفة ثم عادت إليه.
                - "كنت انتظر"، قالت ويداها ممددتان واحدة بجنب الأخرى على حجرها، " لديك أفاعي؟"
                "لماذا، نعم"، قالها بصوت مرتفع، "لديدزينتان من أفاعي الجرس، أستخرج منها السم وأرسله إلى مختبرات العقاقير ضد السموم".

                استمرت بالنظر إليه ولكن لم تركز عليه، شملته بنظرها وبدت كمن ينظرفي دائرة كبيرة حوله،
                - "ألديك ثعبان ذكر؟ ثعبان مجلجل ذكر؟".

                "حسنا يبدو أنه اتفق أني أعرف أنه لدي. جئت في أحد الصباحات ووجدت أفعى في الداخل– فيحالة جماع مع أخرى أصغر، ذلك نادر جدا في الأسر، أترين، وهكذا أعرف أن لدي ثعبان ذكر".
                - "أين هو ؟"
                "لماذا، في القفص الزجاجي بجانب النافذة هناك"، تأرجح رأسها حولها قليلا لكن يديها الهادئتين لم تتحركا، استدارت ثانية نحوه: - "هل يمكن أن أراه؟"

                نهض ومشى إلى القفص بمحاذاة النافذة، على القاع الرملي كانت عقدة الأفاعي تستلقي مجدلة ولكن رؤوسها كانت تبدو واضحة، الألسنة خرجت واضطربت للحظة ثملوحت أعلى وأسفل تتحسس الجو والذبذبات فيه. أدار الدكتور فيليبس رأسه بعصبية، كانت المرأة تقف بمحاذاته ، لم يسمع صوتها وهي تنهض من الكرسي، كل ما أحس به كان جلد المياه للدعائم وصرير الفئران على المنخل السلكي. قالت برقة:
                - "أيها الذكر الذي تحدثت عنه؟"
                أشار إلى ثعبان سميك بلون رمادي مغبر يستلقي بمفرده في إحدى زوايا القفص، "ذاك، طوله حوالي خمسة أقدام، أفاعينا في ساحل المحيط الهادي تكون أصغرعادة، وقد اعتاد أن يأخذ كل الجرذان أيضا، ولذا عندما أريد الآخرين أن يأكلوا يكونعلي أن أخرجه بعيدا"
                حدقت المرأة في الرأس الجاف عديم الحس، اللسان المتشعب انزلق خارجا وظل يرتعش للحظة طويلة، - "أنت متأكد من أنه ذكر؟"
                "الأفاعي المجلجلة مسلية جدا"، قالها بعفوية، "فكل تعميم تثبت خطأه، لا أحب أن أقول شيئا قاطعا حول أفعى جرس، ولكن، نعم أستطيع أن أؤكد لك أنه أفعى ذكر".
                عيناها لم تتحرك من الرأس المسطح، - " هل تبيعه لي؟"
                "أبيعه؟"، صرخ، "أبيعك إياه!"
                - "أنت تبيع العينات، اليس كذلك؟"
                "أوه نعم، بالطبع أبيعها".
                - "كم سعره؟ خمسة دولارات؟ عشرة؟"
                "أوه ، ليس أكثر من خمسة دولارات، ولكن هل تعرفين شيئا عن أفاعي الجرس؟، ربما تلدغين؟"

                نظرت إليه للحظة: -"لا أنوي أخذه معي، سأتركه هنا ولكني أريده أن يكون لي، أريد أن أجيء إلى هنا وأنظر إليه وأطعمه، وأن أعرف أنهلي"، وفتحت جزدانا صغيرا وأخرجت ورقة خمسة دولارات، "هاك، الآن إنه ملكي".
                بدأالدكتور فيليبس يشعر بالخوف، "يمكنك أن تأتي وتنظري إليه بدون أن تملكيه"
                - "أريده أن يكون لي"
                "أوه يا الهي"، صرخ، "لقد نسيت الوقت"، وركض نحوالطاولة،"تأخرت ثلاثة دقائق، لن أبالي كثيرا"، هز كريستالات المنثول في زجاجةالساعة الثانية ثم انسحب عائدا إلى القفص حيث كانت المرأة لا تزال تحدق في الثعبان. سألت: - "ماذا يأكل؟"
                "أنا أطعمهم جرذانا بيضاء، من القفص الذي هناك في الأعلى".
                - "هلا وضعته في القفص الآخر، أريد أن أطعمه".
                "ولكنه لا يحتاج طعاما، لقد تناول جرذا هذا الأسبوع، والأفاعي قد لا تأكل لمدة ثلاثة أو أربعة شهور، كان لديواحدة لم تأكل لما يزيد عن السنة"، بنغمتها المنفردة سألت: - "هل تبيعني جرذا؟" ،هز كتفيه بلا مبالاة: "فهمت، تريدين أن تراقبي كيفية أكل الأفاعي المجلجلة، حسنا،سأريك، الجرذ سيكلفك خمسة وعشرين سنتا، ذاك أفضل من مصارعة ثيران إن نظرت إليه بطريقة ما، وهو ببساطة ثعبان يتناول عشاءه إن نظرت إليه بطريقة أخرى"

                لهجته أصبحت لاذعة، هو يكره الناس الذين يجدون الرياضة في صراع المخلوقات الحية. لم يكنرجل رياضة وإنما عالما بيولوجيا يمكنه قتل ألف حيوان لأجل المعرفة ولكنه لا يقتل ولو حشرة من أجل المتعة. هذا ما كان قد استقر في ذهنه منذ أمد.
                أدارت وجهها ببطءنحوه وبداية ابتسامة تشكلت على شفتيها الرقيقتين، - "أريد أن أطعم ثعباني، سأضعه في القفص الآخر" و فتحت غطاء القفص العلوي وأنزلت يدها لداخله قبل أن يدرك ما كانت على وشك أن تفعل، قفز إلى الأمام وسحبها إلى الخلف فارتطم غطاء القفص وأغلق.
                "ألاتعقلين؟"، سأل بشراسة، "ربما ما كان ليقتلك ولكنه كان سيصيبك بالمرض رغم كل مايمكنني أن أفعل من أجلك" .
                - "ضعه أنت في القفص الآخر"، قالت بهدوء. الدكتورفيليبس كان مصدوما، اكتشف أنه كان يحاول تجنب العينين المظلمتين اللتين لم تكونا تنظران إلى شيء. شعر بأن وضع جرذ في القفص خطأ بيّن، بل وإثم كبير، ولم يعرف لماذا. عادة كان يضع الجرذان في القفص عندما يريد شخص أو آخر رؤية ذلك، ولكن هذه الرغبة اليوم أشعرته بالمرض، حاول أن لا يعلل السبب كثيرا.
                "إنه أمر جيد للرؤية، يريك كيف تعمل الأفعى، ويجعلك تقدرين أفعى الجرس، وهكذا أيضا كثيرون يصابون برعب الأفاعي القاتلة لأن الجرذ ذاتي، بمعنى أن الشخص هو الجرذ، أما عندما تنظرين إلى الأمر كله بموضوعية فالجرذ مجرد جرذ والرعب يختفي".

                أخذ عصا طويلة مزودة بأنشوطة جلدية من على الجدار، فتح الشرك وأسقط الأنشوطة حول رأس الثعبان وضيق السير الجلدي، أفعى جرس جافة حادة ملأت الحيز، الجسد السميك تلوى وتمسك حول مقبض العصا، رفع الثعبان وألقاه في قفص التغذية، وقف جاهزا للهجوم للحظة ولكن الطنين خبا شيئا فشيئا، زحف الثعبان إلى زاوية، كون رقم ثمانية كبير (8) بجسده واستلقى بسكون. "كما ترين، هذه الأفاعي أليفة تماما، إني أملكها منذ وقت طويل، و افترض أني قادر على مسكها إذاأردت ولكن كل من يمسك أفاعي الجرس يلدغ آجلا أو عاجلا، ولا أريد أن آخذ هذه الفرصة"، التفت تجاه المرأة للحظة كارها أن يضع الجرذ في الداخل، تحركت مقابل القفص الجديد، عيناها السوداوان كانت على الرأس الحجري الصقيل للثعبان مرة أخرى، قالت:-" ضع جرذا في الداخل".

                على مضض اتجه إلى قفص الجرذان، لسبب ما كان يشعربالأسف من أجل الجرذ، وهو ما لم يشعر به من قبل، عيناه مرت فوق كتلة الأجسادالبيضاء المحتشدة التي تتسلق المنخل المعدني باتجاهه. "أي واحد؟"، فكّر، "أي واحدمنها سيكون؟"، وفجأة استدار غاضبا تجاه المرأة، "ألا تفضلين أن أضع قطة في الداخل؟عندها ستشاهدين قتالا حقيقيا، بل وربما تفوز القطة ولكن إن فعلت فقد تقتل الثعبان،سأبيعك قطة إن رغبت!"
                دون أن تنظر إليه قالت: -"ضع جرذا في الداخل، أريده أنيأكل".
                فتح قفص الجرذان وغرز يده في الداخل، أصابعه أمسكت بذيل فرفع جرذا ممتلئ الجسم أحمر العينين من القفص كافح محاولا عض أصابعه إلى أن فشل و تدلى بلا حراك من ذيله. مشى بسرعة عبر الغرفة، فتح قفص التغذية وأسقط الجرذ على رمل القفص. صاح: "الآن راقبيه".
                لم تجبه المرأة، عيناها على الثعبان الذي كان مستلقيا ساكنا ولسانه يرتعش داخلا خارجا بسرعة يتذوق هواء القفص. هبط الجرذ على أقدامه، استدار وتشمم حول ذيله العاري الوردي وباطمئنان هرول عبر الرمل متشمما، الغرفة كانت صامتة. والدكتور فيليبس لم يعرف إن كانت المياه هي من تنهد أم المرأة، وبزاوية عينه رأى جسدها ينحني ويتيبس.

                الثعبان تحرك خارجا بنعومة، اللسان تحرك داخلا وخارجا،الحركة كانت متسارعة، ناعمة لدرجة أنه لا يبدو أن هناك حركة على الإطلاق. في الطرف الآخر من القفص كان الجرذ يتزين في وضع جلوس ويلعق الشعر الناعم الأبيض على صدره،تحرك الثعبان محافظا على انحناء مثل حرف "S" في عنقه. الصمت أثار الشاب فشعر بالدم يتدفق في جسده، وقال بصوت عال:"أنظري إنه يحافظ على الانحناء الضارب جاهزا، أفاعي الجرس حذرة وأقرب للجبن، الآلية أنيقة جدا، عشاء الثعبان يتم تناوله بعملية رشيقة كعمل الجراح، لا يأخذ الاحتمالات في حسبانه".
                انساب الثعبان نحو منتصف القفص حتىالآن، وقف الجرذ ورأى الثعبان وبلا مبالاة عاد للعق صدره. "إنه أجمل شيء فيالعالم"، قال الشاب وعروقه تنبض بقوة "إنه أكثر الأشياء فظاعة العالم".

                الثعبان كان قريبا الآن، رأسه مرفوع بضع بوصات عن الأرض، رأسه يتموج ببطء إلى الوراء والأمام، كان يسدد و يأخذ مسافة، لمح الدكتور فيليبس المرأة،شعر بالغثيان، كانت تتموج هي الأخرى، ليس كثيرا، وإنما بشكل ضئيل.
                الجرذ نظر إلى الأعلى ورأى الثعبان، سقط على أربعة أقدام واقفا ثم كانت الضربة، الرؤية تعذرت فقدكانت مجرد ومضة، ارتج الجرذ تحت ضربة غير مرئية وعاد الثعبان مسرعا إلى الزاوية التي قدم منها واستقر ولسانه يلعب بشكل مستمر.
                "مدهش"، صرخ الدكتور فيليبس،" تماما بين عظام الكتف، المخالب لا بد وصلت القلب"
                سكن الجرذ، متنفسا كرئة بيضاء صغيرة، وفجأة خفق في الهواء ووقع على جانبه، أقدامه ركلت بتشنج لثانية ثم مات. المرأة استرخت، استرخت بكسل.
                "حسنا"، تساءل الشاب، " كان حماما عاطفيا، أليسكذلك؟"
                أدارت عينيها الضبابيتين تجاهه، وسألت: "هل سيأكله الآن؟".
                "بالطبع سيأكله. لم يقتله من اجل النشوة، قتله لأنه جائع".
                زوايا فم المرأة انقلبت إلى الأعلى هازئة، نظرت ثانية إلى الثعبان وقالت: -"أريد أن يراه يأكله".

                للتو خرج الثعبان من زاويته مرة أخرى، لم يكن هناك اعوجاج هجوم في رقبته هذه المرة،ولكنه اقترب من الجرذ بحذر شديد، جاهزا للارتداد إلى الوراء في حالة هاجمه الجرذ،مس الجسد برفق بواسطة أنفه الكليل وانسحب شاعرا بالرضا لأنه ميت، قام الثعبان بتحسس الجرذ من الرأس إلى الذيل بواسطة ذقنه، بدا وكأنه يقيس الجسد ويقبله، أخيرا فتح فمه ووسع فكه على مفاصل الزوايا. الدكتور فيليبس وضع نصب عينيه ألا يلتفت تجاه المرأة،فكر، إن كانت تفتح فمها فسأشعر بالمرض والخوف، ونجح في إبقاء عينيه بعيدا.
                ثبت الثعبان فكه حول رأس الجرذ وبتؤدة بدأ بابتلاع الجرذ، الفكين تحركا وكامل الحلق زحف ببطء واتسعت مفاصل الفك ثانية، الدكتور فيليبس استدار وذهب إلى طاولته ثانية، "لقد جعلت واحدة من السلسلة تفوتني"، قال بقسوة، "المجموعة لن تكون كاملة"، وضع واحدة من زجاجات ساعة اليد تحت مجهر قليل القوة ونظر إليها، ثم سكب كل محتويات الزجاجات بغضب في الحوض.

                الأمواج انخفضت إلى همس رطب قادم من النافذة، الرجل الشاب أمسكبيت الفخ إلى قدميه وأسقط نجم البحر في المياه السوداء، توقف عند القطة التي انحنتوتجهمت بسخرية في الضوء،جسدها كان منتفخا بدم محنط، أوقف الضغط، سحب الإبرة وربط الأوردة.
                "هل تشربين بعض القهوة؟"
                - "لا، شكرا لك سأذهب حالا".
                مشى إليها حيث وقفت أمام قفص الثعبان، الجرذ كان مبتلعا كله عدا بوصة من الذيل الورديعلقت خارجه كلسان ساخر. الحلق اتسع ثانية واختفى الذيل، مفاصل الفك عادت لمواقعها والثعبان زحف بتثاقل إلى زاويته، شكل رقم ثمانية كبير وألقى برأسه على الرمال.
                - "إنه نائم الآن"، قالت المرأة، "إني ذاهبة، ولكني سأعود وأطعم ثعباني كل حين وسأدفع ثمن الجرذان، أريده أن ينال وفرة منها وفي بعض الأحيان سآخذه معي بعيدا"، عيناها رجعت من حلمها المغبر للحظة: "تذكر أنه لي، لا تأخذ سمّه، أريده أن يحتفظ به، ليلة سعيدة" و مشت بنعومة إلى الباب وخرجت، سمع وقع أقدامها على الدرج ولكن لم يسمع خطوها على حجارة الرصيف.
                الدكتور فيليبس أدار كرسيا وجلس مقابل قفص الأفعى، حاول أن يمسد زوره وهو ينظر إلى الثعبان المخدر. "قرأت الكثير عن رموز الجنس السيكولوجية"، فكّر، "ولكني لا أفهم، ربما أني وحيد جدا، ربما علي أن أقتل الثعبان،لو أني أعلم، لا، لا.. لا يمكنني أن أصلي لأي شيء".

                لأسابيع توقع عودتها، "سأخرج وأتركها وحدها هنا عندما تعود، لا أريد أن أرى الشيء اللعين ثانية". لم تعد ثانية أبدا، ولأشهر بحث عنها وهو يتجول في البلدة، مرارا ركض خلف امرأة طويلة ظانّا أنها هي، ولكنه لم يرها مرة أخرى إلى الأبد.

                هامش : كتبت القصة عام 1938،
                :The Long Valley
                John Steinbeck


                ترجمة رقية كنعان كاتبة أردنية




                ولد جون شتاينبيك في ساليناس ، كاليفورنيا عام 1902 . وتقع بعض أفضل المشاهد من قصصه في تلك المنطقة


                درس شتاينبيك في جامعة ستانفورد في سان فرانسيسكو (ولاية كاليفورنيا) ومن ثم تنقل من مهنة إلى أخرى.




                كتب عشرات الروايات و أيضًا مذكرات، و من أشهر أعماله:
                • كوب من ذهب : روايته الأولى، صدرت عام 1929. تكلمت القصة عن الأوقات السعيدة والحزينة في حياة العائلات الفقيرة في الجزء الغربي من أمريكا.
                • شقة تورتيلا : نشرت في 1935 ، و كانت أول نجاحاته وهي عبارة عن كتاب حول مغامرات البايسانوس
                • معركة سجال 1936 تتحدث عن قصص حياة رجال شباب في أوقات عصيبة.
                • عناقيد الغضب.
                • عن فئران و ورجال. 1937 تتحدث أيضاً عن قصص حياة رجال شباب في أوقات عصيبة.
                • شرقي عدن : رواية صدرت في 1952 ، وهي قصة طويلة تنتهي في زمن الحرب العالمية الأولى.
                • أفول القمر: وتتحدث عن سيظرة الألمان على قرية نرويجية صغيرة خلال الحرب العالمية الثانية.
                • شتاء السخط:تتحدث عن سقوط الأنتهازية في شخص وصولي.
                • شارع السردين المعلب.
                • فاز بجائزة بولتيزر في 1940 عن رواية عناقيد الغضب .
                • في 1962 فاز بجائزة نوبل للآداب عن رواياته وأعماله العديدة.
                • حولت كروم الغضب إلى فلم شعبي في 1941
                • حول كتاب شرقي عدن إلى فيلم في 1955من بطولة الممثل جايمس دين .
                • أصبح كتاب المهر الأحمر أيضاَ فيلمًا هوليووديًا في 1949 ومرة أخرى عام 1973 من بطولة هنري فوندا
                توفي جون شتاينبيك في نيويورك عام 1968

                الفئران و الرجال
                http://www.4shared.com/file/20986370/6ccce843/___online.html

                مراعى الفردوس
                التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 30-01-2010, 00:02.
                sigpic

                تعليق

                • العربي الثابت
                  أديب وكاتب
                  • 19-09-2009
                  • 815

                  #9
                  نافذة لكل نفس ملت زخاريف الجدارالعتيق الذي يحاصرها لتحلق بعيدا في فضاءات رحبة...ينساب منها نسيم عليل آت من كل بلدان العالم،ليعيد للنفس توازنها الإنساني المطلوب للتناغم مع الأخرين...
                  تحاياي العابقة للساهرين على هذا المولود الجميل...


                  العربي الثابت
                  اذا كان العبور الزاميا ....
                  فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    الحب الأول
                    مكسيم جوركى


                    ... في هاتيك الفترة جعلني القدر، ومأربه الوحيد إكمال تثقيفي، أجتاز تجربة مريرة للحب الأول، حب اتسم بسيماء السخرية والمأساة معاً.
                    اتفق بعض أصدقائي على القيام برحلة في القوارب على سبيل المتعة في نهر أوكا، وانتدبوني لدعوة س... وزوجته، وهما زوجان آبا من فرنسا مؤخراً ولم تتح لي معرفتهما بعد. فزرتهما في العشية.
                    كانا يقطنان قبواً في بيت قديم، تقوم أمامه، من أحد طرفي الشارع إلى الطرف الآخر، بركة موحلة لا تحول ولا تزول طوال فصل الربيع وأكثر فصل الصيف، تتخذ منها الغربان والكلاب مرآة، والخنازير حماماً.
                    كان التفكير قد استغرقني إلى حدّ أني انزلقت إلى شقة أناس لا أعرفهم، مثل كومة من تراب انهالت من تل، فأثرت هلعاً غريباً. واستقبلني رجل سمين أنبس الوجه، ربعة في القامة، له لحية شقراء كثة وعينان زرقاوان لطيفتان، انتصب في طريقي فحجب بجسمه مدخل الغرفة المجاورة.
                    أصلح من وضع ثيابه، ونبر في اقتضاب:
                    - ماذا عساني أفعل لك؟
                    وأضاف موبخاً:
                    - قبل أن يدخل المرء بيتاً يقرع الباب عادة.
                    استطعت أن أرى في ظلال الغرفة وراءه شيئاً يماثل طيراً كبيراً أبيض اللون يهوّم هنا وهنالك، وجاءني صوت مشرق النبرة واضح الرنة يقول:
                    - وبخاصة اذا أتيت تزور زوجين.
                    استوضحت في شيء من الاستياء عما اذا كانا من أسعى إلى رؤيتهما، وما أن أكد لي الرجل الذي بدا مثل تاجر رخي العيش ذلك، شرحت له هدف زيارتي.
                    كرر الرجل قائلاً، وهو يمسّد لحيته في وقار:
                    - تقول أن كلارك أرسلك؟
                    وانتفض فجأة وصاح بألم:
                    - أواه ! أولفا!
                    واستدار، وأمسك ذلك الجزء من جسده الذي لا يأتي الناس على ذكره في المجتمع المؤدب لوقوعه أسفل بقليل من الظهر. ورنّ في خلدي أنه نال قرصة.
                    أخذت مكانه عند المدخل فتاة نحيلة القوام زنّرت إليّ عينين زرقاوين باسمتين:
                    - من أنت؟ شرطي؟
                    فأجبت متأدباً:
                    - أوه، كلا. سروالي لا غير
                    ضحكت، ولم أغضب أنا لأن البريق في عينيها كان الشيء الذي حننت طويلاً إلى رؤيته. وبدا أن ثيابي استثارت ضحكها. فقد كنت أرتدي سروالاً أزرق من سراويل الشرطة وسترة بيضاء من سترات الطهاة. وكانت هذه الأخيرة الجزء الأكثر ملاءمة في لباسي، تقوم مقام سترة عادية ومزررة حتى العنق فلا يستدعي ارتداء قميص تحتها.
                    وكانت استعارتي لحذاء مما يلبسه القنّاصون وقبعة عريضة الحواف يرتديها قطاع الطرق الايطاليون اللمسات الأخيرة الفعالة في موضوع ذلك اللباس.
                    شدتني من يدي إلى الغرفة، ودفعتني ناحية المنضدة، وسألت:
                    - فيم تراك ترتدي مثل هذه الثياب الغريبة؟
                    - ولماذا تسمينها غريبة؟
                    فردت تسترضيني:
                    - تعال، لا يفعمنّك الغضب.
                    يا للفتاة الغريبة! كيف يمكن أن يغضب المرء منها؟
                    كان الرجل الملتحي جالساً على السرير يلف دخينة. أنحيته بصري، واستفسرت:
                    - هل هو والدك أم شقيقك؟
                    فأجاب متأنياً:
                    - زوجها!
                    وسألتني هي ضاحكة:
                    - لم سؤالك؟
                    قلت بعيد أن ترنّيتها بنظري:
                    - سامحيني.
                    استمررنا نبدي مثل هذه الملحوظات القصيرة قرابة خمس دقائق وغادرت المكان مطمئناً تحدوني الرغبة إلى البقاء في ذلك القبو طوال خمس ساعات، أو خمس أيام، أو خمس سنوات حيث أعب من متعة الترنّي إلى وجهها البيضوي الوسيم وعينيها الوديعتين. كانت الشفة السفلى في ثغرها الصغير أكثر امتلاء من العليا، يخال المرء معها أنها منتفخة قليلاً.وكانت قد قصت شعرها البني الكثيف قصيراً بحيث شكّل قبعة من زغب حول رأسها، وتجعّد حول أذنيها الشبيهتين بالصدفة وخديها الموردين. وكانت يداها وذراعاها في القمة من الفتنة. وقد رأيتهما عاريتين حتى المرفقين حين انتصبت عند المدخل وقد اعتمدت عضادة الباب. كانت ثيابها بسيطة بسيطة، فهي ترتدي بلوزة بيضاء ذات ردنين كاملين ونهاية مطرزة، وتنورة ناصعة تلف جسدها لفاً. وأروع ما كان يميز ملامحها هما عيناها. يا للفرحة، والعطف، والفضول الودي الذي تشعانه! وأكثر من ذلك أنهما تضيئان بنوع من الابتسام (وليس في ذلك ذرارة من ريب!) يتوق إليه شاب في العشرين من عمره، وبخاصة اذا كانت الظروف الخشنة سحقت قلبه سحقاً.
                    أعلن زوجها، وقد نفث سحابة من الدخان في لحيته:
                    - السماء توشك أن ترسل غيثها.
                    مددت نظري من النافذة. كانت السماء صافية مرصعة بالنجوم. فهمت أنني زائد في عين هذا الرجل وارتحلت. وكنت مفعماً بذلك السرور الرخي الذي يطغى على امرئ عثر على ما كان يفتش عنه طويلاً.
                    قضيت الليل بطوله أضرب في الحقول، أطيل التفكير في ذلك الاشعاع الحنون لتينك العينين الزرقاوين. وأقنعت نفسي عند الصباح أن ذلك المخلوق الضخم البنية، صاحب اللحية والطلعة الراضية الشبيهة بطلعة قط حسن التغذية، ليس جديراً بهذه السيدة الصغيرة كزوج. وأحسست بالرثاء لها حقاً، تلك الغالية المسكينة! ما أبأس فكرة أن تعيش مع زوج يحمل في لحيته كسراً من الخبز!
                    انطلقنا في اليوم التالي في رحلة بالقوارب على نهر أوكا المضبّ تحت جسر عال مخطط بطبقات من الطين المتعدد الألوان. وكان النهار من أروع النهارات منذ خليقة العالم. فالشمس تلتهب في سماء مهرجانية، وشذى التوت البري الناضج يسبح فوق النهر، والناس عارفون ما في نفوسهم من طيبة تملؤني غبطة وحباً لهم. حتى زوج معبودتي بدا شاباً رائعاً- لم يركب القارب الذي جلست فيه زوجته والذي كنت أجذّف فيه. وكان تصرفه مثار الاعجاب النهار بطوله. روى لنا أول الأمر قصصاً شائقة عن غلادستون، ثم نهل جرة من الحليب الفاخر، واضطجع تحت شجرة، وأغفى مثل طفل صغير حتى حلول المساء.
                    بالطبع كان قاربنا الأول في الوصول إلى مكان النزهة. وحين حملت سيدتي خارج القارب عالنتني قائلة:
                    - لكم أنت قوي!
                    شعرت أني مقتدر على قلب أعلى برج كنيسة وأخبرتها أنني قادر على حملها في طريق العودة إلى البلدة (وتبعد سبعة فراسخ كاملة) ولا يكلفني شيئاً من جهد. ضحكت ضحكة رقيقة، وهدهدتني بعينيها. وعيت النهار بطوله وميض عينيها، وكنت على ثقة، من دون ريب، أنهما تومضان لي وحدي.
                    تطورت الأمور بسرعة طبيعية تماماً لامرأة صبية التقت حيواناً لم تشاهد مثله من قبل، ولصبي قوي يستحوذ عليه التوق إلى ملاطفات امرأة.
                    وما أسرع أن تناهى إليّ أنها، على الرغم من طلعتها الغضة، تكبرني عشر سنوات، وأنها تخرجت من مدرسة الشابات النبيلات في بيلوستوك، وكانت مخطوبة إلى آمر القصر الشتوي في بطرسبورج، وعاشت في باريس، ودرست الرسم وألمت بفن التوليد. وتبين فيما بعد أن والدتها، أيضاً، كانت تمارس القبالة ومسؤولة عن خروجي إلى هذا العالم. واعتبرت ذلك نذيراً طيباً واغتبطت به.
                    كانت مزاملتها للبوهيميين واللاجئين السياسيين، والصلة الوثيقة التي ربطتها بواحد من هؤلاء الأخيرين، والحياة نصف الساغبة نصف المتشردة التي عاشاها في الأقبية والعلّيات في باريس، وبطرسبورج، ولكنها تبعث على الاهتمام بصورة غريبة. كانت أنيقة مثل طائر القرقف، ترى الحياة والناس بعيني تلميذة ذكية فضولية، وتغني أغنيات فرنسية تفيض بهجة، وتدخن برشاقة، وترسم بمهارة، وتبدي شيئاً من الموهبة في التمثيل، وتبدي خبرة في صنع الثياب والقبعات. والأمر الوحيد الذي لم تمارسه هو التوليد.
                    قالت:
                    - مرّ في حياتي أربع ولادات، انتهت ثلاثة أرباعها بالموت.
                    كان ذلك كافياً ليفقدها كل رغبة في تقديم المعونة المباشرة لزيادة السكان. أما بالنسبة إلى الاشتراك المباشر فقد شهدت لها ابنة فاتنة في الرابعة من عمرها بكفاءتها العالية في هذا الميدان. كانت تتحدث عن نفسها كمن يتحدث عن شخص تعرفه معرفة حميمة ولكنها بدأت تضجر منه قليلاً. وبين حين وآخر تبدو أشبه بمن أثارت دهشة نفسها: تزداد عيناها ظلمة محببة، وتومض في أعماقها ابتسامة مرتبكة خفيفة. إن الأطفال الذين يتملكهم الخجل يبتسمون مثل هذه الابتسامة.
                    كنت عارفاً بذهنها الوقّاد السريع، وتأكد لي أنها أكثر مني ثقافة، وشدهتني الكياسة المحببة التي تعامل بها أمثالها من الناس. فقد كانت تثير اهتماماً أكثر بكثير من أي فتاة أو امرأة لقيت في حياتي. وكان الأسلوب العرضي الذي تروي به قصة من القصص يفعل فعله فيّ ويقودني إلى الايمان أنها، بالاضافة إلى معرفة جميع ما كان يعرفه رفاقي أصحاب الأفكار الثورية، كانت هي تملك معرفة أخرى، أسمى وأكثر قيمة، ولكنها تراقب كل شيء من بعيد، فكأنها متفرجة، وعلى سيماها ابتسامة يخلعها الكبار على ملامحهم حين يروحون يراقبون لعب الأطفال المعروف لهم، اللطيف والخطير أحياناً.
                    كان القبو الذي تقطنه مؤلفاً من غرفتين: مطبخ صغير يستخدم مدخلاً أيضاً، وحجرة وسيعة ذات ثلاث نوافذ قبالة الطريق، ونافذتين تطلان على باحة قذرة تعج بنفايات. ومما لا ريب فيه أن ذلك القبو يمكن أن يكون منزلاً ملائماً لاسكافي، وليس لسيدة أنيقة عاشت في باريس، العاصمة المقدسة للثورة العظمى، لموليير وبومارشيه وهوغو وآخرين من أمثالهم. وكان هنالك تنافر آخر كثير بين الصورة والاطار، الأمر الذي أزعجني وأثار ، فيما أثار من عواطف وجدانية، شعوراً بالحنو على تلك المرأة. فقد بدت، وكأنها، هي نفسها لا تلاحظ ما كانت اهانة مؤكدة لها في رأيي.
                    كانت تنهمك في العمل منذ طلة الصباح حتى عسعسة الليل، بصفة طاهية وخادمة، ثم تجلس إلى المنضدة الكبيرة تحت النوافذ وتنقل صوراً قلمية عن صور ضوئية لسكان واسعي الثراء، أو ترسم خرائط وتلونها، أو تساعد زوجها في تصنيف كتب عن الاحصاءات القروية. وكان غبار الشارع يساقط عبر النافذة المفتوحة على رأسها وعلى المنضدة، وأرجل السابلة تلقي ظلالاً كثيفة على أوراقها. وكانت ترسل أغانيها وهي تعمل، وحين ينهكها التعب من جراء جلوسها تنهض وترقص الفالس برفقة أحد المقاعد أو تلاعب طفلتها. ومهما يكن العمل الذي تنجزه قذراً فهي تظل على الدوام حسنة الهندام نظيفة مثل قطة.
                    كان زوجها كسولاً طيب السريرة، ألف قراءة الروايات الفرنسية المترجمة إلى الروسية وهو مضطجع في سريره، وبخاصة روايات دوماس الأب. وكان يقول: "إنها تكنس الغبار من خلايا مخك". وكان ينظر إلى الحياة "من وجهة نظر علمية محضة"، ويطلق على طعام الغداء تعبير "امتصاص القوت" وما أن ينتهي من تناول الطعام حتى يعلن:
                    - كيما تدفع الطعام من المعدة إلى خلايا الجسد ينبغي أن تكون الأعضاء في حال من الاسترخاء التام.
                    وهكذا فهو يتسلق سريره دون أن يبالي بإزالة كسرات الخبز من لحيته، ويقرأ دوماس أو ده مونتبان عدة دقائق، ثم يروح يشخر في منتهى السعادة طوال ساعتين كاملتين، تاركاً شاربيه الدقيقين يتحركان فكأن حشرات غير منظورة تزحف فيهما. وحين يهب من نومه يحملق متسائلاً في شقوق السقف برهة من الزمن، ويقول من بعد:
                    - لقد أعطى كوزما ترجمة خاطئة لأفكار بارنيل الليل الماضية.
                    وسرعان ما يسرع خطواته بعد ذلك إلى بيت كوزما على أمل افهامه الحقيقة، ويخاطب زوجه عند الفراق قائلاً:
                    - أنهي عني حساب عدد الفلاحين ممن لا خيول لهم في مقاطعة ميدان. وسوف أعود سريعاً.
                    ويرجع أدراجه عند انتصاف الليل أو بعد ذلك إلى البيت جذلان:
                    - أفلم أجعلها ورطة بالنسبة إلى كوزما! أن له ذاكرة طيبة للحقائق، فلتصبه اللعنة، ولكن لي ذاكرة طيبة أنا الآخر. وبالمناسبة، فهو لا يفهم أول شيء عن السياسة الشرقية لغلادستون.
                    كان يتحدث على الدوام عن بينيه، وريشيه، والصحة الذهنية، وحين يحجزه المطر عن الخروج من البيت يأخذ على عاتقه مهمة تدريس ابنة زوجته الصغيرة التي أبصرت النور مصادفة على الدرب بين قضيتين من قضايا الحب:
                    - يجب أن تمضغي طعامك جيداً، يا لوليا، فذلك يساعد على الهضم بوساطة تسارع تحويل الطعام إلى خليط من العناصر الكيماوية السهلة الامتصاص.
                    وبعد الغداء، حين يكون قد حوّل أعضاءه إلى حال من "الاسترخاء المطلق"، يحمل الصغيرة إلى الفراش ويقول على سبيل رواية قصة على مسمعها:
                    - وهكذا حين عمد نابليون المتغطرس المتعطش للدماء إلى اغتصاب السلطة...
                    كانت محاضراته تثير في زوجته عاصفة متشنجة من الضحك، ولكنه لا يبالي بذلك – فهو يستغرق في النوم قبل أن يجد متسعاً من الوقت للانفعال غضباً. وبعد أن تلهو الفتاة الصغيرة بلحيته الحريرية فترة من زمن تنطوي على نفسها وتستغرق في النوم بدورها. وقد غدوت صديقها الحميم. فهي تستلطف الأقاصيص التي أرويها لها أكثر من محاضرات بولسلاف عن مغتصب السلطة المتعطش للدماء وتعيسته جوزيفين. وأثار نجاحي غيرة بولسلاف الأكول:
                    - إني أعترض، يا بشكوف! قبل أن نتيح للصغيرة الاحتكاك بالحياة ذاتها ينبغي أن نعملها المبادئ الأساسية التي تحدد مفهومها الضمني. من سيئاتك الكبرى أنك لا تعرف اللغة الانكليزية لتقرأ كتاب "علم الصحة الذهنية للأطفال"..
                    وكنت أشك في أنه، هو نفسه، يعرف من اللغة الانكليزية غير كلمتين: "غود باي".
                    كان عمره ضعف عمري، ولكنه فضولي مثل بودل* صغير، يتعشق الثرثرة وأن يخلق لدى المرء انطباعاً أنه يعرف جميع أسرار الحلقات الثورية الأجنبية مثلما يعرف الحلقات الروسية تماما. ولعله يعرفها حقاً، فقد كان يزوره على الدوام غرباء يتصرفون مثل ممثلين تراجيديين عظام أرغموا في هذه اللحظة على القيام بأدوار المغفلين. وفي منزله التقيت الثوري سابونايف الذي كان يرتدي، بسبب من اختبائه من الشرطة، جمة حمراء بشعة وحلة مبهرجة ضيقة عليه بصورة ساخرة.
                    رأيت ذات يوم عند وصولي إليه رجلاً صغيراً عجولاً له رأس صغير وطلعة حلاق. كان يلبس سروالاً مخططاً، وسترة رمادية وحذاء مصرصراً. دفعني بولسلاف إلى المطهى، وهمس قائلاً:
                    - جاء من باريس لتوه حاملاً معلومات على جانب من الخطورة.. وينبغي أن يجتمع بكورولينكو. فتلطّف بتدبير ذلك..
                    بذلت جهدي، لكنه تبين أن كورولينكو رأى ذلك الرجل بعدما أشاروا إليه في الشارع، فعالنني في ثقة:
                    - كلا، شكراً لك، فليس لديّ ما أفعله مع هذا الغندور!
                    وكان بولسلاف يعتبر ذلك اهانة للباريسي و "قضية الثورة" على حد سواء. فأمضى اليومين التاليين ينشئ رسالة إلى كورولينكو، يصوغ احتجاجه آونة في ألفاظ من الشجب الغاضب، وآونة في عبارة من التوبيخ اللطيف، وأخيراً أرسل جميع جهوده التي بذلها في تدبيج الرسائل إلى الفرن. وما أسرع أن أعقب ذلك سلسلة من الاعتقالات في موسكو، ونيجني نوفجورود، وفلاديمير، وتبين ان الرجل المرتدي سروالاً مخططاً لم يكن سوى لانديزن – غارتن الشهير، أول عميل للشرطة وقعت عليه عيناي.
                    وعلى أي حال، فقد كان زوج محبوبتي من طراز طيب، عاطفي نوعاً ما، له مسحة ساخرة زودته بها "الأمتعة العلمية" التي ألقت عبأها على كتفيه. وقد اعتاد ، هو نفسه، أن يقول:
                    - المسوّغ الوحيد للمثقف في الحياة هو أن يجمع المعرفة العلمية التي يستطيع الحصول عليها، ثم يوزعها بين الجماهير دون أن يفكر في اجتناء ربح شخصي...


                    sigpic

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      #11
                      الحب الأول
                      مكسيم جوركى


                      ... في هاتيك الفترة جعلني القدر، ومأربه الوحيد إكمال تثقيفي، أجتاز تجربة مريرة للحب الأول، حب اتسم بسيماء السخرية والمأساة معاً.
                      اتفق بعض أصدقائي على القيام برحلة في القوارب على سبيل المتعة في نهر أوكا، وانتدبوني لدعوة س... وزوجته، وهما زوجان آبا من فرنسا مؤخراً ولم تتح لي معرفتهما بعد. فزرتهما في العشية.
                      كانا يقطنان قبواً في بيت قديم، تقوم أمامه، من أحد طرفي الشارع إلى الطرف الآخر، بركة موحلة لا تحول ولا تزول طوال فصل الربيع وأكثر فصل الصيف، تتخذ منها الغربان والكلاب مرآة، والخنازير حماماً.
                      كان التفكير قد استغرقني إلى حدّ أني انزلقت إلى شقة أناس لا أعرفهم، مثل كومة من تراب انهالت من تل، فأثرت هلعاً غريباً. واستقبلني رجل سمين أنبس الوجه، ربعة في القامة، له لحية شقراء كثة وعينان زرقاوان لطيفتان، انتصب في طريقي فحجب بجسمه مدخل الغرفة المجاورة.
                      أصلح من وضع ثيابه، ونبر في اقتضاب:
                      - ماذا عساني أفعل لك؟
                      وأضاف موبخاً:
                      - قبل أن يدخل المرء بيتاً يقرع الباب عادة.
                      استطعت أن أرى في ظلال الغرفة وراءه شيئاً يماثل طيراً كبيراً أبيض اللون يهوّم هنا وهنالك، وجاءني صوت مشرق النبرة واضح الرنة يقول:
                      - وبخاصة اذا أتيت تزور زوجين.
                      استوضحت في شيء من الاستياء عما اذا كانا من أسعى إلى رؤيتهما، وما أن أكد لي الرجل الذي بدا مثل تاجر رخي العيش ذلك، شرحت له هدف زيارتي.
                      كرر الرجل قائلاً، وهو يمسّد لحيته في وقار:
                      - تقول أن كلارك أرسلك؟
                      وانتفض فجأة وصاح بألم:
                      - أواه ! أولفا!
                      واستدار، وأمسك ذلك الجزء من جسده الذي لا يأتي الناس على ذكره في المجتمع المؤدب لوقوعه أسفل بقليل من الظهر. ورنّ في خلدي أنه نال قرصة.
                      أخذت مكانه عند المدخل فتاة نحيلة القوام زنّرت إليّ عينين زرقاوين باسمتين:
                      - من أنت؟ شرطي؟
                      فأجبت متأدباً:
                      - أوه، كلا. سروالي لا غير
                      ضحكت، ولم أغضب أنا لأن البريق في عينيها كان الشيء الذي حننت طويلاً إلى رؤيته. وبدا أن ثيابي استثارت ضحكها. فقد كنت أرتدي سروالاً أزرق من سراويل الشرطة وسترة بيضاء من سترات الطهاة. وكانت هذه الأخيرة الجزء الأكثر ملاءمة في لباسي، تقوم مقام سترة عادية ومزررة حتى العنق فلا يستدعي ارتداء قميص تحتها.
                      وكانت استعارتي لحذاء مما يلبسه القنّاصون وقبعة عريضة الحواف يرتديها قطاع الطرق الايطاليون اللمسات الأخيرة الفعالة في موضوع ذلك اللباس.
                      شدتني من يدي إلى الغرفة، ودفعتني ناحية المنضدة، وسألت:
                      - فيم تراك ترتدي مثل هذه الثياب الغريبة؟
                      - ولماذا تسمينها غريبة؟
                      فردت تسترضيني:
                      - تعال، لا يفعمنّك الغضب.
                      يا للفتاة الغريبة! كيف يمكن أن يغضب المرء منها؟
                      كان الرجل الملتحي جالساً على السرير يلف دخينة. أنحيته بصري، واستفسرت:
                      - هل هو والدك أم شقيقك؟
                      فأجاب متأنياً:
                      - زوجها!
                      وسألتني هي ضاحكة:
                      - لم سؤالك؟
                      قلت بعيد أن ترنّيتها بنظري:
                      - سامحيني.
                      استمررنا نبدي مثل هذه الملحوظات القصيرة قرابة خمس دقائق وغادرت المكان مطمئناً تحدوني الرغبة إلى البقاء في ذلك القبو طوال خمس ساعات، أو خمس أيام، أو خمس سنوات حيث أعب من متعة الترنّي إلى وجهها البيضوي الوسيم وعينيها الوديعتين. كانت الشفة السفلى في ثغرها الصغير أكثر امتلاء من العليا، يخال المرء معها أنها منتفخة قليلاً.وكانت قد قصت شعرها البني الكثيف قصيراً بحيث شكّل قبعة من زغب حول رأسها، وتجعّد حول أذنيها الشبيهتين بالصدفة وخديها الموردين. وكانت يداها وذراعاها في القمة من الفتنة. وقد رأيتهما عاريتين حتى المرفقين حين انتصبت عند المدخل وقد اعتمدت عضادة الباب. كانت ثيابها بسيطة بسيطة، فهي ترتدي بلوزة بيضاء ذات ردنين كاملين ونهاية مطرزة، وتنورة ناصعة تلف جسدها لفاً. وأروع ما كان يميز ملامحها هما عيناها. يا للفرحة، والعطف، والفضول الودي الذي تشعانه! وأكثر من ذلك أنهما تضيئان بنوع من الابتسام (وليس في ذلك ذرارة من ريب!) يتوق إليه شاب في العشرين من عمره، وبخاصة اذا كانت الظروف الخشنة سحقت قلبه سحقاً.
                      أعلن زوجها، وقد نفث سحابة من الدخان في لحيته:
                      - السماء توشك أن ترسل غيثها.
                      مددت نظري من النافذة. كانت السماء صافية مرصعة بالنجوم. فهمت أنني زائد في عين هذا الرجل وارتحلت. وكنت مفعماً بذلك السرور الرخي الذي يطغى على امرئ عثر على ما كان يفتش عنه طويلاً.
                      قضيت الليل بطوله أضرب في الحقول، أطيل التفكير في ذلك الاشعاع الحنون لتينك العينين الزرقاوين. وأقنعت نفسي عند الصباح أن ذلك المخلوق الضخم البنية، صاحب اللحية والطلعة الراضية الشبيهة بطلعة قط حسن التغذية، ليس جديراً بهذه السيدة الصغيرة كزوج. وأحسست بالرثاء لها حقاً، تلك الغالية المسكينة! ما أبأس فكرة أن تعيش مع زوج يحمل في لحيته كسراً من الخبز!
                      انطلقنا في اليوم التالي في رحلة بالقوارب على نهر أوكا المضبّ تحت جسر عال مخطط بطبقات من الطين المتعدد الألوان. وكان النهار من أروع النهارات منذ خليقة العالم. فالشمس تلتهب في سماء مهرجانية، وشذى التوت البري الناضج يسبح فوق النهر، والناس عارفون ما في نفوسهم من طيبة تملؤني غبطة وحباً لهم. حتى زوج معبودتي بدا شاباً رائعاً- لم يركب القارب الذي جلست فيه زوجته والذي كنت أجذّف فيه. وكان تصرفه مثار الاعجاب النهار بطوله. روى لنا أول الأمر قصصاً شائقة عن غلادستون، ثم نهل جرة من الحليب الفاخر، واضطجع تحت شجرة، وأغفى مثل طفل صغير حتى حلول المساء.
                      بالطبع كان قاربنا الأول في الوصول إلى مكان النزهة. وحين حملت سيدتي خارج القارب عالنتني قائلة:
                      - لكم أنت قوي!
                      شعرت أني مقتدر على قلب أعلى برج كنيسة وأخبرتها أنني قادر على حملها في طريق العودة إلى البلدة (وتبعد سبعة فراسخ كاملة) ولا يكلفني شيئاً من جهد. ضحكت ضحكة رقيقة، وهدهدتني بعينيها. وعيت النهار بطوله وميض عينيها، وكنت على ثقة، من دون ريب، أنهما تومضان لي وحدي.
                      تطورت الأمور بسرعة طبيعية تماماً لامرأة صبية التقت حيواناً لم تشاهد مثله من قبل، ولصبي قوي يستحوذ عليه التوق إلى ملاطفات امرأة.
                      وما أسرع أن تناهى إليّ أنها، على الرغم من طلعتها الغضة، تكبرني عشر سنوات، وأنها تخرجت من مدرسة الشابات النبيلات في بيلوستوك، وكانت مخطوبة إلى آمر القصر الشتوي في بطرسبورج، وعاشت في باريس، ودرست الرسم وألمت بفن التوليد. وتبين فيما بعد أن والدتها، أيضاً، كانت تمارس القبالة ومسؤولة عن خروجي إلى هذا العالم. واعتبرت ذلك نذيراً طيباً واغتبطت به.
                      كانت مزاملتها للبوهيميين واللاجئين السياسيين، والصلة الوثيقة التي ربطتها بواحد من هؤلاء الأخيرين، والحياة نصف الساغبة نصف المتشردة التي عاشاها في الأقبية والعلّيات في باريس، وبطرسبورج، ولكنها تبعث على الاهتمام بصورة غريبة. كانت أنيقة مثل طائر القرقف، ترى الحياة والناس بعيني تلميذة ذكية فضولية، وتغني أغنيات فرنسية تفيض بهجة، وتدخن برشاقة، وترسم بمهارة، وتبدي شيئاً من الموهبة في التمثيل، وتبدي خبرة في صنع الثياب والقبعات. والأمر الوحيد الذي لم تمارسه هو التوليد.
                      قالت:
                      - مرّ في حياتي أربع ولادات، انتهت ثلاثة أرباعها بالموت.
                      كان ذلك كافياً ليفقدها كل رغبة في تقديم المعونة المباشرة لزيادة السكان. أما بالنسبة إلى الاشتراك المباشر فقد شهدت لها ابنة فاتنة في الرابعة من عمرها بكفاءتها العالية في هذا الميدان. كانت تتحدث عن نفسها كمن يتحدث عن شخص تعرفه معرفة حميمة ولكنها بدأت تضجر منه قليلاً. وبين حين وآخر تبدو أشبه بمن أثارت دهشة نفسها: تزداد عيناها ظلمة محببة، وتومض في أعماقها ابتسامة مرتبكة خفيفة. إن الأطفال الذين يتملكهم الخجل يبتسمون مثل هذه الابتسامة.
                      كنت عارفاً بذهنها الوقّاد السريع، وتأكد لي أنها أكثر مني ثقافة، وشدهتني الكياسة المحببة التي تعامل بها أمثالها من الناس. فقد كانت تثير اهتماماً أكثر بكثير من أي فتاة أو امرأة لقيت في حياتي. وكان الأسلوب العرضي الذي تروي به قصة من القصص يفعل فعله فيّ ويقودني إلى الايمان أنها، بالاضافة إلى معرفة جميع ما كان يعرفه رفاقي أصحاب الأفكار الثورية، كانت هي تملك معرفة أخرى، أسمى وأكثر قيمة، ولكنها تراقب كل شيء من بعيد، فكأنها متفرجة، وعلى سيماها ابتسامة يخلعها الكبار على ملامحهم حين يروحون يراقبون لعب الأطفال المعروف لهم، اللطيف والخطير أحياناً.
                      كان القبو الذي تقطنه مؤلفاً من غرفتين: مطبخ صغير يستخدم مدخلاً أيضاً، وحجرة وسيعة ذات ثلاث نوافذ قبالة الطريق، ونافذتين تطلان على باحة قذرة تعج بنفايات. ومما لا ريب فيه أن ذلك القبو يمكن أن يكون منزلاً ملائماً لاسكافي، وليس لسيدة أنيقة عاشت في باريس، العاصمة المقدسة للثورة العظمى، لموليير وبومارشيه وهوغو وآخرين من أمثالهم. وكان هنالك تنافر آخر كثير بين الصورة والاطار، الأمر الذي أزعجني وأثار ، فيما أثار من عواطف وجدانية، شعوراً بالحنو على تلك المرأة. فقد بدت، وكأنها، هي نفسها لا تلاحظ ما كانت اهانة مؤكدة لها في رأيي.
                      كانت تنهمك في العمل منذ طلة الصباح حتى عسعسة الليل، بصفة طاهية وخادمة، ثم تجلس إلى المنضدة الكبيرة تحت النوافذ وتنقل صوراً قلمية عن صور ضوئية لسكان واسعي الثراء، أو ترسم خرائط وتلونها، أو تساعد زوجها في تصنيف كتب عن الاحصاءات القروية. وكان غبار الشارع يساقط عبر النافذة المفتوحة على رأسها وعلى المنضدة، وأرجل السابلة تلقي ظلالاً كثيفة على أوراقها. وكانت ترسل أغانيها وهي تعمل، وحين ينهكها التعب من جراء جلوسها تنهض وترقص الفالس برفقة أحد المقاعد أو تلاعب طفلتها. ومهما يكن العمل الذي تنجزه قذراً فهي تظل على الدوام حسنة الهندام نظيفة مثل قطة.
                      كان زوجها كسولاً طيب السريرة، ألف قراءة الروايات الفرنسية المترجمة إلى الروسية وهو مضطجع في سريره، وبخاصة روايات دوماس الأب. وكان يقول: "إنها تكنس الغبار من خلايا مخك". وكان ينظر إلى الحياة "من وجهة نظر علمية محضة"، ويطلق على طعام الغداء تعبير "امتصاص القوت" وما أن ينتهي من تناول الطعام حتى يعلن:
                      - كيما تدفع الطعام من المعدة إلى خلايا الجسد ينبغي أن تكون الأعضاء في حال من الاسترخاء التام.
                      وهكذا فهو يتسلق سريره دون أن يبالي بإزالة كسرات الخبز من لحيته، ويقرأ دوماس أو ده مونتبان عدة دقائق، ثم يروح يشخر في منتهى السعادة طوال ساعتين كاملتين، تاركاً شاربيه الدقيقين يتحركان فكأن حشرات غير منظورة تزحف فيهما. وحين يهب من نومه يحملق متسائلاً في شقوق السقف برهة من الزمن، ويقول من بعد:
                      - لقد أعطى كوزما ترجمة خاطئة لأفكار بارنيل الليل الماضية.
                      وسرعان ما يسرع خطواته بعد ذلك إلى بيت كوزما على أمل افهامه الحقيقة، ويخاطب زوجه عند الفراق قائلاً:
                      - أنهي عني حساب عدد الفلاحين ممن لا خيول لهم في مقاطعة ميدان. وسوف أعود سريعاً.
                      ويرجع أدراجه عند انتصاف الليل أو بعد ذلك إلى البيت جذلان:
                      - أفلم أجعلها ورطة بالنسبة إلى كوزما! أن له ذاكرة طيبة للحقائق، فلتصبه اللعنة، ولكن لي ذاكرة طيبة أنا الآخر. وبالمناسبة، فهو لا يفهم أول شيء عن السياسة الشرقية لغلادستون.
                      كان يتحدث على الدوام عن بينيه، وريشيه، والصحة الذهنية، وحين يحجزه المطر عن الخروج من البيت يأخذ على عاتقه مهمة تدريس ابنة زوجته الصغيرة التي أبصرت النور مصادفة على الدرب بين قضيتين من قضايا الحب:
                      - يجب أن تمضغي طعامك جيداً، يا لوليا، فذلك يساعد على الهضم بوساطة تسارع تحويل الطعام إلى خليط من العناصر الكيماوية السهلة الامتصاص.
                      وبعد الغداء، حين يكون قد حوّل أعضاءه إلى حال من "الاسترخاء المطلق"، يحمل الصغيرة إلى الفراش ويقول على سبيل رواية قصة على مسمعها:
                      - وهكذا حين عمد نابليون المتغطرس المتعطش للدماء إلى اغتصاب السلطة...
                      كانت محاضراته تثير في زوجته عاصفة متشنجة من الضحك، ولكنه لا يبالي بذلك – فهو يستغرق في النوم قبل أن يجد متسعاً من الوقت للانفعال غضباً. وبعد أن تلهو الفتاة الصغيرة بلحيته الحريرية فترة من زمن تنطوي على نفسها وتستغرق في النوم بدورها. وقد غدوت صديقها الحميم. فهي تستلطف الأقاصيص التي أرويها لها أكثر من محاضرات بولسلاف عن مغتصب السلطة المتعطش للدماء وتعيسته جوزيفين. وأثار نجاحي غيرة بولسلاف الأكول:
                      - إني أعترض، يا بشكوف! قبل أن نتيح للصغيرة الاحتكاك بالحياة ذاتها ينبغي أن نعملها المبادئ الأساسية التي تحدد مفهومها الضمني. من سيئاتك الكبرى أنك لا تعرف اللغة الانكليزية لتقرأ كتاب "علم الصحة الذهنية للأطفال"..
                      وكنت أشك في أنه، هو نفسه، يعرف من اللغة الانكليزية غير كلمتين: "غود باي".
                      كان عمره ضعف عمري، ولكنه فضولي مثل بودل* صغير، يتعشق الثرثرة وأن يخلق لدى المرء انطباعاً أنه يعرف جميع أسرار الحلقات الثورية الأجنبية مثلما يعرف الحلقات الروسية تماما. ولعله يعرفها حقاً، فقد كان يزوره على الدوام غرباء يتصرفون مثل ممثلين تراجيديين عظام أرغموا في هذه اللحظة على القيام بأدوار المغفلين. وفي منزله التقيت الثوري سابونايف الذي كان يرتدي، بسبب من اختبائه من الشرطة، جمة حمراء بشعة وحلة مبهرجة ضيقة عليه بصورة ساخرة.
                      رأيت ذات يوم عند وصولي إليه رجلاً صغيراً عجولاً له رأس صغير وطلعة حلاق. كان يلبس سروالاً مخططاً، وسترة رمادية وحذاء مصرصراً. دفعني بولسلاف إلى المطهى، وهمس قائلاً:
                      - جاء من باريس لتوه حاملاً معلومات على جانب من الخطورة.. وينبغي أن يجتمع بكورولينكو. فتلطّف بتدبير ذلك..
                      بذلت جهدي، لكنه تبين أن كورولينكو رأى ذلك الرجل بعدما أشاروا إليه في الشارع، فعالنني في ثقة:
                      - كلا، شكراً لك، فليس لديّ ما أفعله مع هذا الغندور!
                      وكان بولسلاف يعتبر ذلك اهانة للباريسي و "قضية الثورة" على حد سواء. فأمضى اليومين التاليين ينشئ رسالة إلى كورولينكو، يصوغ احتجاجه آونة في ألفاظ من الشجب الغاضب، وآونة في عبارة من التوبيخ اللطيف، وأخيراً أرسل جميع جهوده التي بذلها في تدبيج الرسائل إلى الفرن. وما أسرع أن أعقب ذلك سلسلة من الاعتقالات في موسكو، ونيجني نوفجورود، وفلاديمير، وتبين ان الرجل المرتدي سروالاً مخططاً لم يكن سوى لانديزن – غارتن الشهير، أول عميل للشرطة وقعت عليه عيناي.
                      وعلى أي حال، فقد كان زوج محبوبتي من طراز طيب، عاطفي نوعاً ما، له مسحة ساخرة زودته بها "الأمتعة العلمية" التي ألقت عبأها على كتفيه. وقد اعتاد ، هو نفسه، أن يقول:
                      - المسوّغ الوحيد للمثقف في الحياة هو أن يجمع المعرفة العلمية التي يستطيع الحصول عليها، ثم يوزعها بين الجماهير دون أن يفكر في اجتناء ربح شخصي...


                      sigpic

                      تعليق

                      • العربي الثابت
                        أديب وكاتب
                        • 19-09-2009
                        • 815

                        #12
                        لازلت رفقة ألبرتو مورافيا...
                        أجل يبقى الأدب العالمي ذلك الفضاء الرحب لملامسة الذات الإنسانية في صورتها المشاع...المعبرة عن تراكمية تجسد الهم البشري في صوره الحقيقة...
                        وأنا أعبر من امراءة ذائعة الصيت نحوالوردة..لاحظت ذلك الإيقاع الهاديء المتماسك لطريقة حبك الأحداث وكيف يستدعي بعضها بعضا دون حدوث اهتزازات تشوش على القاريء تتبعه..
                        في الأولى اقتربت من نفسية النجوم حين تحاصرهم الشهرة ويفقدون تواصلهم الطبيعي مع المحيط..وبالتالي مع ذواتهم.
                        وفي الثانية حكيا جميلا ورصدا يفوق الكاميرا دقة لحياة بسيطة تدور أحداثها
                        بشخوص مختلفة ،وتطرح سؤالا مخيفا بين ان تكون انت أو ان تكون كما يريدون، وقررت السيتونية الفتاة، أن تجمع بين الخيارين معا في شكل هو السائد...
                        بودي لو نتفادى الأخطاء المطبعية ما استطعنا الى ذلك سبيلا لكونها تضر المعنى والمبنى معا...
                        تحاياي الصادقة...وأنا دوما هنا في هذه النافذة ذات النسيم الرطب..

                        العربي .
                        اذا كان العبور الزاميا ....
                        فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                        تعليق

                        يعمل...
                        X