قراءة و رؤية في قصيدة ( قمرٌ تونسي ) للشاعر : ثروت سليم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عيسى عماد الدين عيسى
    أديب وكاتب
    • 25-09-2008
    • 2394

    قراءة و رؤية في قصيدة ( قمرٌ تونسي ) للشاعر : ثروت سليم

    أحبتي ، يسعدني أن أقرأ في قصيدة أخرى ، و أظنها الأحدث لشاعر غني عن التعريف من أرض الكنانة يجري الشعر في دمه و جسمه كجريان النيل في جسم مصر شريانها الرئيس إن لم يكن الوحيد ، أضع بين يديكم نصاً ساحراً لشاعر الحب و الجمال و الرقة ، الشاعر المبدع
    / ثروت سليم / أينما حلّ يقرأ الجمال سواءً أكان في عيون مصرية أو عيون عراقية أو سورية أو حتى في عيون تونسية ، تنوعت قراءته للجمال ، حيث تذوق برتقال مصر و كرز الشام ، و رطب العراق ، و أخيراً رمان تونس الخضراء ورطبها وكرزها وبرتقالها ، تذوق أخيراً شهد نحلةٍ من نسل عقبة ، جاء إلى تونس ليرى القمر ، ربما لم يره في مصر ، أو ربما رآه في تونس أحلى ، فكتب له من ساحر الحرف بعدما تذوق عذب شهده ورحيقه
    فما أجمل أن يكون الــ قَمَرٌ تُونسي ــاً
    *****

    وأنا بأرضِ القيروانِ .. رأيتُها قَمَراً بَهيَا
    قالتْ : أتعرفني ؟
    أنا سَلْمَى ..
    وأعشقُفيكَ هَمْسَاً شَاعريَا
    يصور لنا الشاعر ثروت سليم أنه بريءٌ من رؤية القمر التونسي التي رأته - و هو غني عن التعريف – فيروي لنا أنها هي التي بدأت بالسؤال ، سلمى تلك المعجبة التي ذاب قلبها من سحر همسه و رقة شعره ، وكذا هيبة الرجل العاشق ، فتقول له :

    يا ابنَ الكِنانةِ.. فيكَ سِحرُ النيلِ ..
    فيكَمَلامِحُ العُشَّاقِ ..
    تِطِوي الروحَ طَيَّا
    و بدا وكأنه يسأل عن جامع عقبة ، و هي تحرشات المعجب الذي سيطر عليه الجمال و سحره ، فبدأ كعاشق صغير السن ، تذكر أساليب العشاق الصغار للتعارف على من وقع قلبه عند قدميها ، أو تعلق بمعالم جمالها الساحرة ، فسألها ، أو أوحى لها أنه لا يعرف مكان جامع عقبة في القيروان فحام حول الحمى بذكاء ، حتى اضطرها أن تقول :

    إني أرَى عينيكَ تَسألُ.. أينَجَامِعُ عُقبةٍ ..
    أو أين طَيْفُ حبيبةٍ ..
    تَسقيكَ شَهْدَ الحُبِ ريَا
    فبدأ - و هو الخبير بوصف الجمال وقراءته – بقراءة معالم جمالها و توزيع تضاريس حديقتها ، و قد شكّلَ منها طبق فاكهة إلى جواره طبق من المكسرات اللذيذة فبدأ بالفستق كوصف للثغر ، وعندنا في الشام نقول و نشبه الثغر الجميل الصغير بحبة الفستق ، و ربما سرق هذا النوع من التشبيه منا أهل الشام ، ولا ضير ، فقال :

    ثغرٌ كَحبةٍ فُستُقٍٍ ..
    ومَضَتْ تُوشوشني هُنا ..
    شيئَاً ..فَشَيْاَ
    و كم استمتع بحديث وشوشتها و أظنه لم يسمع من حديثها شيئاً لأنه كان يسرح في جمال ثغرها و هذا ما يؤكده في إجابته و قوله

    فأجَبْتُها .. والشِّعرُ يَسبقني
    إلى صدرٍ يُسَافِرُ مَرْمَريَا
    أؤكد أنه لم يسمع شيئاً بل كان سارحاً في جمال الصدري المرمري المصقول و هل مثل الشاعر يقرأ الجمال
    و يتابع وينتقل من جمال الصدر إلى ما يحتويه الثغر الفستقي من مكونات و جمال الشفتين اللتين تشبهان العنب و ما ألذ عنب تونس ، رغم أني لم أذقه إلا في شعر ثروت سليم فلجمال تشبيه عرفت طعمه و لونه و شهده و رائحة العطر في المحيا التي تزينه فما أحيلى وصفه حين يقول :

    والثَغرُ يسبقُني إلى شفتين مِن عِنَبٍ
    وعطْرٍ في المُحيَا
    و أؤكد مرة أخرى أنه تابع تذوق جمالها حيث حدّث عينيها و رأى ما فيهما من سحر بابلي و كحل عربي فخاطب من خلالهما جمال فتيات العراق العريق فقال :

    حدثتُعَينيها.. وخلفَ الكحلِ ..
    قد عانَقْتُ سِحراً بَابليا
    و يترجم لنا ما قالت له عيناها وفي ذلك تأكيد آخر أنه كان سارحاً أثناء حديثها الذي لم يترجمها لهذه اللحظة ، حيث ينقل لنا حديث عينيها ، و أنها تهدهده و كأنها وضعته في سرير داخلهما و تهز به السرير و هو يتشاقى فيه فتقول : له أحبك يا شقيّا ، فلنتمعن في تشبيهه هنا :

    قالتْ وفي العينينأشواقٌ تُهَدْهِدُني ..
    أحبُكَ يا شَقَيَا
    فيبين لنا أثر المحبة على الصبي الصغير و ربما الرضيع ، و كذلك على الشيخ التقي فيذكرنا هنا بما فعلت حسناء بناسك متعبد عندما وقفت له باب المسجد ، وكل ذلك ليبرر لنفسه سيطرة سحرها عليه بقوله :

    قلتُ المَحَبَّةُ تفضَحُ الصَّبَالطَهورَ ..
    وتَسحَرُ الشَيْخَ التقيا
    و يبدأ بقراءة بقية جمالها فيطلب منها أن تهز على عطشه و كأنه لم يرتوِ من عذوبة برتقال مصر أو رطب العراق أو كرز الشام ، فيطلب منها أن تسقيه من كرز خديها و ربما هنا من عصير الكرز الذي تجلى على خديها يريد أن يرتشف منه كي يروي ظمأه ، فكم هو ظامئ عندما يقول لها :

    هُزي على عطشي مِن الخدين مِن كرزٍ ..
    و كأنه كان بقيعةٍ ووصل إلى دوحة فيها نبعُ ماؤه عصير الكرز
    حيث استعار بذلك عن تعطشه لتذوق الكرز الشهي و تقبيل خديها
    المغريين طعماً و لوناً ، و هل أشهى من الكرز الذي نضج ؟ تأكل منه دون أن تشبع .
    و يصل إلى حدائق الرمان في النهدين و لا تشبيه كمثل الرمان للنهدين فيقول :

    وهُزي شارعَ النهدين رُمَّاناَ شَهيا
    و كأنه لم يذق رماناً قبل
    وفي أي وقت يطلب منها أن تهزه ، وقت العصر ! أم قبل العصر ؟!
    ربما أراده فاكهةً بعد الغداء ، أو ربما أراده للأوقات الثلاث التي ذُكرت في القرآن ، أحدها بعد الظهيرة ! أو قبل العصر

    هُزي إذا ما حانَ وقتُ العصرٍ ..
    (
    قبلَ العَصْرِ ) !!!!!!
    رَيحاناً شَذيا
    فهذا الطلب ليس عن عبث ، إنما هو طلب عاشق خبير ، وفي قوله النخل مشتاقٌ جعل للنخل شعور الشوق و هو استعاره للتعبير عن الشوق الذي يسري في عروقها ، و أن رطباتها أضحت جاهزة للجني و قد نضجت تمام النضوج و هي شهية للقطف و آه من قاطفها و متذوقها فيقول ذلك في تعبيره :

    هُزي فإن النخلَ مُشتاقٌ ..
    وحُضنُكِ قد غدا ..
    رُطَبَاً جَنيا
    مازال في القيروان قرب سلمى لا يستطيع مغادرة جمالها لم يرتو من قراءتها ، و كأنها رواية يعيدها كلما انتهى منها ، أو أنها فاكهة لا يمل النظر منها و لا يشبع إذا تذوق طعمها الزكي ، ويتابع وصف سلمى التي سحرها أحرق أوراق غصونه بل و أشعل نار حبه كما اشتعلت داخلها و ذابت و هو كشمعة

    أنا لم أزلْ في القيروانِ ..
    وسِحرُ سَلْمَى ..
    أحرقَ الأوراقَ ..أشعلني ..
    وقد ذُبنا سَويا
    أهي غزالة ؟ فقد قرأها كذلك في خصرها ، و هو سحر الجمال الخصر الأنثوي الرقيق و الرشيق ، و الوجه كبدرٍ ، لكن ليس أي بدر ، فكيف للضوء أن يذوب فيه ؟!! إلا وقد استحال البدر نوراً فهو تشبيه بليغ و قفزٌ على المصطلحات المعتادة ، كيف لا و هو القارئ الخبير لمعاني الجمال و السحر .
    أما الشَّعر فربما استعار وصفه من نزار عندما قال ( و الشعري الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا ) فكان عشقه له أبدياً سرمدياً لباء منظره ، حيث شعر الغجرية به لفلفات كالخواتم أو كالحزونات فيقول :

    الخَصرُ مثل غزالةٍ ...
    والوجهُ بَدْرٌ ذابَ فيه الضوءُ ..
    آهٍ مِن جنونالشِّعرِ ..
    حين يكونُ عِشْقَاً سَرْمَديا
    ويؤكد على جمال سلمى هذه الساحرة العجيبة الجمال فيقول أن جميع النساء اللواتي تعرف عليهن سواء بخدرهن ، و ربما هنا رمز لزوجته ، أو بصحوهن أظنه قصد بها صديقاته و من رآى منهن في حياته ، أو اللواتي حلمن به أو حلم بهن ، كلهن أمامك جمال سلمى و سحرها كذبة كبرى و ليس كجمالها من النساء و عندما يصف ثروت سليم فإني من المصدقين حيث يؤكد أنه لم يغوينا بوصف جمالها و لم يكن كاذاباً أو مبالغاً ، ليس نبياً ، لكنه ينقل السحر بأمانة الأنبياء ، بقوله :

    كلُ اللواتي زُرتُهُن ..
    بخِدْرِهن ..
    بصَحوِهِن
    بحُلمِهن...
    أمام سَلْمَى كذبةٌ كُبرى ..
    ولم أكُ في هوَى سَلَمْىَ نبيَا
    أنا شَاعرٌ حَمَلَ القَصَائدَ ..
    واستراحَ بقصرِ عُقبةَ .. لَحْظَةً عُظمى
    وما كنتُ الغَوِّيَا
    وفي المقطع الأخير أرى أنه أراد أن يوصل لنا عدم قدرته على مقاومة سحر سلمى ، كما قاوم نبي الله يوسف سحر زليخة ، فعبّر عن ذلك وهو يترجم لنا إبداع الخالق في جمال سلمى ، ووقوعه أسيراً بين يديها في قصر عقبة ، و أنا لا أبرئه من قطف فاكهتها و تذوق شهد ثغرها هه إذ أوضح أن سلمى سلّمت للحب ، فعزف لحنها التونسي بقوله :

    لَكِّنَ سَلْمَى أسلَمَتْ للحُبِ رَهْبَتَها
    فَغنَّى القلبُ..
    لَحْنَاًتونسيَا
    و هنا أؤكد أنه اللحن كان عذباً تمايل ثروت على أنغام سلمى فكانت رقصة تانغو لعاشقين .
    ليعذر الشاعر المبدع ثروت سليم قراءتي التي أوضحت بعض ما بين سطور القصيدة التي ربما لم يفصح عنها النص ، و أخفاها الشاعر ببلاغة تعابيره ، و بعضها ظهر رغم خبرته خصوصاً في آخر النص عندما غنى اللحن واستسلمت سلمى
    أيها المبدع ، بالتأكيد ليست هي القراءة الوحيدة للنص ، لكن ربما هي قراءة أقرب إلى مفاهيم النص و حسن وصف الشاعر لهذي المشاعر التي انسابت رغماً عنه و تسربت على سطح النص و لم يستطع إخفاءها كعين محب تفضح أمر صاحبها
    للشاعر ثروت سليم تحيتي وشكري لتقبله هذي القراءة و الرؤى لنصه ( قمرٌ تونسي )
    ============================
    و إلى اللقاء في قراءة أخرى
    مع تحيات / سفير الياسمين
  • ثروت سليم
    أديب وكاتب
    • 22-07-2007
    • 2485

    #2
    للهِ دَرُكَ ياسفيرَ الياسمين
    ماذا فعلتَ بي ؟
    لقد أعدتَ لي سَلْمَى والقيروانَ كلَّهَا في غرفةِ مكتبي بمصر
    بعدما عدتُ من تونس الخضراء منذ أيامٍ قلائل ..
    إنها قراءةُ الكبارِ يا عيسى أيها الصديق الوفي
    والشاعر الجميل والناقد المتربع على عرش الرومانسية
    وكيف لا وأنتَ سفيرُ الياسمين.
    أخي الحبيب ابن الشام الغالي
    أعلمُ أنكَ تقطرُشِّعرا وشهداً وحلوى دمشقية .
    ولن أبالغ إن قلت لك:
    لقد كنتَ معي في القيروان وتابعتَ اللقاء كعاشقٍ ولهان
    هذه قراءةٌ نيِّرةٌ سأحفظها في ذاكرة قلبي
    وأحتضنها في دفء الروح .
    هنا عرفتُ ناقداً بارعاً كما عرفتُ من قبل
    أستاذي واخي وصديقي د. عبد الله كراز
    الذي يدخل قلب الشاعر قبل قلب النص .
    أخي الحبيب أستاذ :عيسى
    أعدُكَ أن أخلِّدَ قراءتك الواعية للقصيدة ضمن ديواني القادم بإذن الله وكما هي ببصماتك الراقية بالحرف والصوت والصورة نعم والصوت لأني سمعت نبض قلبك يعزف لي موسيقى الحب والجمال وأنا أغُنِّي لحن سلمى الذي غدا
    قمراً تونسيـــا
    لك محبتي التي تعرفها مع تقديري
    ثروت سليم

    تعليق

    • عيسى عماد الدين عيسى
      أديب وكاتب
      • 25-09-2008
      • 2394

      #3
      الرائع ثروت سليم

      أنت شاعر فذ يستحق منا كل الشكر ، كتبت قراءتي و أضع أراك تماماً في كل خطوةٍ تخطوها ، و في كل نظرة وفي كل حركة ، لأني حقاً وضعت نفسي مكانتك ، فتذوق الجمال له أهله ، و أنت أروعهم هذا العصر

      دمت راقياً مبدعاً

      تعليق

      يعمل...
      X