كان الشاطئ الرملي ذاك الصباح الماطر والعاصف يوحي برومانسية تستهوي قلوب العشاق,
فالسير تحت المطر بجانب البحر غاية المُنى ... والرياح تداعب خصلات الشعر التي هربت من دفءالقبعات ،وأمواج البحر تغسل الأقدام الحافية الراكضة تحت أنغام الهدير الصاخب.
في ذلك اليوم لم يكن البحر ينتظر زوار، فالبرد قارس ولا بد أن العطلة الفصلية ستخدّر الجميع تحت دفءالفراش .
لكن البحر وشاطئه تفاجآ بأمواج بشرية تغزو الرمال المبتلّة بأقدام حافية وملابس خفيفة ورأس بلا غطاء عدا عن ما تضعه بعض النسوة .، لكن المفاجأة أن عشاق البحر كانوا من مختلف الأعمار،
هاهي فاطمة العجوز برفقة حفيدها الصغير الذي تعرف البحر عليه من جثة والده الذي ابتلعه ذات قذيفة غادرة.
وهاهي منتهى الصبية الحسناء أدرك الشاطئ خطواتها التي حفظها عن ظهر قلب عندما كانت تمحو بها خطوات خطيبها الشهيد الذي كان يسابقها على الرمال كلما التقيا في استراحة حرب نادرة.
ومؤمن الفتى اليافع جاء برفقة أخته التي تقود كرسيه المتحرك بعد أن أكل لغم جائع ساقيه .
يا للهول ... البحر يصرخ ويضرب بشدّة الآن ... إنه غاضب لرؤية هدى الفتاه اليتيمة التي لا ينسى صرختها التي وصلت أصقاع الأرض بعد إغتيال براءة طفولتها في مشهد لا تنساه الإنسانية عندما تآمرت آلات الحقد ورصاصات الغدر والوحشية مع عقول لا يمكن تسميتها بشرية تآمرت لتغتال جذور هدى، وربيع هدى والأقسى من ذلك قلب هدى ...
لماذا جئت يا هدى؟؟ وأنت يا مؤمن ؟؟ ما الذي آتى بك يافاطمة والأمراض أكلت منك الجلد والعظم؟
الا تدري يا بحر؟؟؟ كنوزك التي آتت بنا
كنوزك كالزمرد والماس
تركنا الفراش الوثير بأغطيته الرمادية التي تضحك علينا بها الأمم المستعبٍدة
تركنا الخيمة الدافئة التي تقرصنا ببرودتها حتى العظم
تركنا أرواحنا خلفنا وآتينا
ألم تعلم بعد يا بحر أنك منقذنا الوحيد الآن بعد الله
ألا تعلم أنه رغم عدد ما ابتلعت منا وعدد من ضحينا بهم لأجلك لازلت تعطينا
انك تأخذ وتعطي... سنرضى بهذه المعادلة فلكل شئ ثمن
لكننا ندفع أكثر يا بحر
بضع حصى مدفونة في رمالك نجمعها حبة حبة نبيعها قطرة قطرة
بضع حجارة من زلط لأجل بضع لقيمات من طعام
بضع كرامة نحافظ عليها ولا نتسول على موائد اللئام
هل علمت الآن يا بحر كم أنت معطاء وكم نحن نعطي أكثر؟.
في رملك ما يعادل كنوز سليمان لأهلك الفقراء
فاسمح لنا يا بحر أن تجود علينا بالمزيد
وإن استطعت أن تستمطر الرحمة لأجلنا لعل المطر يعفينا هذا الصباح بضع ساعات
لعل الرياح تهدأ بعض الوقت قبل أن يحل المغيب .
مسح البحر دمعات مالحات كانت قد غطت الشاطئ .. فانحسر الموج حزنا
وهتفت الرمال ... إني لكم
تعليق