فؤاد حجازي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    فؤاد حجازي

    فؤاد حجازي (1938- )
    .....................

    *ولد فؤاد حجازي في الحسينية بالمنصورة في 8/12/1938م. وحصل على الثانوية العامة عام 1956م، والتحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة في العام نفسه، وفُصل منها عام 1959م.
    *شارك في حرب 1967م، وأُسِر فيها، وقضى في سجن عتليت بإسرائيل ثمانية شهور، ويقول: "علّمني الأسر أن أكون أكثر إنسانية، ورأيتُ في الأسر أننا كنا أكثر رقيا وتحضراً من الإسرائيليين"( )، وعن أسره في سجن عتليت بإسرائيل كتب روايته القصيرة "الأسرى يُقيمون المتاريس"، وعدداً من القصص القصيرة نشرها في مجموعة «سلامات».
    *دخل فؤاد السجن عدة مرات لتهم سياسية، كانت المرة الأولى عام 1959م، واستمرت إقامته فيه تسعة وثلاثون شهراً، قضاها في سجن الواحات، وسجن مصر، وسجن القناطر.
    *وفي عام 1971م دخل سجن القلعة، فقد اتهم بالمشاركة في مظاهرات الطلبة، وأمضى أربعة أشهر في هذا السجن.
    *وفي أحداث الخبز 18 و19 يناير 1977م، ألقي عليه القبض، وأمضى شهرين في سجن القلعة.
    *عمل في مهن مختلفة.
    *كتب رواية عن الحروب التي خاضتها مصر في العصور الحديثة، بعنوان "الرقص على طبول مصرية".
    *أسس عام 1968م سلسلة "أدب الجماهير" في المنصورة، التي أسهمت في حل مشكلة النشر أمام الأدباء الجدد، ونشرت أكثر من مائة عمل فني (ما بين رواية وديوان شعر ومجموعة قصصية ومسرحية ودراسة نقدية)، وقدّمت أكثر من ثلاثين صوتاً أدبيا للساحة، منهم من حقق حضوراً ملموساً، ومن الذين قدمتهم في شعر العامية: إبراهيم رضوان وزكي عمر، وفي الشعر محمد يوسف، وفي الرواية والقصة: عادل حجازي وعبد الرحمن الجمل، وفي المسرح: السيد حافظ، وفي النقد: علي عبد الفتاح، وإبراهيم عوض، وأحمد يوسف، ومحمود حنفي كساب، وعبد المنعم عبد القادر … وغيرهم( ).
    مؤلفاته:
    لفؤاد حجازي نحو ثلاثين كتاباً، في الرواية، والقصة القصيرة والمسرح، والنقد التطبيقي والسيرة الذاتية.
    وقد أصدر تسع روايات، هي: "شارع الخلا" (1968م)، و"نافذة على بحر طناح" (1972م)، و"المحاصرون" (1972م)، و"رجال وجبال ورصاص" (1972م)، و"الأسرى يُقيمون المتاريس" (1976م)، و"العمرة" (1977م)، و"القرفصاء" (1978م)، و"متهمون تحت الطلب" (1982م)، و«عنقودة وسمرة» (1996م).
    كما أصدر ست مجموعات قصصية، هي: "سلامات" (1969م)، و"كراكيب" (1970م)، و"سجناء لكل العصور" (1977م)، و"الزمن المستباح" (1978م)، و"النيل ينبع من المقطم" (1985م)، و"كحكة للصبي" (1990م).
    وفضلاً عن ذلك فقد أصدر عدداً من المجموعات القصصية والروايات للأطفال، منها: «حلوان شامة» (1982م)، و«أمن الذئاب» (1988م)، و«الأسد ينظر في المرآة» (1990م)، و«شجرة الدر تتلقى الأمانة» (1990م)، و«مجلس الملكات» (1996م)، و«طيور البجع تضحك» (1998م).
    وله مسرحيتان بالعامية، هما: «الناس اللي ما معهاش» (1972م)، و«حاملات البلاليص» (1986م)، وخمس مسرحيات من مسرحيات الفصل الواحد، بعنوان «عفواً رئيس الديوان» (1987م).
    كما أصدر كتاباً في النقد التطبيقي بعنوان "أوراق نقدية"، وله كتاب يضم فصولاً من سيرته الذاتية بعنوان "أوراق أدبية".
    رسائل علمية:
    كتبت عنه د. مارينا ستانج في رسالتها للدكتوراه التي قدّمتها عام 1993م لمعهد اللغات الشرقية بجامعة استكهولم تحت عنوان «حدود حرية التعبير»، وصدرت ترجمتها إلى العربية في كتاب عام 1995م.
    وتناول بعضَ رواياته الدكتور حمدي حسين في رسالته للدكتوراه «الرؤية السياسية في الرواية الواقعية»، وقد قدّمها إلى كلية الآداب ـ جامعة القاهرة عام 1993م، وأصدرها في كتاب عام 1995م.
    كما تناولت غادة عفيفي رواياته في رسالتها التي قدّمتها إلى كلية الألسن بجامعة عين شمس، بعنوان «الحرب في الرواية» عام 1997م.
    وتناول عبد المنعم أبو زيد بعض رواياتهفي رسالته التي تقدم بها إلى فرع الفيوم جامعة القاهرة بعنوان «البناء الفني لرواية الحرب في مصر» عام 1999م.
    ترجمات:
    وقد ترجمت فصول من روايته «الأسري يُقيمون المتاريس» إلى الروسية، ترجمها: أناتولي أجاريشف، ونشرت في جريدة "البرافدا كومسمولكايا"، بموسكو 1969م.
    وقد ترجم وليم هتشنز قصته «النيل ينبع من المقطم» إلى الإنجليزية، ونُشرت هذه الترجمة في كتاب «قصص مصرية قصيرة 1970-1980م»، وصدر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة في نوفمبر 1987م.
    كما ضم كتاب «مختارات من القصة المصرية» الذي صدر بالألمانية في برلين 1990م ترجمة لقصته «ست أم عادل».
    ندوات ومؤتمرات:
    شارك في جميع المؤتمرات التي عقدتها الثقافة الجماهيرية: ومنها مؤتمرات الزقازيق (1969م)، والمنيا (1984م)، ودمياط (1985م)، وبورسعيد (1991م)، والمنصورة (2000م).
    وحضر ندوتين عن أدب الحرب، الأولى في بغداد في فبراير 1989م، وأخرى في جامعة ناصر بطرابلس بليبيا في يوليو 1998م.
    كتب عنه:
    1-المحرض (دراسة في أدب فؤاد حجازي) لمحمود حنفي كساب، سلسلة "أدب الجماهير"، المنصورة 1979م.
    2-خمسون عاماً من الفن والنضال، لمجموعة كتاب، سلسلة "رؤيا"، الإسكندرية 1988م.
    3-لقاء مع الزمن المستباح، لمجموعة كتاب، سلسلة "أدب الجماهير"، المنصورة 1989م.
    4-فؤاد حجازي (محور خاص)، مجلة «الثقافة الجديدة» (القاهرة)، عدد أكتوبر 1991م.
    5-فؤاد حجازي في عيده الخمسيني (محور خاص)، مجلة «الرافعي» (طنطا)، ديسمبر 1988م.
    6-فؤاد حجازي يقرع الطبول، لمجموعة من النقاد، سلسلة «كتاب سامول»، المحلة الكبرى 2000م.
    بعض آرائه النقدية:
    رغم أن فؤاد حجازي مبدع، فإنه يُمارس النقد أحياناً، فيكتب أحياناً عن قضايا شديدة الالتباس، أو عن كتاب أحبه، أو رؤية عرضت له في كتاب أو رواية أو مجموعة قصصية( )، وهو عموماً مقل في الكتابة النقدية، وقد صدر له كتاب يضم هذه المقالات والرؤى النقدية بعنوان «أوراق نقدية» (1998م)، ومن آرائه في هذا الكتاب:
    أن الكاتب الجيد هو الذي يستوحي رؤيته من واقعه، يقول في مقالة عنوانها «الجيل الثالث يُنتج أدب الشعب» عن الشخصيات الروائية عند عادل حجازي: «إن الكاتب لم يُسقط على شخصياته أفكاراً مسبقة، ولكنه أخذ من الجو المعاش( ) ما شكّل رؤية فنية موضوعية للواقع الذي عاصره، واستنبط من الشخصيات ذاتها أفكارها وفلسفتها في الحياة والمقاومة» (فؤاد حجازي: أوراق نقدية، ط1، سلسلة مطبوعات إقليم شرق الدلتا الثقافي (28)، المنصورة 1998م، ص8.).
    ومن آرائه أيضاً أن كتاب الجيل الثالث ـ وهو الجيل الذي ينتمي إليه فؤاد حجازي ـ تميزوا «باختراعهم وسائل نشر شعبية، مثل «الماستر» والطباعة على نفقتهم الخاصة، ولقد أدّى ذلك للجرأة والحرية في نتاجهم الأدبي، فلم يعودوا خاضعين للمواصفات التي تتطلبها دور النشر الحكومية، ودور النشر الخاصة. وهذا الأدب خلق أنماطاً جديدة من القراء، فالكتاب يبيعون كتبهم للمحيطين بهم في العمل: في المؤسسة أو المصنع أو المصلحة الحكومية، وهذا الجمهور لا يهمه كثيراً التجريب، بقدر ما يهمه التعبير عن حياته وهمومه»( ).
    وقد أصدر خمس طبعات من روايته «الأسرى يُقيمون المتاريس» بهذه الطريقة في سلسلة «أدب الجماهير» التي أسسها بالمنصورة عام 1968م، وسبقت الإشارة إليها.
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    حوار مع القاص فؤاد حجازي

    حاورته: راندا رأفت
    ..................

    ولد القاص فؤاد حجازي في مدينة المنصورة سنة 1938 ودخل كلية الحقوق لكنه فصل منها عام 1959 بسبب نشاطه السياسي وقتئذ لقى عديد من تجارب الاسر منها في سجن الواحات ن سجن مصر ، سجن القناطر ، سجن القلعة وكان آخرهم سجن عتليت في اسرائيل عقب نكسة 67 الذي قضى فيه 8 أشهر ، وعن تجربته داخل سجن اسرائيل كتب روايته الشهيرة (الأسرى يقيمون المتاريس) التي صدرت عام 1976 وترجمت الى الروسية والانجليزية ، وتم دراساتها في رسالتين للدكتوراة أحداهما في جامعة استكهولم 1993 والآخرى في معهد الدراسات العربية والإسلامية بالفيوم عام 1999 ، ولعل تجاربه في الأسر اثرت على ابداعة الأدبي ، لفؤاد حجازي أكثر من 30 كتابا مابين الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية وقصص الأطفال والنقد الأدبي والمسرح ، كما أسس سلسلة أدب الجماهير عام 1968 ومازالت حتى اليوم تساهم في نشر الانتاج الأدبي للمبدعين الجدد ، حصل فؤاد حجازي على جائزة اتحاد الكتاب للابداع المتميز لعام 2005 .
    · حيث أنك من أبرز الناشطين في مجال الثقافة الجماهيرية ، كيف ترى الحال التي آلت إليها الثقافة الجماهيرية الآن؟
    يمكن القول أن الثقافة الجماهيرية في نكسة ، والنكسة التي حدثت جاءت مع عهد أنس الفقي؛ لأنه قال : أنه سيصلح كذا وكذا وعادة تقتل الأشياء في بلدنا باسم الإصلاح ، فأعلن أنه سيصلح النشر والواقع أنه توقف تماما ، وكان مشروع النشر الجماهيري من أكثر الأنشطة بروزا في الثقافة الجماهيرية
    · وكيف هي باقي الأنشطة كالمسرح مثلا ؟
    المسرح على وجه الأخص موجود لكن على استحياء وبمستوى لا يؤدي إلى نهضة ثقافية أو يشجع مبدعين جدد ، الموجود الآن ماهي إلا جهود فردية ليس نتيجة لخطة منظمة من الثقافة الجماهيرية ، النقطة الثانية التي تؤثر سلبا على مبدعي الثقافة الجماهيرية أنه ليس لديهم التحام بخارجهم ، فمثلا الكاتب كي ينشر أدبه لا يجب أن يعتمد على هيئة الثقافة الجماهيرية فقط بل من الواجب أن أسعى وراء الجمهور فمدرج واحد فقط في الجامعة كفيل بأن يوزع طبعة كاملة من كتاب ، وحتى المكتبات العامة ومكتبات الجامعات والمدارس ، لماذا لاتشتري المكتبات كتب المبدعين الجدد ، فمن المفروض أن يكون هناك خطة فوقية من الوزارة نفسها ، نجح في ذلك جدا مشروع مكتبة الأسرة فهو نتيجة تضافر فعلي لعدد من الوزارات ( الثقافة ، الاعلام، التربية والتعليم ، التنمية المحلية ) هذا يعني أن هناك جهات متعددة مهتمة بالثقافة لكن لا أحد يهتم بتجميعها في مكان واحد .
    · ماذا تقترح لحل هذه المشكلة ؟
    يمكن أن يحدث ذلك في مؤتمر أدباء الأقاليم فيكون في أمانة المؤتمر مندوب من الشئون الإجتماعية ، وآخر من الجامعة ، وهكذا ، وبذلك تجتمع كل الوزارات لخدمة الثقافة فليس من المنطقي أن يجدف كل على حده طالما أن الهدف واحد
    · أنت دائما مدعو لحضور مؤتمرات أدباء الأقاليم أي كان مكانه؟
    حضرت العام الماضي المؤتمر المنعقد في بورسعيد لكن للأسف لم أحضر سوى الجلسة الإفتتاحية ، لم يكن بسببي لكن بسبب أنه لم يكن هناك مكان لائق للمبيت، ولم تكن مشكلتي أنا فقط بل كانت مشكلة كثير من الضيوف أن لم يكن جميعهم ، فكيف بمؤتمر لم يراع أي حقوق آدمية للضيف يتوقع أن يقدم شيئا للثقافة .
    · كيف أثرت عليك الإعتقالات التي واجهتها؟
    أثرت جدا على القرآة والكتابة ، فكان في سجن مصر مكتبة استطعت ان اقرا فيها كثر من الكتب ، وفي سجن الواحات كنا نستطيع تهريب وشراء كتب من مصر أو من خارجها، كما أن المعتقل تجربة قاسية استطعت أن أرى الناس على طبيعتها بمختلف الطبقات والبيئات ، كما أن العزل عن الناس في الخارج فرصة للتأمل في أحوالنا السابقة القادمة ، حاولت أن استفيد من التجربة بقدر الإمكان ، ولا يمكن نسيان الألم النفسي نتيجة الحرمان من الحرية والحياة العادية كما اوقفتني عن الدراسة وضيعت وظيفتي ، وبعد الخروج من المعتقل كانت الكتابة هي السلوى الوحيدة لي حتى استطعت استراداد عملي .
    · لماذا توقف نشاطك السياسي الآن ؟
    لم يعد هناك نشاط سياسي في مصر فم يعد هناك احزاب حقيقية كل احزاب المعارضة تدور في فلك السلطة
    · ألم ترى تأثير على المستوى السياسي بعد تعديل المادة 67 من الدستور ؟
    كل ماحدث هو استبدال مسميات لا تأثير لها ولا أهمية .

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      السرد والتشكيل الزماني والمكاني
      في رواية " الرقص على طبول مصرية " للأديب / فؤاد حجازي

      بقلم : حسن غريب أحمد
      ....................

      يقول – كارليل – في كتابه : الأبطال : " البطولة في مذهبي .. هي العروة المقدسة ، التي تربط ما بين الرجل العظيم وبين سائر الناس .. "
      وفي ظني أن " فؤاد حجازي " قد تعلم هذا الدرس منذ صباه الباكر ، والقراءة المتمهلة لقصص فؤاد حجازي ، تؤكد لنا ، أنه قد ربط بين كلام – كار ليل – عن البطولة ، وبين الواقع المقيد بالمشاكل – من حوله سواء في " المنصورة – حي الشيخ حسنين " ، أو تواجده في الأسر .
      وهما – هذان الوجهان المختلفان – صورة مصغرة ، وضخمة في نفس الوقت ، للمجتمع المصري ، بريفه وحضره - بقراه – ومدنه ولابد قبل أن نتعرض لرواية " الرقص على طبول مصرية " لكاتبنا القدير فؤاد حجازي – نتعرف عليه في سطور موجزة – فهو بغنى عن التعريف والمعرف لا يعرف ..
      هو من مواليد 8 – 12 – 1938 – المنصورة . حاصل على جائزة الدولة التشجعية 1992 م عن مجموعة أدب الطفل (الأسد ينظر في المرآة) وتيمور بالمجلس الأعلى للثقافة عن مجموعة (كحكة للصبي)1991 م وجائزة مبارك (الأول) عن مسرحية (بنات رشد) .
      ترجمت قصصه (النيل ينبع من المقطم) إلى الإنجليزية .. إلى الألمانية (الست أم عادل) وإلى الروسية (الأسرى يقيمون المتاريس) ترجمت منها فصول .
      له عدة أعمال من أهمهـــــــــــــــــــــــــا :
      سلامات – كراكيب – الزمن المستباح – النيل ينبع من المقطم – كحكة للصبي – شارع الخلا – المحاصرون – الأسرى يقيمون المتاريس - العمرة – القرفصاء – حاملات البلاليص – عفواً رئيس الديوان – أمن الذئاب – براءة مارية القبطية – نافذة على بحر طناح – وجبال ورصاص – متهمون تحت الطلب – عنقود وسمرة .... وغيرها الكثير من المسرح وأدب الطلائع .
      لقد بين لنا " فؤاد حجازي " في روايته " الرقص على طبول مصرية " كيف كانت حرب أكتوبر صفحة مشرقة من صفحات النضال المصري والعربي من أجل استرداد أرض سيناء المحتلة ومحو العار . ويصور في الرواية البطولات والتضحيات التي بذلت في سبيل النصر ، ويقول لمن يرون الحرب غولا يلتهم الوطن أن الحرب كانت هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ شرف الوطن وعودة سيناء إلى أحضان الأم مصر .
      إن الرواية التي يقدمها هذا العمل الفني لهي رواية حقيقة خاضها الكاتب نفسه بين المقاتلين أثناء الحرب المجيدة وإبان أسره لمدة ثمان أشهر في معسكر "عتينليت" ، ومعظم أحداثها حقيقية تدور بين ربوع وأراضي سيناء "العريش" – رفح – رمانه – الشيخ زويد – بالوظة " ألخ .
      كما أن الشخصيات التي يشار إليها داخل النص أيضا حقيقية ، أو ربما بعضها من نسج خياله – لكنه أعمل خياله للواقعية الساحرية ، وقد أسهم هذا في جعل رواية "الرقص على طبول مصرية" قطعة نابضة بالصدق .
      ** تشكيل الشخصية :
      قدم لنا " فؤاد حجازي " في روايته مجموعة من الشخصيات الناضجة فنيا التي تمثل قطاعات مختلفة من المجتمع المصري ، وأعمل على انخراطها – فيما بعد – مع أبناء سيناء صهراً وارتباطاً ذاتياً وعمليا وأولها : المهندس حمدي .. يعشق الأرض والفواكه السيناوية لاسيما الخوخ الذي حاول أن ينقل منه جزءاً إلى أرضه في المنصورة بسبب يبوسه الخوخ عندهم ...
      إنه إنساني الطبع حريص على إقامة علاقات إنسانية من أهل سيناء ويتعامل معهم ومع مشاكلهم الحياتية اليومية .
      * سعد الدري ... آتياً من الصعيد ، المنيا – حاصلاً على دبلوم – ويعمل ميكانيكي سيارات – كان يعمل في الزراعة مع المهندس حمدي .... إلى جانب دوره البارز في معركة أكتوبر ، إلى جانب شخصيات صفية وصفوت والرائد عبد السلام فاروق والريس محمد عايش والعايدي وحمدية شقيقة حمدي وسمية التي أحبت حمدي وأحبها .. رغم حبه من قبل لصفية والعلاقة بينهما كانت غير مستتبة بسبب فشلها في زيجة سابقة .
      وأهم شخصيات روايتنا – بلا شك – هو الراوي الحقيقي لهذا العمل وأكثر الشخصيات اكتمالاً من الناحية الفنية .
      وبطلنا ينظر للنكسة كطعنة شخصية له ، جعلته : " وانبثق في ذهنه مقال بهي الدين عن تخلفنا الحضاري ، الذي سبب الهزيمة – وهل لهم حضارة أولئك المجلوبون من شوارع أوربا ، ومتى عملوا حضارة ؟ " لكنه أصابه الملل من طول الانتظار ، لذا نراه يحصي المدة من النكسة للحرب بالأيام والساعات : "بعد ظهر السادس من أكتوبر البشير عام 1973 وبالتحديد في الساعة الثانية وخمس دقائق ، كان جندي الشرطة العسكرية ينظم المرور المتجه من الضفة الغربية لقناة السويس إلى الضفة الشرقية ، مشيراً بيمناه ناحية الشرق" .
      وما أن تمضي سطور قليلة من القصة حتى نسمع هذا البطل يقول : "علمنا أن الطائرات ستعبر في الثانية إلا خمس دقائق بعدها ستقوم المدفعية بثلاث قصفات حتى الثانية والعشرين دقيقة .
      ولا يذهب الملل عن بطلنا إلا مع بداية الحرب ، إذ نرى موجة من الفرح تملأ جوانب نفسه إلى حد البكاء : "صاح سعد : الله أكبر ، ولم يصدق نفسه ، حين سمع الرقيب يقول : أحسن ويشير له أن يعيد الطعن ، الله أكبر فوق مياه القناة ، الله أكبر فوق الساتر الترابي في الشرق والغرب ....
      ومع الحرب يبدأ الخوف ، ليس الخوف الجبان على الحياة ، بل الخوف على الرجال وعلى مصر من أن يصيبها مكروه ، ومع هذا الخوف يبدأ التوتر العصبي ، فهو يتابع الانتصارات ويسعد بها ويصيبه الضيق عند حدوث أي خسائر وكأنه يريد حرباً لا تخسر فيها بلاده شيئاً ، لكنه رغم الخوف والتوتر يحلم بدور يحكيه لأهله وأولاده مستقبلاً وما أن يكلف باستطلاع منطقة فيها جنود إسرائيليين على الفور يقوم بواجبة دون تردد ..
      ويؤمن بطلنا إيمانا قوياً بأن النصر هو البداية ، لذلك هو يقوم بدوره على أكمل وجه حتى تحترق دباباته تحت قصف الطائرات ، ويستشهد رفاقه وتصاب ساق زميله ، ويصر على القتال أيا كانت العواقب الوخيمة ، ويخلى مع الجرحى من جبهة القتال .
      ** الدور الوظيفي للشخصية :
      إن شخصية البطل هنا شخصية حقيقية ، وقد نجح الكاتب نجاحاً باهراً في نقل أرق مشاعرها وتصوير الأحاسيس المركبة التي تصل لحد التناقض أحيانا بشكل يحسب له بلا جدال .
      فحبه الشديد لصفية وتنافرها هي من تكرار الزواج مرة أخرى.. ارتباطه بسمية السيناوية.. فيها تناقض لكنه تناقض يسمو بالجدلية الشكلية للقالب النصي التي تبرز مهارة ودربة الكاتب الكبير..
      الملاحظة الوحيدة على هذه الشخصية أن الراوي أتى ببعض المعلومات عن أهل سيناء دون أن يراعي الدقة في انتقائها ، ومنها مثلاً إدانته لبعض السائقين – بطريقة غير مباشرة طبعاً – بأنهم يأخذون سيارات المرسيدس من العدو مجاناً مقابل أن يسجلوا على أشرطة حوارات الركاب وبعد تسجيلها تسلم لهم.. وأغفل الكاتب للأسف أن أبناء سيناء شيباً ورجالاً ونساء قد ضحوا بكل ما هو غال في الدفاع عن بلدهم فحبسوا واعتقلوا في معتقلات إسرائيلية ومازال البعض منهم حتى الآن.. وآخرهم البطل المناضل "محمود السواركه" الذي ظل زهاء اثني وعشرون عاماً داخل سجون إسرائيل ..
      و يتضح ما قاله كاتبنا في ص 177
      "سارت العربة ، وقد نفثت في وجهه ، دخاناً أسود مرسيدس أربعة أبواب وتعمل بالجاز ، مستوردة من إسرائيل ، ويقول بعض السائقين في العريش إسرائيل تعطيها لمن يطلبها مجاناً فقط تعطيه جهاز تسجيل ليسجل أحاديث الركاب وأن يسلمها الشريط ، كلما امتلأ".
      طبعاً هذا ما ذكره الكاتب وهو خال من الصحة ومبنياً على التضليل والبهتان .
      ** التتابع الحدثي في الرواية :
      ومما يستوقفنا في هذا العمل الفني الجميل هذا القاموس اللغوي وتلك التعبيرات العسكرية التي تشير إلى خبرة حقيقة بحياة الجندية والحرب والآلات العسكرية التي تستعمل .. فهي عن جد تضفي على العمل فيضاً من الصدق . وفيما يلي بعض مفردات هذا القاموس وتعبيراته :
      " الساتر الرملي .. ليس رملا .. قاعدة خرسانية فوقها قضبان سكة حديدية ، عليها عربات قطر ، ملؤوها بالدبش والتراب ، وفوقها طبقة من الرمال أو الطفلة ، روعي أن تكون هشة ، حتى يصعب تسلقها وارتفاع الساتر يزيد على خمسة عشر متراً وعليه تجهيزات تسمح بصعود الدبابات والسد محاط بأسلاك شائكة مكهربة ".
      و في مقطع آخر يقول :
      " تنفرط القنبلة إلى كرات صغيرة ، تشبه كرات التنس ، كل كرة إذا اصطدمت بأحد ، انفرطت إلى حبات صغيرة من البلي ، كأنها رشاش ، تنطلق في كل اتجاه في وقت واحد ، ترشق في عدة أماكن من الجسد ، يتهدل الجسم الحي وينبثق الدم ، ويصعب وقف النزيف "
      إن هذا القاموس وتلك التعبيرات يسهمان في رسم الجو العام للرواية ، وإضفاء مزيد من الصدق على أحداثها كما يدلان على خبرة الكاتب بالعسكرية وثراء قاموسه .
      وترتفع لغة النص في مواضع كثيرة لمستوى الشعر خاصة في لحظات ملاقاة محبوبته (ندا)، ص 199
      "اقتربا من البحر ، صامتين ، متناغمين ، وأطراف الأمواج تداعب حواف الشاطئ العريض الممتد تحت غلالة المساء الشفيفة وقد أطلت سعف النخيل وبعض الباسقات من الكافور من خلف البيوت الواطئة ، المتناثرة على حافة الشاطئ من الجهة الأخرى . بينما تنسحب بقايا الأشعة ، وقد رقت وازدادت الرطوبة ، وتلاقت العيون " .
      إن هذه الشاعرية كانت عاملاً رئيسياً في الابتعاد بالعمل كثيراً عن الخطابية التي من الممكن أن يقع فيها نظراً لحرارة الموضوع ، ولقد أثرت الجمل على البناء العام كثيراً ، ولا شك أن موسيقيتها وظروف الحرب التي قيلت فيها يبررانها .
      ** محور الديمومة الزمنية : -
      والسرد في قصتنا يتم بلغة فصحي على عكس الحوار الذي يعتمد على العامية ، لكن في الحالتين نجد أن الجملة القصيرة السريعة هي الأساس . واحسب أن لجوء كاتبنا " فؤاد حجازي " للعامية في الحوار كان بحثا عن مزيد من الصدق ، وأظنه نجح في تحقيق هدفه .
      والضمير المستخدم في الرواية ضمير الغائب ، وأحيانا يأتي ضمير المتكلم ، وهذا أيضا مصدر من مصادر الإحساس بالصدق في النص .
      ومع أن السرد القائم على ضمير الغائب – المتكلم هو عماد القصة إلا إننا نجده يمتزج بسمات أخرى في بعض المواضع ، ففي البداية نجد شكلاً تسجيلياً يعتمد على رصد الأحداث باليوم والتاريخ والساعة ، وفي أكثر من موضع نجد رجوعاً بالذاكرة (Flash Back) يحاول الكاتب من خلاله أن يثري الحدث أو الشخصية الرئيسية في الرواية .
      كما نجد الوصف لبعض المدن وما تحوي من ميادين وشوارع وأزقة وأشجار مثل "العريش – المنصورة" قد أضفى هذا التنوع الوصفي في الأساليب الشكلية على قصتنا حيوية واضحة خالصة وأن توظيف الأساليب كان جيداً .
      ** سردية المكان الأليف :
      واستفاد أيضا كاتبنا بالتراث استفادة جيدة وفي أكثر من صورة .. استفاد به حين جعل "مسجد العباسي" بالعريش هو الملجأ الوحيد لأبناء سيناء حينما يتزوجون ويعقد قرانهم ويرتادون المسجد بشكل دائم للبعد عن المغريات التي تعرضها عليهم القنوات الإسرائيلية من جنس رخيص وأفلام غير هادفة :
      " أصبح تقليداً ، عقد القران ، في مسجد العباسي بسوق الخميس منذ الاحتلال الإسرائيلي ، فحين تصدع الجامع ، أعاد الأهالي بناءه ، ضد رغبة الإسرائيليين الذين كانوا يخشون من تجمع الناس فيه ، وجعلوا كل زيجاتهم تتم فيه .
      وكان الأهالي يسارعون بتزويج من يبلغ مبلغ الشباب خشية تعرضهم للغواية ، فقد انتشرت أفلام الجنس وانتشر الفيديو ووصل إرسال التلفزيون الإسرائيلي إلى العريش وكان يبث فيلماً جنسياً يوم الجمعة من كل أسبوع . أما البنات فقد فرض عليهم الأهل الملابس السوداء التي تغطي البنت من أساسها إلى رأسها ، حتى لا تتعرض لأي معاكسة من جنود الاحتلال " ص 262 .
      إن هذه الإشارات والتعبيرات ساعدت الكاتب على توصيل معانيه من أقرب الطرق وأكثرها تأثيراً .
      ورغم جهامة الموضوع وحديثه إلا أن الكاتب يضيف عليه من آن لآخر بعض البسمات مثل :
      " رفع السادات رأسه من النعش ، وسأل وزير الداخلية : كم عدد الحضور في الجنازة ؟ "
      - 99.9.85 (إشارة إلى نسبة الأصوات ، التي يعلنها وزير الداخلية ، في كل مرة على استفتاء رئاسة الجمهورية أن الرئيس حصل عليها)
      - ادفن .... ص 254 وغيرها
      و قد أضفت هذا البسمات على الشخصيات طابعاً إنسانياً كما كسرت حدة الموضوع .
      و أخيرا
      يظهر أن "فؤاد حجازي" قد أزمع أن يكون المؤرخ القصصي لعهد الثورة ، كما يصنع كبار القصاص الغربيين بالقياس إلى الأحداث الكبرى التي تحدث في أوطانهم متأثراً بفكر – ولتر سكوت – أو كان يبتكر هذا النوع من القصص التاريخي .. فقد صور "حجازي" كما رأينا شبوب الثورة تصويراً رائعاً في "المحاصرون" ثم صور تأميم القناة وما تبعها من أحداث "سلامات" .
      من حقي أن أضيف أن "يحيى حقي" كان قد رحل عنا قبل أن يضيف سطراً عن "الرقص على طبول مصرية" التي صور فيها "حجازي" أحداث 1973 العظيمة .
      إن "فؤاد حجازي" في هذه الرواية يقدم ألوانا من روعة الأداء الفني والفكري" التي تسحر النفوس و تملؤها إعجاباً ، بما وفق إليه من جمال الوصف ودقته " .
      المصادر والهوامش
      - جان بو سارتر – نظرية في الانفعالات – الهيئة المصرية العام للكتاب – 2001 م
      - محمود أمين العالم ، تأملات في مفهوم المقاومة ، كتابات نقدية عدد 55 والبحث قدم في مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم سبتمبر 1996 م
      - تيودور أدورنو : وضعية السارد في الرواية المعاصرة (مجلة فصول) العدد 96 يوليو 2001
      ...........................
      *موقع أفق ، بتاريخ : السبت 01 نوفمبر 2003

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        «المشي للخلف» مجموعة قصصية جديدة لفؤاد حجازي
        ..................................................

        ««المشي للخلف» مجموعة قصصية لفؤاد حجازي، صدرت في سلسلة «أدب الجماهير»، التي يرأس تحريرها فؤاد حجازي.
        وتتكون المجموعة من تسع قصص قصيرة، منها:المشي للخلف، لن تستطيع معي صبراً، ورق النعناع.
        المجموعة في 82 صفحة من القطع المتوسط.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          رواية «الأسرى يُقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي

          بقلم: أ.د. حسين علي محمد
          .......................

          أثيـرت في الأعوام الأخيرة مشكلة تعامل إسرائيل مع الأسرى المصريين في حربي 1956، و 1967م، وبصرف النظر عن تعامل مصر الرسمية مع هذه الجريمة التي اقترفتها إسرائيل فإن رواية فؤاد حجازي التي صدرت طبعتها الأولى في فبراير 1976م، قدّمت لنا من خلال عيني السّارد صورة لما حدث للأسرى المصريين في حرب 1967م، في سجن الأسرى المصريين والعرب في عتليت بإسرائيل.
          وقد كتب عبد التواب يوسف في جريدة "العرب" (لندن) في أكتوبر 1995م ـ بعد إثارة قضية الأسرى المصريين الذين قتلتهم إسرائيل بعد أن أثارها في إسرائيل من يسمون بـ«المؤرخين الجدد» ـ كتب يقول:
          "لكن الشيء المذهل أن الكتاب في كل صفحة من صفحاته ـ تقريباً ـ يتحدث عن قتل أسرانا، بوضوح شديد وببساطة وصراحة. غير أننا لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نتوقف عند هذا الذي نقرأه … ومع ذلك (فوجئنا) بهذا الذي نقرأه!".
          والرواية ـ كما يشيع الآن ـ هي ديوان عصرنا، ومن خلالها يُمكننا أن نرى صورة المجتمع بوضوح، وأن نقرأ تفاصيله ونتعرّف على همومه، ونُشاهد حياة الناس اليومية ورؤاهم وأحلامهم، ونجاحهم وإخفاقهم، وتُحاول الروايات الجادة ـ في فنية ـ أن تُشير إلى مواضع الألم، ولا تخاف من مواجهة القضايا الساخنة، بل تُواجهها في شجاعة. والرواية حين تقوم بذلك فإنها لا تضع حلولاً، ولكن حسبها أن تفتح عيوننا لنرى، وتُثير هي الأسئلة لنبحث ـ نحن القراء ـ عن الإجابات!
          وإذا كان هذا شأن الرواية عموماً فإن الرواية السياسية تطمح أن تعبِّر عن هموم الشعب، وتصور مراحل كفاحه ضد المستعمر، وتطمح أن تكون ضمير الشعب في نضاله المرير، وتطلعه إلى التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي، وسعيه الحثيث والدائم للأفضل والأحسن والأرقى.
          ورواية «الأسرى يُقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي رواية سياسية من أدب الحرب؛ وهي تصوِّر تجربة ذاتية للسارد / المؤلف في حرب 1967م، فقد كان المؤلف جنديا في هذه الحرب التي هزمت فيها القيادة، بينما ظل الشعب مقاوماً صانعاً للحياة، رافضاً الهزيمة!
          ومن خلال أحداث الرواية نرى أن مصر قد هزمت قبل أن تُحارب؛ هاجمتها الطائرات الإسرائيلية في الساعة التاسعة من صباح الخامس من يونيو 1967م، وقضت على سلاح الطيران المصري في الهجمة الأولى، ومن ثم فقد أصبحت سماء المعركة مكشوفة أمام العدو.
          ولم يكن سلاح المشاة مستعدا أيضاً، فقد تكوّن على عجل قبل أسبوعين من بدء المعركة. يقول السارد عن نفسه: «استدعيت مع زملائي لخدمة الاحتياط في التاسع عشر من مايو»( ).
          ويقول عن جندي آخر هو أحمد الزرقا تاجر الخضر، والذي قتله الإسرائيليون في أول يوم من أيام الحرب: «أخذوه فجأة من السوق دون أن يتمكّن من الاتصال بأهله»( ).
          ولقد كان الجنود يستبعدون وقوع الحرب مع إسرائيل، يقول السارد: «كنا ننتهي في كل مرة إلى أن الحرب مستحيلة الوقوع، نظراً لقدراتنا واستعداداتنا التي نسمع عنها في الإذاعة ونقرأها في الصحف»( ).
          وتصوِّر الرواية إيقاع الحرب، ونرى السارد يسجل عدداً من الأحداث التي تكون بسيطة، لكنها توضح صورة الحرب، ولكل من هذه الأحداث دلالته في كشف جانب من جوانب الحرب. وسنتوقف أمام بعض الأحداث التي رواها السارد، ونحاول أن نكشف عن دلالتها في رواية تُصور عالم الحرب.
          هزيمة النظام
          ولأن الرواية تصور عالم الجنود الذين عانوْا من هزيمة 1967م أمام إسرائيل، فإنها تبدأ بحدث يتناول أحد جنود الشرطة العسكرية الذي أزاحته طلقة من مكانه، مفسحة الطريق لدخول الإسرائيليين العريش، بله سيناء، ويُطلعنا السارد على هيمنة إسرائيل العسكرية على ميدان الحرب، ثم انتصارها المجلجل فيما عُرف فيما بعد بمعركة "حرب الأيام الستة"!:
          فتقرأ في أولى فقرات الرواية: "في صبيحة الخامس من يونيو الحزين عام 1967م، وبالتحديد في الساعة التاسعة كان جندي الشرطة العسكرية الذي يُنظِّم المرور المتجه من العريش إلى رفح ـ يمدُّ ذراعه الأيمن مشيراً إلى رفح، معترضاً بذراعه الأيسر أي عربة من الجيش مهما كانت رتب الراكبين فيها، أن تتقهقر إلى العريش، وظل هذا الجندي يؤدِّي واجبه هو وزملاؤه في الكشك المجاور على أكمل وجه، حتى جاوزت الساعة الرابعة بقليل، حينئذ أخذت دانة ملتهبة، منطلقة من دبابة، على عاتقها مهمة فتح الطريق، أزاحت الجندي والكشك، وعمت الفوضى".( ).
          ويكشف هذا الحدث في أول الرواية عن الهزيمة التي أشاعت الفوضى في المكان، بعد إزاحة جندي الشرطة العسكرية الذي يمثل النظام. وستكون إزاحة «الكشك» الذي كان يمثل رمزاً لاستقرار السلطة، ستكون إزاحتهما مدخلاً للفوضى التي سبقت القضاء على الكثير من الجنود، والقبض على القليل منهم ليكونوا أسرى.
          *ويكشف الحدث الثاني الذي تقدمه الفقرة الثانية من الرواية عن سوء التخطيط الذي قاد إلى الهزيمة، فهو يُطلعنا على إعداد العتاد وتجهيزه للحرب، لكننا لم نجهز الخطط الكفيلة بمواجهة العدو في إعدادنا للحرب!، فنقرأ بعد الفقرة السابقة مباشرة:
          «كان هناك قطار لا يقل عدد عرباته عن الأربعين يقف في دوران محطة الأبطال، محملاً بالقنابل وذخيرة الدبابات والرشاشات، نقرته مدافع الدبابات الإسرائيلية فتحول بعد دقائق إلى جهنم حمراء، وتطاير مقذوف الطلقات إلى مواقعنا القريبة»( ).
          لقد كانت الذخيرة موجودة إذن، وكان الجنود كثرة، فلم نهزم عن قلة، ولكن هُزمنا عن سوء الإدارة، وافتقار قادتنا إلى التخطيط المحكم الذي ننتصر به في الحرب.
          حتى الطيور ماتت!
          وفي حدث ثالث يُرينا أثر الهزيمة على طيور ضعيفة كانت تُقاسم الـجنود المكان، وهي لوحة قصصية تُذكرنا بقصة أرنست همنجواي «الرجل العجوز عند الجسر»:
          «جاء الليل غير هياب، احتل العدو المحطة التي أرقد فيها مع خمسة من الجرحى. نصبوا المدافع فوق رؤوسنا تماماً ووجهوها ناحية البحر. تلفت حولي أفتش في الظلام ، وجدتُ وجوهاً لم أتبيّن ملامحها. وكان زملاؤنا قبل رحيلهم قد تركوا لنا بعض الذخيرة في فناء المحطة، امتدت لها نيران الحرائق. ظلت تنطلق دون توقف على فترات متباعدة. وكان في الفناء بعض دجاجات، ملك لعمّال المحطة فيما يبدو، تركوها وهم في عجلة من أمرهم، وبين كل دانة وأخرى تصيح الدجاجات المذعورة صيحات يائسة، وبين حين وآخر نسمع صيحات إحداها وقد تحشرجت، وتصمت الأخريات كأنما تمنح لها الفرصة لتنتهي في هدوء»( ).
          إنه حدث يعبر في فنية عالية عن الحرب التي تأكل في طريقها كل شيء، فها هو الدجاج لم يسلم منها، وكأن تربية الدجاج والعناية بها كانت تعبيراً عن الحياة واستمرارها، أما موتها بين الطلقات المجنونة، وصيحاتها المتحشرجة فليس إلا تعبيراً عن قسوة الحرب، التي تدرك الطيور الأليفة التي لم تجن ذنباً كما تُدرك الجنود.
          وما أكثر الأحداث الصغيرة الدالة التي رسمتها ريشة الفنان عن وقع الهزيمة على نفوس الجنود الذين أُسِروا، حيث يختلط تقديم الحدث بالوصف المأساوي لحالة الجنود.
          صورة المرأة
          تمثل المرأة حضوراً هامشيا في حياة الأسرى، لكنه حضور دال.
          ومن الطبعي أن يكون دور المرأة هامشيا في رواية تدور عن الحرب والصراع، الذي يتفنن فيه الرجال، لكن حضور المرأة يمثل رمزاً للوطن الغائب / الحاضر، وسنتوقف أمام بعض المشاهد القليلة التي وردت فيها المرأة، لنرى مرموزاتها.
          ويأتي أول ذكر للمرأة في الصفحة الثانية من الرواية حيث السارد يتهدده الموت، وفي هذه اللحظات التي ينشغل الإنسان فيه بهواجس الرحيل، ينشغل السارد بتذكُّر زوجته، وكأنها تمثل الحضور/ في مواجهة الرحيل، أو الحياة / في مواجهة الموت الذي يُحيط به من كل جانب:
          «طوال الليل أسمع قصف المدافع وحركة الجنود الإسرائيليين فوق سطح الحجرة التي نرقد داخلها، وأتوقّع النهاية بين لحظة وأخرى. أخذت أبتهل إلى الله أن ينجيني. ليس من أجلي .. أعلم أني عاق .. ولكن .. من أجل زوجتي. أخذت أسأل الله: ما ذنبها حتى تترمّل مبكراً؟! وقد تزوّجنا عن حب، ولم يمض على زواجنا أربعون يوماً … في الحقيقة عجبت من نفسي. كنت وأنا في الطريق للجبهة أستهين بالموت وأرى فيه راحة، وعلى الأقل الواحد يخلص من مرضه، فأنا مُصاب بالتهاب مزمن في القولون يجعل حياتي جحيماً. ولكن الآن كل ذرة في كياني ترغب في الحياة وتتشبث بها في قوة. أعاود دعاء الله: حياتي لا تهم .. فقط من أجل المسكينة زوجتي»( ).
          وحينما يقبع السارد أسيراً، فإننا نجد المرأة تذكر الأسير بصورة الوطن، والحياة، والمستقبل. ويُقدِّم ذلك السارد من خلال الأحداث الملتبسة بالسرد.
          فبعد فترة من الأسر، وجد الأسرى أن حياتهم ينقصها الكثير، وأنهم يشتاقون إلى التواصل مع المرأة، هذا التواصل الحيوي الذي يصنع الحياة، ومن الطبيعي أن يتنبهوا أولاَ إلى التواصل الجسدي الذي فقده المتزوجون، ببعدهم الإجباري عن زوجاتهم، وافتقادهم لأنس الأسرة:
          "عشرات الحكايات .. نُحاول بها أن نقهر الليالي .. وأخيراً لم يعد يُجدي الكلام .. أصبح ليلنا جوعاً جنسيا .. وتحول كثير من كلامنا إلى تلميحات عن النساء .. وجعلنا نستعذب سماع النكات الجنسية .. والبذيئة.
          في أغوار نفوسنا حنين إلى صوت امرأة .. حنين إلى لطف الأنثى .. حنين إلى لحظ سارق .. إلى رمش مسبل .. إلى ضحكة ذات صليل .. إلى دلال فتاة.
          ومع الوقت توارى اشتياقنا للجسد في المرأة تحت رماد متقد في الأعماق، وأصبحنا نهفو لأريج جميل يملأ شذاه نفس المرء فيعبقه بالحياة .. كنا نحس إلى لمسة حنان .. إلى ربتة عطف .. إلى نظرة ولهى .. إلى شيطنة ماكرة .. إلى عبث أطفال .. إلى مكيدة صبيانية"( ).
          وحينما يفقد زقوت الأسير الفلسطيني زوجته، فإن الأسرى يتجمعون حوله ويُواسونه وكأنه فقد مبرر الحياة، ولكن منطق الحياة نفسها يدفعه للعيش وتجاوز منطقة الحزن:
          "وكان زقوت أحد هؤلاء القلائل الذين لم تصلهم أية رسائل، وعندما وصلته كانت غما. كانت من صديق له أخبره أن والدته العجوز وشقيقاته وأولادهن اضطروا للنزوح من قطاع غزة إلى الأردن، وأن زوجته أُصيبت في بداية المعركة، عندما هاجم الإسرائيليون غزة بالدبابات، وأن منزله دُمِّر عن آخره، ولم يكن به في تلك الساعة غير زوجته وطفلها. وظلت زوجته في المستشفى تُقاوم أكثر من شهرين، ثم ماتت متأثرة بجروحها … تحلق زملاء العنبر حول زقوت، صحا النائمون. ظهرت قهوة فاخرة ـ طرف من يعملون بالمخازن ـ بين دهشتنا جميعاً، وامتلأ العنبر بالدخان، ووُزِّعت القهوة .. جاد بعضنا بسجائر .. تطوّع الشيخ جمعة لقراءة القرآن، وشاركه آخرون. ظللنا في جو مفعم بالحزن والكآبة حتى ساعة متأخرة من الليل"( ).
          المرأة المصرية والإسرائيلية
          بعد أن أُسِر السارد، وعانى من الأسر مع رفاقه افتقد دفء الأسرة، وبعد مُطالبات للصليب الأحمر وصلت الرسائل من مصر للأسرى المصريين في "عتليت"، وأصبحوا يلتحمون من خلالها بالحياة، التي فقدوها ـ أو عاشوا على هامش نهرها الدفاق ـ وهم يُعانون الأسر!
          "كنا نقرأ رسائل بعضنا، ونشعر بأن أي رسالة موجهة إلينا جميعاً، وإن كان من لا تصله رسالة يظل حزيناً ساهماً الليل كله. حتى بدر الذي لا يكف عن الصخب، والذي يُعلن ـ بمناسبة وبدون مناسبة ـ أنه لا يهمه ولو مكث هنا بضعة سنوات دون وصول رسائل إليه، وجدناه مرة مختلياً بنفسه يدمع، وعلمنا منه فيما بعد أنه ترك زوجته حاملاً، ويودُّ أن يطمئن عليها وعلى الوليد إن كانت قد وضعت، وأخبرنا أن أخاه كان في سيناء، وآخر في اليمن، ولا يعلم عنهما شيئاً، ولم تصله أي رسالة من مصر حتى الآن"( ).
          إن هذه الفقرة تكشف لنا عن دور الرجال في مصر الستينيات ـ مصر عبد الناصر: الرجال في جبهات القتال: في سيناء واليمن، يحاربون أعداءهم تحت رايات شتى: محاربة الصهيونية في فلسطين حتى يتم تحرر آخر أقطار الوطن العربي المحتل (فلسطين)، مما يُمهِّد للوحدة العربية الشاملة، بعد زوال العائق المكاني المتمثل في إسرائيل، ومحاربة التخلف والرجعية في اليمن، وضمها لمعسكر قوى التقدم العربي كما كان يرى عبد الناصر في خطابه السياسي. وبقي للمرأة مهمة الصمود في البيت، واحتضان الأطفال وتنشئتهم (رمز المستقبل).
          *وفي حدث دال يُقدِّم لنا السارد المرأة الإسرائيلية، في مقابل المرأة المصرية والعربية التي تستدعيها ذاكرة الأسرى؛ حيث نرى المرأة الإسرائيلية المُحاربة ـ كالرجل، وإن كانت أقل شراسة منه ـ والتي في وسط دمدمة الحرب عندها وقت لتستمتع بأغاني فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم:
          "حضرت فتاة قصيرة بدينة كانت ستبدو جميلة، ولكن لسبب ما أخطأها الجمال، سألت: تسمعون فريد؟ لم يُجب أحد .. طلبت من زميلنا لنا كان مُصاباً بمقذوف ناري في إحدى خصيتيه أن يُغني لها إحدى أغنيات فريد .. قال بصوت متحشرج "قسمة .. قسمة". ومع ما نحن فيه، فقد كادت الضحكات تفلت منا، والزميل مع ما يُعاني منه ابتسم، والدمعة تفر من عينيه. ولما أدركت الفتاة ما في صوته من تهكم جنائزي خجلت من نفسها وانصرفت، ولم تلبث فتاتان كاعبان أن أقبلتا. متماثلتان كأنهما شقيقتان، عيونهما كفصوص من الزمرد الأخضر وجنتا كل منهما نصف تفاحة. تلبسان سروالين ضيقين، وعلى كتف كل منهما رشاش قصير. إحداهما متكلمة وزميلتها صامتة. المتكلمة شعرها مقصوص خلف رأسها. الصامتة شعرها ملفوف على رأسها "كالحواية". قالت أم شعر مقصوص: تعرفون حليم .. تعرفون أم كلثوم؟ .. أشارت إلى أحدنا: احك إيشي (أي شيء) لحليم (عبد الحليم حافظ)؟ .. ولما يئستا من استجابتنا لهم تمخطرتا في الصحراء كغزالتين"( ).
          وتمثل المرأة الإسرائيلية في الحدث السابق حدثاً مُغايراً للمرأة التي يحلمون بها في وحدتهم وسط مجتمع ذكوري مُحاصر بالأعداء في الصحراء! فها هي امرأة مقاتلة، تشعر بنشوة النصر على عدوّها، وتطلب منه أن يُغني وهو مهزوم، تائه في الصحراء، مات رفاقه جميعاً من الجنود.
          وفي اختيار الجندي لأغنية فريد الأطرش «قسمة» ما يشي بأن الجندي كان يعزي نفسه بأنه مقسوم عليه أن يغني لأعدائه في انتصارهم عليه!!
          وقد لاحظنا من الفقر السابقة كيف وظّف الروائي أحداث قصته لتكشف عن بشاعة الحرب، التي هزمنا فيها دون أن تتاح لنا فرصة مجابهة العدو، فقد هزمنا بسوء الإدارة والتخطيط.
          من الهزيمة إلى المقاومة:
          تُبرز الرواية ـ بجانب تصويره لبشاعة الحرب ـ روح التحدي والمقاومة، حيث يُصور السارد صمود الأسرى بعد أن وصلوا إلى سجن «عتليت»، وبعد أن تجاوزوا أحزان الانكسار والهزيمة، حيث يدور حوار بين الأسرى وميخا أحد قواد العدو في معسكر الأسرى حينما أراد أن يقص رؤوس الأسرى عقاباً لهم، بعد معركة محبس المياه التي قادها زكريا:
          «بعد مشادة كلامية رضخ على مضض، وهو يقول:
          ـ أنتم يا جماعة نسيتم أنكم سجناء .. أسرى.
          أجبناه وعجبه يزداد:
          ـ نحن لسنا أسرى يا ميخا .. نحن مقدمة للجيش المصري في عتليت»( ).
          ***
          وشخصيات الرواية عموماً شخصيات مقاومة، وقد حاول فؤاد حجازي من خلال رسمه لصورة بضعة عشر شخصاً من الأسرى أن يصور مأساة الهزيمة ووقعها الثقيل على نفوسهم، ثم محاولتهم التماسك، فالتصدي لجنود العدو ومحاولة بطشه بهم، فالمقاومة المستمرة حتى العودة لأرض الوطن بعد قرابة ستة أشهر. ومن ثم نرى شخصية الأسرى الجماعية تبرز في هذا السياق، ويبرز ضمير الجمع «نا» كشخصية اجتماعية تقاوم، وتُقيم المتاريس الواقعية والنفسية.
          ولم يقدِّم فؤاد حجازي شخصياته من خلال الوصف ـ كما يفعل نجيب محفوظ مثلاً ـ وإنما يمتزج الوصف عنده بالحدث، تستوي في ذلك الشخصية الرئيسة ـ وهي في هذه الرواية شخصية السارد ـ والشخصيات الثانوية.
          ولنأخذ على ذلك مثالاً لشخصية ثانوية يقدمها من خلال الوصف الذي يمتزج بالحدث، ولنأخذ مثالاً على ذلك شخصية «زكريا حسن» يقول:
          «كان جاري في العنبر …عملاقاً أسمر، من أسوان. دائماً يقول لي: لا تصحني إلا إذا نادوني لأذهب إلى مصر. لم يتجاوز الثلاثين من عمره وتظنه في الأربعين. سمين جدا. لطيف المعشر. حلو الحديث. ابن نكتة. عريف في سلاح الحدود. متزوج أب لطفلين. كنا نناديه «عم زكريا» احتراما لهيئته الضخمة واعترافاً بأقدميته في الجيش. رغم رتبته البسيطة فقد التحق بالجيش منذ خمسة عشر عاماً، ولكن ترقيات سلاح الحدود صعبة»( ).
          ويتضح الوصف الجسدي هنا في قوله «عملاقاً أسمر … لم يتجاوز الثلاثين من عمره … سمين جداً»، ويشير في المقطع إلى «هيئته الضخمة». أما الوصف النفسي لـه فنلمحه في قوله: «لطيف المعشر. حلو الحديث. ابن نكتة». ونجد وصفه الاجتماعي في قوله «عريف في سلاح الحدود. متزوج أب لطفلين. كنا نناديه «عم زكريا» احتراما لهيئته الضخمة واعترافاً بأقدميته في الجيش. رغم رتبته البسيطة فقد التحق بالجيش منذ خمسة عشر عاماً، ولكن ترقيات سلاح الحدود صعبة».
          وأما الحدث الذي يتخلل هذا المشهد الوصفي، فهو مشهد يعبر عن كراهيته لمعتقل الأسرى في إسرائيل، تجعله يكره الإقامة فيه، بل يكره مجرد ا فيه، فهو حدث متكرر «دائماً يقول لي: لا تصحني إلا إذا نادوني لأذهب إلى مصر». وتشير كلمة «دائماً» إلى تكرار هذا الحدث، الذي يجمع بين القول والحركة، فهو كلما يذهب إلى النوم، يتمنى أن ينام طويلاً فلا يصحو إلا على نبأ العودة إلى بلاده، وهو حدث دال على حب مصر، وشدة الانتماء إليها.
          وبدلا من أن يصفه السارد بالجرأة في مواجهة جنود الأعداء في المعتقل (وهو أسير)، فإنه يورد حدثاً دالاً على ذلك، حيث يُعرِّض نفسه للموت حين يذهب لفتح محبس الماء حتى يستطيع أن يشرب هو وزملاؤه من الأسرى:
          «فوجئنا بأحد الحراس يقطع المياه … كان زكريا يشرب ساعتها، طلب من الحارس إسالتها لمدة بسيطة حتى يُنهي كل فرد ما في يده، ثم يقطعها، رفض الحارس. لم يكن عندنا ماء للشرب، فطلبنا فتح المحبس حتى نملأ أوعيتنا، لم يُعرنا الحارس التفاتاً. ذهب زكريا وفتح المحبس بنفسه، معرضاً نفسه لضرب النار، لأن المحبس يقع بعد الخط الأبيض المحرم علينا اجتيازه. وقف حراس البوابة مبهوتين. لم يجرؤ أحدهم على التقدم نحو زكريا. زكريا مربد الوجه، عيناه تكادان تُطلقان شرراً. قامته العملاقة تُوحي أنه سيحطم من يقترب منه»( ).
          ***
          إن رواية «الأسرى يقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي رواية من الروايات السياسية القليلة، التي تصور حرب 1967م في واقعية صادقة، وتُبرز روح النضال والمقاومة في شخصيات لم تخضع للعدو، ولم تُحن جبهتها أمامه، ولم تستسلم للهزيمة.

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25791

            #6
            أستاذى و صديقى
            بل أستاذ الكثيرين من أبناء المحروسة و العربية
            صاحب القضية
            رجل المبدأ
            و النضال الذى لم يهدأ ، حتى على مستوى الكتابة ، و حرية الإبداع
            صاحب إصدار أدب الجماهير !!

            حبيبى فؤاد
            أحبك كإنسان و قاص و روائى و مسرحنجى !!

            قبلة على جبينك
            و أهلا بك بيننا

            هل هذا معقول ؟؟؟؟!!
            sigpic

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              أستاذى و صديقى
              بل أستاذ الكثيرين من أبناء المحروسة و العربية
              صاحب القضية
              رجل المبدأ
              و النضال الذى لم يهدأ ، حتى على مستوى الكتابة ، و حرية الإبداع
              صاحب إصدار أدب الجماهير !!

              حبيبى فؤاد
              أحبك كإنسان و قاص و روائى و مسرحنجى !!

              قبلة على جبينك
              و أهلا بك بيننا

              هل هذا معقول ؟؟؟؟!!
              شُكراً للأديب القاص
              ربيع عقب الباب
              على المُشاركة،
              مع تحياتي.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                المشهور

                قصة قصيرة، بقلم: فؤاد حجازي
                ..............................................

                أمر قائد سريتنا الرقيب مأمون بعمل خط دفاعي بالألغام لإعاقة وصول أية نجدة من مدرعات الإسرائيليين لنجدة زملائهم المحاصرين في احدي نقاط خط بارليف اختاروني وزميلي "المشهور" لمرافقته.
                ولم أكن للرقيب مأمون أية مودة كان يمنعني من الخدمة الليلية عند سور الوحدة وهو المكان الذي يفضله المجندون حيث تقيم بائعة خضر ويجعلني اخدم جوار بوابة الوحدة فلا استطيع ان اغفل لحظة خشية حضور أحد.
                وفي الصباح الباكر انتبه علي صيحة بائع ارز باللبن لا ادري من أين يأتي وهو يصيح: غير ريقك بالصلاة علي النبي وعندما يقترب لا أملك نفسي من الضحك كان يضغط بجفونه ويفتحها كمن يعاني من صعوبة في ذلك وحركة شفتيه لا تتناسب مع مخارج الحروف أفيق تماماً وقد زاملني كسل آخر الخدمة وتعطش جسدي للنوم وأكون مستعداً تماماً لأداء التحية العسكرية عند حضور القائد.
                أدينا المهمة وتبقي لغم واحد مع "المشهور" فجأة انفجر لغم أفراد مزروع تحت قدميه اصيبت قدماه ولكن اللغم مازال في يديه.. ذعرت.. ولم ادر كيف اتصرف.
                أسرع الرقيب مأمون إلي احتضانه وجري به عدة أمتار ولم يكد يتركه حتي انفجر اللغم في بطنه واصيب الرقيب في احدي فخذيه. وسرعان ما سمعنا صوت مدرعة إسرائيلية تحامل علي الرقيب حتي وصلنا خلف تبة.. نزل فردان من المدرعة وأطلقا الرصاص من رشاشيهما في كل اتجاه ووضعا بعض الالغام تحت جسم "المشهور".
                تبادلت مع الرقيب نظرات قلقة بالسؤال عن كيفية احضار زميلنا.. قال الرقيب مأمون:
                - لابد من وسيلة؟
                - كيف..؟!
                - الجيش قال تصرف.
                اتصرفت وأنا لا أدري كيف اتصرف بعد ان رجوته ان يظل كما هو حتي أعود.
                فكرت في يد الجرافة الحديدية التي يحركها السائق من برجه العالي لنشل "المشهور" لكن أي سائق سيلبي ندائي والجميع مشغولون في استكمال فتح السواتر الترابية وفي تهيئة أماكن تمكنهم من الاشتباك مع الإسرائيليين رأيت سلالم الجبال علي جانب أحد السواتر فانبثقت في رأسي الفكرة.
                وصلت إلي حفرة يقبع فيها قائد السرية فأبلغته بالموقف وبفكرتي فلم يزد عن القول: نفذ.
                وأمر باستدعاء أحد أفراد السرية الطبية لتضميد جرح الرقيب مأمون.
                انتظرت اسفل ساتر ترابي حتي خلي أحد السلالم واخذته واسرعت برفقة سائق احدي عربات نقل الجنود إلي موقع "المشهور" خشيت ألا ينجح الأمر فيسخر مني الرقيب مأمون وهو الذي دائماً ما سخر من الجنود "المؤهلات" يعدهم مشاغبين ويبعدهم عنه بحجة اراحتهم خاصة إذا تصادف وجودنا وقروانته المقدسة كما سميناها في طريقها إليه.
                اختار لاحضارها جندياً من "العادة" جعله موضع سره وتصادف وجودي مرة وهو ينهره لأن المقدسة ليست ملأي باللحم كما يجب فأشرت لما هو مرسوم بالأخضر علي وجنتي الجندي وقلت: تعيين الحمام لم يفهم الرقيب فأوضح له "المشهور" وكان برفقتي: تعيين الحمام.
                وعلقت ضاحكاً: الحمام طار لم ينتبه الرقيب في غضبه أنه يقذفنا بالقروانة المقدسة وان ما فيها تبعثر علي الأرض المتربة.
                سرت بحذر وانحنيت وقلبي يرجف.. شبكت طرف السلم حول رأسي "المشهور" وتراجعت غير مصدق وجسدي ينضح بالعرق.
                شبكت الطرف الثاني من السلم في ظهر العربة وجريت بعيداً لست أدري كيف حدث الأمر.. يخيل إليَّ ان السائق داس "فتيس الغرز" فقفزت العربة إلي أعلي مندفعة إلي الأمام وقد سحبت "المشهور".. وتوالت الانفجارات.
                لففت الجسد في علم مصر كان في "الشدة" خلف ظهره احتفظ به كتذكار لأننا صلينا عليه صلاة الظهر بدلاً من الجمعة في الخامس من أكتوبر عشية بدء الحرب وكانت الأوامر ألا نصلي الجمعة جماعة في المسجد.
                وأوصي جندي السرية الطبية بضرورة نقل الرقيب مأمون إلي مستشفي الإسماعيلية لأن نزيف جرحه لم يتوقف وأنا اساعده علي ركوب العربة لحظت انه تحاشي ملاقاة نظراتي.
                اتراه احس بالخجل لسابق سخريته من "المؤهلات" أم لرفضه الحضور معي إلي مكتب الرائد رئيس مكتب شئون الأفراد في اساس تدريب المشاة للمساعدة في صرف مستحقات "المشهور" المعلاة في الأمانات.. يومها عاجلني: "المشهور" قبض لم اصدقه وحين التقيت "المشهور" أكد لي والأسف يغلف وجهه.. راتب هذا اشهر فقط.. وإزاء عجبي لعدم صرف الباقي اخبرني ان ضابطاً جديداً جاء لشئون الأفراد فشكا إليه ان اسمه المدون في بطاقته العسكرية هو عبدالرحمن "الشهير عبده" سليمان نور لم يلتفت أحد الكتبة العسكريين وهو يكتبه في دفتر الماهيات إلي القوسين وكتب اسمه: عبدالرحمن الشهير عبده ظاناً وكتب اسم: عبدالرحمن الشهير عبده أن ذلك اسمه الثلاثي بذلك اسم الثلاث.. ويرفض الضابط المختص تسليمه راتبه.. تفهم الضابط الجديد المشكل وصحح الاسم طبقاً للبطاقة العسكرية لكن بقي ما هو معلي في الامانات دون حل.
                وكنا قد غادرنا منطقة العزل إلي الاساس وعبدالرحمن دون راتب لعدة شهور وليس له مصدر آخر للدخل بعد ان انقطع راتبه فور تجنيده عاجز عن شراء شي من المقصف لايغادر الوحدة في الاجازات وطلب منه احدهم ان يحضر شهادة ميلاده.. كيف وهو عاجز عن السفر إلي بلدته في الصعيد لاستخراج شهادة جديدة أما شهادته في ملف الوظيفة فيستحيل اعطاؤها له.
                وذهب "المشهور" وحده إلي مكتب الرائد وتصادف ان كان سيادته في مزاج غير موات فأمر بحبس كل الموجودين أمام مكتبه ثلاثة أيام "حبس قشلاق".. وعندما علمنا انفجرنا جميعاً ضاحكين.
                عبرت بنا العربة إلي الضفة الغربية للقناة وأوصلنا الرقيب إلي مستشفي الإسماعيلية وسلمت "المشهور" إلي الضابط المختص نادي بعض الجنود وطلب منهم الاستعداد لتقديم العزاء لأهله عاودا بسرعة وقد أصلحوا من هندامهم واخذوا ما يلزمهم في رحلتهم.
                كتفاً سلاح
                وتقدم الضابط يفتش علي بنادقهم وذخيرتهم فعند مثواه الأخير سيعطنون كحرس شرف ويطلقون النار تحية له.
                فؤاد حجازي المنصورة
                ..........................................
                *الجمهوريةـ في 18/2/2010م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  ماجستير عن قصص فؤاد حجازي في جامعة طنطا
                  .................................................. .....

                  حصلت الباحثة نشوي أحمد حلمي بكلية الآداب جامعة طنطا قسم اللغة العربية علي درجة الماجستير عن بحث حول أدب الحرب عند الأديب فؤاد حجازي بدأت الباحثة بتفسير لمصطلح أدب الحرب وقدمت تعريفات كثيرة منها تعريفاً للأديب عبدالرحمن شلش الذي قال فيه أن "أدب الحرب هو ذلك الإبداع الذي يصور الوقائع العسكرية معبراً عن مناخ المعارك الدائرة بين الطرفين المتحاربين سواء من خلال وصف فعلي أو تخييلي للحرب" ثم قدمت الباحثة سيرة ذاتية لفؤاد ابراهيم حجازي الذي وقع في الأسر عام 1967 لمدة تسعة أشهر كتب خلالها أغلب قصص مجموعة سلامات المحفوظة حاليا في متحف "البرافداكو" بموسكو وهو المتحف الذي يجمع الآثار التي تدل علي مقاومة الشعوب للاستعمار كما أشارت الباحثة إلي أن الكاتب فؤاد حجازي قد أسس سلسلة أدب الجماهير في المنصورة عام 1968 والتي أسهمت في حل مشكلة النشر أمام الأدباء الجدد.
                  ................................................
                  *الجمهورية. في 28/5/2009م.

                  تعليق

                  يعمل...
                  X