المشاركة الأصلية بواسطة يوسف أبوسالم
مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد أجلت إبداء رأيي عروضيا على هذه القصيدة البديعة حتى أدع مجالاً لهذا النقاش البناء والمفيد والذي يؤكد لي صحة قراري بتثبيت هذه القصيدة فأنا كنت من أوائل من قرأها وقد لاحظت ماشابها من أمور عروضية اعتبرها البعض أخطاء عروضية واعتبرها آخرون تجديدا شعريا .
وحتى نقرر ماإذا كانت أخطاء أو تجديدا لابد لنا من أن نعرف التجديد, فما هوالتجديد ؟
وحتى أبسط الأمر سأضرب المثل التالي : إذا كان لدينا بناء قديم وأردنا تجديده هل نقوم بإعادة ترميمه وتجديد دهانه وإعادة تمديد شبكة التمديدات الصحية والكهربائية فيه وتجديد الأرضية والمرافق أم نقوم بهدم أساساته بحيث ينهار المبنى بأكمله ؟
بالطبع لن نقوم بهدم أساساته بل سنقوم بتدعيمه وإصلاح مرافقه وتجديده , وهذا ينطبق تماما على الشعر العربي الذي بقي محافظا على قواعده وأسسه منذ العصر الجاهلي وإلى الآن فيما بشبه المعجزة , وقد قام علماء العروض بكتاية مئات الكتب التي تدعم أركان هذا الفن الجميل وهذا برايي يعود إلى أن حفظ القرآن الكريم أدى بدوره إلى حفظ التراث اللغوي والشعري العربي .
وهانحن اليوم نقرأ أشعار المعلقات كما كتبت منذ ألف وستمائة عام وقد وصلت إلينا سالمة وزنا ولغة ومفردات .
ومن العجيب أن كل شواذ من الشعر وهو كثير خلال هذه السنوات قد تم نسيانه والإعراض عنه في سبيل بقاء الأوزان الشعرية الأصيلة محفوظة حتى اليوم .
فالتجديد يكون في القصيدة العمودية بالحفاظ على قواعدها العروضية وتغيير الأسلوب المباشر للخطاب فيها وتجديد الصور الشعرية ومزجها بالتجربة الشخصية للشاعر مع مخاطبتها عصرها تطورا في الأسلوب واللغة .
وعودة إلى القصيدة التي بين يدينا وقد نظمت على وزن البجر المديد لأقول إن من أسس العروض وقواعده التي لايمكن المس بها أو تغييرها في الشعر العامودي قاعدة الأعاريض والأضرب التي تقول : متى اختار الشاعر عروضة وضربا مقابلا لها توجب عليه التزامهما إلى آخر القصيدة .
والعروضة هي آخر تفعيلة من الصدر أي الشطر الأول للبيت الشعري , والضرب هو آخر تفعيلة في العجز أو في الشطر الثاني للبيت الشعري .
طبعا إذا استثنينا الجوازات التي تصيب الأعاريض والأضرب في بعض البحور الشعرية مثل الإضمار في البحر الكامل والجذف والقبض في المتقارب والخبن والتشعيث في الخفيف , وهذا لامجال لتفصيله هنا ولكن فيما يتعلق بالبحر المديد الذي وزنت عليه هذه القصيدة فله ثلاثة أعاريض وأربعة أضرب , فإذا استخدم الشاعرأحدها وجب عليه التزامها إلى آخر القصيدة ولايجوز فيها أي تغيير , ويكون التغيير محصورا بحشو البيت الشعري .
وفي هذه القصيدة أعتمد الأستاذ يوسف أبو سالم في البيت الأول في قوله
جئتُ من شَرْقـِـــــي تُحَدّثُنــــي
شمْسُ عينيــكِ عن الرَهَــــــفِ
العروضة المحذوفة المخبونة فعلن | - - - ه | مع ضرب مثلها أي محذوف مخبون فعلن | - - - ه | , لذا وجب عليه التزامهما حتى آخر القصيدة وبذلك تكون الأبيات التالية التي جاءت العروضة في صدرها على وزن فاعلن غير مقبولة عروضيا وهي شمْسُ عينيــكِ عن الرَهَــــــفِ
فــــإذا بلّلْـــتِ آياتــِـــــــــــــهِ
بسْملتْ يائـــي على أَلِفِـــــــي
ويناديني علـــى صُدْفَــــــــةٍ
أضْوَعُ اللقيا مِنَ الصُّـــــدَفِ
أنا خَزَّافٌ فمـــن ياتـُــــــرى
أوقدَ الإحساسَ في الخــزفِ
ولو فرضنا أنه استخدم العروضة على وزن فاعلن | - ه - - ه | فلا يجوز أن يأتي ضربها على وزن فعلن | - - - ه | ووجب أن يكون على وزن فاعلن أو فاعلان أو فعْلن بتسكين العين | - ه - ه | .بسْملتْ يائـــي على أَلِفِـــــــي
ويناديني علـــى صُدْفَــــــــةٍ
أضْوَعُ اللقيا مِنَ الصُّـــــدَفِ
أنا خَزَّافٌ فمـــن ياتـُــــــرى
أوقدَ الإحساسَ في الخــزفِ
أما بالنسبة للأشطر التي جاءت على وزن بحر الرمل فقد كنت أظن قبل توضيح الأستاذ يوسف أنها جاءت عفو الخاطر لتقارب الوزن في البحرين المديد والرمل حيث يختلفان فقط بالتفعيلة الثانية حيث تكون فاعلن في المديد وفاعلاتن في الرمل , وفي الحقيقة يكاد البحران يتطابقان عند استعمال مجزوء الرمل ومشطور المديد لذلك قرر علماء العروض أن لمجزوء الرمل عروضة واحدة لاغير هي فاعلاتن حتى تتميز عن مشطور المديد لمن يقول بوجود مشطور للمديد والذي هو فاعلاتن فاعلن .
والمشكلة هنا وجود قصيدة شعرية للسلكة أم السليك منها هذا البيت
طاف يبغي نجوةً == من هلاكٍ فهلكْ
قال البعض إنها من مجزوء الرمل وقال البعض الآخر ومنهم الزمخشري في القسطاس في علم العروض إنها من مشطور المديد .
وإذا كان ذلك يشير إلى شيئ فهو يشير إلى إمكانية الخلط بين مجزوء هذين البحرين أحيانا , ومع ذلك فأنا أرى أنه لايجوز ذلك في قصيدة واحدة ولو كان بدعوى التجديد .
وأقول هنا لو كانت القصيدة لأي شاعر آخر غير الأستاذ يوسف أبو سالم لما كان هذا النقاش واعتبر الجميع ماجاء فيها أخطاء عروضية ولكن أن يكون كاتبها شاعراً كبيراً له دواوين مطبوعة وأشعاره لها ثقلها في المحافل الأدبية وقد نظمها هكذا عامدا بدعوى التجديد فهذا أمر لايجب أن يمر مرور الكرام ويجب أن تثبت هذه القصيدة كي تأخذ حقها من النقد بوجهيه الإيجابي والسلبي وحتى لايقال في يوم من الايام أن توفيق الخطيب قد وافق على ماجاء فيها من تجديد في العروض حسب رأي الأستاذ يوسف أبو سالم وفي النهاية لايصح إلا الصحيح .
أريد أن أنوه هنا برأي الأستاذ جلال صقر الذي أعجبني كثيرا بموضوعيته وعلميته .
ولايفوتني أن أشكر الشاعر ظميان غدير على رأيه الصريح وأدعوه دائما إلى إبداء رأيه وأهمس له أنني لم أكن أقصده عندما تكلمت عن النقد الموضوعي بعيدا عن الكلام الجارح ولكنني كنت أتكلم بشكل عام .
وشكري الأخير للأستاذ الشاعر المبدع يوسف أبو سالم على سعة صدره ومحاولاته الجادة للتجديد الشعر حتى ولو خالقته الرأي فيها أحيانا .
إن مثل هذا النقاش الجاد لن تجد له مثيلا في أي منتدى آخر .
وأطلب بكل احترام من الجميع إبداء رأيهم بما كتبت .
مع تحياتي وتقديري
توفيق الخطيب
تعليق