قراءة لأسرار خلفيات النص
كثيرا ما نقرأ النص فيأخذنا على حين غرة إلى باب الإعجاب وتسبيح الله من غير حول منا ولا قوة، وعلى العكس قد نقرآ نصا ثقيل الحجج قوي البراهين فلا يهزنا أو قد لا نأبه له؛ ويأتي السؤال: لماذا كان إقبالنا على الموضوع الأول، من غير حول منا ولا قوة، بينما كان زهدنا في الثاني؟
سؤال جوهري كان ينبغي الوقوف عنده طويلا لنتأمل الحيثيات، والملابسات، ونتملى الدوافع، لكشف الأقنعة، ورفع اللبس.
فالناس همم متفاوتة القدرات، والعقول والإرادات. وهنا كمن السر.ولنفترض قراءة لنصين أحدها ليساري وأخر لليبرالي.
فاليساري بعقليته الحزبية الضيقة يدخل القرآن بحثا عن نصوص تؤيد مدخله، وتسعف مذهبه، لتسخيرها تنفيذا لوجهته وخدمة لأغراضه. ويستخرج لنا قوله تعالى { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [الحشر : 7] معلنا في وجهنا التوجه الاشتراكي للقرآن.
والبورجوازي يتصيد النصوص القرآنية ليوظفها نقطا لتقاطع وجهة نظره مع القرآن. ويأتينا بقوله تعالى { وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ }[النحل : 71] ليصرح بأن هذا هو الدليل القاطع بأن القرآن ذو توجه ليبرالي، وقد وقف في الآية عند مطلعها دون ختامها الذي يدحض توجهه، ويذهب ببهاء توهجه.{وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }[النحل : 71]
وتأخذ الحيرة المرء ولا يدري ما يقدمه ولا ما يؤخره في معظلة استدل فيها الطرفان كل منهما بكتاب ربه.
ولنقف وقفة تأمل تفضي بنا إلى سعة رحمة الله:
1-فكل منهما ما دخل القرآن إلا بعد تحديد وجهة نظره؛
2-كل منهما جاءنا بنص يؤيد مذهبه؛
3-كل منهما كانت له إرادة يود منا الانقياد لها،
فهي إذا ثلاث إشكالات،
إشكال الفكر المسبق؛
إشكال توظيف نصوص النقل ؛
إشكال الإرادة والمقصد.
إنها بخلاصة ما يسميه الأستاذ عبد السلام ياسين أزمة العقل والنقل والإرادة. فبأي عقلية نلمس النصوص ولأية غاية أو إرادة؟
لنا أن نتساءل: لماذا البحث عن الأسس الفكرية للنص؟
فالناس درجات، وقد حذرنا الرسول الكريم من كل منافق عليم اللسان فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ : " أَخْوَفُ مَا أَخَافَ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ " . الحكم المبدئي: إسناده حسن.
ومعلوم مما أخبرنا به القرآن الكريم بأن المنافق إن رأيته يعجبك جسمه وهندامه، وإن يقول تسمع لقوله؛ إذا كلامه منمق مصنوع يقتضي الدراسة العميقة لاستنباط أسس منطلقاته الفكرية،
فالدراسات المعمقة لمحاكمة النص تقتضي أساسا دراسة شكلية تتعرض للمصطلحات، وعدم الوثوق بها إلا إذا تناغمت مع بعضها في انسجام تام؛ وذلك قصد استخراج فنون ألاعيب واللف والدوران، والحومان حول الهدف، وسبيل الوصول إليه، فضلا عن طريقة عرض الأفكار وانسجامها وترابطها.
تتبعها دراسة للمضمون والأفكار : دراسات تحدد توسل الكاتب لشكل المعنى، ومنطق صياغته للخطاب؛ إذ لا وجود لخطاب يؤسس لكل شيء ولا يتأسس على شيء.
ويفضي تحليل الخطاب في الشكل إلى بيان الكيان اللغوي أو الزخرفة اللغوية التي تحلى بها نسيج الخطاب، وترابط فقراته ببعد منطقي تسلسلي.
وكل انحراف عن التماسك اللغوي، قد لا ينظر إليه المحلل على أنه تقصير من الكاتب وإنما يسجل الملاحظات حتى تتجمع ليستنتج أفعلا كان هذا نتاج قصر باع الكاتب، أو شيء مراد محبوك بدقة متناهية يرمي إلى تتبع أثر النيات المسبقة، من خلال لحن القول.
أما تحليل الروابط الفكرية تفضي بالمحلل إلى استنتاج العلاقة بين المفاهيم والأفكار، لكشف الروابط المنطقية المؤدية إلى الانسجام بين المعاني القريبة والبعيدة، وبين الصور البلاغية وخطوط نقشها ولألئ زخرفتها.
وبعد جمع معطيات الدراسة، يبقى دور الاستنباط والتأويل، حيث توظف كل المعطيات ابتغاء استنتاج كلي متكامل وصورة عن الكاتب ومطامحة من وراء النص،وفنون مراوغاته وتقنيات أساليبه.
ودخول باب الاستنباط والتأويل يتطلب سعة فكر، وطول باع وتنبه ذهن لكل ما يخطر على القلب، وكل ما يؤشر على توجه، سواء من مصطلحات، أو إيماءات أو صور ...
وعلوم الاستدلال متنوعة وكثيرة منها العلوم الأدبية، والألسنية، علم المصطلح، فضلا عن علوم عقلية كالمنطق، وعلم الكلام، وعلم الأصول، والتأويلية أو تعدد القراءات...
وفي حالة عدم تمكن المرء من توظيف إشارة، أو مصطلح، أو إيماء يتركه جانبا ويحيل عليه، لعل قارئ نبيه يفك لغزه ويكشف ستره.
وحبذا الدراسات المقارنة لمعطيات نصوص تعددت واختلفت أحوالها، فهي تساعد أيما المساعدة على استنباط الفكر الأصيل لصاحبها حيث يلاحظ الثوابت من المعطيات وما يتغير بتغير ظروف الزمان والمكان والحال.
سؤال جوهري كان ينبغي الوقوف عنده طويلا لنتأمل الحيثيات، والملابسات، ونتملى الدوافع، لكشف الأقنعة، ورفع اللبس.
فالناس همم متفاوتة القدرات، والعقول والإرادات. وهنا كمن السر.ولنفترض قراءة لنصين أحدها ليساري وأخر لليبرالي.
فاليساري بعقليته الحزبية الضيقة يدخل القرآن بحثا عن نصوص تؤيد مدخله، وتسعف مذهبه، لتسخيرها تنفيذا لوجهته وخدمة لأغراضه. ويستخرج لنا قوله تعالى { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [الحشر : 7] معلنا في وجهنا التوجه الاشتراكي للقرآن.
والبورجوازي يتصيد النصوص القرآنية ليوظفها نقطا لتقاطع وجهة نظره مع القرآن. ويأتينا بقوله تعالى { وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ }[النحل : 71] ليصرح بأن هذا هو الدليل القاطع بأن القرآن ذو توجه ليبرالي، وقد وقف في الآية عند مطلعها دون ختامها الذي يدحض توجهه، ويذهب ببهاء توهجه.{وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }[النحل : 71]
وتأخذ الحيرة المرء ولا يدري ما يقدمه ولا ما يؤخره في معظلة استدل فيها الطرفان كل منهما بكتاب ربه.
ولنقف وقفة تأمل تفضي بنا إلى سعة رحمة الله:
1-فكل منهما ما دخل القرآن إلا بعد تحديد وجهة نظره؛
2-كل منهما جاءنا بنص يؤيد مذهبه؛
3-كل منهما كانت له إرادة يود منا الانقياد لها،
فهي إذا ثلاث إشكالات،
إشكال الفكر المسبق؛
إشكال توظيف نصوص النقل ؛
إشكال الإرادة والمقصد.
إنها بخلاصة ما يسميه الأستاذ عبد السلام ياسين أزمة العقل والنقل والإرادة. فبأي عقلية نلمس النصوص ولأية غاية أو إرادة؟
البحث عن أسس الفكر المسبق داخل النص
لنا أن نتساءل: لماذا البحث عن الأسس الفكرية للنص؟
فالناس درجات، وقد حذرنا الرسول الكريم من كل منافق عليم اللسان فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ : " أَخْوَفُ مَا أَخَافَ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ " . الحكم المبدئي: إسناده حسن.
ومعلوم مما أخبرنا به القرآن الكريم بأن المنافق إن رأيته يعجبك جسمه وهندامه، وإن يقول تسمع لقوله؛ إذا كلامه منمق مصنوع يقتضي الدراسة العميقة لاستنباط أسس منطلقاته الفكرية،
فالدراسات المعمقة لمحاكمة النص تقتضي أساسا دراسة شكلية تتعرض للمصطلحات، وعدم الوثوق بها إلا إذا تناغمت مع بعضها في انسجام تام؛ وذلك قصد استخراج فنون ألاعيب واللف والدوران، والحومان حول الهدف، وسبيل الوصول إليه، فضلا عن طريقة عرض الأفكار وانسجامها وترابطها.
تتبعها دراسة للمضمون والأفكار : دراسات تحدد توسل الكاتب لشكل المعنى، ومنطق صياغته للخطاب؛ إذ لا وجود لخطاب يؤسس لكل شيء ولا يتأسس على شيء.
ويفضي تحليل الخطاب في الشكل إلى بيان الكيان اللغوي أو الزخرفة اللغوية التي تحلى بها نسيج الخطاب، وترابط فقراته ببعد منطقي تسلسلي.
وكل انحراف عن التماسك اللغوي، قد لا ينظر إليه المحلل على أنه تقصير من الكاتب وإنما يسجل الملاحظات حتى تتجمع ليستنتج أفعلا كان هذا نتاج قصر باع الكاتب، أو شيء مراد محبوك بدقة متناهية يرمي إلى تتبع أثر النيات المسبقة، من خلال لحن القول.
أما تحليل الروابط الفكرية تفضي بالمحلل إلى استنتاج العلاقة بين المفاهيم والأفكار، لكشف الروابط المنطقية المؤدية إلى الانسجام بين المعاني القريبة والبعيدة، وبين الصور البلاغية وخطوط نقشها ولألئ زخرفتها.
وبعد جمع معطيات الدراسة، يبقى دور الاستنباط والتأويل، حيث توظف كل المعطيات ابتغاء استنتاج كلي متكامل وصورة عن الكاتب ومطامحة من وراء النص،وفنون مراوغاته وتقنيات أساليبه.
ودخول باب الاستنباط والتأويل يتطلب سعة فكر، وطول باع وتنبه ذهن لكل ما يخطر على القلب، وكل ما يؤشر على توجه، سواء من مصطلحات، أو إيماءات أو صور ...
وعلوم الاستدلال متنوعة وكثيرة منها العلوم الأدبية، والألسنية، علم المصطلح، فضلا عن علوم عقلية كالمنطق، وعلم الكلام، وعلم الأصول، والتأويلية أو تعدد القراءات...
وفي حالة عدم تمكن المرء من توظيف إشارة، أو مصطلح، أو إيماء يتركه جانبا ويحيل عليه، لعل قارئ نبيه يفك لغزه ويكشف ستره.
وحبذا الدراسات المقارنة لمعطيات نصوص تعددت واختلفت أحوالها، فهي تساعد أيما المساعدة على استنباط الفكر الأصيل لصاحبها حيث يلاحظ الثوابت من المعطيات وما يتغير بتغير ظروف الزمان والمكان والحال.
تعليق