أسمن وأخف وأثقل
حكاية شعبية تجري على الواقع
بقلم :الداعي بالخير صالح صلاح شبانة
ولكن زوجها كان كثيرا ما يتهمها بالغباء وعدم سداد الرأي ، وأنها اكتسبت تلك الخصال عن أبيها ، بأنه غير ما يعتقد زوجها ، وأن له المكانة بين قومه ولرأيه أهمية ، وإنه مثلك إذا لم يتفوق عليك ، على مبدأ أن ( كل بنت بأبيها معجبه) ...وهكذا ...!!!
فالرجل أراد أن يحسم هذه القضية وقال لزوجته : أريد حسم هذا الجدال وأثبت لك قصر رأي أبيك وعدم معرفته بالأوابد ، ومحدودية الذكاء لديه ، وسأكتب لكِِ أسئلة تأخذيها له فيجيب عليها ، فأن حصل سأعترف له بما أنكره عليه الآن وإن لم يجب رسخ الدليل عليه وعليك أن لا تدافعين عنه بعد ذلك ...!!!
ووافقت على ذلك ، وكتب لها على رقعة من الورق : (ما هو أسمن السمين ، وأثقل الثقيل وأخف الخفيف)...؟؟!!
وقد كان يحضر المجلس أولادها الثلاثة الذين يدركون قصر فهم جدهم لأمهم وعدم فهمه لمغزى هذه الأسئلة ، وإكراما لأمهم ، اتفقوا على انتظار أمهم في الطريق التي ستعود منه ، ويطلعون على إجابة جدهم ، فإذا الإجابة صحيحة فبها وأنعِم ، وإن كانت خلاف ذلك تم تصويبها ...!!!
وكان للبلد ثلاثة طرق تؤدي إليها ، فاتفقوا على ميعاد عودتها أن يكمن كل واحد منهم في طريق ، حتى لا تفلت منهم ...!!
ثم أعطاها زوجها الورقة وحَمَلها هدية إلى أهلها ، وطارت إلى أبيها ، وأخبرته بما كان بينها وبين زوجها ، وطلبت من الإجابة على أسئلته لترتاح من أقاويله ، وعندما شاهدها ضحك منها ساخرا ، وسخر من صهره الذي يمتحنه بأسئلة تافهة ، ثم قال لها أبوها : حبا وكرامة ، فأنا أجيب على مهو أكبر من هذه الأسئلة التافهة ...!!!
وأحضر ورقة وكتب : أما أسمن السمين فهو الخاروف ، وأثقل الثقيل الرصاص ، وأخف الخفيف التبن ...!!!
وأعطاها الورقة وعادت مزهوة فرحة بمقولة أبيها ، وقد سلكت الطريق التي من نصيب ابنها الأصغر الذي سألها عن إجابة جده على أسئلة أبيه ، فأرته الورقة ، وعندما قرأ الأجوبة أدرك كم جده كان جاهلا ، فمزق الورقة ، وكتب لها ورقة أخرى لتعطيها لأبيه على أنها من جدّه وكتب : (أسمن السمين المطر في كوانين ، وأثقل الثقيل الحكم بين بذيئين بخيلين ، وأخف الخفيف الحكم بين فاضلين كريمين) ...!!!
ثم أعطى الورقة لأمه لتقدمها لأبيه بدلا من ورقة جده .
وعندما قدمت الورقة لزوجها أدرك أن أحد أولادها من أجاب وليس أبوها ...!!!
وسر الزوج من جواب عمه ، ولكنه أدرك بما يعرفه عنه أنه ليس من أهلها ، وخمّن أن الإجابة لا تعدو أبنه الأصغر ، وهنا نادى الأب ابنه الأكبر وقال له : ابحث لي عن أخيك الأصغر ، لأنه غائب عن المضارب منذ أيام وأخشى أن يكون أحد الضباع قد افترسه...!!
فجزعت الزوجة وقالت : لا إنه قابلني قبل عودتي بقليل ، فأدرك أن هذه الفصاحة من ابنه وليس من أبيها وانه أحق بالمشيخة وزعامة القوم من بعده من أخويه ...!!!
وهنا سأل الأب ابنه عن تفسير الإجابات ، لماذا مطر كوانيين أسمن السمين ، ولماذا الحكم بين البخيلين أثقل الثقيل ، ولماذا الحكم بين الكريمين أخف الخفيف..؟؟؟!!!
فقال الإبن :
أسمن السمين مطر كوانين لأنه يكون غزيرا ويحيي الأرض بعد موتها ...!!!
وأثقل الثقيل أن تحكم وتفصل بين رجلين بذيئيين عاجزين نذلين ساقطين ، لأنه لا يمكنك تحقيق المصالحة بينهم ، لتشدد كل واحد منهم برأيه ، وتسيطر عليه بذاءة خلقه ، فلا تأخذ منه حقا ولا باطلا ...!!!
وأما أخف الخفيفين فهو أن تحكم بين اثنين خيّرين كرماء أفاضل ، فتجد المسألة سهلة وبسيطة ، لأن كل منهما يريد أن يتفوق على الآخر ويغلبه بمحاسن الأخلاق ...!!!
تعليق