تاريخ الحرف العربي المطبوع ...

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • غاده بنت تركي
    أديب وكاتب
    • 16-08-2009
    • 5251

    تاريخ الحرف العربي المطبوع ...

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بقلم/ د. محمد سديد
    نشأة الحرف العربي
    ولد الحرف العربي في الجزيرة العربية، وشب في الشام، وبلغ سن الرشد في المغرب والأندلس. ولما أخذ طريق العودة إلى مسقط رأسه، كان يئن تحت وطأة تقنيات الطبع الغربية: هاجر مخطوطاً، ورجع مطبوعاً. وإذا كانت مراحل تطوره قد حظيت بدراسات عدة، فإن التاريخ سكت عن زمان ولادته ولم يف بأدلة مادية متعددة تمكن الباحث من معرفة الظروف التي ظهرت فيها أول النقوش وكيف صارت عربية بعد أن كانت نبطية.
    يرجع الفضل في اكتشاف الأدلة المادية على أصل الخط العربي إلى بعثات علمية أجنبية نقبت في بعض أرجاء ميلاد الحضارة العربية والدين الإسلامي (1). وتأتينا الإنتاجات العلمية بانتظام عن اكتشافات جديدة حول أصل الكتابات. أما أصل الكتابة العربية، فإنه لم يعرف تقدماً ملحوظاً منذ استنتاجات ب. موريتز ( B. Moritz) (2). فكأن التاريخ اكتفى بما أتى به المنقبين الذين رسموا معالم تأريخ الحرف العربي وجعلوه يرتكز على أدلة مادية وعلمية بعد أن كانت كل الآراء مجمعة على أنه اصطلاح. وهنا يجدر بنا أن نتساءل: كيف يمكن تعليل هذا العجز؟ أيرجع ذلك إلى فقر تاريخنا من الأدلة المادية؟ أم إلى انصرافنا عنه؟ أم إلى إعطائنا الأهمية إلى أشياء أخرى؟ أم إلى عدم وجود كفاءات علمية عربية في هذا المجال؟ أم أن البحث جار ونجهل نتائجه؟ أود ترجيح الافتراض الأخير لما لقبله من سلبيات.
    اختلفت الشعوب والحضارات التي استعملت الحرف العربي عبر التاريخ. ونظراً لاتساع خريطتها الجغرافية، فإنه يصعب تتبع خطوات تطور الحرف العربي عن قرب عبر الأمصار والأقاليم؟ (3)
    تزامن ميلاد الكتابة العربية مع ميلاد الدين الإسلامي. هذا ما أجمع عليه الباحثون (4). إلا أنه أغفل أن الإسلام أعطى الكتابة العربية رسالة مكنتها من التطور والانتشار. نشأت في كنفه إلى أن صارت كتابة دين، وهاجرت في ظله لتصبح كتابة دين ودولة. وهكذا التصق تطور الحرف العربي بتطور الدولة الإسلامية لكونه لم يقتصر، منذ بداية أمره، على كتابة اللغة العربية.
    ولما كان على رأس الدولة الإسلامية في غالبية الأمر خليفة عالم طالما اقترن اسمه بالحركة العلمية ونشرها ووزير كاتب يهتم بالحركة الخطية وإصلاحها، فقد حظي الحرف العربي باهتمام جعله يتخطى أولى العقبات التي اعترضت مسيرته.

    تطور الحرف العربي
    قبل التطرق للحرف العربي المطبوع والمشاكل التي عرفها عبر تاريخه، يجدر بنا أن نتعرض - ولو بإيجاز - لمراحل تطوره، وذلك منذ نشأته إلى اكتمال بنيته.
    خضع الحرف العربي المخطوط عبر تاريخه لعمليتين إصلاحيتين أساسيتين:
    العملية الأولى: إصلاح في المضمون نتج عنه زيادة التنقيط والحركات لضبط اللغة العربية في لسان الأعاجم على أثر الفتوحات الإسلامية.
    العملية الثانية: إصلاح في الشكل أدى إلى تقنين رسم الحرف العربي وتنسيق تركيبته وتوازنه الشكلي وضبطه (5).
    وتعرب هاتان العلميتان عن مدى اهتمام علماء العرب الأوائل بكتاباتهم. كما تترجم أهمية الحرف في مسار التنمية الثقافية والفكرية. والتاريخ الحديث حافل بمثل هذه المواقف الإصلاحية (6). إذ التقدم الصناعي مرهون بالتقدم العلمي والفكري. ولا يمكن إنجاز تقدم فكري دون كتابة مواكبة للتكنولوجيا الحديثة (والجدول التالي يوضح مراحل إصلاح الخط العربي) (7).

    العصر
    الحركة الإصلاحية
    ملاحظات
    الجاهلية (328م)
    تكون الأبجدية العربية
    حروف بلا نقط ولا حركات
    عصر الرسول والخلفاء الراشدين 10هـ (632م) - 40هـ ( 661م)
    تطور بنية الحرف العربي
    العصر الأموي الأول 40هـ (661م) - 129هـ (747م)
    الحركة الإصلاحية الأولى (الحركات)
    رسم أبو الأسود الدؤلي الحركات على شكل نقط ملونة مخصصاً لكل حركة لوناً
    العصر الأموي الثاني نهاية القرن الأول الهجري ( القرن 8م)
    الحركة الإصلاحية الثالثة (الإعجام)
    وضع الإعجام نصر بن عاصم ويحيى ابن يعمر ووضعا النقطة في أصل الحرف باللون نفسه.
    العصر العباسي 132هـ (754م) - 254هـ (876م)
    الحركة الإصلاحية الثالثة (تبديل الحركات)
    وضع الخليل بن أحمد الحركات الحالية لرفع الخلط الذي وقع بين نقط الإعجام ونقط الحركات

    لما نادى المصلحون بتجديد الفكر العربي، أنشئت المعاهد والمجامع لإيجاد الحلول الكفيلة بالنهوض بالحركة الثقافية العربية. ارتأت المؤسسات العلمية آنذاك أن النهضة العربية ترتكز أساساً على حرف عربي يمكنه نشر العلم والمعرفة بين كل طبقات الأمة العربية. فنظمت هذه المؤسسات حركة تيسير الكتابة العربية. إلا أن هذه الحملة لم تتمخض إلا عن تجسم محنة الحرف العربي أمام التطور التكنولوجي. وهذه المحنة لم تكن بالفعل محنة الحرف العربي نفسه، وإنما كانت محنة الفكر العربي الذي عجز عن تلبية متطلبات كتابته وخلق تقنيات تلائمها (8).
    ويمكن تعليل نجاح المراحل الإصلاحية الأولى للخط العربي بأنها كانت ناتجة عن إرادة سياسية مركزية قوية وموحدة. أما فشل مساعي المؤسسات العلمية العربية على اختلاف أنواعها، فإنه كان فشلاً جماعياً: إذ عجزت عن تشخيص العلة ورصد تقنية مجدية تنبئ بأن الحرف العربي يمكنه مواكبة العلم والتكنولوجيا كباقي الحروف الأخرى. لكن قضية الحرف ليست مسألة فردية.
    ظهور الحرف العربي المطبوع
    ظهر الحرف العربي المطبوع في أوربا والفكر العربي في شبه سبات. كانت بواكير طباعة الحرف العربي في ألمانيا بمدينة ماينس (Mayence) سنة 1489. إذ أراد أحد رجال الدين الدومينيكين، يدعى برنار ده بريدنباخ (Bernaed de Berydenbach) ، وصف مدينة القدس على أثر رجوعه من رحلة إلى الشرق. فكانت رحلته أول كتاب أوروبي مطبوع تضمن حروفاً عربية (9). وكانت هذه البداية انطلاقاً لاستعمال الحرف العربي في مستهل الكتب اللاتينية التي تتحدث عن العرب أو العربية لتبسيط قراءة الأسماء والمصطلحات. وصارت هذه الكتب تحتوي على نصوص عربية كاملة كما هو الشأن في الكتب التي أصدرها بيدرو ده ألكالا (Pedro de Alcala) بمدينة غرناطة سنة 1505 من الملك فيردينان (Ferdinand) والملكة إيزابيل (Isabelle) لتنصير مسلمي الأندلس (10).
    تعددت المبادرات والمقاربات التي لم يحتفظ التاريخ إلا بأسماء بعضها، وتعددت الإشارات إلى جلها في الكتب المختصة. ويجهل ما آلت إليه الحروف التي استعملت في طباعة هذه النماذج كما يجهل الظروف التي صممت فيه وأسماء صانعيها. لقد أغفل التاريخ أسماء هاجرت لأسباب متعددة وعملت في الخفاء طوعاً أو كرهاً في بناء صرح الحضارة الأوروبية.
    إن جل المعالم الخطية تؤكد أن مهد الحرف العربي المطبوع كان بإيطاليا، بالفاتيكان، وأن مصممي الحروف كانوا مغاربة أو أن الكتابة التي اتخذت نموذجاً لحفر الحروف المطبعية وصبها كانت بخط مغربي أندلسي (11). ويرجح هذا الاحتمال أسباب عدة نذكر منها:
    أ) اهتمام الكنيسة المسيحية بالحضارة الإسلامية بالأندلس واستقطاب علمائها ومفكريها إلى إيطاليا للاستفادة من خبرتهم، وخاصة في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي؛
    ب) صدور مؤلفات عربية عديدة بحروف مطبعية ذات نسق مغربي ( الفاء والقاف) (12).
    ج) وجود بعثات علمية مسيحية بمدارس الأندلس، وخاصة بطليطلة. وكان من بين هؤلاء الطلبة البابا جربير (13)؛
    د) مقام عدة علماء بروما، كالإدريسي (1100م- 1165م) والحسن الوزان (Léon l’Africain) (1483م - 1555م) وغيرهم؛
    هـ) اختيار السفير الفرنسي فرانسوا ده سفري ده بريف (F. de Savary Brèves)، على أثر رجوعه من سفارته بالباب العالي سنة 1611م إيطاليا لحفر حروفه المطبعية العربية قد يبرره خبرة كافية في صناعة الحروف العربية لم يجدها في فرنسا بالرغم من مهارة الصانع الفرنسي وقتذاك.
    لم تكن غاية بداية الحرف العربي في بداية أمره نشر العلم والمعرفة، كما هو شأن الحرف اللاتيني، وإنما تطورت صناعته استجابة لمطالب عدة أهمها:
    أ - الدعاية الدينية:
    يعتبر أول كتاب عربي مطبوع وصل إلينا كاملا هو كتاب "صلاة السواعي". طبع هذا الكتاب على نفقة البابا بولس الثاني سنة 1415م بمدينة فانو (إيطاليا) قصد دعم الطقس الملكي بالشرق الأوسط. ويحتمل أن تكون الحروف المطبعية العربية التي استعملت في طبعه قد دمرت مباشرة بعد صدوره: إذ لا يوجد أثر مطبوع عربي في أوروبا أو في باقي البلدان العربية. والمرجح أن البابا الذي ساعد على نشر الكتاب قد أمر بإتلافها خوفاً من أن تستعمل في نشر الكتب الإسلامية. كما أمر البابا بول الثالث بإحراق أول مصحف طبعه باكانينو (Paganino) بالبندقية ( إيطاليا) سنة 1500م خوفاً من أن ينتشر القرآن بين الأوربيين (14).
    إن صدور كتاب "صلاة السواعي"، بالرغم من قلة انتشاره وإتلاف النسقة العربية التي استعملت في طبعه، رسم معالم الطريق وحث عرب المشرق على الاهتمام بفن صناعة الحرف العربي وتعلمه. فكانت مبادرة يوسف الشماس، الذي اقترنت عزيمته بأطماع الكنيسة في الغزو الديني للمشرق، بداية الطباعة العربية في البلاد العربية حيث صدر أول كتاب عربي في بلاد الشام سنة 1610م (15).
    بقدر ما نعرف المسالك التي سلكتها الحروف العربية في طريقها إلى البلاد العربية، نجهل مصمميها وصانعيها في البلدان الغربية. وهكذا يبدو أن قنوات المعرفة التي صبت في المجتمع الأوروبي لم تكن ذات اتجاهين.
    كان لزاماً أن يظل نشر المعرفة في البلاد العربية مرهوناً بالحظر الباباوي، إلى أن ظهرت مهارات عربية محلية تمكنت من تصميم حرف عربي وطني. ويعتبر عبد الله زاخر أول من تمكن من حفر وصب نسقة عربية ببلاد عربية. كان ذلك بدير شعير بالشام سنة 1731 م (16).
    ولقد طبع الشام بحروف عربية والطباعة محظورة على مسلمي تركيا بأمر من السلطان بايزيد الثاني منذ سنة 1485م (17). ولم يسبق الشام إلى معرفة فن الطباعة إلا المغرب (18).

    ب - التعليم:
    بالرغم من الحظر الباباوي لاستعمال الحروف العربية، فإن تقدم تعليم اللغة العربية بأوروبا حتم على أول المستعمرين استعمال الحروف العربية لأغراض غير دينية.
    ويعتبر كتاب "النحو" لكيوم بوستيل (Guillaume Postel) أول إنتاج علمي للحرف العربي (19).
    يشكل كتاب بوستيل (Postel) بداية الحرف العربي المطبوع. وهي محنة رسختها إنتاجات إيربينيوس(20) (Erpeuis) ودو ساسي (21) (De Sacy) ومن تلاهم ممن حاولوا إخضاع الحرف العربي إلى مقاييس الحرف اللاتيني، جاهلين أن لكل خط منطقاً وفلسفة خاصة.
    تحمل الحرف العربي المطبوع أوزار المستعمرين وأثقال أغلال التقنيات زهاء خمسة قرون ولم ينزعها إلا بخضوعه لمقاييس مصممي برامج مكروسوفت (Microsoft) التي بسطت الحرف العربي وجعلته في مستوى الكتابات التكنولوجية، إذ أسندت اختيار الحرف حسب موضعه من الكلمة إلى برنامج محكم، وهو الشيء الذي كان يشكل عقبة أمام الطابع العربي. وهكذا، ما كاد يتحرر الحرف العربي من رقابة الكنيسة حتى أسرعت خطاه وتعددت نماذجه ونسقاته.
    اختلف الصانعون في تصميمه، فكان اختلافهم رحمة على اللغة العربية. وتعددت أطماع الأوربيين، فكان ذلك سبب انتشار الطباعة العربية في مراكز تعليمهم.
    ونظراً لما كان يوليه القادة الأوربيون للحرف العربي، فقد حرص نابليون (Napoléon)، وهو في طريقه إلى غزو مصر سنة 1798م، على أخذ نسقات الحروف العربية التي كانت موجودة في مطبعة الفاتيكان (22). حملها معه كوسيلة غزو فكري. وقد تكررت العلمية نفسها أثناء غزو فرنسا للجزائر، حيث حمل الجيش الفرنسي بين معداته الحربية حروفاً مطبعية عربية استعملها في طبع الجرائد والمنشورات وهو محاصر للجزائر سنة 1830م.
    رحلة الحرف العربي المطبوع إلى البلدان العربية
    ظلت جل البلدان العربية تطبع بحروف عربية مستوردة حتى منتصف القرن العشرين. وقد رأينا أن تصميم الحروف العربية المطبوعة حمل في طياته جهل الأوروبيين لفكر اللغة العربية. إذ حاولوا ترجمة جمالية الخط العربي بحروف معدنية، فتعددت التقويسات والتعريجات كما تعددت أشكال الحرف الواحد حتى فاقت العشرة، مما جعل التصفيف اليدوي للحرف العربي مكلفاً ومضنياً. استورد العرب الحرف العربي المطبوع بعلاته. وفي غياب الدواء، يزداد الداء حدة مع الزمان.
    فتُرى لماذا لم يكن للعرب إقبال على الطباعة بصفتها فناً بالرغم من شغفهم بالكتب؟ لعل ذلك راجع إلى سببين أساسين:
    أ) لم تكن العقلية العربية قد استوعبت بعد أهمية الطباعة، مما كان يجعلها تشعر بامتعاض من الحرف العربي المطبوع.
    ب) أثبتت الحملة الإصلاحية التي نظمتها المجامع العلمية العربية بين سنتي 1938م و 1944م أن علماء العرب أنفسهم كانوا يجهلون تركيبة الحرف العربي المطبوع وتقنياته (23). فلم تتضمن المشاريع الإصلاحية التي درست في مختلف جلسات المجامع المذكورة دراسة علمية تطرقت إلى بناء الحرف العربي. كما لم يطلب أحد بضرورة دراسة تكنولوجية الطباعة بدل استبدال الحرف أو تغيير معالمه. ولم تتوصل المجامع العربية إلا لحلول جزئية لم تكن في المستوى المطلوب.
    كاد يعصف العجز الفكري لقادة مفكرينا العرب بأحد مقومات الحضارة العربية لما استبدلت تركيا سنة 1925م الحرف العربي بالحرف اللاتيني، وتلا ذلك اقتراح قاضي القاهرة عبد العزيز فهمي سنة 1942م في الصدد نفسه. إلا أن قلاع الحرف العربي كانت متينة أمام هشاشة آراء المجددين وضعف حججهم.
    واقع الحرف العربي المطبوع
    يبدو أن المفكرين والقادة العرب لا يجعلون الحرف العربي في مقدمة أولوياتهم بصفته وسيلة لتقدم فكري وحضاري. ويتجلى هذا في تطور الحرف العربي الآلي الذي لا يواكب الحروف التكنولوجية. إذ لا يوجد ولو مصنع واحد للحرف العربي في البلاد العربية. وهكذا يعيد التاريخ نفسه.
    يحتوي مخزن المطبعة الوطنية في المغرب (Cabinet des Ponçons) على ذخيرة كبيرة من الحروف المطبعية العربية تمثل جل الإنجازات الأوروبية في صناعة المحارف والنسقات العربية.
    وهذا التعدد كماً وكيفاً يؤكد مدى اهتمام الأوروبيين بالحرف العربي، ومدى مرونة هذا الأخير وطواعيته للاستجابة للمتطلبات التقنية. كما يؤكد عدم وجود مثل هذا التراث في بلاد عربية قلة اكتراثنا بأحد أهم مقومات حضارتنا في عصر تتطور فيه تكنولوجية المعرفة بخطى سريعة. إذ لم تفلح أمة يوماً أهملت كتابتها. ويخشى أن يؤدي هذا إلى انصراف أبنائنا عن الحرف العربي
    المراجع ..
    (1) خليل يحي نامي، أصل الخط العربي وتطوره إلى ما قبل الإسلام، مطبعة بول باربيي، القاهرة، 1935.
    (2) B. Moritz, « Arabie », in Encyclopédie de l’islam, 1 ére édition.
    (3) عبد الفتاح عبادة، انتشار الخط العربي في العالم الشرقي والغربي، القاهرة، 1915.
    (4) سهيلة ياسين الجابوري، أصل الخط العربي وتطوره حتى نهاية العصر الأموي، بغداد، 1977.
    (5) عثمان بن سعيد الداني، المحكم في نقط المصاحف، دمشق، 1960.
    (6) M. Sadid, L’alphabet arabe et la technologie, Issesco , 1991.
    (7) راجع الأشكال في آخر النص.
    (8) حول تسيير الكتابة العربية، يرجع إلى محاضر مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
    (9) الكتاب بعنوان Voyage et pièrinage d’outre - mer au saint sépiucre de la cité نشره راهب دومينيكي يدعى مارتان روث (Martin Roth) بمطبعة إيراز رويش ( Erhard Reuwich) سنة 1486.
    (10) صدر الكتابان في غرناطة سنة 1505: الأول بعنوان " وسائل تعلم اللغة العربية ومعرفتها"
    (11) محمد سديد، "حفريات حول الطباعة بالمغرب"، مجلة التايخ العربي، عدد 2، ص.253-265.
    (12) سليم نزهت، تاريخ الطباعة في تركيا، الرياض، 1993، ص.40.
    (13) هو البابا رقك 146، ويدعى سلفستر الثاني ( 930-1003 م). رحل من فرنسا إلى الأندلس، فدرس الهندسة والميكانيك والفلك، وأدخل الارقام العربية والساعة إلى فرنسا. (ارجع ع.بدوي، موسوعة المستشرقين)، بيروت، 1984 ص.107
    (14) J. Balagna, L’imprimerie arabe en Occident , Maisonneuve & Larose, 1984, P: 23.
    (15) P.J.Nasrallh, L’imprimerie au Liban, Harissa, 1949, P: 4.
    (16) عبد الله زاخر: هو عبد الله بن الصايغ. أب يسوعي، ولد سنة 1680 م بالشام، وتوفي بها سنة 1748م ( P.J.nasrallah, Op-cit., P: 26
    (17) خليل صابات، تاريخ الطباعة في الشرق العربي، مصر، 1966، ص.23.
    (18) م. سديد، "حفريات...."، مرجع مذكور.
    (19) G.Postel, Grammaire arabe, Paris, 1538.
    (20) توماس إرييوس ( 1584-1624). أصدر أول كتاب منهجي للغة العربية الفصحى بليدن سنة 1613 م.
    (21) مستشرق فرنسي ( 1758 - 1838 م ) نشر كتابا في نحو اللغة العربية بباريس سنة 1810 م.
    (22) François Charles - Roux, Bonaparte gouverneur d’Egypte, Paris, 1936, P. 12 et 13.
    مجلة التاريخ العربي - العدد الثامن - خريف 1998
    نســــــــــــــــــــامح : لكن لا ننســـــــــى
    الحقوق لا تـُعطى ، وإنما تـُـنـتزَع
    غادة وعن ستين غادة وغادة
    ــــــــــــــــــ لاوالله الاّ عن ثمانين وتزيد
    فيها العقل زينه وفيها ركاده
    ــــــــــــــــــ هي بنت ابوها صدق هي شيخة الغيد
    مثل السَنا والهنا والسعادة
    ــــــــــــــــــ مثل البشاير والفرح ليلة العيد
  • غاده بنت تركي
    أديب وكاتب
    • 16-08-2009
    • 5251

    #2
    اللغـــــــة العربـــية وتـــدريس العلـــوم

    بقلم جميل حمداوي


    1- ماضــــــي اللغـــة العربــية:
    كل من يتصفح أوراق التاريخ العربي والإسلامي سيبقى حائرا مشدوها أمام التراث الغني الزاخر الذي أدهش العالم وما يزال إلى يومنا هذا طوال تسعة قرون من العطاء والإنتاج في ميادين شتى واختصاصات مختلفة. وكان كل ذلك بفضل عاملين أساسيين وهما: اللغة العرببة والدين الإسلامي.
    ففي العصر الجاهلي، كانت اللغة العربية لسان الشعر والإبداع الفني والمتجسد في المعلقات العشر وشعر الصعاليك ونصوص المفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب ومختارات الشعراء والنقاد. وأصبح هذا الشعر مصدر أساسيا لكل الأشعار العربية بعموده الفني المطبوع وعروضه الخليلي الموهوب. وتميزت اللغة العربية في حضن هذا الشعر بالفصاحة والبلاغة وروعة البيان والبديع و جودة النظم والتركيب.
    ولما انتشرت العقيدة الربانية الإسلامية عبر أرجاء الجزيرة العربية ووسط آسيا إلى بحر الظلمات ومشارف ڤيينا وحدود فرنسا كانت اللغة العربية أداة للتواصل والتفاهم مع الآخر . وقد اقترن القرآن بهذه اللغة البيانية السامية، وأضحت مظهرا من مظاهر الإعجاز القرآني عند عبد القاهر الجرجاني و أبي بكرالباقلاني وآخرين كثيرين ؛ لأن هذه اللغة ترجمت لنا البلاغة الربانية في أعلى مستوياتها مجازا وفصاحة وتعبيرا ونظما ومقصدية، فعجز المبدعون والمثقفون العرب عن محاكاتها والسير على منوالها. ومع العصر الأموي، ستعرب الدواوين خاصة في عهد عبد الملك بن مروان، وستجمع المعارف والعلوم في مصنفات وكتب ومؤلفات وستكتب باللغة العربية باعتبارها لغة الإسلام والحضارة العربية الإسلامية.
    هذا، وستعرف اللغة العربية أوجها الحضاري والإشعاعي مع الدولة العباسية التي ستمتد في رقعة شاسعة ولاسيما مع عهد السلاطين الثلاثة: أبي جعفر المنصور والمأمون وهارون الرشيد. وستحظى اللغة العربية بأهمية كبرى باعتبارها لغة الترجمة لفكر اللغات الأجنبية كاليونانية والفارسية والهندية والرومانية كما يتمظهر ذلك واضحا في بيت الحكمة الذي أسسه الخليفة المأمون لنقل الإرث الثقافي اليوناني إلى اللغة العربية. وفي هذه الفترة انتشرت المعارف والعلوم وازدهر الأدب العربي وانفتحت اللغة العربية على قواميس ولغات وألسنة أخرى من باب التلاقح والاحتكاك الحضاري والمثاقفة. وصارت اللغة العربية لغة العلم والرياضيات والفلك والهندسة والمنطق والفلسفة والتصوف والفلاحة والصناعة والاقتصاد، وانتعشت بفضل غيرة العلماء عليها وانكبابهم على البحث العلمي والاختراع والتجريب والتحصيل المعرفي والتصنيف في شتى المجالات التي اعترف المستشرقون الغربيون بريادة العرب فيها كما نجد عند العالمة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها القيم" شمس العرب تسطع على الغرب". وانتقلت الحضارة العلمية والأدبية والتقنية إلى أوربا عبر إيطاليا والأندلس والحروب الصليبية وطرق التجارة ، وتعلم الأوربيون اللغة العربية وآدابها وعلومها في طليطلة وفاس ومدن المغرب العربي ، وكانت أوربا في تلك الفترة تعيش في ظلمة العصور الوسطى بينما المسلمون كانوا يعيشون في زمن الأنوار والانتعاش الحضاري.
    بيد أن انحراف المسلمين عن تعاليم الإسلام وهدي النبي الكريم جعلهم أذلة بعد أن كانوا أسيادا، فسلط الله عليهم كثيرا من الغزاة والأعداء يذيقونهم أنواعا شتى من الهون والسوء و الويلات كالاستبداد والاستعباد والاستعمار والقتل والذبح والتجويع مع المغول والأتـراك والدول الغربية الإمبريالية والحليفة اللعينة إسرائيل. فآل العالم الإسلامي إلى هاوية الانحطاط والتخلف عن ركب التقدم التنموي الذي سبق إليه الأوربيون والأمريكيون بفضل اهتمامهم بالعلم وتشجيع العلماء. وكان من نتائج هذا التخلف تراجع وضعية اللغة العربية في العالم العربي والإسلامي وتشكيك الناس في منظومتها اللسنية والتداولية؛ لأنها لم تعد بالنسبة إليهم لغة الحضارة والعلم والتكنولوجيا، بل لغة الماضي والتراث والبداوة والأسلاف. ومن ثم، انتقل المثقفون العرب إلى سجال جدلي كبير حول موضوع اللغة الفصحى وقضية الأصالة والمعاصرة وكيفية التعامل مع الغرب منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا. وكان السؤال الجوهري المطروح: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ وكانت اللغة حاضرة في هذا النقاش والسجال، فهناك من يدعو إلى تطوير اللغة العربية وتهذيبها وذلك بالرجوع إلى لغة الماضي ، وهناك من يدعو إلى استخدام العاميات بدلا من الفصحى التراثية كما عند سلامة موسى ، وهناك من يرفض استخدام اللغة العربية وينادي بضرورة استعمال اللغات الأجنبية في دواليب الحكم والإدارة والاقتصاد والتعليم من أجل التقدم وتحقيق التنمية والازدهار كدعوة كمال أتاتورك في تركيا ورجال التقنية ودعاة التغريب الليبرالي من العرب والمسلمين.
    ومع القرن العشرين وازدهار الثورة الصناعية و تطور الاكتشافات العلمية والتقنية، أضحت اللغات الأجنبية وخاصة اللغة الإنجليزية ذات قيمة كبرى في التواصل ونقل التكنولوجيا. واقترنت هذه اللغات بتطور الاقتصاد الرأسمالي والمخترعات الحديثة وتقنيات التواصل الرقمي والفضائي والإعلامي، و ترتب عن هذا أن غدت أداة للتدريس في الجامعات والتكوين والتراسل والدخول في العولمة واستيراد الأسلحة ونقل نتائج الطب ونظريات العلوم والآداب. وهمشت اللغات الوطنية للشعوب المغلوبة على أمرها كالدول العربية والإفريقية والآسيوية. وكل من أراد أن يتحضر أو يريد الحصول على الشغل فلابد أن يتمكن من اللغات الأجنبية لمسايرة متطلبات الانفتاح وجدلية التواصل وخصوصيات العالم الجديد الذي يسبح في قرية صغيرة وعالم جديد ذي القطب الواحد.

    2- أسباب العجز عن الإبداع باللغة العربية:
    ثمة عدة أسباب التي تمنع الإنسان العربي وتبعده عن الإبداع وتثبط قدراته الإنتاجية وتحول بينه وبين الاشتغال بالحث العلمي، ويمكن حصرها في السبب الجوهري الذي يتمثل في خروجنا عن سنة نبينا وعدم فهمنا جيدا لتعاليم القرآن ومبادئ الإسلام السمحة التي تدعو المسلمين قاطبة إلى التوحيد والابتعاد عن الضلال والانسياق وراء الأهواء والاهتمام بالعلم وتشجيع العلماء وربط البحث العلمي بالأخلاق وتحقيق منافع الناس، ناهيك عن ظاهرة الاستعمار التي تتخذ وجوها عدة ظاهرة ومضمرة والتي تقف في وجه تقدم الشعوب الإسلامية عن طريق العدوان والترهيب والتهديد والتجويع. ولا ننسى كذلك أن معظم الأنظمة العربية غير ديمقراطية تحارب شعوبها وتقف في وجه علمائها بالمرصاد والتجويع والنفي والاعتقال والإعدام ﴿العراق مثلا…﴾، كما تهمل البحث العلمي ولا تعيره أدنى اهتمام ولا تخصص له ما يستحقه من إمكانيات مادية ومالية وبشرية لتحقيق طفرة تكنولوجية وتنمية علمية . كما تتخبط سائرشعوبنا المتخلفة في أزمات اجتماعية واقتصادية وثقافية خطيرة من الصعب حلها لتشابك العوامل والأسباب . وكانت لهذه المثبطات تأثير كبير على مؤسساتنا ومعاهدنا وجامعاتنا التي لم تعد قادرة على مواكبة التطورات العلمية الهائلة والمخترعات التقنية العديدة التي شهدتها العقود الأخيرة وخاصة في مجال المعرفة الرقمية والاتصالات والاقتصاد. وأصبحت اللغة العربية عاجزة عن منافسة اللغات الأجنبية ومن بينها الإنجليزية التي أصبحت لغة العلم والتكنولوجيا. والسبب في ذلك قصور العرب والمسلمين عن الإبداع والاختراع والاكتشاف، والاتكال على الغرب في استيراد النظريات ونقل التكنولوجيا والمعارف العلمية التي استوجبت الإلمام بهذه اللغات للتدريس بها، والتعامل بها في الأسواق والإدارة ومراكز التعليم. وكان من نتائج هذا أن تخلى الباحثون العرب والعلماء المسلمون عن توظيف اللغة العربية لأنها لم تعد لغة العلم ، كما أن جل المخترعات والمنجزات المعرفية والفنية والأدبية تكتب باسم أصحابها وبمصطلحات أجنبية من الصعب ترجمتها أو تعريبها أو تحويرها توليدا أو اشتقاقا. كما أن اللغة لها علاقة جدلية بالفكر، فكلما كان هناك إبداع فكري متطور كانت اللغة على حال هذا الفكر، وكلما انحط الفكر كانت اللغة على منواله منحطة ومتخلفة وعاجزة عن المواكبة والمسايرة.
    ومن الأسباب التي تجعلنا أيضا غير قادرين على الإبداع العلمي والإنتاج التكنولوجي والثقافي باللغة العربية تبعيتنا للغرب حيث أصبحنا دولا محيطة نسير في فلك دول المركز نستورد كل شيء من هذه الدول المتقدمة ، ومن ثم صرنا عالة على الغير مستهلكين غير منتجين ولا مبدعين. كما أن انعدام الوعي وعدم الثقة في قدراتنا وعدم الاعتزاز بلغاتنا يمنعنا من التعبير بالعربية ونلتجئ إلى اللغات الأخرى قصد إعداد البحوث والمقالات والكتب قصد اللحاق بالركب الحضاري العالمي ، ناهيك عن الواقع البيداغوجي وخاصة في مجال التقويم والمراقبة المستمرة والدوسيمولوجيا" علم الامتحانات" لبعض الدول كالمغرب الذي يرفع من معاملات اللغات الأجنبية كالفرنسية في الأقسام العلمية لتمكين التلاميذ من إتقانها للتكيف مع التغيرات المستجدة في الساحة العلمية والتقنية الدولية على حساب اللغة الوطنية لأسباب سياسية وضغوطات دولية وإرضاء لمقررات الفرانكفونية. وما استحداث مادة الترجمة في التعليم الثانوي المغربي في الأقسام العلمية والتقنية إلا لإنقاذ الوضع المتردي في المجال التعليمي وإيجاد الحلول الترقيعية بدلا من الإصلاح الجوهري والحقيقي. ويلاحظ بشكل جلي أن هناك انقطاعا بين المستويات التعليمية في بعض الدول في تدريس لغات المسالك العلمية. فالمغرب مثلا يدرس المعارف العلمية باللغة العربية حتى الثانوي ، ولكنه في الجامعة يستعمل الفرنسية وفي جامعة الأخوين بمدينة إيفران يستخدم اللغة الإنجليزية ؛مما يحدث هذا بلبلة في نظامنا التعليمي الوطني ويزعزع ثقة الشعب في اللغة العربية ويؤدي إلى عزوف التلاميذ عن متابعة الدراسة بالشعب العلمية فيلتجئون إلى الشعب الأدبية والاقتصادية والقانونية. كما يساهم الإعلام والاقتصاد والواقع الديداكتيكي في تهميش اللغة العربية وتقوية اللغات الأجنبية من خلال استخدام الإشهاربملفوظات أجنبية وأيقونات ومسبوكات بصرية تحيل على الثقافة الغربية، وحتى المنتجات والبضائع تسجل عليها علامات لغوية أجنبية . أما الواقع التدريسي اليومي للغة العربية فما يزال يستعمل لغة عربية جافة بأساليب عتيقة في سياق " قل ولا تقل".
    هذا، وقد دفعت العولمة كثيرا من اللغات الوطنية للشعوب الضعيفة المغلوبة أو التابعة لدول الشمال أو المنطوية على نفسها انغلاقا وحصارا إلى الاندثار والموت، وبالتالي تعززت اللغة الإنجليزية باعتبارها لغة الحضارة والحياة المعاصرة والتواصل العالمي؛ مما أثر ذلك سلبا على الإنسان العربي ولغته التي لم تعد قادرة على المواكبة الفورية للمستجدات المعرفية والعلمية والتقنية المعاصرة الهائلة في زخمها الإنتاجي بعد تطور الوسائل الرقمية والأقمار الفضائية الاصطناعية بسبب انعدام الاستراتيجيات السياسية والتربوية الحقيقية الكفيلة بتطوير اللغة العربية وتهذيبها وجعلها لغة العلم والتقنية والتدريس والمعاملات الإدارية والاقتصادية. كما أن غياب التداول البرجماتي للغة العربية وضعف البحث اللساني التطبيقي ونفور العرب من استخدام لغتهم في الشارع والتواصل اليومي جعل اللغة العربية تتراجع يوما عن يوم.
    وهكذا نستنتج مما سلف ذكره أن هناك عوامل داخلية ذاتية وعوامل خارجية موضوعية كانت السبب وراء عدم قدرتنا على الإبداع والإنتاج العلمي والتقني والثقافي باللغة العربية.

    3- هل تصلح اللغة العربية لأن تكون أداة العلم والتكنولوجيا؟
    إن اللغة العربية صالحة لأن تكون وعاء حاملا للعلوم والتكنولوجيا، والدليل على ذلك أنها بفخامة ألفاظها ونصاعة بيانها وجزالة كلماتها وصرامة تركيبها كانت لغة العلم والفنون والآداب في العصر العباسي يقبل عليها الأجانب لتعلمها ومدارستها والبحث من خلالها، كما كانت اللغة المفضلة لكثير من الشعوب والأجناس كفارس والأندلس ودول الغرب الإسلامي. ولقد انتقلت كثير من المؤلفات والمصنفات إلى أوربا باللغة العربية، و تم نقل محتوياتها وتمثل مضامينها عن طريق الترجمة كما فعل كثير من العلماء والمستشرقين الغربيين مع ابن رشد وابن سينا والزوهري والخوارزمي وابن النفيس….
    وقد قلنا سابقا: إن اللغة مرتبطة بمستوى الفكر، لأن الفكر هو الذي يصنع اللغة في نفس الوقت تصنعه اللغة كما قال جون دو لاكروا Lacroix، كما أن الفكر جسد اللغة واللغة هي ثوب الفكر كما ينص على ذلك موريس ميرلوبونتي Maurice Merleau-Ponty . فإذا كانت الأمة متقدمة على صعيد العلوم والتكنولوجيا والفنون والآداب ، حتما ستتقدم اللغة بدورها مادامت هي حاملة للفكر وأداة للتواصل والتبليغ ، والدليل على ذلك أيضا اللغة اليابانية التي أصبحت لغة متقدمة إلى جانب عملتها الثمينة بفضل تقدم صناعتها ذات التقنية العالية وسيطرتها على معظم أسواق العالم حتى أصبحت منتجاتها تهدد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية الغربية حتى في عقر دارها. وهنا أستشهد بقصيدة حافظ إبراهيم الشاعر المصري المعروف في حديثه عن اللغة العربية التي تعبر خير تعبير عما نحن بصدده الآن في هذا المقام:
    رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومـــي فاحتسبت حياتـي رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم أجــــزع لقول عـــداتي ولدت ولما لم أجد لعـرائــــسي رجالا وأكــفــــاء وأدت بنـــــــاتي وسعت كتاب الله لفظا وغايـــــة وما ضقــــت عن آي به وعــظات فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيــق أسمـــاء لمختـــــرعات
    وهكذا يتبين لنا أن اللغة العربية ليست ضيقة ولا عاجزة عن المواكبة لنتائج العلم، بل هي صالحة للتدريس العلمي والتقني بسبب اتساع طاقتها الاستيعابية المعجمية بالمقارنة مع اللغات الأجنبية. ومن المزايا الإيجابية للغة العربية أنها تستفيد من ظاهرة الإعراب والتوليد والاشتقاق بكل أنواعه و من ظاهرة التعريب والتعجيم، وكل هذا يساعدها على الانفتاح والاستفادة من كل لغات العالم. ويزيدها شرفا أن الله حمل القرآن المكتوب بالبيان العربي ولغته الرائعة كثيرا من الحقائق العلمية كالتي تتعلق بالأجنة والفلك والطبيعة… فكيف يعقل اليوم القول بأن لغتنا العربية غير صالحة أو غير قادرة على استيعاب المستجدات الاقتصادية ومسايرة النظريات العلمية والتقنية والتعبير عنها فهما وتفسيرا وتطبيقا؟!.
    ويلاحظ أن ثمة شعوبا تعتز كثيرا بلغتها الوطنية والقومية، ولا تريد أن تفرط فيها أو تبتعد عنها قيد أنملة، فجعلتها لغة التدريس والتخاطب والتداول اليومي في كل الأمكنة والمنابر والمؤسسات، تدرس بها العلوم والتقنيات ، تتعامل بها المقاولات والشركات ولو كانت هذه اللغات غير عملية على مستوى الكتابة والتواصل الخارجي كاللغة الصينية واليابانية واللغة العبرية بالنسبة لإسرائيل التي اندثرت فتم إحياؤها من جديد. ولا ننسى كذلك أن سهولة العربية ومرونتها أنسب للإبداع العلمي من اللغات الأخرى، خاصة إذا اجتهدنا في إيجاد حلول مناسبة لقضية الترميز والمصطلحات والمفاهيم العلمية والتقنية والمنطقية ودعمناها بالبحث العلمي والإنتاج الصناعي والعسكري والإبداع الفني والأدبي والثقافي.

    4- هل تصلح اللغة العربية كاللغة الفرنسية والإنجليزية لتدريس المواد العلمية المتنوعة ؟
    من المعلوم أن الشعوب العربية المغلوبة على أمرها بدأت تستعين باللغات الأجنبية في تدريس العلوم والتقنيات والاقتصاد والإدارة؛ لما لهذه اللغات الخارجية من قوة سياسية واقتصادية وعلمية وحضارية بله عن تقاعس أبناء اللغة العربية عن المساهمة في إثراء الساحة الإنسانية بالمخترعات والمعارف والاكتشافات والنظريات لأسباب عدة لاداعي لتفصيلها هنا مرة أخرى. فهكذا نجد دولا مثل: المغرب وتونس ولبنان تلتجئ إلى اللغة الفرنسية لنقل التكنولوجيا وترجمة الفكر العلمي تحت باب التعريب والتعجيم، كما أن دول الخليج ومصر بدأت تتكئ على اللغة الإنجليزية نظرا لانفتاحها الكبير على الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إنجلترا في شتى المجالات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والتعليمية. ويمكن أن نلاحظ تناقضات غريبة في هذه الدول التي تدعو إلى التعريب وتجعل اللغة العربية في أولى الأولويات في دستورها، لكن في الواقع تعتمد على اللغات الأجنبية في التسيير والتدبير وتدريس العلوم في المعاهد والجامعات ، بل هناك دعوات ديماغوجية وسياسوية إلى ضرورة استخدام العاميات العربية كمصر مثلا، واللهجات المحلية كالأمازيغية في الجزائر والمغرب ، والكردية في العراق. كما أن تجربة التعريب في سوريا والجزائر لم تعط أكلها الحقيقي نظرا للتطبيقات الارتجالية والسطحية في مجالات ضيقة ومحصورة، وغياب روح الاجتهاد الحقيقي والإبداع والابتكار في مجال العلوم والتقنيات، وعدم مواكبة اللغة العربية فيها للبحث العلمي الغربي أوالمساهمة في الإنتاج العلمي والتقني والنظري. ومن هنا نقول: إن اللغة العربية لكي تكون لغة علم وتقنية لابد من رجال علماء أكفاء وسياسات تنموية ديمقراطية عادلة وتشجيع كبير للعلماء، ولابد أيضا من الانطلاق من فلسفة قومية عربية إسلامية تستهدف التقدم والتخلي عن التخلف والاستبداد واحتقار الإنسان المسلم والعربي على حد سواء.
    و أخيرا، يمكن أن نختزل الجواب عن هذا السؤال في عامل الثقة والوعي والاعتزاز بلغتنا ولغة القران الكريم الذي شرفنا الله بها عن سائر الأقوام، ويعد استخدامها في العصور الوسطى في التصنيف العلمي والتأليف التقني دليلا ساطعا على أهميتها وتفوقها وقوتها التداولية ومكانتها السامية.

    5- هل تدريس العلوم بالعربية له نتائج وخيمة على مسيرة النهضة والتقدم العربي ؟
    كثير من السياسيين والمثقفين والخبراء يرون أن استخدام اللغة العربية في تدريس العلوم والتكنولوجيا له مخاطر هائلة قد تسبب في الانغلاق والتحجر والتخلف والتأخر، وأن ذلك سيحول دون تقدمنا وإسهامنا في مسيرة التطور والتقدم العالمي. وهذا الحكم صحيح إذا بقينا مكتوفي الأيدي عاجزين عن الإبداع والإنتاج الصناعي والخدماتي والتقني والفني والأدبي، عالة على الغرب و متكلين على الآخرين نستورد منهم نظرياتهم ومنجزاتهم المعرفية النظرية والتطبيقية، بطبيعة الحال ستكون اللغة العربية دائما في مؤخرة اللغات العالمية تعتمد على الترجمة والاشتقاق والتوليد والتعريب السطحي. وفي الحقيقة يرتبط تقدم اللغة دائما بتقدم فكر الأمة وإبداعها وإنتاجها. وعندما نطالب بتدريس العلوم باللغة العربية لا يعني هذا عدم الانفتاح على اللغات الأخرى والانطواء على الذات، فلغتنا قابلة للحوار والاختلاف والمثاقفة منذ القديم أثناء احتكاكها مع الشعوب المجاورة. ولكن أن نفرط في لغتنا ونرجح كفة لغات أخرى كاللغات الأجنبية والعاميات واللهجات المحلية فهذا ما لا نرضاه للغتنا القومية؛ لأن اللغة هي أس الحضارة والثقافة لكل أمة ، وعليها أن تكون لسان الحداثة والتقدم والحياة الحاضرة مسايرة للمستجدات الآنية ومتطلبات العصر.

    6- توصيات ومقترحات:
    ويمكن أن نحدد مجموعة من التوصيات والمقترحات التي نراها ضرورية للخروج من شرنقة التخلف والتبعية والقدرة على مواكبة التطورات العلمية والتقنية للحاق بركب التنمية وتحقيق الازدهار والرفاهية الاجتماعية والاقتصادية ويمكن حصرها في النقط التالية:
    1- الدعوة إلى تعريب حقيقي للمعارف العلمية والتقنية بدلا من الترجمة الحرفية السطحية؛
    2- تشجيع العلماء وتحفيزهم ماديا وماليا ومعنويا قصد دفعهم نحو الإبداع والإنتاج؛ 3- الاهتمام بالبحث العلمي وتخصيص كل الإمكانيات لدعمه وتقويته وأجرأته ميدانيا وتطبيقيا؛
    4- استخدام اللغة العربية في كل أسلاك التعليم وإعادة الثقة في ذواتنا وقدراتنا وأصالتنا، والوعي بأهمية هذه اللغة وقدرتها على المواكبة والمسايرة لكل مستجدات العلم والتكنولوجيا؛
    5- ضرورة القيام بإصلاح بيداغوجي وديداكتيكي حقيقي يرفع من قيمة اللغة العربية من خلال إعادة النظر في مقاييسها التقويمية وأساليب تدريسها ومقرراتها ومناهجها؛ 6- تفعيل المجامع اللغوية العربية والمؤسسات الساهرة على التعريب ونشر اللغة العربية وثقافتها على تنفيذ التزاماتها والسهر على تطبيقها في الميدان ؛
    7- خلق رؤية إستراتيجية قريبة المدى أو بعيدة المراقي، أو وضع خطة مستقبلية لتطوير اللغة العربية وتهذيبها وترقيتها وتحسين أساليبها والعمل على نشرها اقتداء بفرنسا وسياستها الفرانكفونية؛
    8- السهر على تكوين أساتذة الجامعات باللغة العربية وخاصة الذين تلقوا معارفهم في المراكز الأجنبية أو تابعوا دراساتهم العليا في جامعات الغرب؛
    9- الابتعاد عن التبعية للغرب والاعتماد على قدراتنا الذاتية واحترام خصوصياتنا الحضارية والثقافية؛
    10- تفعيل دور وسائل الإعلام والإعلان لخدمة اللغة العربية وتطويرها وجعلها لغة التداول والحوار؛
    11- فرض اللغة العربية في مؤسساتنا الاقتصادية والإدارية والتربوية والملتقيات والمؤتمرات العلمية والسياسية؛
    12- إنشاء كليات ومراكز ومعاهد تهتم باللغة العربية وتسهر على تطويرها وتحسين طرائق تعلمها للعرب والمسلمين والأجانب وجالياتنا في الخارج؛
    13- ألا يقتصر هذا التطوير على العلوم والتقنيات، بل يشمل أيضا ميادين الآداب والفنون في إطار نسق شامل وكلي ومتعدد الأوجه؛
    14- تشجيع كل أفراد الأمة على الاختراع والاكتشاف والإبداع والعمل والإنتاج؛ لأن اللغة تتقدم بتقدم الفكر وتنحط بانحطاطه؛
    15- تخصيص الجوائز المادية والمالية للباحثين العرب والمسلمين وحتى للأجانب على غرار جائزة نوبل بشرط أن يوظفوا اللغة العربية ، و تقديم كل التشجيعات المعنوية والرمزية لكل من يساهم في رفع قاطرة التنمية وتطوير المعرفة العلمية والتقنية والأدبية والفنية وذلك باستخدام اللغة العربية؛
    16- توفير مطابع كافية لنشر الكتب العلمية والتقنية باللغة العربية، و والإكثار من دور التوزيع في كل مناطق العالم العربي والإسلامي لمحاربة الأمية ونقل المعرفة وتسهيل تبادل المعارف ونقل الخبرات العلمية والتقنية والفنية والأدبية؛
    17- توفير مكتبات ومصادر ومراجع باللغة العربية في مجال العلوم والتقنيات أثناء إعداد البحوث والدروس والمحاضرات والرسائل والأطاريح الجامعية ؛
    18- ربط اللغة العربية بالتكنولوجيا الرقمية و شبكة الاتصالات الأرضية والفضائية المتطورة؛
    19- العمل على فرض اللغة العربية في المحافل الدولية والمنظمات التابعة للأمم المتحدة؛
    20- أن تكون هناك إرادة حقيقية فاعلة في تنفيذ التوصيات وترجمة المقررات والمقترحات التي تخص تنمية اللغة العربية وتطويرها ودعمها في الواقع العملي والإجرائي لتستجيب لكل مستجدات التطور العلمي والتكنولوجي لكي لاتصبح مجرد شعارات وأحلام طوباوية أو مجرد حبر على ورق.

    خاتــمـــــــة:
    ما أحوجنا اليوم إلى تطوير اللغة العربية وبناء سياسات تنموية ونهضوية جادة تعتمد على البحث العلمي وتشجيع العلماء وإرساء مجتمعات ديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وصون كرامته!
    وعلينا أن نتمثل تجارب بعض الشعوب القريبة منا للسير على منوالها في التمسك باللغة الوطنية والاهتمام بالعلم وتحفيز أصحابه وذوي المواهب الخارقة والقدرات الكفائية العالية على غرار اليابان والصين وإسرائيل وكوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونج وسنغافورة وماليزيا .
    نســــــــــــــــــــامح : لكن لا ننســـــــــى
    الحقوق لا تـُعطى ، وإنما تـُـنـتزَع
    غادة وعن ستين غادة وغادة
    ــــــــــــــــــ لاوالله الاّ عن ثمانين وتزيد
    فيها العقل زينه وفيها ركاده
    ــــــــــــــــــ هي بنت ابوها صدق هي شيخة الغيد
    مثل السَنا والهنا والسعادة
    ــــــــــــــــــ مثل البشاير والفرح ليلة العيد

    تعليق

    • أبو صالح
      أديب وكاتب
      • 22-02-2008
      • 3090

      #3
      اختيار لموضوع رائع يا غاده بنت تركي، وأظن أن د.محمد سديد لم يخرج خارج المملكة المغربية للقيام بزيارة للمشرق العربي (بغداد، ودمشق والقاهرة على الأقل) للإطلاع على ذخائرها وكنوزها في هذا المجال فلذلك كانت دراسته غير شاملة من وجهة نظري، مع شكره لمجهوده بغض النظر عن القصور. ومساهمة مني أنقل بعض ما جمعته تحت العنوان والرابط التالي في هذا المضمار

      جمالية محبوسة في قفص الحاسوب

      <font face="Verdana, Geneva, Arial, Helvetica, sans-serif" color="#660000" size="5">وجدت المقالة التالية ولغزارة المعلومات التي بها أوردها بنصها من الموقع التالي</font><a href="http://www.tartoos.com/HomePage/Rtable/ComputerSchool/Software/Soft44.htm"><font




      http://www.pcmag-arabic.com/article.php?id=EpkpplulZFljZzWOgU



      جماليات محبوسة في قفص الحاسوب (الجزء الأول)

      كثرت التساؤلات في الآونة الأخيرة، حول كيفية إنشاء خطوط عربية جديدة، أو تحرير بعض الخطوط المتوافرة بين أيدي المستخدمين، بقصد الإضافة أو التعديل، أو حتى نقل الخط من بيئة نظام تشغيل إلى آخر. ولذلك كان لابد من الحديث باستفاضة عن الخطوط العربية المستخدمة في الحاسوب، بدءاً من تاريخ ظهور الحرف الطباعي، وانتهاءً بالتقنيات الأساسية اللازمة لإنشاء ملف خط عربي لاستخدامه على الحاسوب.

      يتميز الحرف العربي بجماليةٍ قلَّ أن نجد لها مثيلاً في حروف اللغات الأخرى، غير التي ترتكز في تركيبها على نمط الكتابة العربية كاللغة الفارسية أو الأوردية، ويمتلك قابلية عجيبة على التطويع في إضفاء تشكيليةٍ محببة للنفس، من خلال استخدام المدود والأوضاع المتراكبة للحروف، مما يزيد من رونقه جمالاً وروعة، إلا أن هذا الخط بكل عراقته وفنونه مازال محبوساً في قفص ضيق اسمه، الخطوط (Fonts) المتاحة على الحاسوب، فمعظم تلك الخطوط التي ظهرت حتى الآن لم ترق إلى مرتبة تجعلها تمثل ولو جزءاً من جمالية الخط العربي.

      والمشكلة في ذلك لا تعود إلى تقصير من قبل جهة معينة، بقدر ما هي إهمال وعدم تنسيق في الجهود، فالخطاطون العرب ليسوا عملةً أندر من المبرمجين الذين بدأ عددهم بالتزايد مع انتشار التقنيات الحديثة، واتساع رقعة الحوسبة على خارطة المنطقة العربية. رغم ذلك فكل منهم في منأى عن الآخر، وظهرت العديد من المحاولات الجيدة لاقتحام أسوار الصبغة المطبعية السائدة في شكل الحرف العربي على الحاسوب، فلم يكتب لأفضلها النجاح الذي يبشر بالرضا، فمعظمها محاولات لاستنساخ ما سبقها أو تحريفٌ يكون في نهايته الحرف العربي هو الضحية، إذ تتمخض الاجتهادات في معظم حالاتها عن تشويه، لا يرقى إلى مستوى الذوق العام للمستخدمين المتعطشين إلى نتاج جيد يمكن الخروج به عن بوتقة الحرف الطباعي، الذي سيطر على كافة ما تقرأه عيوننا صباح مساء.

      ولتركيبة الحرف العربي نفسه صلة بالصعوبة التي ترافق عملية مطواعيته للتنفيذ على الحاسوب، فاختلاف شكل الحرف باختلاف موضعه، وتغير رسمه حسب ما يجاوره من حروف تزيد في تعقيد توليد خط مبني على أسس سليمة سهلة التركيب، فحرف السين مثلاً تمتلك أربع حالات مختلفة حسب موقعها من الكلمة في مقابل حالتان لا ثالث لهما لأي حرف في اللاتينية، عدا عن كون الحروف العربية تحتاج ضبطاً في توصيلاتها بحيث يتلامس الحرفان دون تراكب أو تباعد، كما تخضع لموازين في مواقع كل حرف منها على السطر حسب ما جاوره من حروف، فشكل الحاء وعلوها في كلمة "محمود" مثلاً يختلف عن شكلها وعلوها في كلمة "البحر"، على الرغم من أن الحاء في كلا الحالتين وقعت وسط الكلمة، والأمر الأدهى من ذلك أن شكل الكتلة الحرفية كاملة يجب أن يتغير في الكثير من الحالات.

      كل تلك الأمور، إلى جانب العديد من الإشكاليات التقنية الأخرى جعلت الخط العربي في آخر قائمة اهتمامات الشركات المطورة للبرمجيات العربية، حتى أن الحروف الطباعية العربية التي تم تضمينها مع معظم أنظمة التشغيل في الحاسب، لم تتعدَ كونها تكراراً للحرف الطباعي الذي كان ينضد يدوياً منذ أكثر من مائة عام، وبالرغم من المرونة التي يمنحها الحاسب للتعامل مع تقنيات التنضيد إلا أن الحرف العربي لم يلق جهوداً مدروسة بشكل علمي تتناسب مع مكانته كفنٍ وعلم في آن معاً. وقد وجدنا بعض المحاولات التي لم تصمد طويلاً فبقيت مكانها بعيدة عن التطوير منذ سنوات عديدة، مثل أطقم خطوط ديكوتايب المدمجة كل من مايكروسوفت أوفيس، ومع الإصدارة العربية من بيج ميكر، والتي صممتها شركة الصقال www.sakkal.com، وكذلك مجموعة جواهر الحروف من شركة صخر www.sakher.com، ومؤخراً محاولات شركة ديوان في إنتاج الخط المصحفي بشكل يحاكي خط اليد والذي كتبه الخطاط العراقي سعيد الصكار).

      وقد ساهمت التراكيب المختلفة للكلمة الواحدة في الخط العربي في تعقيد مهمة المطورين للخطوط العربية على الحاسوب، ولم تنجح المحاولات بشتى وسائلها حتى الآن من الوصول إلى تطبيق متكامل لأحد الخطوط العربية، وخاصة خط النسخ الذي نال الحظ الأوفر من المحاولات لإظهاره بشكل طباعي قريب من المشق اليدوي للحروف. إلا أنه لم تتوفر كافة أشكال الحروف بتراكيبها المختلفة، خاصة تلك المقاطع التي تشمل عدة حروف ضمن كتلة تشكيلية واحدة. وأول المحاولات الناجحة كانت جهود الفنيين في مطبعة بولاق الشهيرة يمصر عام 1867 م، حيث تم تصميم قوالب مطبعية لتراكيب منفصلة كثيرة التكرار في النصوص المطبوعة آنذاك، وشملت خطوط النسخ والرقعة والفارسي. إلا أن هذه التجربة بالرغم من تقليصها للفجوة بين شكل الخط الطباعي والخط اليدوي، إلا أنها ضاعفت من عدد الحروف في صندوق الطباعة، مما ترتب عليه بطء في إنتاجية التنضيد اليدوي. مما ألزم ظهور قاعدة "خط النسخ المختصر" والذي نفذته وقتها شركة لينوتايب مأخوذاً عن تراكيب كتبها كامل مروّة آنذاك، وتميزت بجمالها والتي قامت عليها معظم الأشكال الطباعية لحرف النسخ فيما بعد. ثم قدمت كل من شركتي مونوتايب الإنجليزية، وليتراست نماذج جيدة بذلت فيها وقتاً وجهداً، حيث بلغ على سبيل المثال عدد أشكال الحرف "الممتاز" الذي جهزته عام 1945م مونوتايب 470 شكلاً مختلفاً. إلى أن طرحت لينوتايب عام 1960م حرف "ياقوت" (نسبة إلى الخطاط العربي المشهور ياقوت المستعصمي) وجاء محققاً إضافات فنية عديدة إلى عملية التنضيد الطباعي، كان أهمها عملية ضبط السطور، بإضافة الوصلة الأفقية المستقيمة بين الحروف، والتي عرفت باسم "الكشيدة".

      في بدايات تطور عملية التنضيد اليدوي للحروف العربية، كان المشتغلون في هذا المجال على دراية تامة بأشكال الحروف في أماكنها المناسبة ضمن عدد محدود من الخطوط المتوفرة آنذاك، في الذي رافق ظهور الأجهزة الخاصة بتنضيد الحروف آلياً والتي انحصر تضمين الحرف الطباعي فيها بالشركات المصنعة، إذ وجدت تلك الشركات أنه لا مفر من تطوير أطقم حروف عربية لضمان الرواج التجاري لهذه الآلات. وبدأت في أواخر السبعينيات تنتشر النماذج المتطورة لأجهزة (Cathode Ray Tube, CRT) والمزودة بأطقم حروف طباعية متطورة، تتضمن أكثر من قاعدة طباعية، تشمل خط النسخ التقليدي كامل الضبط، والنسخ المبسط، والحروف الخاصة بالمواد العلمية والمعادلات الرياضية. واستبشر العاملون في مجال التنضيد والإخراج الطباعي وقتها خيراً في إمكانية التطور للخط العربي الطباعي الذي قد تثمر عنه جهود المختصين في هذا المجال. إلا أن الفرحة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما اجتاح الحاسوب الشخصي مجال التنضيد والإخراج الطباعي. وجاء محملاً ببرامج وخطوط رديئة بالمقارنة مع أجهزة الـ (CRT) وبالتالي تراجع التطور المنشود في مجال الحرف الطباعي العربي. ولم تبذل الشركات المزودة لبرمجيات النشر المكتبي أي جهد في المحافظة على ما تم إنجازه في تطوير الحرف العربي على مدى سنين طويلة. وإما اكتفت برسم أنماط الحروف المعروفة بضعف واضح شوه في معظم الحالات شكل الحرف العربي، وتدفقت علينا أسماء وأصناف لخطوط ما أنزل الله بها من سلطان. ودخل أهل الخبرة في أنماط الخطوط العربية بمتاهة الاختيار المناسب لخط يتم اعتماده في نشرة أو مطبوعة معينة، أمام الكم الهائل من المسميات لخطوط يستنسخ بعضها البعض. ويخلو معظمها من أبسط القواعد الفنية المطلوبة في تشكيل الحرف العربي. والأدهى من ذلك أن عملية اختيار الحروف التي تصدم أعيننا يومياً، فيما نطالعه من صفحات مطبوعة تخضع المزاج الشخصي للمستخدم، والذي يفتقر في معظم الحالات إلى التأهيل الفني اللازم لاتخاذ قرارات تصميم مطبوعة. وترتب على ذلك تضرر الشركات التي بذلت جهوداً كبيرة في مجال تطوير الحرف العربي للاستخدام الطباعي، وتجاهلت الحرف العربي لتهتم بمنتجات أخرى مثل شركة لينوتايب، ومونوتايب. أوخرجت من السوق تماماً مثل شركة لتراست.

      ولتقريب مفهوم إعداد خط على الحاسوب، نتطرق هتا إلى بعض النقاط الفنية الواجب توفرها لتجهيز خط عربي للحاسوب يعمل ضمن نظام تشغيل معين (ويندوز أو ماكنتوش). ولمشاركة القراء في الحس الفني والنواحي الجمالية للخط العربي، كفنٍ قائم يرتكز على أصول دقيقة، أرفقنا في القرص الهدية مجموعة من اللوحات بخط الفنان الدكتور صلاح شيرزاد، والتي زودنا بها مشكوراً. (ويمكن الرجوع إلى صفحة القرص الهدية للمزيد من التفاصيل)، وقد حفظت بهيئة JPG ليسهل استخدامها كحافظات للشاشة، أو كخلفيات لسطح المكتب.

      أولاً: مرحلة إعداد الخط يدوياً
      يقوم خطاط متمرس بكتابة الحروف العربية بكافة الأشكال اللازمة لعملية التنضيد الطباعي. ولابد من الإشارة إلى ضرورة توحيد مقاييس الحروف من حيث الارتفاع، والثخن وخاصة عند نقاط الالتقاء بالنسبة للحروف المتصلة. ويجب الانتباه إلى عدم ضرورة كتابة الحروف المتشابهة أكثر من مرة يدوياً (كالتاء والباء والثاء) حيث يمكن تكرارها باستخدام الحلسوب في المرحلة التالية.

      ثانياً: التجهيز الرسومي للحروف
      بعد اكتمال كتابة الحروف المطلوبة يدوياً، تتم عملية المسح الضوئي لها، وإدخالها إلى الحاسوب على هيئة ملفات صور، ليتم بعد ذلك تحويلها إلى ملفات رسوم خطية Vectors باستخدام عملية شف الحروف، وإعادة رسمها باستخدام واحد من البرامج التي تتيح ذلك، مثل (أدوبي إلليستيريتور، أو فريهاند، أو كوريل درو .. الخ). كما يمكن إسناد مهمة إعادة رسمها لبعض البرامج المتخصصة بنقل الصور إلى ملفات رسومية. مثل ( برنامج ستريم لاين من شركة أدوبي). ولا بد من التأكيد على أنه في حالة اعتماد برامج الرسم الآلي، يشترط أن تكون أصول الحروف المكتوبة دقيقة الحواف حادة الأطراف، وإلاَّ فإن نتيجة الرسم آلياً ستكون مخيبة للآمال. وعند الانتهاء من الرسم بشكل كامل، تتم عملية تكرار الحروف المتشابهة للحصول على الأبجدية كاملة (فعلى سبيل المثال تضاف النقطة لحرف الصاد للحصول على الضاد). ويجب الانتباه إلى رسم الأرقام وحركات التشكيل وعلامات الترقيم، لكي تكتمل محارف الخط المراد إنشاؤه.

      ثالثاً: عملية تشكيل ملف الخط
      يظن الكثيرون أن عملية إنشاء خط عربي على الكمبيوتر تتمحور في هذه النقطة، وهو تصور خاطئ إلى حد بعيد. فالمرحلة الأولى هي الأهم، والمتمثلة بابتكار مجموعة حروف جديدة قابلة للتنفيذ على الحاسوب، بعيدة قدر الإمكان عن الأنماط السائدة المتوافرة حالياً. وإذا ما أغفلنا المرحلتين السابقتين، فإن العملية لن تخرج عن إطار تحوير خطٍ مستخدمٍ حالياً، أو تغيير بعض مكوناته، أو الإضافة إليها، وكذلك نقل خط معين من بيئة نظام تشغيل إلى بيئة أخرى.

      ولابد من استخدام أحد برامج تحرير وإدارة الخطوط، وهي عديدة، وسنأخذ على سبيل المثال هنا برنامج "فونتوجرافر" من شركة مايكروميديا. والذي يعد من أكثر برامج إعداد الخطوط انتشاراً وسهولة استخدام.

      يتيح "فونتوجرافر" إمكانية ابتكار خطوط جديدة، برسمها مباشرة ضمن لوحة الرسم المتوفرة فيه، والتي تعتمد أسلوب برنامج "فريهاند" وإن كانت عملية رسم الخط خارج "فونتوجرافر" أسهل وأكثر تحكماً بالحروف. ويمكن الاستفادة من خاصية استيراد ملفات الرسوم المتوفرة في البرنامج، في مساعدة دور النشر والشركات العاملة في مجال التصميم، من تحويل الشعارات والرموز كثيرة الاستخدام لديها إلى ملفات خطوط، يسهل معه استخدامها داخل النصوص.

      وبالرغم من أن دليل الاستخدام المرفق مع برنامج "فونتوجرافر" يشرح للمستخدم الكثير من الخواص الفنية للخطوط، وطرق التعامل مع ملفات بوست سكريبت، لاستخدامها مع معظم أنواع الطابعات المعروفة، إلا أنه لم يتطرق من قريب أو بعيد إلى تقنيات الحروف العربية، والتي تحتاج تقنيات خاصة للتعامل معها خاصة في مجال اتصال الحروف، وعمليات اختيار الحرف حسب موقعه من الكلمة، إذ يختلف شكله كما أشرنا سابقاً من بداية الكلمة إلى وسطها أو آخرها خلافاً للحروف اللاتينية.
      عند فتح ملف في "فونتوجرافر" نحصل على خارطة لمحارف حروف الخط، حيث يتيح "فونتوجرافر" التعامل مع عشرة ملفات كحد أقصى، للتنقل فيما بينها متيحاً إمكانية القص واللصق لمحرف واحد أو لعدة محارف، ويمكن تحديد كافة مربعات المحارف، وتطبيق أوامر القص واللصق والمؤثرات الأخرى عليها دفعة واحدة.

      ويختلف شكل خريطة مواقع المحارف باختلاف نظام التشغيل المستخدم، حيث يعتمد نظام ماكنتوش محارفاً للخطوط العربية تختلف عن نظام ويندوز الشكل ، وهذا هو السبب في اختلاف مواقع الحروف في لوحتي المفاتيح بين النظامين. بينما اللغات اللاتينية لا تعاني من هذه المشكلة. والسبب في ذلك أنه منذ البداية لم يكن لنا نحن العرب دورٌ في اختيار حتى مواقع حروف لغتنا على الحاسوب! ونتمنى ألاّ نواجه اعتماد محارف عربية جديدة في نظام لينكس الذي يرى تعريبه النور على يد شركة IBM حالياً. ويجب معرفة مواقع الحروف على خريطة المحارف حسب نظام التشغيل المطلوب قبل البدء بإنشاء خط جديد. ويمكن ذلك بسهولة بفتح أي من الخطوط العربية المثبتة في النظام المقصود (تتوفر الخطوط في مجلد خطوط ضمن لوحات التحكم، أما في ويندوز إكس بي فهي داخل مجلد ويندوز، وفي ماكنتوش داخل مجلد النظام). ولدى إجراء عملية الحفظ على أي ملف لخط نشط في برنامج "فونتوجرافر" فإن الخط الأصلي لن يتأثر، وسيقوم "فونتوجرافر" بحفظ نسخة من الخط على شكل ملف بهيئة "فونتوجرافر" الخاصة، وتجدر الإشارة إلى أن ملفات "فونتوجرافر" لا تعتبر خطوطاً فعلية يمكن استخدامها مباشرة، بل تتطلب عملية توليد للخط Generate حسب المواصفات المطلوبة، لكي يتسنى تثبيت الخط في نظام التشغيل واستخدامه. ويدعم برنامج "فونتوجرافر" كغيره من معظم برامج تحرير وإدارة الخطوط، معظم هيئات الخطوط المتاحة، من بوست سكريبت بفئاته 1 و 2 و3 وكذلك خطوط تروتايب. ويجب التأكد من توفر خط دعم الطباعة، وليس فقط خط الشاشة في حالة فتح ملفات خطوط بوست سكريبت والعمل عليها.

      http://www.pcmag-arabic.com/article.php?id=EpkZypFluknZZIJWvf

      الحروف العربية:جماليات محبوسة في قفص الحاسوب (الجزء الثاني)

      بقلم: عمار عقيلي
      مايو/أيار 2002

      تحدثنا في العدد السابق عن مفهوم تجهيز ملف لخط عربي، واستخدامه في الحاسوب، ووجدنا أن الخطوات الأولى تعتمد على عملية كتابة الحروف العربية كاملة، بكافة وجوهها الممكنة، ومن ثم نقلها إلى ملفات رقمية يمكن للحاسوب التعامل معها وإدارتها ببرامج تحرير وإنشاء الخطوط، واستخدمنا على سبيل المثال برنامج "فونتوجرافر" لتطبيق بعض الأمثلة العملية.
      وجدنا أن "فونتوجرافر" يوفر خاصية استيراد الرسوم المجهزة بواسطة برامج الرسم المعروفة مثل (أدوبي إلليستيريتور، أو فريهاند، أو كوريل درو .. الخ)، كما يتيح إمكانية الرسم المباشر داخل البرنامج، من خلال لوح الأدوات المرفق به، والذي يعتمد طريقة برنامج فريهاند في الرسم (الشكل 1)

      ، إلا أن معظم المستخدمين المحترفين لـ "فونتوجرافر" يفضلون استيراد الملفات بعد رسمها خارجه. ويجب تحديد موقع الحرف المراد استيراده ثم اختيار أمر Import من قائمة ملف، ومن ثم اختيار هيئة eps وتحديد ملف الحرف المطلوب، (يجب حفظ كل حرف بعد رسمه بملف مستقل وبهيئة eps). ويمكن لبعض الخطاطين المتمرسين استخدام أداة الريشة (الرابعة من العمود الأيسر في لوح الأدوات) في الكتابة مباشرة داخل البرنامج لبعض الحروف والحركات، وينصح في هذه الحالة أن يتم ضبط عرض الريشة ودرجة ميلها على السطر من خلال نافذة المواصفات الخاصة بها، والتي تظهر بمجرد النقر المزوج على الأداة نفسها ويستحسن استخدام قلم إلكتروني ذي ضغط متباين، إذ يمكن للخطاط بواسطته أن يكتب كما على الورق. وبداية وقبل الشروع في تنفيذ الخط بواسطة "فونتوجرافر" لابد من تحديد المزايا العامة للحروف كافة، وتوحيد المشترك منها، مثل ارتفاع السطر العلوي للحروف، ومستوى الخط القاعدي، ومستوى الحدود الدنيا للخطوط الواقعة تحت السطر، وسمك الخط، وموقع الخط المستقيم الذي يظهر عند تفعيل أمر "تحته خط underline" في تطبيقات معالجة النصوص والصفحات، وبالرغم من أن "فونتوجرافر" يسمح للمستخدم تغيير معظم هذه الإعدادات والتعديل عليها، من خلال مربع حوار مواصفات الخط (شكل 2)

      . ويجب الانتباه إلى أن بعض الخواص المتاحة في الخطوط اللاتينية، لا يمكن استخدامها يشكل احترافي في الخطوط العربية، كخاصية الخط المفرغ، حيث تظهر علامات وصل الحروف العربية بشكل يشوه مظهر الكلمة المكتوبة، ولتجنب ذلك لابد من إنشاء خط يتم تفريغه مخصصا، وضبط حواف الحروف ليتم تلافي هذا العيب فيه، وتنحصر استخدامات برامج إنشاء وتحرير الخطوط في إحدى نقطتين،
      1- إنشاء خط جديد بدءاً من تشكيل حروفه وكتله (يندرج ضمن ذلك إنشاء ملف خط للشعارات والأشكال الرسومية شائعة الاستخدام، لدى دور النشر والإعلان والمطابع، الذي أشرنا له في الحلقة الأولى من هذا المقال)
      2- تعديل وتحرير خط موجود وجاهز للاستخدام (كأن تتم إضافة محارف أو تعديل خارطة المحارف من نظام تشغيل لآخر لاستخدام الخط نفسه في بيئة نظام تشغيل مختلفة كتحويل الخطوط العربية من نظام ماكنتوش إلى ويندوز)، ويجب الانتباه إلى مراعاة حقوق الملكية الفكرية، لصاحب الخط الأصلي في هذه الحالة، حيث أن عملية تحوير خط معين لا ينفي زوال ملكية صاحبه له.

      وفي "فونتوجرافر" يمكن تحديد مربع الحرف الذي نود التعامل معه بالنقر عليه مرة واحدة، وبالنقر المزدوج تنفتح نافذة خاصة بالحرف نفسه مزودة بلوح الأدوات الخاصة بالرسم أو التعديل على الحرف، ويمكن تنفيذ العديد من المؤثرات على الحرف مباشرة، مثل الإمالة italic للجهة التي يرغب بها المستخدم، وبمقدار زاوية الإمالة الذي يختاره، وكذلك لف وتدوير الحرف أو قلبه أفقياً أو عمودياً (الشكل 4)

      . ويمكن العمل على الحرف بحالة المشاهدة التامة للحروف المليئة أو المشاهدة لحدود الحرف فقط، (الشكل 5)

      . ولدى فتح أياً من مربعات الحروف في ملف الخط الجديد المراد إنشاؤه، نجد أن "فونتوجرافر" يقوم آلياً بتحديد مجموعة من خطوط الحدود الأفقية والعمودية، وبالتالي يتحدد خط عرض الحرف الذي يعبر عن المسافة التي يجب على الطابعة البدء فيها بطباعة الحرف الذي يلي الحرف المرسوم. وتتضح كذلك نقطة الأصل التي تمثل نقطة تلاقي الخط القاعدي مع الخط العمودي من اليسار، وهي النقطة التي تعتمد عليها البرامج في حساب الأشكال وعرضها ليتم صفها بناءً على المسافة المطلوبة، وفي المثال الموضح (بالشكل 6)

      ، تكون نقطة الأصل للحرف الذي يسبق حرف الكاف في هذا المثال نقطة تلاقي الخط الأيمن مع الخط القاعدي لحرف الكاف هنا، ونلاحظ أن الحروف اللاتينية لا تتجاوز الخطين العموديين الأيمن والأيسر، من حيث عرض الحرف، لأن الكتابة اللاتينية لا تحتوي وصلات بين الحروف، بينما الحروف المتصلة في الخطوط العربية وما شابهها من لغات، تتجاوز الحدود العمودية من اليمين أو اليسار أو كليهما، حسب موقع الحرف من الكلمة (الشكل 7).


      ويتيح "فونتوجرافر" طباعة خارطة محارف الحروف كاملة أو حسب المحدد منها، من خلال أمر الطباعة (الشكل 8)

      ، والذي يمكن من خلاله أيضاً طباعة نماذج لبعض المحارف، وبمقاسات يمكن تحديدها بواسطة المستخدم. وتفيد طباعة خارطة محارف الحروف لخط معين، في اتباع نفس التوزيع عند تشكيل خط جديد، أو تحويل خط من نظام تشغيل لآخر. وتجدر الإشارة على أن الخطوط المرفقة مع أنظمة تشغيل ويندوز الأخيرة (الإصدار الثاني من ويندوز 98 ومابعده) يدعم ملف الخط الواحد أكثر من لغة (كاللاتينية واليونانية والروسية والعبرية والعربية والفارسية) وذلك بفضل تقنية يونيكود المتطورة، ولكن في حال رغب المستخدم في إنشاء خط عربي بحت، فليس من الضروري تعبئة محارف اللغات الأخرى، ويكتفى بالحروف العربية دون غيرها لتوليد خط يدعم العربية فقط.

      تقنيات خاصة:
      يقدم "فونتوجرافر" خواصاً عديدة ومفيدة للخطاط والمصمم العربي، إلا أنه لابد من الحذر في التعامل معه، شأنه بذلك شأن أي برنامج احترافي، يحتاج إلى معرفة مسبقة بمبادئ الخط العربي من قبل مستخدمه، وهو كأي أداة إنتاجية في الحياة العملية، يعطي نتائج جيدة إذا ما أحسن استخدامه، وإلا فإن المحاولات غير المدروسة ستذهب أدراج الرياح، ويتحول العمل به إلى مضيعة للوقت والجهد.
      وهنا نورد بعض التقنيات، التي من شأنها أن تساعد المستخدم المبتدئ، على إدراك بعض مزايا "فونتوجرافر" الكثيرة. ولا بد من الإشارة إلى أن استخدام أياً من المؤثرات والأوامر في "فونتوجرافر" يمكن أن يتم على محرف واحد، أو على مجموعة معينة من المحارف أو على المحارف جميعها، حسب ما يتم تحديده قبيل تنفيذ الأمر، وليس من الضروري فتح مربع الرسم للحرف لكي يتم تنفيذ أمر ما (كالقص واللصق والقلب والتدوير وغيرها) وإنما يكفي تحديد هذا المربع الخاص بالحرف (أو عدة مربعات) وتنفيذ الأمر مباشرة.

      1- تعريض (تغليظ) الخط أو تنحيفه:
      في الكثير من الأحيان يحتاج المصمم أو المستخدم لأي من برامج النشر المكتبي، أو معالجة الكلمات إلى زيادة عرض خط معين من الخطوط أو إلى تنحيفه، ولكنه يجد نفسه مقيداً بما هو متوفر في مجلد الخطوط من أشكال. وباستخدام "فونتوجرافر" يمكن تعديل ثخن (سماكة) الخط، حيث يمكن فتح ملف الخط بواسطة "فونتوجرافر"، ومن ثم اختيار حرف معين والنقر المزدوج على مربعه، فينفتح مربع الرسم الخاص به، ومن قائمة Element يمكن اختيار أمر Change weight الخاص بتغيير عرض الخط، حيث يمكن إدخال قيماً سالبة للتنحيف (مثل 25-) أو أرقاماً موجبة للتعريض (مثل 50)، ويمكن تحديد كافة المربعات في الخط وإجراء العملية دفعة واحدة، ويجب عدم المبالغة في زيادة أو تنقيص ثخن الخط، خشية تشوه حواف الحروف خاصة عند الزوايا والأطراف.


      2- تقليل عدد نقاط الرسم:
      في الكثير من الأحيان يضطر المصمم إلى تحديد نقاط رسم كثيرة، في الشكل الذي يعمل على رسمه ، توخياً للدقة، ولكن التحكم بكتلة تحتوي عدداً كبيراً من نقاط الرسم في "فونتوجرافر" يعتبر بحد ذاته أمراً مضنياً، لذلك يمكن الاستغناء عن العديد من نقاط الرسم (نقاط الارتكاز والانعطاف) التي استخدمها المصمم أثناء رسمه لأشكال الحروف، وذلك باستخدام الأمر Clean up paths والموجود في قائمة Element حيث تنبثق عن هذا الأمر نافذة لاختيار القيم تتراوح مابين 1 إلى 5 ويجب عدم التفريط كثيراً في نقط الرسم، حيث ينصح باستخدام هذا الأمر مرة واحدة فقط، لأن الإفراط في تقليص عدد النقاط يؤثر سلباً على دقة الحرف نفسه.

      3- تحويل الخط إلى خط مفرّغ
      يحتاج المستخدم أحياناً إلى خطوط مفرغة بشكل يوحي بمظهر متعدد الأبعاد، ويمكن تحقيق ذلك باستخدام أمر Expand Stroke من قائمة Element والذي يمكن من خلاله تحويل الخط المليئ (المصمت)، إلى خط مفرغ، وهناك نوعان لاستخدام هذا الأمر، الأول التحويل بقلم عادي Normal Pen (الشكل 10)

      ، والآخر باستخدام قلم الخط Calligraphic Pen (الشكل A10)

      ونجد الفرق بين القلمين في تحويل حرف الكاف العادي إلى الشكل المفرغ في كلا الحالتين. ويجب الانتباه إلى إزالة الحدود العمودية الناتجة عن أجزاء الاتصال الخاصة بالحروف المتصلة، كي لا تظهر في الحروف على الشاشة أو الطابعة.

      4- إنشاء خط وسط بين خطين
      كثيراً ما يواجه المصمم العربي، معضلة التوافق مع خطوط لاتينية تتراوح في سمكها بين أكتر من درجتين، حيث يتوفر في الخطوط اللاتينية درجات عديدة لثخانة الخط (مثل Light, Regular, Bold, Black, ect..) والتي يندر توفر هذا المستوى من التدرج في ثخن الخط العربي الواحد. ويمكن من خلال "فونتوجرافر" إنشاء خط يقع في الثخن والسمك بين خطين من فئة واحدة، أحدهما عادي والآخر ثخين، وتجدر الإشارة إلى أنه يشترط أن يكون كلا الخطين من العائلة نفسها، و إلا نتج عن العملية تشويه مؤذٍ للعين.
      يمكن الحصول على ذلك باستخدام الأمر Blend fonts الموجود في قائمة Element حيث يتعامل هذا الأمر مع خطين في آن واحد، لينتج عنهما خط ثالث يعتبر وسطاً بين الاثنين، إذ يقوم البرنامج عند تنفيذ أمر Blend fonts برسم خط وهمي يحاكي نقاط منحنيات ورؤوس كل حرف من الخط الأول والثاني ويقع بينهما، (كما في الشكل 11

      حيث اكتفينا بخط للتجربة يمثل الرقم 4 في نوعين الأول رفيع والآخر سميك ونتج عن العملية خط جديد يضم في هذه الحالة رقم 4 فقط ويقع وسطاً بين سماكة الخطين)

      5- خاصية القرن الآلي للحروف
      يمكن تعريف القرن للحروف بأنه، عملية تقليص أو زيادة المسافات بين حرفين معينين كما في (الشكلين 12 و 13)

      حيث تظهر كلمة درج في الحالة الأولى بدون قرن آلي، بينما في الحالة الثانية طبقنا القرن الآلي بين حرفي الراء والجيم بنسبة 200 وحدة، وكذلك بين الدال والراء بمقدار 50 وحدة، وهو ما يعرف بالقرن الآلي ويمكن الوصول إليه عبر قائمة Metrics ومن خلال أمر Auto Kern، حيث يتم تقليص أو زيادة المسافة آلياً بين الحروف التي طبقت عليها عملية القرن الآلي، في البرامج والتطبيقات التي يتم استخدام هذا الخط فيها، ويجب الانتباه إلى أن بعض البرامج المستخدمة في معالجة النصوص لا تدعم خاصية القرن الآلي. ولا تتطلب كافة الحروف العربية قرناً آلياً، لذلك فإن "فونتوجرافر" يسمح باستيراد جداول القرن الآلي من خطوط أخرى تحوي قرناً آلياً مسبقاً، مما يسهل عملية ضبطها ويغني عن تكرار نفس العمل في الكثير من الأحيان.


      6- توليد ملف الخط
      تعتبر عملية توليد ملف الخط Generate font file المرحلة الختامية في عملية إعداد الخط، حيث تكون كافة الإجراءات قد اكتملت، وبقي تشكيل ملف الخط نفسه ليتم استخدامه في الحاسب. ويتيح "فونتوجرافر" إمكانية إنشاء الخطوط بعدة هيئات مختلفة مثل: خطوط تروتايب، وخطوط بوست سكربت بفئاتها المختلفة، ويسمح بتوليد ملفات دعم الطباعة Bitmaps بعدة أحجام، وكذلك يمكن لأمر Generate font file من قائمة file أن يولد خطوطاً لبيئة ماكنتوش أو ويندوز وغيرها من بيئات العمل المختلفة، وبهيئات عديدة وتنسيقات مختلفة، ويدعم البرنامج خطوط يونيكود إلى درجة معقولة.
      ولابد من الإشارة إلى أن ماكروميديا (الشركة المنتجة للبرنامج) لم تعمل على تطوير أو ترقية هذا البرنامج منذ فترة طويلة، حيث أن النسخة الأخيرة المتوافرة في الأسواق والتي بين أيدينا هي "فونتوجرافر 4.1" ويعود تاريخها إلى العام 1996 وهو متوفر يإصدارتين، لويندوز ولماكنتوش، وهما متشابهتان إلى حد بعيد. وهناك العديد من المحاولات لإنتاج خطوط عربية جديدة باء معظمها بالفشل حيث خرجت معظم الخطوط عن القاعدة المتبعة في الخط العربي. وبعضها الآخر يعاني من مشاكل تقنية، ولم ينج من ذلك إلا القليل من المحاولات، ويتوفر على شبكة إنترنت المئات من النماذج لخطوط عربية على الحاسب الآلي، فيها الغث والسمين، ويمكن الوصول إلى بعضها من خلال المواقع التالية:
      http://www.arabsgate.com/fonts.htm
      http://www.geocities.com/SiliconValley/Hardware/6336/page1.htm
      http://www.geocities.com/SiliconValley/Hardware/6336/page2.htm


      ما رأيكم دام فضلكم؟
      التعديل الأخير تم بواسطة أبو صالح; الساعة 02-02-2010, 08:16.

      تعليق

      يعمل...
      X