رؤية و قراءة في قصيدة (( النيل )) للشاعر : د . جمال مرسي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عيسى عماد الدين عيسى
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2394

    رؤية و قراءة في قصيدة (( النيل )) للشاعر : د . جمال مرسي

    يسعدني أن أبدأ رؤايَ النقدية بقصيدة للشاعر الأمير د . جمال مرسي ، ابن هذا الصرح الكبير ، و صاحب منتدى قناديل الفكر و الأدب ،
    هو من كبار الشعراء الذين كتبوا في ملتقى الأدباء المبدعين العرب ، و من السابقين السابقين ، و مازالت بصماته دامغة و بنيانه شامخاً هنا ،
    و يسعدني أن أقدم رؤيتي لقصيدته ( النيل )
    جمال مرسي هو ابن النيل لذلك ، و هو مغترب في بلد عربي ، و نجد النيل يسكنه أينما رحل ، مثله مثل أي مصري تربي على ضفاف النيل و شرب من مائه و أكل من خيرات ربه التي أنبتها في تربةٍ أنجبت أوائل المبدعين ، و المرسي هو امتداد لهؤلاء الذي خلد التاريخ الأدبي بألوانه الفصيح و العامي ، و كلهم خلّد النيل بطريقته . فكلهم أبناءه وماؤه اختلط بدمائهم و يجري في شرايينهم ، فيُسمّى المصري ( ابن النيل ) و المرسي أكد هذه المقولة التي تدل على أصلٍ عريق فقد ظهر في بداية نصه هذا

    ( وَاصِلْ مَسِيرَكْ .
    مَا كَانَ لِلرِّيحِ العَتِيَّةِ أَن تُضِيرَكْ .
    يَا أَيُّهاالنِّيلُ الأَبِيُّ : أَرَاكَ تَزدَادُ اْئتِلاقاً ،
    كُلَّما ألقَوْا بِمَجرَاكَ النَّقِيِّ جَنَادِلَ الحِقدِ القَدِيمِ
    سَقَيْتَهُم مَاءً طَهُوراً
    فِي كُؤُوسٍ مِن لُجَينِكَ
    و اقتَسَمتَ رَغِيفَ خُبزِكَ
    .. رَاضِياً ..
    ونَثَرتَ فِي آَفَاقِ مَارِقِهِم عَبِيرَكْ .
    ***


    و في المقطع التالي
    يتابع المرسي خطابه للنيل فيقول


    يا كم فَرَشتَ بِسَاطَ مَوجِكَ
    كي يَمُرُّوا .

    فموج النيل يشبهه المرسي بالبساط الذي يعبر عليه المارة
    و ما أجملها من تشبيه / سطح الموج بالبساط / و ربما هنا شبهه بالبساط الرئاسي أو الملكي في مراسم الاستقبال

    و عَلَى الضِفَافِ زَرَعتَ نَعنَاعَ المُنَى
    كي يَستَقِرُّوا .
    و مَنَحتَهُم فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ الطَّوِيلِ
    .. و لَم تَنَم عَينَاكَ يَا عَيْنِي ..
    سَرِيرَكْ .

    و يتابع بقوله على الضفاف زرعت نعناع المنى ، و هنا رمز ربما لكل ما يُزرع على ضفاف النيل من خيرات يعيش عليها المقيم الذي رضع ماء النيل في حليب أمه ، و النيل هبة الله لمصر ، فيؤكد على عطاء النيل بقوله( منحتهم ... و لم تنم عيناك ) و يعبر عن محبته له بقوله : يا عيني ... و هل أغلى منه بعد ، ربما نقولها لابن أو لأب أو لحبيب ، و ما أروعه من خطاب يصدر من محب إلى حبيبه .





    يَا كَم مَدَدْتَ يَمِينَكَ البَيضَاءَفِي شَمَمٍ
    تُصَافِحُ مَن تَجَنَّى ،
    أو تَمَنَّى ..
    أَن يَزُولَ خُلودُكَ الأَبَدِيُّ ،
    أو يَطغَى عَلَيكَ المِلحُ فِي البَحرِ الخِضَمِّ ،

    و يؤكد المرسي هنا بأن النيل يتسامح مع الذين يشربون من مائه و يسيؤون له و يتمنون أن يصير ملحاً أجاجاً ، فــــــ يدُ النيل دائماً بيضاء و كبرياؤه و أنفته و شممه تربآن به على أن يرد بالمثل الإساءة ، بل صفته التسامح ، رغم تمنيهم له بأن يجف أو يزول حسداً منهم لهذا الكبرياء و هذا الكرم الإلهي الذي خص الله به مصر و أهل وادي النيل


    تَظَلَّ وَحدَكَ فِي عُبَابِ المَوجِ
    كَي تَلقَى مَصِيرَكْ .
    نَخْلاتُكَ المُتَمِرِّداتُ عَلَى الفَنَاءِ ،
    اللاَّمِسَاتُ يَدَ السَّمَاءِ،
    الضَّارِبَاتُ عَرَاقَةً فِي المَاءِ ،
    و التَّارِيخِ ( مِن عَهدِ الأُلَى (
    يَرفُضنَ
    .. يا نِيلَ الوَضَاءَةِ ..
    أَن تُعَكِّرَ رِيحُ مَارِقِهِم نَمِيرَكْ .
    جُمَّيزُكَ الأَزَلِيُّ يَأبَى
    غَيرَ أَن يَبقَى .. و إِنعَصَفَت بِكَ الأَنوَاءُ ..
    حَتَّى المُنتَهَى
    و بقاءِ نبعِكَ في جِنانِ الخُلدِ مَزهُوّاً ،
    سَمِيرَكْ .


    في هذا المقطع يبين الشاعر المرسي عراقة النيل و قدمه و مكانته ، فمن خلال النخل الذي ينبت على ضفافه حيث يمد في عميق الأرض جذوره ، و هذا يحتاج إلى زمن تقادمت عصوره ، و كذلك طولها الذي وصل أقصاه ، نخلاته سامقات باسقات يزيدهن القدم جمالاً و قيمة لأنها تحكي تاريخ النيل فكل عقدة و كل سعفةٍ نبتت في ساق نخلة هي شاهد على سنين كثيرة مضت و كلها ترفض أن يعكر صفو مائه أي مارق متطفل على سحر النيل و كبريائه و عراقته ، فالنيل يحمل تاريخ مصر القديم و الحديث ، و الجميز النيليّ الأزلي القديم شاهد آخر على تلك العراقة و هو يرفض إلا أن يكون سمير النيل و نديمه في ليله أو نهاره ، تلك الصحبة نشأت لأن ماء النيل تجري في نسغ الجميز الذي وفّى للنيل و بقي شاهداً على روعته و جماله و عطائه





    يا أَيُّهَا القِندِيلُ :
    لَن تَقوَى خَفَافِيشُ الظَّلامِ و إِن تَمَادَت
    فِي تَنَاسُلِهَا البَغِيضِ
    و رَقصَةِالنَّارِ المَقِيتَةِ فَوقَ صَفحَتِكَ الوَضِيئَةِ
    أَن تَذُرَّ رَمَادَها بِعُيونِكَ الكَحلَى
    لِتَحجُبَ عن عُيُونِ النَّاسِ نُورَكْ .
    وَاصِلْمَسِيرَكْ .
    و ابعَثْ رَسُولَ النُّورِ فِي كُلِّ الجِهَاتِ
    مُحَمَّلاًبِالعِطرِ
    و ازرَع فِي فَيَافِيهَا زُهُورَكْ

    و يؤكد الشاعر المرسي في تشبيهه النيل بالقنديل على أنه منارة عبر التاريخ ، ومنارة للحاضر و المستقبل ، و أنه مهما حاول المتآمرون ( خفافيش الظلام ) و وذرياتهم - هم خفافيش البشر الذي ينشطون ليلاً و أهل النيل نائمون - و ربما هنا عنى بذلك كثرة مؤامراتهم على إطفاء نور النيل و طمس تاريخه و التقليل من شأنه ، أو ذر الرماد في عيونه ، و هنا يؤكد أن للنيل عيون و ليست عينان فقط ، و يؤكد أن النور يشع من عيون النيل ، فيريدون أذيتها ، أو تشويه الرؤية بها و منها ، لكن المرسي ابن النيل الأصيل يدعوه إلى مواصلة عطائه رغم كل ذلك الأذى و متابعة إشعاع نوره و سحره رغم كل ما يتعرض له من محاولات أذية و تقزيم ، و عبثاً يحاولون . فلا يستطيعون حجب الشمس بغربالهم أو بغرابيلهم .




    ما زَالَ دَربُكَ لِلخُلُودتَحُفُّهُ الأَشوَاكُ ،
    و النُّسَّاكُ قد خَلَعُوا جِبابَ الزُّهدِ
    وامتَشَقُوا خَنَاجِرََهُم لِتَفنَى .
    هَل سَتَفنَى ؟
    أَم سَتُعلِنُ ياقَدِيمَ المَوجِ
    و النَّخْلاتِ ، و الجُمَّيزِ ، و الشَّهدِ المُصَفَّى،
    ثَورَةَ البُركانِ ،
    تُسمِعُهُم هَدِيرَكْ ؟


    و يتابع المرسي عرضه لخلود النيل و أن عراقة هذا الخلود معرضة للتشويه و المحاربة من قبل الأشواك ، و هنا استعارة أظن أنه عنى بها من يبغض النيل و أهله ، و النسّاك الذين خلعوا جباب زهدهم غيرةً و حقداً كي يستمروا في تشويه سمعته و محاولة إفنائه و إطفاء نوره ، و هنا خلع الجباب ربما كي يخرجوا من جلودهم المزيفة و تظهر حقائقهم ، أو ربما رمز المرسي بذلك لمن أحب النيل من المتديّنين و حسد أهله عليه ، و تمنى له الفناء ، و يسأله هل ستفنى ؟ أم أنك ستعلن ثورتك عليهم و ؤكد قدمه بخطابه له يا قديم الموج – وما أروعها من استعارة - و الجميز ، و النخلات و الشهد المصفى ، و هنا رمز لعذوبة ماء النيل .





    يا أيُّهَا النِّيلُ المُخَلَّدُ فِي ضَمِيرِي
    يا ضَمِيرِي
    مُذ رَضَعتُ حَلِيبَ مَوجَتِكَ الشَّهِيَّ
    غَدَوتُ مِنكَ و أَنتَ مِنِّي
    صِرتُ مِثلَكَ
    بَيدَ أَنَّكَ لم تَشِبْ


    و يخاطب المرسي نيله ، بقوله : يا أيها المخلد في ضميري ، بل ( يا ضميري ) ، و كم هي رائعة هذه الاستعارة و تشبيه النيل بالضمير ، إنه إخلاص و توحد مع النيل . و يؤكد على أن ابن النيل يشرب ماء النيل في حليب أمه و يلبى عليه ، فما أجمل قوله ( رضعت حليب موجتك الشهي ) و يؤكد توحده معه بقوله ( غدوت منك و أنت مني ) بل صار مثله ، كيف لا ؟ وهو ابن النيل ، فلابد أن يحمل من صفاته أو يشابهه و يقول ( صرتُ مثلك ) ، لكن المرسي شابَ ، و النيل العريق القديم لم يشب و لن يشيب بحول الله و قوته ، لأن مصر هي أرض الله الكنانة ،


    و كم هي رائعة هذه الصورة بقوله ( بيد أنك لم تشب )

    هذا هو المرسي ابن النيل الذي يحمل نيله اينما ذهب في شرايينه كما أسلفت في بادية معرض حديثي أعلاه . و قد كتب نصه هذا و هو بغربته بعيد عنه ، بتاريخ 9 / 12 / 2009 م ، فـــــ ربما هو الشوق و العطش لرشفة من مائه السحر .


    أتمنى أن أكون قد سلطت الضوء - من خلال رؤيتي – على قصيدة أخي و صديقي الدكتور جمال مرسي ( النيل ) ، و هذا المرسي أحد فروعه العذبة التي تحمل النور إلى بقاع الأرض و تنشر سحر نيل الدنيا و أم الدنيا إلى الدنيا كلها .

    مودتي و احترامي


    عيسى عماد الدين عيسى
    حمص المحبة / الــ تعانق الياسمين
  • يوسف أبوسالم
    أديب وكاتب
    • 08-06-2009
    • 2490

    #2
    شكرا لك أخي عيسى على هذه الدراسة
    لقصيدة الشاعر المبدع د. جمال مرسي
    وآمل أن أجد من الوقت ما يسعفني لألقي الضوء على زوايا أخرى في القصيدة
    تتعلق بالصورة الشعرية والإيقاع
    في هذه القصيدة

    وتحياتي

    تعليق

    • عيسى عماد الدين عيسى
      أديب وكاتب
      • 25-09-2008
      • 2394

      #3
      الأستاذ يوسف

      الدكتور جمال يستحق أن نقرأ في نصوصه بديع الصور

      أتمنى عودتك

      لك عاطر التحايا

      تعليق

      يعمل...
      X