دورة أفعوانية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد غالمي
    عضو الملتقى
    • 22-10-2008
    • 64

    دورة أفعوانية

    حمدا لله على سلامتكم.. هيا يمموا شطر تلك الغابة.. لا تبرحوها حتى يأتينكم مني نذير.. شغلوا هواتفكم المحمولة.. خذوا حذركم.. الوضع في غاية السوء.. استنفار حاد في صفوف رجال الأمن.. استعينوا بما يكفيكم من البلاستيك لإقامة حواجز تقي من لفح البرد.. تنفس ياسين الصعداء.. دب في كيانه الحبور واستبدت به نشوة من اجتاز امتحان مرير في عرض الموج العاتي.. وأمسى قاب قوسين أو أدنى من حلم بات واقعا يتراقص على مرمى من ناظريه، ورغم ذلك ما يزال ياسين يتلظى من تداعيات ما استبد بكيانه من رعب مكين.. طيلة الرحلة السندبادية البغيضة في عرض بحر لجي غاضب. لم تبرح ذاكرته صورة قائد المركب العليل يصيح ملء عقيرته: "غاز المحرك على وشك النفاذ.. هيئوا المجاديف أيها الكلاب.." موج ثائر يكيل للمطية صفعا عنيفا.. لم تمهلها المياه الطائشة.. انتفضت الطيور المروَعة.. تعالى العويل واحتد النحيب ومساعد القائد مفتولة عضلاته، يصرخ في هستيريا: "اسكتوا أيتها الغربان المشؤومة" وليخفف من الحمل الثقيل الذي كاد يفصم ظهر القارب... امتدت يده الفولاذية تلقي في بطن اليم أرواحا مروعة وتزفها عرائس للقروش تفض بكارتها، وعاد إلى مكانه وكأن شيئا لم يقع.. واصل صياحه في من لاحت على سماهم رباطة الجأش.. هيا.. أسرعوا.. أفرغوا المركب قبل أن يبتلعكم اليم.. وكاد فؤاد ياسين ينخلع من رعب.. ما يزال مصرا معتصما يعض على حبل النجاة بالنواجذ.. أهي الرغبة الملحة في الخلود والتشبث الأعمى بتلابيب الوجود، أم هو الوعد الخالد خاف عليه الانهيار والوأد؟ ومهما يكن فقد شمر على ساعديه، لا يبالي البرد والبلل.. يفرغ المياه الطائشة بما أوتي من عزم، وكأنما يتبارى في سباق ضد الساعة.. حقا شفع له ما هو فيه من كدح في مفاوز الرهبة والرعب ضد صولة الموت المكشرة، وإلا فعل به المساعد ما فعل بغلامين ملآ الدنيا عويلا.. كادت تلحق بهما امرأة لولا أن شفع لها وضعها كحبلى.. ورغم ذلك لم تسلم من ركلة كادت تجهضها.. ما زال ياسين يسعى في حركات آلية يقضم مكرها ما عاين عن كثب من قرابين آدمية تقدم لسلاطين البحر! يتجرع الألم مشفقا من حال الوعد الخالد. وهو يحتسي سكرة اللحظة الفاصلة بين الحياة والعدم تذكر مالكته عروسة حقول الفول.. في ذلك اليوم الربيعي الرائق.. في حضن القرية المهزولة العجفاء انتشى من سرور وهو يزف إليها النبأ.. كانت مكبة على الفول تجنيه ويجني بجانبها مسرا في انفعال.. "لاحت بوادر الفرج.. عنت تباشير الفجر الذهبي.. قري عينا وهللي يا مالكة روحي.. جميع الأمور رتبت.. سوف تنطلق الرحلة مساء هذه الليلة من أدغال جبال الريف.. سوف تصبحين نجمة نجوم القرية، سلطانا تنحني له الرقاب.. إذا كان محفورا على الجبين أن نكد في أرضنا كفاية بطوننا ولم نبلغ الأرب، فحري بنا أن نبيع عرقنا في أسواق الجملة، في ما وراء البحار". ليس لياسين من مخرج غير التطلع إلى تلك العوالم النائية.. هنالك يستجدي بعرقه ودمه مهر مالكته، ذلك النفس العليل والجسد البض الأسيل. وكيف لراعي غنم، حفَار الشمندر ونتَاف الفول أن يستأثر بقلب تواق إلى الخفقان خارج أشواك القرية؟ النعيم كل النعيم في أن تذوب الذات في عالم المدن والحواضر، وتلك فلسفة مالكة وشريعتها في ملكوت دنياها. وفجأة أرعد الرعد وأبرق البرق، وأفلت الومضة وأظلم البحر. عادت سطوة الموج وهوج الرياح تتقاذف المطية القاصرة المحتضرة.. أما هو فخارت قواه من فرط ما استنزف من الطاقة في إفراغها. وبعد لأي خبا لهيب الأنواء، توارى نفس من اليأس، ودب شعاع الأمل في النفوس. زاد الوضع اطمئنانا أن صاح القائد في القطيع: "تنفسوا الصعداء أيها البغال المنهكة.. ليس بيننا وبين الغابة سوى دقائق معدودات.." ورقص ياسين طربا ونشوة على الرغم مما هو فيه من ارتباك ومحنة، وعنت مالكة في الأفق البعيد تترقب أخبار طائرها الرحال، فانبرى يناغي طيفها بين اليأس والرجاء.. "هوني عليك مالكتي.. ها قد بلغت بر الأمان.. أرقب العمران وتداعب روحي نسائم الجنان.. سوف تهدأ العاصفة وتنسحب عين الرقيب، وأغزو الديار فارسا لا يخيب.. سوف أعود إليك سلطانا مظفرا.. سوف أوشح صدرك بمهر أغنمه من ساحة المعارك الشائكة.. لا يفصلني عن تلك الرياض المضاءة سوى أن يعلن الليل انسحابه.. دغل لا يطاق يلفنا يا مالكة.. يكاد يجهز علينا برهبة ظلامه ولسعة برده.. حفيف الأفاعي تتربص عند جذوع الشجر.. القردة على الأفنان تقذفنا بتمار البلوط،، ثم تكشر ساخرة منا .. أما الخنازير المعربدة فحدث ولا حرج.. من أين لأجفاننا أن تنعم بلذيذ النوم يا مالكة؟! لا هم ولا شجون.. كل أمر في سبيلك يهون" وحيى السراب واستدار ساغب البطن مقرور البدن.. كاد فؤاده ينخلع من وطأة ما هو فيه من جحيم مزعج مميت. أحنا رأسه وانسل في عشه البلاستيكي يترقب انبلاج الفجر.. أطبق براحتيه على أذنيه اتقاء نعيق بومة جاثمة على غصن شجرة بمحاذاته. وبسط الفجر أرديته الفضية على السهول والجبال، وقف ياسين يغالب الأرق.. ينظر إلى تلك المباني المشرفة على المخيم الإجباري في قلب الغاب.. وحلا له أن يناغي مالكته: "مالكتي وضمادة جراحي وأشجاني.. قريبا سنختم آخر الأشواط.. سنطير كالنحل إلى سماء الروض.. استيقني حبي.. سأملأ بطني بالرحيق وأعود إلى الخلية ملك يمينك.. أفرغ فيها عصارة جوارحي..
    سمع حفيف أقدام من خلفه، أدار وجهه من فضول.. كان ثمة عجوز لا تباشر عملها إلا في عز الفجر كهذه اللحظة.. تسرق الحطب وتشحنه على بغلتها.. تقدم نحوها سائلا، مومئا ببنانه إلى ذلك العمران الذي لازالت الأضواء تغمر أزقته وشوارعه:
    ــ ألا تزال حالة الاستنفار قائمة هناك سيدتي؟ ألم ينسحب حراس الأمن بعد؟ لقد سئمنا المكوث في هذا الغاب الموحش.. برد وجوع.. قرود وبوم وخنازير، ناهيك عن جفوة النوم.. جهنم لا تستحمل يا خالتي..
    ـ ومن أرغمك على اللجوء إلى هذا المكان..
    ـ لو وجدت العسل في موطني لما هرولت أبحت عنه في هذه الديار الغريبة..
    ـ من أي بلد ساقتكم الأقدار يا هذا؟
    ـ من المغرب.. وبالضبط من جبال الريف..
    ظنت الحطابة بعقل الفتى الظنون، فخالته مخبولا آثر حياة الغاب والأحراش، وانطلق يضرب الأخماس في الأسداس، وخاطبته مستغربة:
    ـ عن أية بلاد غريبة تتحدث... وأي استنفار تعني؟
    ورد في حال من الدهشة:
    ـ إسبانيا! ألست في أرض غريبة يا امرأة؟
    وعادت الحطابة تطمئنه وتحاول رد الاعتبار لوعيه الكسير:
    ـ شمل الله عقلك برداء العافية يا بني، واعلم أنك حي ترزق في غابات جبال الريف.. أجل حبيبي.. إننا على مشارف الناظور يا مقهور!!
    جحظت عينا ياسين وحملق في محدثته.. فغر فمه وشرع يلهث متدليا لسانه كالكلب.. ربما أدرك بأن المطية المشؤومة دارت دورتها الأفعوانية وحطت من حيت انطلقت! أرسل آهات متقطعة وخر مغشيا عليه ..
    محمد غالمي ـ روائي
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    محمد غالمي
    أنت أديب موهوب سيدي
    نص مكتمل الجوانب يخلب الألباب
    العنوان بحد ذاته نص أدبي
    السرد جاء مشوقا ورائعا
    وكنت أنوء بحمل ياسين على ظهري وأجذف معه
    أدفع بالقارب لعله يصل الوجهة الأخرى
    وهيهات
    فقد كانت خديعة المهربين السفلة وهم يلعبون بمصائر الناس ويسرقون عرقهم
    وكم ألف مواطن أكل وشرب المرارة من مثل هؤلاء
    عمل يستحق النجوم وبجدارة
    سأرشحه للذهبية
    لك بصمة مؤكدة سيدي الكريم
    أحييك
    تحياتي ومودتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • آسيا رحاحليه
      أديب وكاتب
      • 08-09-2009
      • 7182

      #3
      القدير محمد غالمي..
      فكرة القصة هي نفسها في قصتي " ليلة تكلم فيها البحر ".. ركوب البحر نحو عالم مجهول من أجل تحقيق حلم قد يستقر في بطن الحوت أو ترجعه الأمواج من حيث أتى..
      أهنّئك على اللغة و الأسلوب..
      تحيّتي.
      يظن الناس بي خيرا و إنّي
      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

      تعليق

      • إيمان عامر
        أديب وكاتب
        • 03-05-2008
        • 1087

        #4
        تحياتي بعطر الزهور

        المتألق
        محمد غالمي
        اهو القدر والأقدار
        تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن
        ذهبت مهرولة وراء سرد حروفك الرائعة
        جميلة بلا حدود
        دمت متألق
        كون بخير
        لك ارق تحياتي
        "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

        تعليق

        • محمد غالمي
          عضو الملتقى
          • 22-10-2008
          • 64

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          محمد غالمي
          أنت أديب موهوب سيدي
          نص مكتمل الجوانب يخلب الألباب
          العنوان بحد ذاته نص أدبي
          السرد جاء مشوقا ورائعا
          وكنت أنوء بحمل ياسين على ظهري وأجذف معه
          أدفع بالقارب لعله يصل الوجهة الأخرى
          وهيهات
          فقد كانت خديعة المهربين السفلة وهم يلعبون بمصائر الناس ويسرقون عرقهم
          وكم ألف مواطن أكل وشرب المرارة من مثل هؤلاء
          عمل يستحق النجوم وبجدارة
          سأرشحه للذهبية
          لك بصمة مؤكدة سيدي الكريم
          أحييك
          تحياتي ومودتي لك
          الأخت عائدة المحترمة: كانت قراءتك للنص جد متميزة، إذ أزحت اللثام وأمطت القناع عن أفدح المشاكل الغارق في مستنقعها خيرة الشباب اليافع المتطلع الذي أنهكه الإحباط والخذلان.. وما ترشيحك قصتي المتواضعة للذهبية إلا دليل على إحساسك الراقي..
          وسوف أحرص من جهتي على إيلاء ما تبدعين كل الاعتبار..
          دمت من أديبة متألقة..
          محمد غالمي
          التعديل الأخير تم بواسطة محمد غالمي; الساعة 18-02-2010, 18:57.
          محمد غالمي ـ روائي

          تعليق

          • مجدي السماك
            أديب وقاص
            • 23-10-2007
            • 600

            #6
            تحياتي

            اخي محمد غالمي..تحياتي
            عملك هذا لفت انتباهي..رائع..تمتلك فن القص..وبجدارة عالية.
            مودتي
            عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

            تعليق

            • محمد غالمي
              عضو الملتقى
              • 22-10-2008
              • 64

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
              القدير محمد غالمي..
              فكرة القصة هي نفسها في قصتي " ليلة تكلم فيها البحر ".. ركوب البحر نحو عالم مجهول من أجل تحقيق حلم قد يستقر في بطن الحوت أو ترجعه الأمواج من حيث أتى..
              أهنّئك على اللغة و الأسلوب..
              تحيّتي.
              فعلا، إنها الفكرة ذاتها التي احتواها موضوع قصتك، مهما اختلف البناء السردي.. قضية شائكة استعصت على الحل، وتستحق أكثر من التفاتة..
              سعدت بوقفتك المتأنية في رحاب النص.. كل التقديرلك أختي آسيا..
              محمد غالمي
              محمد غالمي ـ روائي

              تعليق

              • محمد غالمي
                عضو الملتقى
                • 22-10-2008
                • 64

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة إيمان عامر مشاهدة المشاركة
                المتألق



                محمد غالمي



                اهو القدر والأقدار


                تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن


                ذهبت مهرولة وراء سرد حروفك الرائعة


                جميلة بلا حدود


                دمت متألق


                كون بخير


                لك ارق تحياتي


                الأديبة المتألقة إيمان..
                لا ريب فيما ذهبت إليه، وصدق أبو الطيب المتنبي إذ قال:
                ما كل ما يتمناه المرء يدركه ** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
                بيد أن الرياح السموم العاصفة بالشخصية محور النص كانت جد مدمرة.. إنه لقدر مقدور..
                تقديري وامتناني لرأيك القويم وانطباعك السليم
                محمد غالمي
                محمد غالمي ـ روائي

                تعليق

                • مصطفى الصالح
                  لمسة شفق
                  • 08-12-2009
                  • 6443

                  #9
                  الاستاذ محمد

                  يعطيك العافية

                  عمل ابداعي جميل جدا

                  انت متمرس خبير

                  ما قصرت

                  قراتها على نفس واحد - وهذا نادر الحدوث لي -

                  تحياتي
                  [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                  ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                  لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                  رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                  حديث الشمس
                  مصطفى الصالح[/align]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X