يسعدني أن أبدأ رؤايَ النقدية بقصيدة للشاعر الأمير د . جمال مرسي ، ابن هذا الصرح الكبير ، و صاحب منتدى قناديل الفكر و الأدب ،
هو من كبار الشعراء الذين كتبوا في ملتقى الأدباء المبدعين العرب ، و من السابقين السابقين ، و مازالت بصماته دامغة و بنيانه شامخاً هنا ،
و يسعدني أن أقدم رؤيتي لقصيدته ( النيل )
جمال مرسي هو ابن النيل لذلك ، و هو مغترب في بلد عربي ، و نجد النيل يسكنه أينما رحل ، مثله مثل أي مصري تربي على ضفاف النيل و شرب من مائه و أكل من خيرات ربه التي أنبتها في تربةٍ أنجبت أوائل المبدعين ، و المرسي هو امتداد لهؤلاء الذي خلد التاريخ الأدبي بألوانه الفصيح و العامي ، و كلهم خلّد النيل بطريقته . فكلهم أبناءه وماؤه اختلط بدمائهم و يجري في شرايينهم ، فيُسمّى المصري ( ابن النيل ) و المرسي أكد هذه المقولة التي تدل على أصلٍ عريق فقد ظهر في بداية نصه هذا
( وَاصِلْ مَسِيرَكْ .
مَا كَانَ لِلرِّيحِ العَتِيَّةِ أَن تُضِيرَكْ .
يَا أَيُّهاالنِّيلُ الأَبِيُّ : أَرَاكَ تَزدَادُ اْئتِلاقاً ،
كُلَّما ألقَوْا بِمَجرَاكَ النَّقِيِّ جَنَادِلَ الحِقدِ القَدِيمِ
سَقَيْتَهُم مَاءً طَهُوراً
فِي كُؤُوسٍ مِن لُجَينِكَ
و اقتَسَمتَ رَغِيفَ خُبزِكَ
.. رَاضِياً ..
ونَثَرتَ فِي آَفَاقِ مَارِقِهِم عَبِيرَكْ .
***
و في المقطع التالي
يتابع المرسي خطابه للنيل فيقول
يا كم فَرَشتَ بِسَاطَ مَوجِكَ
كي يَمُرُّوا .
فموج النيل يشبهه المرسي بالبساط الذي يعبر عليه المارة
و ما أجملها من تشبيه / سطح الموج بالبساط / و ربما هنا شبهه بالبساط الرئاسي أو الملكي في مراسم الاستقبال
و عَلَى الضِفَافِ زَرَعتَ نَعنَاعَ المُنَى
كي يَستَقِرُّوا .
و مَنَحتَهُم فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ الطَّوِيلِ
.. و لَم تَنَم عَينَاكَ يَا عَيْنِي ..
سَرِيرَكْ .
و يتابع بقوله على الضفاف زرعت نعناع المنى ، و هنا رمز ربما لكل ما يُزرع على ضفاف النيل من خيرات يعيش عليها المقيم الذي رضع ماء النيل في حليب أمه ، و النيل هبة الله لمصر ، فيؤكد على عطاء النيل بقوله( منحتهم ... و لم تنم عيناك ) و يعبر عن محبته له بقوله : يا عيني ... و هل أغلى منه بعد ، ربما نقولها لابن أو لأب أو لحبيب ، و ما أروعه من خطاب يصدر من محب إلى حبيبه .
يَا كَم مَدَدْتَ يَمِينَكَ البَيضَاءَفِي شَمَمٍ
تُصَافِحُ مَن تَجَنَّى ،
أو تَمَنَّى ..
أَن يَزُولَ خُلودُكَ الأَبَدِيُّ ،
أو يَطغَى عَلَيكَ المِلحُ فِي البَحرِ الخِضَمِّ ،
و يؤكد المرسي هنا بأن النيل يتسامح مع الذين يشربون من مائه و يسيؤون له و يتمنون أن يصير ملحاً أجاجاً ، فــــــ يدُ النيل دائماً بيضاء و كبرياؤه و أنفته و شممه تربآن به على أن يرد بالمثل الإساءة ، بل صفته التسامح ، رغم تمنيهم له بأن يجف أو يزول حسداً منهم لهذا الكبرياء و هذا الكرم الإلهي الذي خص الله به مصر و أهل وادي النيل
تَظَلَّ وَحدَكَ فِي عُبَابِ المَوجِ
كَي تَلقَى مَصِيرَكْ .
نَخْلاتُكَ المُتَمِرِّداتُ عَلَى الفَنَاءِ ،
اللاَّمِسَاتُ يَدَ السَّمَاءِ،
الضَّارِبَاتُ عَرَاقَةً فِي المَاءِ ،
و التَّارِيخِ ( مِن عَهدِ الأُلَى (
يَرفُضنَ
.. يا نِيلَ الوَضَاءَةِ ..
أَن تُعَكِّرَ رِيحُ مَارِقِهِم نَمِيرَكْ .
جُمَّيزُكَ الأَزَلِيُّ يَأبَى
غَيرَ أَن يَبقَى .. و إِنعَصَفَت بِكَ الأَنوَاءُ ..
حَتَّى المُنتَهَى
و بقاءِ نبعِكَ في جِنانِ الخُلدِ مَزهُوّاً ،
سَمِيرَكْ .
في هذا المقطع يبين الشاعر المرسي عراقة النيل و قدمه و مكانته ، فمن خلال النخل الذي ينبت على ضفافه حيث يمد في عميق الأرض جذوره ، و هذا يحتاج إلى زمن تقادمت عصوره ، و كذلك طولها الذي وصل أقصاه ، نخلاته سامقات باسقات يزيدهن القدم جمالاً و قيمة لأنها تحكي تاريخ النيل فكل عقدة و كل سعفةٍ نبتت في ساق نخلة هي شاهد على سنين كثيرة مضت و كلها ترفض أن يعكر صفو مائه أي مارق متطفل على سحر النيل و كبريائه و عراقته ، فالنيل يحمل تاريخ مصر القديم و الحديث ، و الجميز النيليّ الأزلي القديم شاهد آخر على تلك العراقة و هو يرفض إلا أن يكون سمير النيل و نديمه في ليله أو نهاره ، تلك الصحبة نشأت لأن ماء النيل تجري في نسغ الجميز الذي وفّى للنيل و بقي شاهداً على روعته و جماله و عطائه
يا أَيُّهَا القِندِيلُ :
لَن تَقوَى خَفَافِيشُ الظَّلامِ و إِن تَمَادَت
فِي تَنَاسُلِهَا البَغِيضِ
و رَقصَةِالنَّارِ المَقِيتَةِ فَوقَ صَفحَتِكَ الوَضِيئَةِ
أَن تَذُرَّ رَمَادَها بِعُيونِكَ الكَحلَى
لِتَحجُبَ عن عُيُونِ النَّاسِ نُورَكْ .
وَاصِلْمَسِيرَكْ .
و ابعَثْ رَسُولَ النُّورِ فِي كُلِّ الجِهَاتِ
مُحَمَّلاًبِالعِطرِ
و ازرَع فِي فَيَافِيهَا زُهُورَكْ
و يؤكد الشاعر المرسي في تشبيهه النيل بالقنديل على أنه منارة عبر التاريخ ، ومنارة للحاضر و المستقبل ، و أنه مهما حاول المتآمرون ( خفافيش الظلام ) و وذرياتهم - هم خفافيش البشر الذي ينشطون ليلاً و أهل النيل نائمون - و ربما هنا عنى بذلك كثرة مؤامراتهم على إطفاء نور النيل و طمس تاريخه و التقليل من شأنه ، أو ذر الرماد في عيونه ، و هنا يؤكد أن للنيل عيون و ليست عينان فقط ، و يؤكد أن النور يشع من عيون النيل ، فيريدون أذيتها ، أو تشويه الرؤية بها و منها ، لكن المرسي ابن النيل الأصيل يدعوه إلى مواصلة عطائه رغم كل ذلك الأذى و متابعة إشعاع نوره و سحره رغم كل ما يتعرض له من محاولات أذية و تقزيم ، و عبثاً يحاولون . فلا يستطيعون حجب الشمس بغربالهم أو بغرابيلهم .
ما زَالَ دَربُكَ لِلخُلُودتَحُفُّهُ الأَشوَاكُ ،
و النُّسَّاكُ قد خَلَعُوا جِبابَ الزُّهدِ
وامتَشَقُوا خَنَاجِرََهُم لِتَفنَى .
هَل سَتَفنَى ؟
أَم سَتُعلِنُ ياقَدِيمَ المَوجِ
و النَّخْلاتِ ، و الجُمَّيزِ ، و الشَّهدِ المُصَفَّى،
ثَورَةَ البُركانِ ،
تُسمِعُهُم هَدِيرَكْ ؟
و يتابع المرسي عرضه لخلود النيل و أن عراقة هذا الخلود معرضة للتشويه و المحاربة من قبل الأشواك ، و هنا استعارة أظن أنه عنى بها من يبغض النيل و أهله ، و النسّاك الذين خلعوا جباب زهدهم غيرةً و حقداً كي يستمروا في تشويه سمعته و محاولة إفنائه و إطفاء نوره ، و هنا خلع الجباب ربما كي يخرجوا من جلودهم المزيفة و تظهر حقائقهم ، أو ربما رمز المرسي بذلك لمن أحب النيل من المتديّنين و حسد أهله عليه ، و تمنى له الفناء ، و يسأله هل ستفنى ؟ أم أنك ستعلن ثورتك عليهم و ؤكد قدمه بخطابه له يا قديم الموج – وما أروعها من استعارة - و الجميز ، و النخلات و الشهد المصفى ، و هنا رمز لعذوبة ماء النيل .
يا أيُّهَا النِّيلُ المُخَلَّدُ فِي ضَمِيرِي
يا ضَمِيرِي
مُذ رَضَعتُ حَلِيبَ مَوجَتِكَ الشَّهِيَّ
غَدَوتُ مِنكَ و أَنتَ مِنِّي
صِرتُ مِثلَكَ
بَيدَ أَنَّكَ لم تَشِبْ
و يخاطب المرسي نيله ، بقوله : يا أيها المخلد في ضميري ، بل ( يا ضميري ) ، و كم هي رائعة هذه الاستعارة و تشبيه النيل بالضمير ، إنه إخلاص و توحد مع النيل . و يؤكد على أن ابن النيل يشرب ماء النيل في حليب أمه و يلبى عليه ، فما أجمل قوله ( رضعت حليب موجتك الشهي ) و يؤكد توحده معه بقوله ( غدوت منك و أنت مني ) بل صار مثله ، كيف لا ؟ وهو ابن النيل ، فلابد أن يحمل من صفاته أو يشابهه و يقول ( صرتُ مثلك ) ، لكن المرسي شابَ ، و النيل العريق القديم لم يشب و لن يشيب بحول الله و قوته ، لأن مصر هي أرض الله الكنانة ،
و كم هي رائعة هذه الصورة بقوله ( بيد أنك لم تشب )
هذا هو المرسي ابن النيل الذي يحمل نيله اينما ذهب في شرايينه كما أسلفت في بادية معرض حديثي أعلاه . و قد كتب نصه هذا و هو بغربته بعيد عنه ، بتاريخ 9 / 12 / 2009 م ، فـــــ ربما هو الشوق و العطش لرشفة من مائه السحر .
أتمنى أن أكون قد سلطت الضوء - من خلال رؤيتي – على قصيدة أخي و صديقي الدكتور جمال مرسي ( النيل ) ، و هذا المرسي أحد فروعه العذبة التي تحمل النور إلى بقاع الأرض و تنشر سحر نيل الدنيا و أم الدنيا إلى الدنيا كلها .
مودتي و احترامي
عيسى عماد الدين عيسى
حمص المحبة / الــ تعانق الياسمين
هو من كبار الشعراء الذين كتبوا في ملتقى الأدباء المبدعين العرب ، و من السابقين السابقين ، و مازالت بصماته دامغة و بنيانه شامخاً هنا ،
و يسعدني أن أقدم رؤيتي لقصيدته ( النيل )
جمال مرسي هو ابن النيل لذلك ، و هو مغترب في بلد عربي ، و نجد النيل يسكنه أينما رحل ، مثله مثل أي مصري تربي على ضفاف النيل و شرب من مائه و أكل من خيرات ربه التي أنبتها في تربةٍ أنجبت أوائل المبدعين ، و المرسي هو امتداد لهؤلاء الذي خلد التاريخ الأدبي بألوانه الفصيح و العامي ، و كلهم خلّد النيل بطريقته . فكلهم أبناءه وماؤه اختلط بدمائهم و يجري في شرايينهم ، فيُسمّى المصري ( ابن النيل ) و المرسي أكد هذه المقولة التي تدل على أصلٍ عريق فقد ظهر في بداية نصه هذا
( وَاصِلْ مَسِيرَكْ .
مَا كَانَ لِلرِّيحِ العَتِيَّةِ أَن تُضِيرَكْ .
يَا أَيُّهاالنِّيلُ الأَبِيُّ : أَرَاكَ تَزدَادُ اْئتِلاقاً ،
كُلَّما ألقَوْا بِمَجرَاكَ النَّقِيِّ جَنَادِلَ الحِقدِ القَدِيمِ
سَقَيْتَهُم مَاءً طَهُوراً
فِي كُؤُوسٍ مِن لُجَينِكَ
و اقتَسَمتَ رَغِيفَ خُبزِكَ
.. رَاضِياً ..
ونَثَرتَ فِي آَفَاقِ مَارِقِهِم عَبِيرَكْ .
***
و في المقطع التالي
يتابع المرسي خطابه للنيل فيقول
يا كم فَرَشتَ بِسَاطَ مَوجِكَ
كي يَمُرُّوا .
فموج النيل يشبهه المرسي بالبساط الذي يعبر عليه المارة
و ما أجملها من تشبيه / سطح الموج بالبساط / و ربما هنا شبهه بالبساط الرئاسي أو الملكي في مراسم الاستقبال
و عَلَى الضِفَافِ زَرَعتَ نَعنَاعَ المُنَى
كي يَستَقِرُّوا .
و مَنَحتَهُم فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ الطَّوِيلِ
.. و لَم تَنَم عَينَاكَ يَا عَيْنِي ..
سَرِيرَكْ .
و يتابع بقوله على الضفاف زرعت نعناع المنى ، و هنا رمز ربما لكل ما يُزرع على ضفاف النيل من خيرات يعيش عليها المقيم الذي رضع ماء النيل في حليب أمه ، و النيل هبة الله لمصر ، فيؤكد على عطاء النيل بقوله( منحتهم ... و لم تنم عيناك ) و يعبر عن محبته له بقوله : يا عيني ... و هل أغلى منه بعد ، ربما نقولها لابن أو لأب أو لحبيب ، و ما أروعه من خطاب يصدر من محب إلى حبيبه .
يَا كَم مَدَدْتَ يَمِينَكَ البَيضَاءَفِي شَمَمٍ
تُصَافِحُ مَن تَجَنَّى ،
أو تَمَنَّى ..
أَن يَزُولَ خُلودُكَ الأَبَدِيُّ ،
أو يَطغَى عَلَيكَ المِلحُ فِي البَحرِ الخِضَمِّ ،
و يؤكد المرسي هنا بأن النيل يتسامح مع الذين يشربون من مائه و يسيؤون له و يتمنون أن يصير ملحاً أجاجاً ، فــــــ يدُ النيل دائماً بيضاء و كبرياؤه و أنفته و شممه تربآن به على أن يرد بالمثل الإساءة ، بل صفته التسامح ، رغم تمنيهم له بأن يجف أو يزول حسداً منهم لهذا الكبرياء و هذا الكرم الإلهي الذي خص الله به مصر و أهل وادي النيل
تَظَلَّ وَحدَكَ فِي عُبَابِ المَوجِ
كَي تَلقَى مَصِيرَكْ .
نَخْلاتُكَ المُتَمِرِّداتُ عَلَى الفَنَاءِ ،
اللاَّمِسَاتُ يَدَ السَّمَاءِ،
الضَّارِبَاتُ عَرَاقَةً فِي المَاءِ ،
و التَّارِيخِ ( مِن عَهدِ الأُلَى (
يَرفُضنَ
.. يا نِيلَ الوَضَاءَةِ ..
أَن تُعَكِّرَ رِيحُ مَارِقِهِم نَمِيرَكْ .
جُمَّيزُكَ الأَزَلِيُّ يَأبَى
غَيرَ أَن يَبقَى .. و إِنعَصَفَت بِكَ الأَنوَاءُ ..
حَتَّى المُنتَهَى
و بقاءِ نبعِكَ في جِنانِ الخُلدِ مَزهُوّاً ،
سَمِيرَكْ .
في هذا المقطع يبين الشاعر المرسي عراقة النيل و قدمه و مكانته ، فمن خلال النخل الذي ينبت على ضفافه حيث يمد في عميق الأرض جذوره ، و هذا يحتاج إلى زمن تقادمت عصوره ، و كذلك طولها الذي وصل أقصاه ، نخلاته سامقات باسقات يزيدهن القدم جمالاً و قيمة لأنها تحكي تاريخ النيل فكل عقدة و كل سعفةٍ نبتت في ساق نخلة هي شاهد على سنين كثيرة مضت و كلها ترفض أن يعكر صفو مائه أي مارق متطفل على سحر النيل و كبريائه و عراقته ، فالنيل يحمل تاريخ مصر القديم و الحديث ، و الجميز النيليّ الأزلي القديم شاهد آخر على تلك العراقة و هو يرفض إلا أن يكون سمير النيل و نديمه في ليله أو نهاره ، تلك الصحبة نشأت لأن ماء النيل تجري في نسغ الجميز الذي وفّى للنيل و بقي شاهداً على روعته و جماله و عطائه
يا أَيُّهَا القِندِيلُ :
لَن تَقوَى خَفَافِيشُ الظَّلامِ و إِن تَمَادَت
فِي تَنَاسُلِهَا البَغِيضِ
و رَقصَةِالنَّارِ المَقِيتَةِ فَوقَ صَفحَتِكَ الوَضِيئَةِ
أَن تَذُرَّ رَمَادَها بِعُيونِكَ الكَحلَى
لِتَحجُبَ عن عُيُونِ النَّاسِ نُورَكْ .
وَاصِلْمَسِيرَكْ .
و ابعَثْ رَسُولَ النُّورِ فِي كُلِّ الجِهَاتِ
مُحَمَّلاًبِالعِطرِ
و ازرَع فِي فَيَافِيهَا زُهُورَكْ
و يؤكد الشاعر المرسي في تشبيهه النيل بالقنديل على أنه منارة عبر التاريخ ، ومنارة للحاضر و المستقبل ، و أنه مهما حاول المتآمرون ( خفافيش الظلام ) و وذرياتهم - هم خفافيش البشر الذي ينشطون ليلاً و أهل النيل نائمون - و ربما هنا عنى بذلك كثرة مؤامراتهم على إطفاء نور النيل و طمس تاريخه و التقليل من شأنه ، أو ذر الرماد في عيونه ، و هنا يؤكد أن للنيل عيون و ليست عينان فقط ، و يؤكد أن النور يشع من عيون النيل ، فيريدون أذيتها ، أو تشويه الرؤية بها و منها ، لكن المرسي ابن النيل الأصيل يدعوه إلى مواصلة عطائه رغم كل ذلك الأذى و متابعة إشعاع نوره و سحره رغم كل ما يتعرض له من محاولات أذية و تقزيم ، و عبثاً يحاولون . فلا يستطيعون حجب الشمس بغربالهم أو بغرابيلهم .
ما زَالَ دَربُكَ لِلخُلُودتَحُفُّهُ الأَشوَاكُ ،
و النُّسَّاكُ قد خَلَعُوا جِبابَ الزُّهدِ
وامتَشَقُوا خَنَاجِرََهُم لِتَفنَى .
هَل سَتَفنَى ؟
أَم سَتُعلِنُ ياقَدِيمَ المَوجِ
و النَّخْلاتِ ، و الجُمَّيزِ ، و الشَّهدِ المُصَفَّى،
ثَورَةَ البُركانِ ،
تُسمِعُهُم هَدِيرَكْ ؟
و يتابع المرسي عرضه لخلود النيل و أن عراقة هذا الخلود معرضة للتشويه و المحاربة من قبل الأشواك ، و هنا استعارة أظن أنه عنى بها من يبغض النيل و أهله ، و النسّاك الذين خلعوا جباب زهدهم غيرةً و حقداً كي يستمروا في تشويه سمعته و محاولة إفنائه و إطفاء نوره ، و هنا خلع الجباب ربما كي يخرجوا من جلودهم المزيفة و تظهر حقائقهم ، أو ربما رمز المرسي بذلك لمن أحب النيل من المتديّنين و حسد أهله عليه ، و تمنى له الفناء ، و يسأله هل ستفنى ؟ أم أنك ستعلن ثورتك عليهم و ؤكد قدمه بخطابه له يا قديم الموج – وما أروعها من استعارة - و الجميز ، و النخلات و الشهد المصفى ، و هنا رمز لعذوبة ماء النيل .
يا أيُّهَا النِّيلُ المُخَلَّدُ فِي ضَمِيرِي
يا ضَمِيرِي
مُذ رَضَعتُ حَلِيبَ مَوجَتِكَ الشَّهِيَّ
غَدَوتُ مِنكَ و أَنتَ مِنِّي
صِرتُ مِثلَكَ
بَيدَ أَنَّكَ لم تَشِبْ
و يخاطب المرسي نيله ، بقوله : يا أيها المخلد في ضميري ، بل ( يا ضميري ) ، و كم هي رائعة هذه الاستعارة و تشبيه النيل بالضمير ، إنه إخلاص و توحد مع النيل . و يؤكد على أن ابن النيل يشرب ماء النيل في حليب أمه و يلبى عليه ، فما أجمل قوله ( رضعت حليب موجتك الشهي ) و يؤكد توحده معه بقوله ( غدوت منك و أنت مني ) بل صار مثله ، كيف لا ؟ وهو ابن النيل ، فلابد أن يحمل من صفاته أو يشابهه و يقول ( صرتُ مثلك ) ، لكن المرسي شابَ ، و النيل العريق القديم لم يشب و لن يشيب بحول الله و قوته ، لأن مصر هي أرض الله الكنانة ،
و كم هي رائعة هذه الصورة بقوله ( بيد أنك لم تشب )
هذا هو المرسي ابن النيل الذي يحمل نيله اينما ذهب في شرايينه كما أسلفت في بادية معرض حديثي أعلاه . و قد كتب نصه هذا و هو بغربته بعيد عنه ، بتاريخ 9 / 12 / 2009 م ، فـــــ ربما هو الشوق و العطش لرشفة من مائه السحر .
أتمنى أن أكون قد سلطت الضوء - من خلال رؤيتي – على قصيدة أخي و صديقي الدكتور جمال مرسي ( النيل ) ، و هذا المرسي أحد فروعه العذبة التي تحمل النور إلى بقاع الأرض و تنشر سحر نيل الدنيا و أم الدنيا إلى الدنيا كلها .
مودتي و احترامي
عيسى عماد الدين عيسى
حمص المحبة / الــ تعانق الياسمين
تعليق