حلم قديم لم يتحقق لصبي .. " قصة قصيرة"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عبده العباسي
    عضو الملتقى
    • 24-01-2010
    • 15

    حلم قديم لم يتحقق لصبي .. " قصة قصيرة"

    حلم قديم لم يتحقق لصبي ..
    قصة قصيرة ..


    كان الرجل يحتضن الكلب إلي صدره ، الكلب يوزع نظراته بين وجوه الناس في الشارع ، الرجل يردد بين الحين والحين يخاطبهم :
    ـ من يشتري هذا الكلب النادر ؟
    الكلب من فصيلة نادرة علي مايبدو ، كان جميلاً يرفع خطمه دائماً لأعلي ، وقد تدلي من حول عنقه شريط أحمر زاهٍ ، كان وديعاً :
    ـ إنه من نوع الـ "بوكسر " انظر ، إنه كالعملة النادرة في هذه الأيام ..
    قال البائع مؤكداً ، لم يعره أحد انتباهاً فراح كانه يتودد إلي الناس بأن يشترونه ، رجل واحد داعب الكلب وتفحصه مثل خبير والآخر أكد انه من النوع النادر ثم بش وجهه وانصرف ..
    البائع هو هو ، لم يغير بضاعته منذ نصف قرن من الزمان ، تري كم عدد الكلاب التي باعها منذ هذا التاريخ ؟
    اشتهر ببيع الكلاب لجنود جيش الاحتلال البريطاني :
    ـ تشتري كلب " جوني" ..
    ويقع " جوني " في الفخ ، فيستدرجه البائع لمكان خفي فلا يعود " جوني" مرة أخري من أنصار الحياة ، يقع بين براثن رجال مهمتهم تنحصر في تعقب مثل هذا الـ " جوني"..

    ***
    اشتري الرجل الكلب ، راح يهدهده بين ذراعيه ومضي به إلي البيت ، شعر براحة شديدة تسري في نفسه وحلمه البعيد باقتناء كلب يتحقق بعد زمن طويل ..
    دخل من باب الشقة علي أطراف أصابعه كاتماً أنفاسه وأنفاس الكلب خشية افتضاح أمره مبكراً ، تحسس خطاه واتجه ناحية الشرفة المطلة علي " المنور"..
    كأنما الزوجة والأبناء كانوا في يرقبون قدومه ، نظروا وهم يتساءلون :
    ـ ماذا جري ؟ هل حدث شئ لعقل الرجل الذي ناهز الستين من عمره ؟ ماهذا الذي بين يديه ؟
    انعقد لسانه عن الإجابة ، لم يجب ، حالة من الاشمئزازسرت بينهم ، وفي صوت واحد قالوا :
    ـ هكذا ، أتيتنا بكلب ..
    اجتمعت نظراتهم قاسية ، وفي أول مواجهة لم يرحبوا بالكلب واعلنوا امتناعهم عن الإدلاء برأي ، كلهم ضده وعلي قلب رجل واحد ، عضوا علي النواجذ وهم يحاصرونه وفي استعداد للإنقضاض عليه ، ثم بدأ التهديد والوعيد :
    ـ أمامك خيار واحد ، ثم بعده أغادر البيت بلا عودة .
    ***
    أكد له البائع :
    ـ لن يكلفك كثيراً ، إنه خالٍ تماماً من الأمراض ، هذه شهادة تثبت سلالته ..
    وراح يحكي عن الأسرة الأجنبية التي باعته لثري فرط فيه بسهولة لآخر ..
    ***
    منذ طفولته وهو يحلم بأن يقتني كلباً علي غرار أصحابه ، أمه تعقبت الحلم ووأدته في مهده ، أخوته لم يقف في صفه ولم يشد أحدهم من أزره ، أكد لأبيه :
    ـ اشتريه من أجل الحراسة ..
    جاء الرد :
    ـ ليس لدينا ما نخشي عليه من اللصوص.
    قال :
    ـ سأقوم علي رعايته بنفسي ..
    ***
    فكرة جنونية راودته أن يجعل الكلب يثب من فوق السور الحديدي للميناء دون أن يشعر به أحد ، ثم يجتاز هو البوابة الضخمة كالعادة في خفة الغزال ويلتقيان ويتركه ليحرس مركب الصيد ، حاصره الأب ووصفه بأنه لا يقدر المسئوليات وبأن ولداً أرعن مثله سيكون وبالاً الأسرة ..
    وأردف :
    ـ الويل كل الويل لمن يعقره كلب ..
    قال شقيقه :
    ـ لابد من حقنه بواحد وعشرين حقنة ..
    وأشار لمكان فوق سرته ، قالت الأم وقد انتهت من صلاتها :
    ـ الكلب نجس ..
    أكد بأنه سيبني له بيتاً فوق سطح البيت ، اعترض الجميع ، فانصرف مخذولاً عن مجرد التفكير في الأمر ..
    * * *
    قال ابنه الذي ارتدي مؤخراً جلباباً أبيض وأطلق لحية مرسلة في انزاعج :
    ـ البيت الذي فيه كلاب لا تدخله الملائكة .
    ذكره بأنه يعلم ذلك ، قال الابن الآخر :
    ـ الفصيلة التي يدعيها البائع مشكوك في حقيقتها ..
    زاد من جلده لذاته ، وشعر بأن البائع قد غرر به واستغل جهله بأنواعها وفصائلها وأكد له الولد أن الجزار الذي علي ناصية الشارع لديه كلب من نوع الـ" بوكسر " الحقيقي :
    ـ يشبه الأسد الصغير ويقبع عند المدخل المغلق للمحل ولا يكف عن التهام قطع اللحم والعظام والناس ينظرون إليه في حسرة ويتحسسون بطونهم الخاوية في حسد ..
    قالت الإبنة اللطيفة وهي تقترب من الكلب بعد أن قدمت له كيساً من اللبن أفرغته في صحن من الصيني ، وراحت تربت علي ظهره وتمسح علي رأسه في حنو بالغ :
    ـ إنه رائع ، سوف أشتري له سلسلة فضية وأصطحبه معي ليحمني من اللصوص الذين سرقوا منذ أيام حقيبة يدي ..
    زجرتها الأم بنظرة قاسية ورددت بأن هذا الصحن لابد أن يتم التخلص منه ..
    انتابه احساس خفي بالحزن ، الزوجة في حالة من التشفي التام تسأل :
    ـ من سيتولي أمره يا تري؟
    ***
    عداء سافر منذ اللحظة الأولي واجهه ، لم يجد من ينصفه سوي الصغيرة ، دخل إلي حجرة مكتبه وأحضركتاب الحيوان للدميري وأخذ يقرأ ، الكل في حالة استنفار والكلب حائر في دهشة كأنه يتابع المشهد :
    ـ لقاء جاف لا يليق بكلب مثلي ، لو أنهم حضروا ساعة البيع ورأوا ما بذل صاحبي من جهد مع البائع الذي لم يكف عن ترديد العبارات التي ترفع من أسهمي وعن عدم موافقته للتنازل قيد أنملة عن الثمن الذي حدده ، وكيف دارت رحي عملية البيع والشراء في شد وجذب حيناً واستعطاف في حين آخر ، وكيف أن الشراء تم لأجل عيون صغير كان يمسك بذراع أمه الفاتنة ، وكان يطلبني كهدية من أمه في عيد ميلاده ..
    ***
    ضم الرجل الكلب إلي صدره كطفل فقد حنان أمه ، وهو في سرور تام ، راح يبحث عن سيارة أجرة تقله للبيت ..
    السائق نظر له ثم ضحك ، وقال بأن رجلاً دخل الجنة لأنه سقي بطرف مداسه كلباً كان يلهث في الصحراء ..
    ثم أردف :
    ـ الكلب صديق وفي ، هل شاهدت مؤخراً فيلم "عصابة الكلاب " وكيف استخدمت العصابة الكلاب في سرقة بنك ..
    ـ بالطبع أتذكر الفيلم ..
    همّ السائق بمداعبة الكلب فكاد أن يعقره، فأصابه الذعر ولولا مهارته في القيادة لاختلت عجلة القيادة في يده ثم سأل عن اسم الكلب :
    ـ سأترك هذا الأمر للأبناء ..
    ـ من المؤكد أن البهجة سوف تعمهم البهجة حين أصل إلي البيت ، سيفرحزن من أول وهلة وربما يختلفون كثيراً ..
    ***
    الحارس هب منتفضاً ، ثم أسرع يحمله برفق ويدللـه كطفل ، ناداه بعدة أسماء ، وراح يقنع سيده باختيار اسم منهم لكن السيد كان في عالم آخر ، كان يعد العدة لمواجهة قد تبدو مرتقبة ..
    ***
    في الشرفة الصغيرة التي تطل علي " المنور الداخلي" فرش له قطعة من الموكيت ، وضع له صحن الصيني الذي لم يتم تكسيره بعد ، وآخر من البلاستيك تم الاستغناء عنه وامتلأ بالماء ، وضع قطعاً من الخبز إلي جواره ..
    عاد لمكتبه هارباً من الحصار المضروب :
    ـ ماهو الحل الذي يرضي جميع الأطراف ؟
    وفكر جيداً بأنه اندفع وتهور وخسرمبلغاً يصل إلي نصف راتبه الشهري دفعه قانعاً ، في حين كذب علي زوجته بأن الثمن المدفوع ليس إلا جنيهات معدودة ..
    أبدت الزوجة استعدادها لرد الكلب إلي البائع وأوضحت مدي قدرتها علي استعادة المبلغ كاملاً دون أن ينقص مليماً واحداً ..
    رفض بالطبع وزاغ بعينيه بعيداً لئلا تلتقيا بعيني زوجته فينكشف أمره أو تفتضح كذبته ، ثم قال لنفسه :
    ـ أي مأزق هذا الذي أوقعت نفسي فيه ، كيف أتحمل مسئولية كائن حي يحتاج للنظافة والرعاية والطعام وربما يحتاج لمراجعة الطبيب ..
    ***
    لم ينم طوال الليل ..
    في الصباح راح يبحث عن البائع ورأسه كالرحي تدور فيها الأسئلة ، كشف البائع عن النية المبيتة في رد الكلب إليه :
    ـ تنتظر حتي أبيعه ..
    وتعلل بأنه قد أنفق المبلغ في شراء طعام للصغار ، رق قلبه ، لكن البائع الذي تمكن من فريسته مبكراً قال :
    ـ سأدفع .....
    تلهف الرجل ليسمع باقي الكلمات ، فكانت لا تبلغ ربع ما دفعه إذا ما أراد رد الكلب ..
    أدرك أن البائع قد غرر به ، ود لو يهدده ، قال لنفسه :
    ـ كيف لرجل مثلي أن يتعرض لموقف سخيف كهذا ؟
    عاد إلي البيت يحمل احتياجات الغداء في يد ، وفي اليد الأخري حمل كيساً به طعام اشتراه من محل شهير بوسط المدينة يبيع فقط طعام الحيوانات ..
    واجهته زوجته بثورة عارمة لا قبل له بها عند دخوله البيت :
    ـ عبء جديد يثقل ميزانية الأسرة لن نستطيع الوفاء به ..
    قال الابن الأكبر:
    ـ الجيران قرروا إبلاغ الشرطة إذا لم يتم التصرف فيه قبل انتهاء النهار..
    عادت الزوجة لتؤكد :
    ـ سأعود إلي بيت أسرتي ، سأرحل إليه ومعي الأولاد ، استمتع بالبيت أنت وكلبك علي الرحب والسعة .
    كالمهزوم راح يجرجر خطواته والكلب من خلفه يتشبث بالأرض ، والحارس ينظر في عجب ، كان صحن الصيني مهشماً إلي جواره علي رصيف الشارع ، بينما احتضن ابن الحارس الطبق البلاستيكي وضمه إلي صدره ..
    ***
    ضاعت الجهود عبثاً في البحث عن سيارة أجرة تقله إلي آخر طرف من المدينة ، بعد عدة محاولات مع قادة سيارات رفضوا ، وافق واحد منهم واشترط بأن يربط فم الكلب وأن يحمله معه في المقعد الخلفي ، ولا يختلف معه عند دفع الأجر الذي حدده ..
    عند صخرة ضخمة قام بربطه بحبل وترك له طعاماً يكفيه ليومين ، رأي الدموع تطفر من عيني الكلب ، فكاد أن يبكي هو أيضاً ..
    أيقظه بوق السيارة من حالته ، فتح الباب وقعد إلي جوار السائق وهو يتنفس الصعداء ، شعر بنوع من الهزيمة داخله وهو يري حلم طفولته يوأد قبل الميلاد ، راحت السيارة تنهب الطريق نهباً والسائق يطلق من فمه صفيراً متقطعاً ..
    في المساء جلس وسط أفراد أسرته يتبادلون الأحاديث عما يجري علي الساحة من متغيرات ، بينما ترامي لأذنه صوت غريب علي باب الشقة ..
    ـ عاد الكلب ثانية ..
    صرخت زوجته وراحت تهرول بعيداً ، والكلب يلهث من التعب ، وراحت نظرات الاستغراب تتجه نحوه، وهو يضرب بكفيه حائراً ، وزوجته تنظر إليه في غرابة أشد ...
    ــــــــــــــــــــــــــــ
    محمد عبده العباسي
    بورسعيد
  • mmogy
    كاتب
    • 16-05-2007
    • 11282

    #2
    صديقي وحبيب قلبي الأستاذ محمد العباسي
    مرحبا بك وشرفت الملتقى .. ونورت ملتقى القصة
    تحياتي لك
    إنْ أبْطـَأتْ غـَارَةُ الأرْحَامِ وابْـتـَعـَدَتْ، فـَأقـْرَبُ الشيءِ مِنـَّا غـَارَةُ اللهِ
    يا غـَارَةَ اللهِ جـِدّي السـَّيـْرَ مُسْرِعَة في حَلِّ عُـقـْدَتـِنـَا يَا غـَارَةَ اللهِ
    عَدَتِ العَادونَ وَجَارُوا، وَرَجَوْنـَا اللهَ مُجـيراً
    وَكـَفـَى باللهِ وَلـِيـَّا، وَكـَفـَى باللهِ نـَصِيراً.
    وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوكيلُ, وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      منذ وقت طال محمد ، لم أقرأ لك جديدا
      كم أنا فرح بتواجدك هنا .. هنا فى صوت
      العرب الأدبى ، القادم من بورسعيد قلعة النضال
      و الخير !!

      أهنىء نفسى و الملتقى بتواجدك بيننا !!


      لى عودة بعد القراءة

      محبتى
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        يبدو أنه بالفعل كان حلما لصغير ،
        فإن تعدى مرحلة الحلم و الصغير ،
        عليه أن يتناسى ، أو لا يفكر فيه ، بل
        يقمع نفسه حتى لا يكون عرضة لكل هذا
        الألم !

        هب أن أحد الأبناء هو من اقتناه ،
        سوف تلتف الدنيا حوله ، الزوج و الأخوة ،
        وهو بحلمه المقموع .. هكذا يكون الأمر .. لم
        يكن حلما لها معه ، لتسعد به حين تراه فرحا ،
        و له أشياءه الخاصة التى تبهجها و تذكرها أن ابنا لها
        غدا رجلا ، له أحلام !!

        هنا و جدت حلما لرجل ، ظل معه منذ الصغر ،
        منذ هناك ، حيث التاريخ ، و كيف أن كلبا صاد
        من جنود الاحتلال الكثير و الكثير ، ربما من خلال
        ذلك الفيلم فقط .. و لكن لا حقيقة بدون مرجعية .. أو
        لا دخان بلا نار كما يقولون !

        كان لهذا المشوار وقع الروعة و الدهشة و الجمال الأكيد
        و أنا أرى هنا القص الجميل الذى لم يترك شيئا ، سواء
        كان مؤيدا أو رافضا لهذا الحلم .. ثم عودة الرجل بالكلب إلى البائع
        لنرى الحقيقة الثابتة و منذ قديم ، كيف تنقص شار أو مشترى ،
        و تدلل على سلعتك ، و لو بالكذب و البهتان ، و هذا ما يدفعنى إلى تذكر
        الغجر ، و ما كانوا يفعلون من لآلاعيب الحواة لبيع ما يريدون ، و بعيدا
        عن لعبة الكلام و اتقانه !!

        أعجبتنى القفلة كثيرا ، حيث حملت جانبا أو بعضا من بقايا دهشة !!

        أشكرك صديقى محمد على هذا العمل الجميل ،
        و ليس جديدا عليك ، و أنت القاص البارع !!

        محبتى
        sigpic

        تعليق

        • إيمان الدرع
          نائب ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3576

          #5
          نصّ جميلٌ مبدعٌ ..فكم من أمانٍ داعبت وجداننا ، وسكنت أروقة خلايانا ، وشاء القدرألاّ نحقّقها كما حلمنا عندما تأتي ،سعدت بالدخول إلى عالم حروفك التي تضجّ بالألوان .تحيّاتي...

          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

          تعليق

          • محمد عبده العباسي
            عضو الملتقى
            • 24-01-2010
            • 15

            #6
            رد

            إلي الأصدقاء
            مهندس محمد شعبان الموجي
            الأديب ربيع عقب الباب
            الأديبة إيمان الدرع
            أثلجت صدري كلماتكم
            وسعدت بمروركم وأتمني دوام التواصل
            أتمني لكم السعادة..

            تعليق

            يعمل...
            X